القضاء والقدر

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

القضاء والقدر

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ٢
الصفحات: ٣٢٨

١
٢

٣
٤

٥
٦

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله مقدر الأقدار ، وجاعل لكل شيء قدرا وقدرا ، سبحانه خالق كل شيء بقدر ، وكان أمره قدرا مقدورا وقضاء مقضيا ، تعالى أن يحدث في ملكه ما لا يريد ، وتقدس أن يريد ظلما للعبيد ، أمره حتم ، وقضاؤه مبرم ، وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون. خلق الإنسان ، وحمله أمانة عجزت عنها السموات والأرض والجبال وأبين أن يحملنها ، واستخلفه في الأرض ، وأمده بفطرة لا تتبدل ، ذلك الدين القيم ، ويسر له السبيل إما شاكرا وإما كفورا ، ولم يكن لبني آدم حجة على الله تعالى بعد إرساله الرسل ، لو شاء سبحانه لهدى الناس جميعا ، ولكن ليبلونا فيما آتانا ، فمن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى ، فمن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ، ومن كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار.

ثم الصلاة على سيدنا محمد المبعوث إلى الثقلين رحمة وهداية ، شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، صلاة الله وسلامه عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار.

وبعد ، فإن مشكلة القدر ، هي مشكلة الإنسان ، فلا عجب أن تنبت في كل عصر وفي كل بيئة ، وينقسم الناس حيالها فرقا وطوائف. كل فرقة نظرت إلى جانب من جوانب المشكلة ، ويدفعها في ذلك نوازع وتطلعات خفية أو ظاهرة. وتشابك عناصر هذه المشكلة هو العامل الرئيسي في صيرورتها متاهة من متاهات العقل البشري الذي قد لا يستطيع تخطي حدود الزمان والمكان. فهي من جهة تبحث في الإنسان وقدراته الباطنة والظاهرة وأفعاله وسلوكه ، ومن جهة تبحث في هذا الإنسان تحت سلطان القضاء والقدر ، أو الإرادة المشيئة والإرادة الإلهية فضلا عن العلم والحكمة. ومن جهة ثالثة تبحث عن موقف هذا الإنسان من التكاليف الشرعية ـ أي من النبوة والأنبياء ، وأخيرا هي تبحث في الغاية الكبرى لهذا الوجود الإنساني ، كالبعث والنشور والحساب والثواب والعقاب. ولعله لهذا السبب كانت مباحث الحرية والقدر التي اقتصرت على زاوية أو جانب من هذه الجوانب ، أو اقتصرت على العقل دون الرجوع إلى الوحي ونصوصه ، هي مباحث لم تصل إلى الحقيقة ولم تهتد إلى الصواب. وبقيت تدور في فلك الحيرة. وليس بصحيح أن العقل ـ مستقلا ـ يستطيع حل هذه الإشكالية ، لسبب بسيط وظاهر أن من

٧

موضوعاتها ما يتجاوز حدود ما هو فوق نطاقه ، وخارج ميدان معرفته.

ولكون هذه المسألة إنسانية ، ترتبط بالإنسان كإنسان ، لم تقتصر على أمة دون أمة ولا على قوم دون قوم ، ومن السخف أن يحاول المرء أن يلتمس في ظهورها في حضارة ما إلى عناصر دخيلة. كما فعل بعض المستشرقين ـ من أمثال ماكس هورتن في «فلسفة الإسلام» وجولد تسيهر في «الإسلام عقيدة وشريعة» ـ من التوصل إلى أن عقيدة الاختيار وحرية الإرادة ومسئولية الإنسان عند المعتزلة جاءت هؤلاء المسلمين الأحرار عن طريق علم الكلام المسيحي أو أن عقيدة الجبر إنما جاءت من المجوس أو اليهود ـ كما فعل هنري ديكاستري في «الإسلام خواطر وسوانح».

إن مبعث هذه المشكلة هو الإنسان والقلق الوجودي والمصيري عنده ، ومادتها من معرفته بنفسه ، أو من نصوص الوحي. وإذا كان هناك تأثر ـ عند المسلمين ـ بحضارة سابقة فليس قطعا في هاتين الناحيتين وإنما في توجيه النظر إلى جوانب معينة في المشكلة أو في طريقة ومنهج البحث فيها.

والقرآن الكريم حين يتعرض للقضاء والقدر ، لا يثبت مذهبا سابقا عليه كالجبر أو حرية الاختيار والإرادة. لذا حين التمس كل طرف دليلا لمذهبه منه وجد بغيته : فالجبري وجد نصرة لرأيه في قوله تعالى (اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللهُ لَنا) الخ.

والقدري القائل بحرية الإرادة وجد متسعا لرأيه في قوله تعالى (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) و (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها) وجميع آيات الفعل والصنع والسعي والكسب والعمل والتكليف والثواب والعقاب الخ.

