🚘

شرح القصيدة النونيّة - ج ٢

ابن القيّم الجوزيّة

شرح القصيدة النونيّة - ج ٢

المؤلف:

ابن القيّم الجوزيّة


المحقق: الدكتور محمّد خليل هراس
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ٢
الصفحات: ٤٧٢
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

فصل

في شهادة أهل الإثبات

على أهل التعطيل أنه ليس في السماء إله يعبد

ولا لله بيننا كلام ولا في القبر رسول الله

إنّا تحملنا الشهادة بالذي

قلتم نؤديها لدى الرحمن

ما عندكم في الأرض قرآن كلا

م الله حقّا يا أولي العدوان

كلا ولا فوق السموات العلى

رب يطاع بواجب الشكران

كلا ولا في القبر أيضا عندكم

من مرسل والله عند لسان

هاتيك عورات ثلاث قد بدت

منكم فغطوها بلا روغان

فالروح عندكم من الاعراض قا

ئمة بجسم الحي كالألوان

وكذا صفات الحي قائمة به

مشروطة بحياة ذي الجثمان

فاذا انتفت تلك الحياة فينتفى

مشروطها بالعقل والبرهان

ورسالة المبعوث مشروط بها

كصفاته بالعام والإيمان

فاذا انتفت تلك الحياة فكل مش

روط بها عدم لذي الاذهان

الشرح : كما حمّل المؤلف هؤلاء المعطلة شهادة يشهدون بها عند الله على أهل الاثبات بما يعتقدونه من عقائد الحق والايمان ، فهو يحمل أهل الإثبات شهادة يشهدون بها على هؤلاء البغاة بما يقولونه من أقوال الزيغ والكفران ، فسيشهدون عليهم عند الله بأنه ليس عندهم في الأرض قرآن هو كلام الله ، لأن كلام الله عندهم لا يكون بحرف وصوت ، والقرآن الذي بين دفتي المصحف هو حروف وألفاظ متلوة مسموعة ، فلا يكون هو عين كلام الله ، بل يقولون أنه عبارة أو حكاية عنه.

٣

وسيشهدون عليهم كذلك بأنهم لا يؤمنون بأن فوق السموات العلى ربّا تجب على العباد طاعته والقيام بحق الشكر له على سابغ نعمته وموفور كرمه ، وذلك لأن الوجود في الجهة عندهم من لوازم الاجسام والله ليس بجسم فلا يوصف عندهم بفوق ولا تحت وسيشهدون عليهم أيضا بأنهم ينكرون أن يكون في القبر رسول الله لأن الروح عندهم عرض من الأعراض القائمة بالحي كالسواد والبياض وغيرهما من الألوان ووجودها مشروط ببقاء البينة المخصوصة فاذا فسدت تلك البينة وانحل التأليف زالت الحياة.

وكذلك الصفات القائمة بالحي من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر ، وغيرها تكون مشروطة ببقاء الحياة فهي متوقفة في وجودها عليها فاذا انتفت الحياة انتفى مشروطها عقلا اذ لا يعقل قيام تلك الصفات بغير الحي ـ ولا شك أن رسالة الرسول هي من الصفات التي تعتبر الحياة شرطا فيها كسائر صفاته من العلم والايمان ونحوهما ـ فإذا انتفت عنه الحياة التي هي عرض قائم به انتفى كل مشروط بها من الصفات وصار في حكم العدم الذي لا وجود له. وبذلك يمتنع أن يوصف في القبر بأنه رسول الله.

هذه عورات ثلاث قد كشفتم عنها ولزمكم عارها فحاولوا سترها دون أن تروغوا روغان الثعالب والا ظلت ملصقة بكم لا يمحوها عنكم هذا التمويه والروغان.

