🚘

شرح القصيدة النونيّة - ج ١

ابن القيّم الجوزيّة

شرح القصيدة النونيّة - ج ١

المؤلف:

ابن القيّم الجوزيّة


المحقق: الدكتور محمّد خليل هراس
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ٢
الصفحات: ٤٣٥
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بسم الله الرّحمن الرّحيم

مقدمة الشارح

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ، وبعد : فلما كانت القصيدة النونية للعلامة «ابن قيم الجوزية» التي سماها «الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية» من أعظم ما ألف في التعريف بمذهب السلف الصالح في اثبات الصفات لله تعالى مع تنزيهه عن مشابهة المخلوقات ، والرد على فرق الزيغ والضلال من المعطلة النفاة أو المجسمة الغلاة. وكانت هذه القصيدة حتى الآن بكرا لم يفتض ختامها ، وحمى لم يحم حوله أحد بالشرح والتحليل ، اللهم إلا بعض محاولات يسيرة ليس فيها شفاء لعليل ، ولا ريّ من غليل قام بها بعض الفضلاء من علماء مذهب السلف ، مثل الشيخ «ابن عيسى» والشيخ «عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي» علامة القصيمرحمهما‌الله تعالى وأجزل لهما المثوبة.

لهذا استخرت الله عزوجل في عمل شرح لها يجلي غوامضها ويبرز محاسنها ، ويجعلها من القارئ على طرف الثمام حتى ينتفع بها عشاق الفكر ورواد البحث. ويجدوا فيها إمتاعا لعقولهم ، وصقلا لأذهانهم ، وحتى تطمئن إليها القلوب المؤمنة التي استجابت لداعي الحق والهدى وتجد فيها زادا لايمانها ، ونورا لبصائرها ، وإني اذ آخذ فيما أنا بسبيله من ذلك العمل الجليل أقدر ثقل المهمة التي اضطلعت بها ، وما تقتضيه من وافر الجهد ودائب العمل نظرا لما حوته هذه القصيدة من الآراء والمذاهب ، وما اشتملت عليه من فنون الحجاج والجدل.

٣

وقد رأيت أن يكون هذا الشرح وسطا لا غاية في البسط ولا نهاية في الإيجاز.

والله جلت قدرته أسأل أن يكون لي نعم العون على ما أنا بسبيله من ذلك ، وان يشرح له صدري ، ويسير لي أمري ، انه واهب النعم ، ومواليها وهو نعم المولى ونعم النصير؟.

الشارح

٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم

خطبة القصيدة النونية للإمام ابن القيم

الحمد لله الذي شهدت له بربوبيته جميع مخلوقاته ، وأقرت له بالعبودية جميع مصنوعاته ، وأدت له الشهادة جميع الكائنات انه الله الذي لا إله الا هو بما أودعها من لطيف صنعه وبديع آياته ، وسبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ، ولا إله إلا الله الأحد الصمد الذي لا شريك له في ربوبيته ولا شبيه له في أفعاله ولا في صفاته ولا في ذاته والله أكبر عدد ما أحاط به علمه وجرى به قلمه ونفذ فيه حكمه من جميع برياته ، ولا حول ولا قوة إلا بالله تفويض عبد لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، بل هو بالله وإلى الله في مبادي أمره ونهاياته ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا صاحبة له ولا ولد له ولا والد له ، ولا كفؤ له الذي هو كما أثني على نفسه وفوق ما يثني عليه أحد من جميع برياته ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأمينه على وحيه وخيرته من بريته ، وسفيره بينه وبين عباده وحجته على خلقه ، أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا ، أرسله على حين فترة من الرسل وطموس من السبل ، ودروس من الكتب ، والكفر قد اضطرمت ناره وتطايرت في الآفاق شراره ، وقد استوجب أهل الأرض ان يحل بهم العقاب ، وقد نظر الجبار تبارك وتعالى إليهم فمقتهم ، عربهم وعجمهم ، إلا بقايا من أهل الكتاب.

وقد استند كل قوم إلى ظلم آرائهم وحكموا على الله سبحانه وتعالى بمقالاتهم الباطلة وأهوائهم ، وليل الكفر مدلهم ظلامه ، شديد قتامه ، وسبل الحق عافية