والمتوسطون رأوا في قوله عزوجل (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) ربطا بين المشيئتين وفهموا الكسب على أنه وسط بين الجبر و (الخلق) والحرية (أو أن يخلق المرء فعله من غير قيام موانع تمنعه من الفعل).

والحقيقة أن القرآن لا تفهم آياته بهذا النمط التعسفي الذي يجعل بعض آياته حقيقة وبعضها الآخر مجازا فيسلط التأويل على الأخرى بحجة كونها مجاز أو كونها متشابهة أو غير ذلك دون أي برهان أو دليل.

إن على الباحث المسلم أن يتناول الآيات دون أن يجتزئها من سياقاتها القريبة والبعيدة وأن يعتبر القرآن كلا لا يتجزأ يفسر بعضه بعضا. وأنه يتجلى فيه بصورة معجزة وحدة المخاطب (بالكسر) والخطاب والمخاطب (بالفتح). أو بعبارة أوضح : الله ، الوحي (أو الرسالة)

٨

والإنسان. ومن هنا فهو قول فصل ، وبيان ليس فوقه بيان. هذا من جهة ومن جهة ثانية فإنه لا يفسر كذلك بمعزل عن السنة الشريفة الصحيحة الواردة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم.

وفي تقديري أننا بقدر ما نعرف نظرة القرآن الكريم للإنسان بقدر ما نعرف المسألة. الإنسان ككائن يقف في الوسط بما أوتي من علم وعقل وأمانة ونفس وهوى ، بين عالمين عالم الشهادة الذي يتصل به سلوكه وانشاؤه لأفعاله وبين عالم الغيب الذي يرتبط به ـ الجن والشياطين والملائكة وعالم الخلق والأمر.

أيضا إن في القرآن مسلمات ينبغي أن لا تغيب عن الذهن وإلا لأدى البحث إلى انحراف العقيدة والسلوك. منها أن الإنسان قطعا مبتلى ومكلف ومسئول عن عمله ـ كيفما كان عمله ودوافعه ـ ومنها أن الآخرة ويوم الدين واقعان لا محالة. وأن الساعة لا ريب فيها ـ فلا احتجاج لأحد بالجبر (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ. قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ).

ثم أخيرا أننا بقدر ما نعرف الله وأسماءه وصلتنا وصلة العالم من حولنا بها بقدر ما تنحل عندنا العقدة الثالثة في المسألة. فنذوق حلاوة الإيمان والرضى بالقضاء ، والاطمئنان بعد القدر. والله سبحانه وتعالى أعلم.

والإمام الرازي أحد الأئمة الذين خاضوا في هذه المسألة وكان له رأي خطير فيها آثار حفيظة الكثيرين من العلماء والذي لخصه في عبارة صغيرة (الإنسان مضطر في صورة مختار) والتي تتردد كثيرا في هذا الكتاب. وهو يستخدم لفظة جبر صراحة بدلا من لفظة «الكسب» الأشعرية. وليس بدعا منه ذلك فقد سبقه الشهرستاني إلى اعتبار الجبرية : خالصة ومتوسطة والمتوسطة هم الذين يثبتون للعبد قدرة لكنها غير مؤثرة أصلا.

عبر الرازي عن رأيه في القضاء والقدر في كتبه المختلفة ، فقد عرضه في ثنايا تفسيره (مفاتيح الغيب) وأفرد له مؤلفا مستقلا لم يصل إلينا وتناوله في كتبه العقائدية والكلامية والفلسفية كالمحصل والأربعين والمعالم والمباحث المشرقية وغيرها.

ولكن على ما ذا استند الرازي في مذهبه (الإنسان مضطر في صورة مختار)؟ إنه يبني رأيه على القاعدة الفلسفية :

«إن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا لمرجح».

ثم على قاعدة ثانية متممة للأولى :

«إن الفعل واجب الحصول عند مجموع القدرة والداعية» وهما أي القدرة والداعية يقعان بخلق الله عزوجل لوقوعهما تحت عموم «الله خالق كل شيء».

٩

وندع للقاريء والباحث الاطلاع على رأي الرازي بالتفصيل في هذا الكتاب الذي حررناه من «المطالب العالية» لأهميته ولوقوعه في علم العقائد وأصول الدين موقعا عظيما. منبهين إلى أنه إذا وردت لفظة «جبر» في مؤلفات الرازي فهي تعني مذهبه في ذلك دون أن تعني الجبر بمفهومه القديم عند الجبرية. وإن كان بين الاثنان نقاط اتفاق. وربما كان صحيحا ، أن الرازي يقف في رأيه هذا أيضا في موقع متوسط بين الأشاعرة والمجبرة وكأنه جاء مزيجا طريفا من «مجموع» رأي الفلاسفة والأشاعرة والجبرية. والله سبحانه وتعالى أعلم.

رحم الله «الإمام» فقد خطى بعلم العقائد خطى جديدة وأثار مشكلات لمن بعده وحل مسائل لمن جاء قبله.