* * *

فصل

في الكلام في حياة الأنبياء في قبورهم

 ولأجل هذا رام ناصر قولكم

ترقيعه يا كثرة الخلقان

قال الرسول بقبره حيّ كما

قد كان فوق الأرض والرجمان

من فوقه أطباق ذاك الترب واللبن

ات قد عرضت على الجدران

٤

أو كان حيا في الضريح حياته

قبل الممات بغير ما فرقان

ما كان تحت الأرض بل من فوقها

والله هذي سنة الرحمن

أتراه تحت الأرض حيا ثم لا

يفتيهم بشرائع الايمان

ويريح أمته من الآراء

والخلف العظيم وسائر البهتان

أم كان حيا عاجزا عن نطقه

وعن الجواب لسائل لهفان

وعن الحراك فما الحياة اللات قد

أثبتموها أوضحوا ببيان

الشرح : ولأجل ما لزم هؤلاء المعطلة من انتفاء الرسالة بانتفاء الحياة حاول أنصار هذا المذهب أن يرقعوه بما اختلقوا من مفتريات ليدفعوا عنه هذه الالزامات فزعموا أن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم حي في قبره ، كما كان فوق الأرض تماما رغم وجوده تحت أطباق التراب واقامة الجدران المبنية باللبن عليه ، وهذا زعم باطل لا أساس له ، فانه لو كان عليه‌السلام حيا في ضريحه كحياته قبل موته من غير فارق بينهما لما ساغ بقاؤه تحت الأرض ، بل يجب أن يعيش فوقها. فهذه سنة الله في خلقه ان الموتى هم الذين يدفنون تحتها ، وأما الأحياء فيعيشون على ظهرها. وكيف يكون تحت الأرض حيا ، ثم لا يفتي أصحابه فيما أشكل عليهم من شرائع الايمان ويريحهم مما وقع بينهم من خلاف وينبههم على ما جد بينهم من بدع ومفتريات وقد اختلف أصحابه بعد موته في كثير من المسائل التي كانوا يحتاجون فيها الى قوله الحاسم. أم تقولون أنه كان حيا ولكنه كان عاجزا عن النطق وعن رد الجواب لمن سأله متلهفا على سماع ذلك منه. وكان كذلك عاجزا عن الحركة والنهوض. فما هي اذا تلك الحياة التي أثبتموها له اذا لم تقتض حسا ولا حركة ولا كلاما؟ دلونا على كنهها ان كنتم صادقين.

* * *

هذا ولم لا جاءه أصحابه

يشكون بأس الفاجر الفتان

اذ كان ذلك دأبهم ونبيهم

حيّ يشاهدهم شهود عيان

هل جاءكم أثر بأن صحابه

سألوه فتيا وهو في الأكفان

٥

فأجابهم بجواب حي ناطق

فأتوا اذا بالحق والبرهان

هلا أجابهم جوابا شافيا

ان كان حيا ناطقا بلسان

هذا وما شدت ركائبه ع

ن الحجرات للقاصي من البلدان

مع شدة الحرص العظيم له على

ارشادهم بطرائق التبيان

أتراه يشهد رأيهم وخلافهم

ويكون للتبيان ذا كتمان

ان قلتم سبق البيان صدقتم

قد كان بالتكرار ذا احسان

الشرح : واذا كان حيا في قبره كما زعمتم فلم لم يجئه أصحابه شاكين إليه ما يلقونه من بأس عدوهم ، وقد كان ذلك دأبهم حين كان نبيهم حيا بينهم يشاهدهم ويشاهدونه وهل بلغكم من أثر بأن أحدا من أصحابه جاءه مستفتيا اياه وهو مدرج في أكفانه وأنه أجابهم بما يجب به الحي الناطق من سأله ان كان عندكم شيء من ذلك فأتوا به ليكون برهانا على صدق دعواكم. فهلا ان كان حيا قادرا على الكلام يجيبهم عما سألوا بما يشفى نفوسهم ويزيل حيرتهم.

هذا وما رأيناه صلوات الله وسلامه عليه قد شد ركائبه متجاوزا للحجرات التي هي بيوت أزواجه ذاهبا الى أقاصي البلدان مع شدة حرصه على الهداية والارشاد والبيان. وهل يظن به عليه‌السلام أن يرى اختلاف أصحابه من بعده ، ثم يكتم عنهم ما يحتاجون إليه من بيان ، وان قيل ان البيان قد وقع فيما سبق فهذا حق ، ولكن التكرار مع ذلك لا يخلو من فائدة ويكون به ذا احسان وفضل.

* * *

هذا وكم من أمر اشكل بعده

أعنى على علماء كل زمان

أو ما ترى الفاروق ود بأنه

قد كان منه العهد ذا تبيان

بالجد في ميراثه وكلالة

وببعض أبواب الربا الفتان

قد قصّر الفاروق عند فريقكم

اذ لم يسله وهو في الاكفان

أتراهم يأتون حول ضريحه

لسؤال امهم أعز حصان

ونبيهم حي يشاهدهم ويس

معهم ولا يأتي لهم ببيان

٦

أفكان يعجز أن يجيب بقوله

أن كان حيا داخل البنيان

يا قومنا استحيوا من العقلاء والمبع

وث بالقرآن والرحمن

والله لا قدر الرسول عرفتم

كلا ولا للنفس والانسان

من كان هذا القدر مبلغ علمه

فليستتر بالصمت والكتمان

الشرح : هذا وكم من مشكلات جدت بعد موته عليه‌السلام والتبس أمرها على العلماء في سائر القرون ولم يهتدوا الى وجه الصواب فيها حتى أن الفاروق عمر رضي الله عنه ودّ لو كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد عهد إليهم بشيء واضح في ميراث الجد والكلالة وفي بعض أبواب الربا وفيمن يكون خليفة بعده.