وهذا الكتاب يقع في سلسلة كتب أصدرتها دار الكتاب العربي في بيروت اهتماما منها بتراث الرازي. إذ طبعت المحصل والمعالم والاعتقادات والمطالب والمباحث خدمة للإسلام والمسلمين. والله سبحانه وتعالى من وراء القصد. وإليه المنتهى والحمد لله رب العالمين.

محمد المعتصم بالله البغدادي

١٠ ربيع الثاني سنة ١٤١٠ ه‍

٩ تشرين الثاني سنة ١٩٨٩ م

١٠

الإمام فخر الدّين الرّازيّ

حياته وآثاره

هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي القرشي التيمي البكري ـ نسبة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه. الطبرستاني أصلا الرازي مولدا الشافعي المذهب الأشعري العقيدة ، الفيلسوف منحى. المعروف بفخر الدين الرازي أو بابن خطيب الري. كان يلقب في هراة : ب «شيخ الإسلام» وأطلق عليه ابن أبي أصيبعة لقب «سيد الحكماء المحدثين» ولقّبه ابن قاضي شبهة وابن الملقن والداودي ب «سلطان المتكلمين».

ولد «الإمام» رحمه‌الله في الري سنة ٥٤٣ ه‍ أو ٥٤٤ ه‍. وتوفي سنة ٦٠٦ ه‍ في ١٥ رمضان يوم الجمعة ، وقيل في غرة شوال ، ودفن في قرية مزداخان.

١ ـ شخصيته :

قال صاحب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» :

وكان ابن الخطيب شديد الحرص جدا في سائر العلوم الشرعية والحكمية ، جيد الفطرة حاد الذهن حسن العبارة كثير البراعة قوي النظر في صناعة الطب ومباحثها عارفا بالأدب وله شعر بالفارسي والعربي وكان عبل البدن ربع القامة ، كبير اللحية وكان في صوته فخامة».

ويقول الصفدي في «الوافي بالوفيات» بأنه : اجتمع له خمسة أشياء ما جمعها الله لغيره فيما علمت من أمثاله وهي :

سعة العبارة في القدرة على الكلام ، وصحة الذهن ، والاطلاع الذي ما عليه مزيد ، والحافظة المستوعبة ، والذاكرة التي تعينه على ما يريد في تقرير الأدلة والبراهين ، وكانت فيه قوة جدلية ونظر دقيق.

وقد وصفه تلميذه الخسروشاهي في مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي بأنه : كريم الأخلاق حسن العشرة وأنه كان يأخذ نفسه بالرياضة والزهادة وكان له أوراد لا يخل بها. وعلى النقيض من ذلك يصفه ابن كثير بأنه «كان يصحب السلطان ويحب الدنيا ويتسع فيها اتساعا زائدا وليس ذلك في صفة العلماء» وكذلك ينعته الشهرزوري في «نزهة الأرواح» بأنه «كثير الأكل والمباضعة

١١

محبا للجاه». ولعل كل منهم يصف الرازي في مرحلة من حياته أو ربما كان يرى فيه رأيا سابقا! ..

٢ ـ ثقافة الرازي :

يحدثنا الرازي عن نفسه قائلا : «والله إني آسف عن الاشتغال بالعلم في وقت الأكل ، فإن الوقت والزمان عزيز» «فاعلموا أني كنت رجلا محبا للعلم فكنت أكتب في كل شيء لا أقف على كميته وكيفيته سواء كان حقا أو باطلا أو غثا أو سمينا» «ما أذن لي في تدريس علم الكلام حتى حفظت اثنتي عشر ألف ورقة».

كان الإمام طلعة محبا للعلم وكان علمه «محتفظا من تصانيف المتقدمين والمتأخرين» كما وصفه القفطي. فقد كانت له ذاكرة قوية ويروى أنه كان يحفظ كتاب الشامل في أصول الدين للجويني وهو ما هو ، وكتاب المستصفى للغزالي وهو كتاب دقيق في الأصول ، والمعتمد في أصول اللغة لأبي الحسين البصري.

ونظرة سريعة في لائحة مصنفاته ترينا أنه لم يدع علما إلا ألف فيه. إذ كتب في الفلسفة والمنطق وعلم الكلام واللغة والبلاغة والتصوف والفقه وأصول الفقه والتفسير والعلوم الرياضية ، والطبيعية ، والتاريخ والسير والطب والفراسة والسحر والتنجيم والرمل الخ.

وهذا ما حمل البعض ـ كالخوانساري في روضات الجنات ـ على التحامل عليه بأن «مدار تصانيفه على الجمع لأقاويل الناس». ولكن هذا الكلام يتلاشى حين نقرأ مؤلفا للرازي تظهر فيه شخصيته المميزة وأصالة الرأي عنده. وبرغم إكثاره من النقل فإن له أسلوبه وطريقته في البحث التي تميزه عن غيره من المؤلفين في الميدان نفسه.