روى الحاكم باسناده عن عمر بن دينار قال : سمعت محمد بن طلحة بن يزيد ابن ركانة يحدث عن عمر بن الخطاب قال لأن أكون سألت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ثلاث أحب الى من حمر النعم : من الخليفة بعده؟ وعن قوم قالوا نقر بالزكاة ولا نؤديها أليك أيحل قتالهم؟ وعن الكلالة. ثم روى هذا الاسناد عن سفيان بن عيينة عن عمر بن مرة عن عمر قال (ثلاث لأن يكون النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بينهن لنا أحب الى من الدنيا وما فيها ، الخلافة والكلالة والربا) فعلى رأيكم يكون الفاروق رضي الله عنه قد قصر اذ لم يطلب من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم بيان هذه الأمور وهو في أكفانه ما دمتم تعتقدون أنه حي يسمع ويجيب ، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يأتون الى بيت عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها ليسألوها عما أشكل عليهم حتى يقول في ذلك أبو موسى الأشعري رضي الله عنه (ما أشكل علينا نحن أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر فسألنا عنه عائشة الا وجدنا عندها منه علما).

فلو كان نبيهم عليه‌السلام حيا يشاهدهم ويسمعهم وهم حول ضريحه في بيت أمهم الحصان المبرأة من السماء انما كان ينبغي أن يجيبهم عما سألوا عنه بدلا من احالتهم على من يحتمل قولها الخطأ والصواب. أم كان عاجزا وهو حي داخل قبره أن يسعفهم بالجواب؟ يا قوم ألا تستحيون من هذا الكلام الذي لا يقره عقل ولا يرضى عنه الله ولا رسوله.

٧

والذي يدل على جهلكم الفاضح بقدر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبحقيقة النفس الانسانية ، وكيف تفارق البدن عند الموت فتزول عنه الحياة ولا تعود إليه الا عند البعث ، فمن كان هذا القدر من المعرفة هو مبلغ علمه فليستحي من نفسه وليلذ بالصمت والكتمان حتى لا يظهر للناس جهله فيكون كلامه مثارا للسخرية والازدراء من جميع العقلاء.

* * *

ولقد أبان الله أن رسوله

ميت كما قد جاء في القرآن

أفجاء أن الله باعثه لنا

في القبر قبل قيامة الأبدان

أثلاث موتات تكون لرسله

ولغيرهم من خلقه موتان

اذ عند نفخ الصور لا يبقى امرؤ

في الأرض حيا قط بالبرهان

أفهل يموت الرسل أم يبقوا اذا

مات الورى أم هل لكم قولان

فتكلموا بالعلم لا الدعوى وجيب

وا بالدليل فنحن ذو أذهان

أو لم يقل من قبلكم للرافعي الأ

صوات حول القبر بالنكران

لا ترفعوا الأصوات حرمة عبده

ميتا كحرمته لدى الحيوان

قد كان يمكنهم يقولوا أنه

حي فغضوا الصوت بالاحسان

لكنهم بالله أعلم منكم

ورسوله وحقائق الايمان

ولقد أتوا الى العباس يست

سقون من قحط وجدب زمان

هذا وبينهم وبين نبيهم

عرض الجدار وحجرة النسوان

فنبيهم حي ويستسقون غ

ير نبيهم حاشا أولي الايمان

الشرح : ولقد أخبر الله في كتابه أن رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بشر يموت كما يموت البشر ، قال تعالى : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) [الزمر : ٣٠] وقال : (وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) [الأنبياء : ٣٤] وقال : (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ) [آل عمران : ١٤٤].

٨

واذا صح الخبر بموته عليه‌السلام فهل جاء ما يفيد أن الله يبعثه لنا في القبر قبل يوم القيامة؟ لم يرد ذلك في كتاب ولا سنة ، مع أنه يقتضي محالا ، وهو أن يكون للرسل عليهم الصلاة والسلام ثلاث موتات ولغيرهم من الناس موتتان اثنتان ، لأنه عند النفخ في الصور النفخة الأولى لا يبقى أحد ممن هو على ظهر الأرض حيا ، كما قال تعالى : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ) [الزمر : ٦٨] وحينئذ يقال لكم : هل يموت الرسل عند تلك النفخة مع من يموت؟ أم يبقون أحياء؟ أم لكم في هذه المسألة قولان؟ أجيبوا بعلم ان كنتم صادقين ، وتكلموا بالدليل والبرهان لا بالظن والتخمين ، فان مناظريكم من ذوي العقول التي لا يروج عندها ادعاء المكابرين ولا سفسطة المشاغبين.

هذا وقد كان السلف رضي الله عنهم ينهون عن رفع الأصوات حول قبره الشريف ، ويقولون لمن يفعل ذلك ان الله قد أمرنا بغض الصوت عند رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأن حرمته ميتا كحرمته حيا ، فهلا قالوا لهم بدلا من ذلك ان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حي فغضوا أصواتكم عنده؟ لكن حاشا لهم أن يقولوا ذلك ، فانهم أعلم بالله وبرسوله وبحقائق الايمان من أولئك الأدعياء الجاهلين الذين يهرفون بما لا يعرفون ، ويقولون على الله وعلى رسوله ما لا يعلمون.

ولقد كان الصحابة من المهاجرين والانصار رضي الله عنهم يستسقون بالعباس عم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم اذا نزل بهم قحط واحتبس عنهم المطر ، وقد استسقى به عمر رضي الله عنه عام الرمادة وقال وهو يقدمه (اللهم انا كنا اذا أجدبنا توسلنا أليك بنبينا في حياته فتسقينا ، ونحن نتوسل أليك الآن بعم نبينا فاسقنا) فلو كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم حيا في قبره كما زعمتم وليس بينهم وبينه الا جدار القبر وحجرة زوجه عائشة رضي الله عنها ، فكيف يليق بهم وهم أكمل هذه الأمة علما وايمانا أن يعدلوا الى الاستسقاء بغير رسول الله أيا كان وهو حي بينهم يملك الدعاء ويقدر على الكلام باللسان ، أن هذا الا محض افتراء وبهتان.

* * *

٩

فصل

فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور

فان احتججتم بالشهيد بأنه

حيّ كما قد جاء في القرآن

والرسل أكمل حالة منه بلا

شك وهذا ظاهر التبيان

فلذاك كانوا بالحياة أحق من

شهدائنا بالعقل والبرهان

وبأن عقد نكاحه لم ينفسخ

فنساؤه في عصمة وصيان

ولأجل هذا لم يحل لغيره

منهن واحدة مدى الازمان

أفليس في هذا دليل أنه

حيّ لمن كانت له أذنان

أو لم ير المختار موسى قائما

في قبره لصلاة ذي القربان

أفميت يأتي الصلاة وان ذا

عين المحال وواضح البطلان

أو لم يقل أني أرد على الذي

يأتي بتسليم مع الاحسان

أيرد ميت السلام على الذي

يأتي به هذا من البهتان

هذا وقد جاء الحديث بأنهم

أحياء في الأجداث ذا تبيان

وبأن أعمال العباد عليه تع

رض دائما في جمعة يومان

يوم الخميس ويوم الاثنين الذي

قد خص بالفضل العظيم الشأن

الشرح : يذكر المؤلف في هذا الفصل حجج القائلين بحياته صلى‌الله‌عليه‌وسلم في قبره أما الحجة الأولى فهي ما ثبت بصريح القرآن من أن الشهداء أحياء في قبورهم كما قال تعالى : (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران : ١٦٩] وكما قال : (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ) [البقرة: ١٥٤] ولا شك أن الرسل عليهم الصلاة والسلام أكمل حالة من الشهداء ، وهذا أمر ظاهر لا يحتاج الى بيان ، فاذا كان الشهداء أحياء في قبورهم فالرسل عليهم‌السلام أحق منهم بهذا عقلا وبرهانا.

وأما الحجة الثانية فان عقد نكاحه لأزواجه أمهات المؤمنين باق بعده لم

١٠

ينفسخ ، ولهذا بقيت نساؤه معصومات مصونات من قربان الغير لهن ، فلا يحل لأحد من الناس أن يتزوج بواحدة منهن أبد الدهر لقوله تعالى : (وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً) [الاحزاب : ٥٣] وبقاء عقد النكاح وعدم انفساخه وحرمة تزوج غيره بواحدة من نسائه دليل حياته وعدم موته.

وأما الحجة الثالثة فهي ما رواه أنس رضي الله عنه في حديث الاسراء من أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مر بموسى ليلة أسرى به وهو قائم بقبره يصلي ، ولا شك أن الصلاة حركات وأقوال لا يعقل أن تحصل الا من حي ، ونسبتها الى الميت عين المحال.

وأما الحجة الرابعة فهي ما روى عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم من قوله «ما من أحد يسلم عليّ الا رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه‌السلام» ولا شك أن رد السلام من شأن الأحياء لا من شأن الأموات.

وأما الحجة الخامسة فهي ما جاء به الحديث من أن الرسل عليهم‌السلام أحياء في أجداثهم ، ومن أن أعمال أمته تعرض عليه في يومي الخميس والاثنين من كل جمعة. هذه جملة ما احتج به القبوريون على حياته صلى‌الله‌عليه‌وسلم في قبره ، وقد تدرجوا من ذلك الى إثبات الحياة في القبر لغيره أيضا من الأولياء والصالحين ، وسيأتي الرد عليهم في الفصل الذي يلي هذا ، ولكننا نجمل الرد عليهم بأن حياة الشهداء ليست حياة في قبورهم ، ولكن عند الله عزوجل ، كما قال عند ربهم يرزقون وبأن بقاء عقد نكاحه عليه‌السلام بأزواجه وحرمتهن على غيره لا يقتضي حياته بل هي خصوصية اختصه الله بها ، فان ازواجه أمهات المؤمنين ، أي كأمهاتهم في الحرمة ووجوب التوقير.

وأما حديث أنس فلم يصح رفعه ، بل هو موقوف ، ولو صحّ لم يقتض حياة موسى في قبره ، بل يحمل على التمثيل كما تحمل رؤيته له في السماء السادسة ومخاطبته له بقوله (فرض الله عليك وعلى أمتك؟ وقوله له : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف) الخ ، فإن ذلك كله من أمور الغيب التي نؤمن بها ولا نعلم

١١

كيفيتها ، ولكنا نعلم يقينا أن موسى قد مات ، وعلى هذا النحو نحمل بقية الأحاديث إذا فرض صحتها ، وإلا فدون ذلك خرط القتاد.