يقول الدكتور أحمد صبحي : «والواقع أن أهم ما يميّز الرازي قدرته الفائقة على جمع أطراف الموضوع وتقديمه في نسق منظم. إنه إذا عرض لمسألة كلامية أو لمشكلة فلسفية استعرض وجهات النظر المختلفة فيها في تصنيف جامع مع ربط محكم لكل ما يتصل بالموضوع من موضوعات أخرى. وقد يجر الموضوع الكلامي أو الفلسفي إلى أبحاث لغوية أو تفسيرية في عرضه لها دون أن يفلت منه زمام الموقف وهو إذ يناقش وجهات النظر التي يعرض لها يحدد موقفه الذي يعتقد أنه الحق ويدافع عنه ...» (في علم الكلام ٢ / ٢٨١ ـ ٢٨٢).

٣ ـ أساتذته :

ولد الرازي وترعرع وشب في بيت علم فوالده خطيب الري وكان أول من تلقى عنهم العلم. وكان والده من تلاميذ البغوي. وكان مشتغلا بالفقه والأصول والخلاف. وعنه أخذ الرازي علم الأصول ـ أصول الدين ـ فالرازي أخذ علم الأصول على والده ضياء الدين عمر

١٢

ووالده عن أبي القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري. وهو عن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني وهو عن الأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني وهو عن الشيخ أبي الحسن الباهلي ، عن إمام السنة أبي الحسن الأشعري. وأخذ الرازي علم الفقه عن والده وهو عن أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي ، عن القاضي حسين المروزي وهو عن القفال المروزي ، عن أبي زيد المروزي ، عن أبي إسحاق المروزي ، عن أبي العباس بن سريج عن أبي القاسم الأنماطي عن أبي إبراهيم المزني عن الإمام الشافعي رحمه‌الله (وفيات الأعيان ٣ / ٣٨٤). وكان «الإمام» يطلق على والده ضياء الدين «الإمام السعيد».

كما أخذ الرازي عن الكمال السمناني في سمنان ودرس على مجد الدين الجيلي بمراغة وغيرهم.

وكان يعتمد القراءة الكثيفة ، قال القفطي : «وقرأ علوم الأوائل وأجادها». وقال الرازي نفسه «كنت أكتب في كل شيء» فضلا عن اعتماده الحفظ كما سبق.

٤ ـ تلامذته :

كان للرازي تلاميذ كثيرون ذكر صاحب شذرات الذهب (٥ / ٢١) وطبقات السبكي (٥ / ٣٥) وطبقات الشافعية لابن هداية الله (١ / ٢١٧). أنه كان يمشي في خدمته أكثر من ثلاثمائة تلميذ. على اختلاف مطالبهم في التفسير والفقه والكلام وغيرها.

كما كان يحضر في مجالسه بمدينة هراة أرباب المذاهب والمقالات ... بل كانت العلماء يشدون إليه الرحال. ولا عجب فالرازي موسوعة عصره ، ودائرة معارف متنقلة يغترف منها كل ظامئ للمعرفة ، وينهل منها كل صاد للعلم. وكان لمجلسه مهابة عظيمة وكان يتعاظم فيه حتى على الملوك. وكان إذا جلس للتدريس يكون قريبا منه جماعة من تلاميذه الكبار مثل زين الدين الكشي والقطب المصري وشهاب الدين النيسابوري ، ثم يليهم بقية التلاميذ وسائر الخلق على قدر مراتبهم. فكان من يتكلم في شيء من العلوم يباحثونه أولئك التلاميذ الكبار فإن جرى بحث مشكل أو معنى غريب شاركهم الشيخ فيما هم فيه وتكلم في ذلك المعنى بما يفوق الوصف. (عيون الأنباء ٣ / ٣٤).

من هؤلاء التلامذة : زين الدين الكشي وقطب الدين المصري وشهاب الدين النيسابوري وأثير الدين الأبهري ، أبو بكر الأصفهاني ، وشمس الدين الخسروشاهي وسراج الدين الأرموي وغيرهم.

٥ ـ رحلات الرازي :

كان الرازي كثير التسفار ، دائم الترحال ، لا يكاد يلقي عصا التسيار في بلد حتى يخرج منها راغبا أو راغما! ... فقد رحل أول ما رحل إلى سمنان ليطلب العلم على يد الكمال

١٣

السمناني ، ثم إلى مراغة حيث اشتغل على يد المجد الجيلي ، ثم إلى غيرها من البلاد الفارسية ثم إلى خوارزم حيث لم يمكث طويلا وذلك بسبب الجدال الذي دار فيها بينه وبين المعتزلة فأخرج من البلاد. ثم عاد إلى الري فقيرا ... ثم قصد بني مازة في بخارى في حدود سنة ٥٨٠ ه‍. ومر على سرخس. ومن بخارى قصد سمرقند وانتقل منها إلى خجند ثم بناكت ثم غزنة وكان له ـ فيما يقول عن نفسه ـ فيها مناظرات ومجادلات مع من كان فيها من الأفاضل والأعيان.