* * *

فصل

في الجواب عما احتجوا به في هذه المسألة

فيقال أصل دليلكم في ذاك

حجتنا عليكم وهي ذات بيان

إن الشهيد حياته منصوصة

لا بالقياس القائم الأركان

هذا مع النهي المؤكد أننا

ندعوه ميتا ذاك في القرآن

ونساؤه حل لنا من بعده

والمال مقسوم على السهمان

هذا وأن الأرض تأكل لحمه

وسباعها مع أمة الديدان

لكنه مع ذاك حيّ فارح

مستبشر بكرامة الرحمن

فالرسل أولى بالحياة لديه مع

موت الجسوم وهذه الأبدان

وهي الطرية في التراب وأكلها

فهو الحرام عليه بالبرهان ،

ولبعض أتباع الرسول يكون ذا

أيضا وقد وجدوه رأي عيان

فانظر إلى قلب الدليل عليهم

حرفا بحرف ظاهر التبيان

الشرح : فيقال لهؤلاء أن ما جعلتموه أصلا لدليلكم وهو حياة الشهداء قد أصبح حجة عليكم لا لكم ، وبيان ذلك أن حياة الشهيد ثابتة بالنص في قوله تعالى (بَلْ أَحْياءٌ) وليس ثبوتها بالقياس المستوفى لأركانه ، كما ورد النهي الصريح في القرآن عن تسمية الشهيد ميتا في قوله تعالى (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ) [البقرة : ٥٤] ومع ذلك فلم تقتض هذه الحياة شيئا مما جعلتموه دليلا على حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم في قبره ، فإن نساءه ـ أي الشهيد ـ حلال لنا بعد موته وماله مقسوم بين ورثته ولحمه تأكله الأرض وسباع الوحش والطير وجماعة الديدان. ومع ذلك فهو حي كما أخبر الله ، فرح مستبشر بكرامة الله

١٢

ورضوانه. فدل ذلك على أن حياة الشهداء التي نص عليها القرآن ليست هي تلك الحياة الجسدية في القبر ، ولكنها حياة لأرواحهم عند الله ، وقد فسرها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن أرواحهم تجعل في حواصل طير خضر تسرح في الجنة فتأكل من ثمارها وتشرب من أنهارها ، ولا شك أن الرسل عليهم الصلاة والسلام أولى بتلك الحياة عند الله مع موت جسومهم وقد ورد أن أرواحهم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش. بل أن لجسومهم مع موتها مزية كذلك على سائر الأبدان وهي بقاؤها طرية لا تأكلها الأرض. فقد جاء في المسند والسنن من حديث أوس بن أوس عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق الله آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليّ ، قالوا يا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت ـ يعني قد بليت ـ قال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» ورواه الحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه وكذلك أخرجه النسائي وابن ماجه.

على أن هذه المزية ثابتة أيضا لبعض أتباع الأنبياء ، وقد ثبت هذا بالمشاهدة فقد وجد بعضهم بعد موته بزمان طويل سليما لم تنقص منه الأرض شيئا ولم يسر فيه البلى والتعفن ، فانظر كيف انقلب هذا الدليل عليهم حرفا بحرف وصار الذي أرادوه حجة لهم حجة ظاهرة عليهم ، وهكذا أهل الباطل دائما لا يأتون بدليل إلا كان فيه ما يفسد قولهم ويأتي على دعواهم من القواعد ولله في خلقه شئون.

* * *

لكن رسول الله خص نساؤه

بخصيصة عن سائر النسوان

خيرن بين رسوله وسواه فا

خترن الرسول لصحة الإيمان

شكر الإله لهن ذاك وربنا

سبحانه للعبد ذو شكران

قصر الرسول على أولئك رحمة

منه بهن وشكر ذي الإحسان

١٣

وكذاك أيضا قصرهن عليه مع

لوم بلا شك ولا حسبان

زوجاته في هذه الدنيا وفي الأخ

رى يقينا واضح البرهان

فلذا حرمن على سواه بعده

إذ ذاك صون عن فراش ثان

لكن أتين بعدة شرعية

فيها الحداد وملزم الأوطان

الشرح : وأما ما ذكرتم من بقاء عقد نكاحه على أزواجه وحرمتهن على غيره بعد موته ، فليس فيه دليل على حياته في قبره ، فإن تلك خصوصية اختص الله بها نساء نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حيث خيرن بين الرسول وبين غيره فاخترنه لقوة إيمانهنّ ، والسبب في التخيير أنهن تظاهرن على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسألنه النفقة ورغد الحياة بعد أن فتح الله عليه خيبر ، فلما أكثرن عليه في ذلك آلى أن لا يقربهن شهرا وأشيع أنه طلقهن ، ثم نزلت آية التخيير وهي قوله تعالى من سورة الأحزاب (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً) [٢٨ : ٢٩] فخيرهن صلى‌الله‌عليه‌وسلم فكلهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة ، فشكر الله لهن هذا الصنيع وكافأهن عليه وهو سبحانه شكور لأعمال عباده ، فقصر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عليهن رحمة بهن وشكرا لإحسانهن فقال له (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً) [الأحزاب : ٥٢].