قال : «أما بلدة بخارى فإني لما وصلت إليها تكلمت مع جماعة فالمرة الأولى تكلمت مع الرضى النيسابوري ثم مع النور الصابوني الحنفي ... واتفقت بعد هذه الواقعة بسنين متطاولة إني انتقلت إلى بلدة غزنة ... ضاق قلبي في بعض الأيام فدخلت على الشرف المسعودي وكان ذلك سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة ... لما ذهبت إلى سمرقند وبقيت سنين ثم عدت إلى بخارى تكلمت مع الرضى النيسابوري مرة أخرى ... ثم مع الفريد الغيلاني رحمه‌الله ..» (مناظرات فخر الدين الرازي فيما وراء النهر بتحقيق الدكتور فتح الله خليف).

وقد اتصل الرازي حين توجه إلى خراسان بالسلطان علاء الدين تكش خوارزم شاه» وعمل عنده مربيا لولده محمد فحظي عنده.

ووصل في نهاية المطاف إلى هراة التي قصدها سنة ٦٠٠ ه‍ وبقي فيها إلى وفاته سنة ٦٠٦ ه‍.

٦ ـ الرازي صوفيا :

ذكر السبكي في طبقات الشافعية أن الإمام كان «من أهل الدين والتصوف وله يد فيه وتفسيره ينبئ عن ذلك» وقال عنه طاش كبرى زاده في «مفتاح السعادة» : «واعلم أن الإمام كان من زمرة الفقهاء ثم التحق بالصوفية فصار من أهل المشاهدة وصنف التفسير بعد ذلك. ومن تأمل في مباحثه وتصفح لطائفه يجد في أثنائه كلمات أهل التصوف من الأمور الذوقية».

٧ ـ الرازي شاعرا :

للرازي شعر بالعربي ليس في الطبقة العليا ولا السفلى وشعر بالفارسي لعله يكون مجيدا فيه ـ هكذا وصفه الصفدي في الوافي بالوفيات.

ومن أشعاره :

المرء ما دام حيا يستهان به

ويعظم الرزء فيه حين يفتقد

ومن شعره المشهور :

نهاية إقدام العقول عقال

وأكثر سعي العالمين ضلال

١٤

وأرواحنا في وحشة من جسومنا

وحاصل دنيانا أذى ووبال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا

سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

وكم قد رأينا من رجال ودولة

فبادوا جميعا مسرعين وزالوا

وكم من جبال قد علت شرفاتها

رجال فزالوا والجبال جبال

وله أيضا :

فلو قنعت نفسي بميسور بلغة

لما سبقت في المكرمات رجالها

ولو كانت الدنيا مناسبة لها

لما استحقرت نقصانها وكمالها

ولا أرمق الدنيا بعين كرامة

ولا أتوقى سوءها واختلالها

وذلك لأني عارف بفنائها

ومستيقن ترحالها وانحلالها

أروم أمورا يصغر الدهر عندها

وتستعظم الأفلاك طرا وصالها

٨ ـ مؤلفاته :

لقد خلف لنا الإمام ثروة لا تقدر في العلوم ، واحتلت كتبه مكانا مرموقا ورزق فيها شهرة واسعة وانتشارا سريعا. قال ابن خلكان : «وكل كتبه ممتعة وانتشرت تصانيفه في البلاد ورزق فيها سعادة عظيمة فإن الناس اشتغلوا بها ورفضوا كتب المتقدمين ، وهو أول من اخترع هذا الترتيب في كتبه وأتى بما لم يسبق إليه».

وقد انتقد الرازي بسبب هذه العقلية الموسوعية التي تميز بها ، يقول الدكتور أحمد صبحي (في علم الكلام ٢ / ٣٥٤) :

«إن العقليات الموسوعية في تاريخ الفكر قادرة على الجمع والإحاطة ولكنها ليست على نفس القدر من اتساق الفكر. ذلك الاتساق الذي يميز كبار المفكرين في التاريخ. هناك أكثر من مسألة نستطيع أن نجد فيها آراء متعارضة في مختلف كتبه فهو تارة يرجح قول الفلاسفة وتارة يميل نحو المعتزلة ثم تجده أحيانا كثيرة ينتهي إلى رأي الأشعرية مائلا إلى أهل السلف ... ليس عجبا إذن أن يكون هدفا للناقدين وأن يصفه ابن تيمية (في رسالة الفرقان بين الحق والباطل : بأنه : تارة يرجح قول المتكلمين وتارة يحار ويقف ليعترف في آخر عمره بأن طريق هؤلاء وهؤلاء لا يشفي عليلا ولا يروي غليلا.

إن ذلك الموقف المضطرب للرازي قد أبعده عن أن يحتل في التراث العقائدي للمسلمين ما احتله الإمام الغزالي مع أنه لا يقل عنه علما إن لم يكن الرازي متفوقا عليه في بعض العلوم الدينية كالتفسير ، والدنيوية كالطب والكيمياء والفلك وربما الفلسفة ...

والرازي بعد ذلك مفتقر علمه إلى الأصالة فما من رأي له إلا ويمكن ردّه إلى أحد أسلافه من المتكلمين معتزلة أو أشاعرة. إنه بلا شك يتفوق على مفكري القرن الثالث كالعلاف والنظام

١٥

علما ولكنه لا يرقى إليهما أصالة وابتكارا» أ. ه.

وهذا القول إنما يصح لو انصرفنا لأسلوب التحليل ، نحلل كل فكرة أو تشابه في فكرة وننسبه لأحد أسلاف الرازي. وكأن الرازي ليس له إلا فضل الجمع والتنسيق!. وعلينا بدلا من ذلك أن نصرف ذهننا عن ذلك ونوجهه نحو عقلية الرازي ، ومنهجيته في البحث ، والفترة التي ظهر فيها كتابه أو كلامه .. الخ.

لقد ألف الرازي رحمه‌الله في شتى صنوف المعارف والعلوم.

ففي تفسير القرآن الكريم له :

١ ـ التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب وهو من أشهر كتب التفسير. وهو مطبوع وله عدة طبعات.

٢ ـ تفسير سورة الفاتحة ..

وفي علم الكلام له :

١ ـ الأربعين في أصول الدين.

٢ ـ أساس التقديس ـ مطبوع قديما.

٣ ـ معالم أصول الدين ـ مطبوع (دار الكتاب العربي بيروت).

٤ ـ لوامع البينات شرح أسماء الله الحسنى (أيضا مطبوع في بيروت لدار الكتاب العربي).

٥ ـ عصمة الأنبياء. له طبعات كثيرة متداولة.

٦ ـ نهاية العقول في دراية الأصول.

وفي المنطق والفلسفة والأخلاق له :

١ ـ شرح الإشارات والتنبيهات لابن سينا.

٢ ـ شرح عيون الحكمة له أيضا.

٣ ـ المباحث المشرقية. وهو كتاب نفيس في الفلسفة والطبيعة وقد جرى طبعه في بيروت مؤخرا بتحقيقنا والفضل لدار الكتاب العربي.

٤ ـ الملخص في الحكمة والمنطق.

وفي علم الكلام والفلسفة معا :

١ ـ المطالب العالية من العلم الإلهي. طبع مؤخرا في بيروت بتحقيق الدكتور أحمد حجازي السقا (دار الكتاب العربي).

٢ ـ محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ـ مطبوع أيضا في بيروت لدار الكتاب العربي.

وفي الفقه والأصول :

١ ـ المحصول في أصول. وهو من أهم كتب الأصول. وله طبعات مختلفة ..

١٦

٢ ـ شرح الوجيز للغزالي.

وفي اللغة وعلومها :

١ ـ المحرر في حقائق النحو.

٢ ـ نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز (مطبوع في بيروت لدار العلم للملايين).

وفي التاريخ والتراجم له :

مناقب الشافعي. (مطبوع).

وفي الطب والفراسة له :

١ ـ شرح القانون لابن سينا.

٢ ـ رسالة في علم الفراسة (طبع بتحقيق الدكتور يوسف مراد ـ دار المعارف بمصر).

وفي السحر والتنجيم والرمل :

١ ـ الأحكام العلائية في الأعلام السماوية.

٢ ـ السر المكتوم في مخاطبة الشمس والقمر والنجوم.

وله أيضا متفرقات :

١ ـ كاعتقادات فرق المسلمين والمشركين (طبع في القاهرة سنة ١٩٣٨ وأعادت دار الكتاب العربي ببيروت طباعته ونشر بتحقيقنا سنة ١٩٨٦).

٢ ـ جامع العلوم ويشتمل على أربعين علما منها الكلام والخلافيات وأصول الفقه ..

٣ ـ مناظرات فخر الدين الرازي فيما وراء النهر. (مطبوع في بيروت بتحقيق الدكتور فتح الله خليف. مع دراسة باللغة الانكليزية ـ دار المشرق سنة ١٩٦٦).

هذه جملة من كتبه رحمه‌الله. وله غيرها الكثير لكنها أشهر كتبه.

٨ ـ وصيّة الإمام الرازي :

أملى الرازي على تلميذه أبي بكر إبراهيم بن أبي بكر الأصفهاني وصيته. ونحن نذكرها هنا لما لها من أهمية على الصعيد العلمي ، ولما فيها من نصائح ذهبية من رجل خبر الأيام وصروفها وقتل عمره سفرا وتجاربا ، ولم يدع علما ولا فنا إلا وألم منه بطرف ، ولما فيها من نماذج تحتذى لنا وللكثير من علماء عصرنا. وهذا نصها :

(يقول العبد الراجي رحمة ربه ، الواثق بكرم مولاه محمد بن عمر بن الحسين الرازي وهو أول عهده بالآخرة وأخر عهده بالدنيا. وهو الوقت الذي يلين فيه كل قاس ويتوجه إلى مولاه كل آبق.