وكذلك قصرهن عليه معلوم لا شك فيه ، فقد جعلهن أمهات للمؤمنين ، ونهى المؤمنين عن نكاحهن بعده بقوله (وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً) [الأحزاب : ٥٣ :]

فهن زوجات له في الدنيا وفي الآخرة جميعا ، ولهذا حرمن على غيره من بعده صيانة لهن عن الدخول في فراش ثان حتى يلحقن به في الفردوس الأعلى رضي

١٤

الله عنهن ، لكنهن مع ذلك قد أتين بعدة شرعية احتددن فيها ولزمن بيوتهن ، كما تفعل كل متوفى عنها زوجها امتثالا لقوله تعالى (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) [البقرة : ٢٣٤].

فأين في هذا ما يدل أو ما يصح أن يكون شبه دليل على حياته صلى‌الله‌عليه‌وسلم في قبره.

* * *

هذا ورؤيته الكليم مصليا

في قبره أثر عظيم الشأن

في القلب منه حسيكة هل قاله

فالحق ما قد قال ذو البرهان

ولذاك أعرض في الصحيح محمد

عنه على عمد بلا نسيان

والدار قطني الإمام أعله

برواية معلومة التبيان

أنس يقول رأى الكليم مصلّيا

في قبره فأعجب لذا الفرقان

فرواه موقوفا عليه وليس بالم

رفوع أشواقا إلى العرفان

بين السياق إلى السياق تفاوت

لا تطرحه فما هما سيان

لكن تقلد مسلما وسواه مم

ن صحّ هذا عنده ببيان

فرواته الإثبات أعلام الهدى

حفاظ هذا الدين في الأزمان

لكن هذا ليس مختصا به

والله ذو فضل وذو إحسان

فروى ابن حبان الصدوق وغيره

خبرا صحيحا عنده ذا شان

فيه صلاة العصر في قبر الذي

قد مات وهو محقق الإيمان

فتمثل الشمس الذي قد كان ير

عاها لأجل صلاة ذي القربان

عند الغروب يخاف فوت صلاته

فيقول للملكين هل تدعاني

حتى أصلي العصر قبل فواتها

قالا ستفعل ذاك بعد الآن

هذا مع الموت المحقق لا الذي

حكيت لنا بثبوته القولان

هذا وثابت البناني قد دع

ا الرحمن دعوة صادق الإيقان

أن لا يزال مصليا في قبره

إن كان أعطي ذاك من إنسان

١٥

الشرح : وأما احتجاجهم بما رواه أنس من أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم مر ليلة أسري به على موسى بن عمران عليه‌السلام وهو قائم يصلي في قبره ، فقد روي الحديث مرفوعا وموقوفا ، ففي رواية مسلم وأبي داود يرفع أنس الحديث إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال «مررت ليلة أسري بي على موسى عليه‌السلام قائما يصلي في قبره» وأبو يعلى الموصلي يرويه في مسنده موقوفا على أنس مرة بلفظ أخبرني بعض أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليلة أسري به مر على موسى وهو يصلي في قبره. ومرة عمن سمع أنسا قالت سمعت أنسا أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليلة أسري به مر بموسى وهو يصلي في قبره ، ولهذا وقع في القلب حسكة ، أي شك منه ، هل قاله الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم أم لم يقله ، فإن كان قاله فالحق ما قاله صاحب البرهان عليه‌السلام ، ولذلك أيضا أعرض الإمام محمد بن اسماعيل البخاري رضي الله عنه عن روايته في صحيحه عمدا بلا نسيان ، وأعله بذلك الدار قطني حيث رواه موقوفا على أنس ، وليس بالمرفوع وما كان أشد شوقنا إلى معرفة الحق من هذه الروايات ، فإن بينها تفاوتا في السياق ، لكن الأولى قبول رواية مسلم وغيره ممن صح عندهم رفعه ، فإن رواته كلهم ثقات ، وكلهم أعلام هدى ، وهم القائمون على حفظ الدين في جميع العصور ، لكن هذا المعنى وهو قيام الكليم مصليا في القبر ليس مختصا به وحده حتى ينهض دليلا لكم على حياة الأنبياء في قبورهم فقد روى ابن حبان وغيره خبرا صحيحا مؤداه أن المؤمن الذي مات محققا لإيمانه تمثل له الشمس التي كان يرقبها في الدنيا يتحين بها أوقات الصلاة فيراها قد مالت للغروب ، فيخاف فوت صلاة العصر فيستأذن الملكين اللذين هما منكر ونكير قائلا لهما : هل تدعاني حتى أصلي العصر قبل خروج وقتها ، فيقولان له ستفعل ذلك بعد الآن. فإذا جازت الصلاة في القبر ممن كان موته محققا لا ريب فيه ، فجوازها ممن وقع النزاع في حياته أو موته أولى. ولقد كان ثابت البناني رحمه‌الله ـ وهو أحد رواة حديث أنس ـ يدعو الله عزوجل بلسان صدق أن يجعله مصليا في قبره إن كان قد أعطى ذلك لغيره من الناس ، والله سبحانه وتعالى أعلم.

* * *

١٦

لكن رؤيته لموسى ليلة الم

عراج فوق جميع ذي الأكوان

يرويه أصحاب الصحاح جميعهم

والقطع موجبة بلا نكران

ولذاك ظن معارضا لصلاته

في قبره إذ ليس يجتمعان

وأجيب عنه بأنه أسرى به

ليراه ثم مشاهدا بعيان

فرآه ثم وفي الضريح وليس ذا

بتناقض إذ أمكن الوقتان

هذا ورد نبينا التسليم من

يأتي بتسليم مع الإحسان

ما ذاك مختصا به أيضا كما

قد قاله المبعوث بالقرآن

من زار قبر أخ له فأتى بتس

ليم عليه وهو ذو إيمان

رد الإله عليه حقا روحه

حتى يرد عليه رد بيان

وحديث ذكر حياتهم بقبورهم

لما يصح وظاهر النكران

فانظر إلى الإسناد تعرف حاله

إن كنت ذا علم بهذا الشأن

الشرح : وإذا لم يصح حديث رؤيته عليه‌السلام لموسى قائما يصلي في قبره للاختلاف في وقفه ورفعه ، فإن رؤيته له في السماء السابعة ليلة المعراج متفق عليه فقد رواه جميع أصحاب الصحاح ، ولذلك كان مفيدا للقطع بدون نكير.

وقد ظن بعض الناس أنه معارض لصلاته في قبره ، إذ لا يعقل ان يكون في ليلة واحدة قد رآه في قبره يصلي ، ثم رآه بعد ذلك في السماء ، وأجيب عن هذا بأنه لا تناقض بين رؤيته له في قبره وبين رؤيته له بعد ذلك في السماء لاختلاف الوقتين. وقد صلى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم في بيت المقدس ، ثم عرج به بعد ذلك إلى السماء ولم يقل أحد أن صلاته في بيت المقدس تناقض وجوده في السماء ، فإن هذا بعد هذا لا معه ، وإنما التناقض وقوع الأمرين جميعا في وقت واحد بعينه.

وأما احتجاج القائلين بحياته صلى‌الله‌عليه‌وسلم في قبره برده السلام على من يسلم عليه من أمته فهو إن صح (١) حجة عليهم ، فقد جاء في الحديث «ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي فأرد عليه‌السلام» فقوله إلّا رد الله علي روحي يدل على

__________________

(١) أخرجه أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة ، وذكر له صاحب اللآلي شواهد كثيرة.

١٧

أن روحه لم تكن في بدنه ، فلم يكن حينئذ حيا ، ويدل أيضا على أن رد الروح إليه إنما هو بقدر ما يرد السلام فقط على من يسلم عليه ، على أن ذلك ليس مختصا به صلّى الله عليه ، بل ورد في مسند أحمد وغيره أنه ما من رجل يزور قبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه‌السلام ، وإذا انتفى اختصاصه عليه‌السلام بذلك ، وكان ثابتا في حق غيره ممن هو مقطوع بموته لم يصلح حينئذ أن يكون دليلا على حياته.

وأما الحديث الذي ذكر فيه حياة الأنبياء في قبورهم ولفظه «ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحا حتى ترد إليه روحه» فقد رواه ابن حبان عن أنس مرفوعا وقال عنه أنه باطل ، كما ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في الموضوعات وقد أخرجه أيضا الطبراني وأبو نعيم في الحلية ، ورواه البيهقي في كتاب حياة الأنبياء ، وروى له عدة شواهد ، ولم يصح من ذلك كله شيء ، ومن نظر إلى إسنادها ، وكان ذا علم بأحوال الأسانيد والرجال عرف حال هذه الأحاديث.