أحمد الله تعالى بالمحامد التي ذكرها أعظم ملائكته في أشرف أوقات معارجهم ، ونطق بها أعظم أنبيائه في أكمل شهاداتهم. وأحمد بالمحامد التي يستحقها عرفتها أو لم أعرفها لأنه لا

١٧

مناسبة للتراب مع رب الأرباب ، وصلواته على ملائكته المقربين والأنبياء المرسلين وجميع عباد الله الصالحين.

اعلموا أخلائي في الدين وإخواني في طلب اليقين أن الناس يقولون أن الإنسان إذا مات انقطع عمله وتعلقه عن الخلق وهو مخصص من وجهين :

الأول : إن بقي منه عمل صالح صار ذلك سببا للدعاء ، والدعاء له عند الله تعالى أثر.

الثاني : ما يتعلق بالأولاد وأداء الجنايات.

أما الأول : فاعلموا أني كنت رجلا محبا للعلم فكنت أكتب في كل شيء لأقف على كميته وكيفيته سواء كان حقا أو باطلا إلا أن الذي نطق به في الكتب المعتبرة أن العالم مخصوص تحت تدبير مدبره المنزه عن مماثلة المتميّزات موصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة. ولقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال لله ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات وما ذاك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفية. فلهذا أقول : كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده ووحدته وبراءته عن الشركاء كما في القدم والأزلية والتدبير والفعالية فلذلك الذي أقول به وألقى الله به. وأما ما ينتهي الأمر فيه إلى الدقة والغموض وكل ما ورد في القرآن والصحاح المتعين للمعنى الواحد كما قال. والذي لم يكن كذلك أقول :

يا إله العالمين إني أرى الخلق مطبقين على أنك أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين فكل ما مدّ به قلمي أو خطر ببالي فاستشهد علمك وأقول : إن علمت مني أني أردت به تحقيق الباطل وإبطال حق فافعل بي ما أنا أهله. وإن علمت مني أني ما سعيت إلا في تقديس اعتقدت أنه الحق وتصورت أنه الصدق فلتكن رحمتك مع قصدي لا مع حاصلي فذاك جهد المقل. وأنت أكرم من أن تضايق الضعيف الواقع في زلة. فأغثني وارحمني واستر زلّتي وامح حوبتي. يا من لا يزيد ملكه عرفان العارفين ولا ينقص ملكه بخطإ المجرمين. وأقول : ديني متابعة الرسول محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وكتابي القرآن العظيم. وتعويلي في طلب الدين عليهما.

اللهم يا سامع الأصوات ويا مجيب الدعوات ويا مقيل العثرات أنا كنت أحسنت الظن بك عظيم الرجاء في رحمتك وأنت : أنا عند ظن عبدي. وأنت قلت : (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ) فهب أني ما جئت بشيء فأنت الغني الكريم. فلا تخيب رجائي ولا ترد دعائي. واجعلني آمنا من عذابك قبل الموت وبعد الموت وعند الموت. وسهل علي سكرات الموت فأنت أرحم الراحمين. وأما الكتب التي صنفتها واستكثرت فيها من إيراد السؤالات فليذكرني من نظر فيها بصالح دعائه على سبيل التفضل والإنعام. وإلا فليحذف القول السيئ فإني ما أردت إلا تكثير

١٨

البحث وشحذ الخاطر والاعتماد في الكل على الله.

الثاني : وهو إصلاح أمر الأطفال فالاعتماد فيه على الله ...).

ثم إنه سرد وصيته في ذلك إلى أن قال :

«وأمرت تلامذتي ومن لي عليه حق إذا أنا متّ يبالغون في إخفاء موتي ويدفنوني على شرط الشرع. فإذا دفنوني قرءوا علي ما قدروا عليه من القرآن ثم يقولون : يا كريم جاءك الفقير المحتاج فأحسن إليه. هذا منتهى وصيتي في هذا الباب والله تعالى الفعال لما يشاء وهو على ما يشاء قدير وبالإحسان جدير» أ. ه

٩ ـ الرازي في الميزان :

كثيرة هي الانتقادات التي وجهت إلى هذا الرجل ، حتى إن البعض لم يتوانى عن نعته بالكفر ، وكثيرة هي أيضا الإطراءات التي مدح بها الإمام حتى إن البعض كذلك لم يتأخر عن نعته بالمجدّد للقرن السادس. وشخصية الإمام تتأرجح بين هذين القطبين عند من ترجم له أو تحدث عنه بشكل عام.

١ ـ قال الحافظ الذهبي في «ميزان الاعتدال» :

«الفخر بن الخطيب ، صاحب التصانيف ، رأس في الذكاء والعقليات لكنه عري من الآثار ، وله تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث حيرة. نسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا.

وله كتاب «السر المكتوم في مخاطبة النجوم» سحر صريح. فلعله تاب من تأليفه إن شاء الله تعالى» (٣ / ٣٤٠).