* * *

هذا ونحن نقول هم أحياء ل

كن عندنا كحياة ذي الأبدان

والترب تحتهم وفوق رءوسهم

وعن الشمائل ثم عن أيمان

مثل الذي قد قلتموه معاذنا

بالله من أفك ومن بهتان

بل عند ربهم تعالى مثل ما

قد قال في الشهداء في القرآن

لكن حياتهم أجل وحالهم

أعلى وأكمل عند ذي الإحسان

هذا وأما عرض أعمال العبا

د عليه فهو الحق ذو إمكان

وأتى به أثر فإن صح الح

ديث به فحق ليس ذا نكران

لكن هذا ليس مختصا به

أيضا بآثار روين حسان

فعلى أبي الإنسان يعرض سعيه

وعلى أقاربه مع الإخوان

إن كان سعيا صالحا فرحوا به

واستبشروا يا لذة الفرحان

١٨

أو كان سعيا سيئا حزنوا وقا

لوا رب راجعه إلى الإحسان

ولذا استعاذ من الصحابة من روى

هذا الحديث عقيبه بلسان

يا رب إني عائذ من خزية

أخزي بها عند القريب الداني

ذاك الشهيد المرتضى ابن روا

حة المحبوّ بالغفران والرضوان

لكن هذا ذو اختصاص والذي

للمصطفى ما يعمل الثقلان

الشرح : هذا ونحن لا ننكر أن الرسل عليهم الصلاة والسلام أحياء لكن لا نثبت لهم حياة بدنية محسوسة في قبورهم كحياتهم قبل الموت مع إحاطة التراب بهم من كل جانب ومع بطلان الحس والحركة عنهم ، مثل الذي يزعمه هؤلاء المخرفون ، فنحن نعوذ بالله أن نفتري على الله الكذب ونقول ما لا علم لنا به من هذا الافك والبهتان ، بل نحن نثبت لهم حياة عند الله كحياة الشهداء التي أخبر عنها القرآن ، لكن حياة الرسل هناك أعظم مما للشهداء ، وهم أعلى منهم حالا وأكمل عند الله صاحب الفضل والإحسان.

وأما حديث عرض أعمال العباد عليه فقد ورد بألفاظ لا يشك من تأملها أنه باطل موضوع ، ولم يروه أحد من أصحاب الصحاح ، بل رواه صاحب الفردوس بسند فيه انقطاع ، وفي بعض الروايات روى موقوفا على أنس وأليك نص الحديث :

«حياتي خير لكم ومماتي خير لكم ، تعرض علي أعمالكم ، فإن وجدت خيرا حمدت الله وإن وجدت شرا استغفرت لكم» فحياته كانت خيرا لأمته بلا نزاع ، يهديها إلى الرشد ويقودها إلى مواطن الفلاح والخير ، ولكن كيف يكون موته خيرا لها ، وقد أدرك أصحابه عظم الفجيعة فيه واستهولوا الخطب ، حتى أن أشدهم شكيمة وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد غشي عليه من هول المصاب ، وما من شك في أن فقدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان أعظم ما أصيبت به هذه الأمة من أرزاء.

ثم ما فائدة عرض الأعمال عليه وهو ليس مسئولا عنها ولا مكلفا بإحصائها

١٩

وكتابتها ولا برفعها إلى الله ، فإن لذلك كله ملائكة موكلين به ، وكيف يعقل ان يسوء الله عزوجل نبيه ويحزن قلبه وينغّص عليه ما هو فيه من أنواع النعيم بعرض حصائد الناس من الشرور والمعاصي عليه. أما يكفي ما تحمله في حياته من أنواع المشقات وكبار التضحيات. والحديث فيه كذلك إغراء بالمعاصي ودعوة إليها ، فإنه إذا كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم سيستغفر لعصاة أمته كلما عرضت عليه أعمالهم ، ولا شك أن استغفاره موجب للمغفرة لم يضر أحد ما يرتكبه من ذنب. وهو معارض للأحاديث الصحيحة التي تدل على أنه لا يدري بعد موته شيئا من أحوال أمته ، فقد جاء في حديث الحوض (أنه يرد عليه أناس من أمته الحوض ، وأنه يهم ليسقيهم فتجيء الملائكة وتذودهم عن الحوض ، فيقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : هؤلاء أصحابي أعرفهم ، فيقال له : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فيقول : سحقا وبعدا لمن أحدث بعدي ، ويتلو قوله تعالى (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) [المائدة : ١١٧].

ولو فرض صحة هذا الأثر فإن عرض الأعمال عليه صلى‌الله‌عليه‌وسلم من شئون الغيب التي نؤمن بها ولا نعلم كيفيتها ، مع علمنا يقينا أنه ليس عرضا حسيا يقتضي رؤية أو سماعا أو غير ذلك مما هو من شئون الحي. وهو أيضا ليس مختصا به حتى يكون دليلا على حياته في قبره ، بل قد ورد في عدة آثار حالها في الإسناد على ما فيه أحسن من هذا الحديث أن الإنسان يعرض سعيه على أبيه الميت وأقاربه وإخوانه فإن كان سعيا صالحا فرحوا به واستبشروا ، وإن كان سعيا سيئا حزنوا وتكدروا ودعوا الله عزوجل ان يرده عن غيه ويوفقه للصالحات. ولهذا استعاذ راوي هذا الحديث ـ وهو الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة الذي استشهد في غزوة مؤتة ـ بالله من كل عمل يخزيه عند أهله وأقربائه الميتين.

والفرق بين الأمرين أن هذا عرض خاص بالنسبة للأهل والاخوان ، وأما الرسول فيعرض عليه ما يعمله الثقلان.

٢٠