٢ ـ وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في «لسان الميزان» بعد ذكره لكلام الذهبي :

«... وقد عاب التاج السبكي على المصنف ذكره هذا الرجل في هذا الكتاب وقال : إنه ليس من الرواة ـ أي للحديث الشريف ـ وقد تبرأ المصنف من الهوى والعصبية في هذا الكتاب فكيف ذكر هذا وأمثاله ممن لا رواية لهم كالسيف الآمدي ثم اعتذر عنه بأنه يرى أن القدح في هؤلاء من الديانة. وهذا بعينه التعصب في المعتقد. والفخر كان من أئمة الأصول وكتبه في الأصلين ـ أصول الدين وأصول الفقه ـ شهيرة سائرة وله ما يقبل وما يرد. وكان مع تبحره في الأصول يقول : من التزم دين العجائز فهو الفائز. وكان يعاب بإيراد الشبه الشديدة ويقصر في حلها. حتى قال بعض المغاربة : يورد الشبه نقدا ويحلها نسيئة. وقد ذكره ابن دحية بمدح وذم. وذكره ابن شامة فحكى عنه أشياء ردية. ورأيت في «الإكسير في علم التفسير» للنجم الطوفي ما ملخصه : «ما رأيت في التفاسير أجمع لغالب التفسير من القرطبي ومن تفسير الإمام فخر الدين إلا أنه كثير العيوب. فحدثني شرف الدين النصيبي عن شيخه سراج الدين السرمياحي المغربي

١٩

أنه صنف كتاب المأخذ في مجلدين ، بيّن فيهما ما في تفسير الفخر من الزيف والبهرج. وكان ينقم عليه كثيرا ويقول : يورد شبه المخالفين في المذهب والدين على غاية من التحقيق ، ثم يورد مذهب أهل السنة والحق على غاية من الوهاء. قال الطوفي : ولعمري إن هذا دأبه في كتبه الكلامية والحكمية حتى اتهمه بعض الناس ولكنه خلاف ظاهر حاله. لأنه لو كان اختار قولا أو مذهبا ما كان عنده من يخاف منه حتى يستر عنه. ولعل سببه أنه كان يستفرغ أقوالا في تقرير دليل الخصم فإذا انتهى إلى تقرير دليل نفسه لا يبقى عنده شيء من القوى ولا شك أن القوى النفسانية تبع للقوى البدنية. وقد صرح في مقدمة «نهاية العقول» أنه مقرر مذهب خصمه تقرير الوارد خصمه أن تقريره لم يقدر على الزيادة على ذلك».

وذكر ابن خليل السكوني ، في كتاب «الرد على الكشاف» أن ابن الخطيب قال في كتبه في الأصول : أن مذهب الجبر هو المذهب الصحيح. وقال بصحة الأعراض ويبقى (والأصح بنفي) صفات الله الحقيقية ـ وزعم أنها مجرد نسب وإضافات كقول الفلاسفة ـ وسلك طريق أرسطو في دليل التمانع. ونقل عن تلميذه التاج الأرموي أنه نصر كلامه فهجره أهل مصر وهمّوا به فاستتر. ونقلوا عنه أنه قال : عندي كذا وكذا مائة شبهة على القول بحدوث العالم.

ومنها ما قاله شيخه ابن الخطيب في آخر «الأربعين» : والمتكلم يستدل على القدم بوجوب تأخر. وقال في «شرح أسماء الله الحسنى» : إن من أخر عقاب الجاني مع علمه بأنه سيعاقبه فهو الحقود. وقد تعقب بأن الحقود من أخر مع العجز. أما مع القدرة على الحلم والحقود إنما يفعل في حق المخلوق دون الخالق بالإجماع.

ثم أسند عن ابن الطباخ أن الفخر كان شيعيا كان يقدّم محبة أهل البيت لمحبة الشيعة. حتى قال في بعض تصانيفه : وكان علي شجاعا بخلاف غيره. وعاب عليه تصنيفه لتفسيره «مفاتيح الغيب» و «المختصر في المنطق» و «الآيات البينات». وتقريره لتلامذته في وصفه بأنه «الإمام المجتبى أستاذ الدنيا أفضل العالم فخر ابن آدم ، حجة الله على الخلق ، صدر صدور العرب والعجم» (٤ / ٤٢٦ ـ ٤٢٩).

٣ ـ وقال ابن العماد في «شذرات الذهب» :

... قال ابن الصلاح : أخبرني القطب الطوغاني أنه سمع فخر الدين الرازي يقول : يا ليتني لم أشتغل بعلم الكلام وبكى. وروى عنه أنه قال : لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فلم أجدها تروي غليلا ولا تشفي عليلا. ورأيت أصح الطرق طريقة القرآن. أقرأ في التنزيه (وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ) وقوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) و (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ). وأقرأ في الإثبات (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) و (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) وأقرأ أن الكل من الله قوله (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ). ثم قال : وأقول من صميم القلب من داخل الروح : إني مقر بأن كل ما هو الأكمل الأفضل الأعظم

٢٠