٥

آثارها مطموسة أعلامها ، ففلق الله سبحانه بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم صبح الإيمان ، فأضاء حتى ملأ الآفاق نورا ، وأطلع به شمس الرسالة في حنادس الظلم سراجا منيرا ، فهدى الله به من الضلالة ، وعلم به من الجهالة ، وبصر به من العمى وأرشد به من الغي ، وكثر به بعد القلة ، وأعز به بعد الذلة ، وأغنى به بعد العيلة ، واستنقذ به من الهلكة ، وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا ، فبلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه وشرح الله له صدره ، ورفع له ذكره ووضع عنه وزره ، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره ، وأقسم بحياته في كتابه المبين ، وقرن اسمه باسمه فإذا ذكر ذكر معه كما في الخطب والتشهد والتأذين ، فلا يصح لأحد خطبة ولا تشهد ولا أذان ولا صلاة حتى يشهد أنه عبده ورسوله شهادة اليقين ، وصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله وجميع خلقه عليه ، كما عرفنا بالله وهدانا إليه ، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد : فإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه إذا أراد أن يكرم عبد بمعرفته ويجمع قلبه على محبته شرح صدره لقبول صفاته العلى وتلقيها من مشكاة الوحي ، فإذا ورد عليه شيء منها قابله بالقبول وتلقاه بالرضا والتسليم وأذعن له بالانقياد فاستنار به قلبه واتسع له صدره وامتلأ به سرورا ومحبة ، فعلم أنه تعريف من تعريفات الله تعالى تعرف به إليه على لسان رسوله ، فأنزل تلك الصفة من قلبه منزلة الغذاء ، أعظم ما كان إليه فاقة ومنزلة الشفاء أشد ما كان إليه حاجة ، فاشتد بها فرحه ، وعظم بها غناؤه ، وقويت بها معرفته ، واطمأنت إليها نفسه ، وسكن إليها قلبه ، فجال من المعرفة في ميادينها ، وأسام عين بصيرته في رياضها وبساتينها لتيقنه بأن شرف العلم تابع لشرف معلومه ، ولا معلوم أعظم وأجل ممن هذه صفته ، وهو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى ، وأن شرفه أيضا بحسب الحاجة إليه ، وليست حاجة الأرواح قط إلى شيء أعظم منها الى معرفة باريها وفاطرها ومحبته وذكره والابتهاج به ، وطلب الوسيلة إليه والزلفى عنده ، ولا سبيل إلى هذا إلا بمعرفة أوصافه وأسمائه ، فكلما كان العبد بها أعلم كان بالله

٦

أعرف وله أطلب وإليه أقرب ، وكلما كان لها أنكر كان بالله أجهل وإليه أكره ومنه أبعد ، والله تعالى ينزل العبد من نفسه حيث ينزله العبد من نفسه ، فمن كان لذكر أسمائه وصفاته مبغضا ، وعنها نافرا ومنفرا ، فالله له أشد بغضا ، وعنه أعظم اعراضا ، وله أكبر مقتا ، حتى تعود القلوب إلى قلبين : قلب ذكر الأسماء والصفات قوته وحياته ونعيمه وقرة عينه ، لو فارقه ذكرها ومحبتها لحظة لاستغاث ، يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، فلسان حاله يقول :

يراد من القلب نسيانكم

وتأبى الطباع على الناقل

ويقول :

وإذا تقاضيت الفؤاد تناسيا

ألفيت أحشائي بذاك شحاحا

ويقول :

إذا مرضنا تداوينا بذكركم

فنترك الذكر أحيانا فننتكس

ومن المحال أن يذكر القلب من هو محارب لصفاته نافر من سماعها معرض بكليته عنها زاعم أن السلامة في ذلك. كلا والله ان هو إلا الجهالة والخذلان ، والاعراض عن العزيز الرحيم ، فليس القلب الصحيح قط إلى شيء أشوق منه إلى معرفة ربه تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه ، ولا أفرح بشيء قط كفرحه بذلك وكفى بالعبد عمى وخذلانا أن يضرب على قلبه سرادق الإعراض عنها والنفرة والتنفير والاشتغال بما لو كان حقا لم ينفع إلا بعد معرفة الله والإيمان به وبصفاته وأسمائه.

والقلب الثاني قلب مضروب بسياط الجهالة ، فهو عن معرفة ربه ومحبته مصدود ، وطريق معرفة أسمائه وصفاته كما أنزلت عليه مسدود ، قد قمش شبها من الكلام الباطل وارتوى من ماء آجن غير طائل تعج منه آيات الصفات وأحاديثها إلى الله عجيجا ، وتضج منه إلى منزلها ضجيجا بما يسومها تحريفا وتعطيلا ويؤول معانيها تغييرا وتبديلا ، قد أعد لدفعها أنواعا من العدد وهيأ لردها ضروبا من القوانين وإذا دعي الى تحكيمها أبى واستكبر وقال : تلك أدلة

٧

لفظية لا تفيد شيئا من اليقين ، قد أعد التأويل جنة يتترس بها من مواقع سهام السنة والقرآن وجعل اثبات صفات ذي الجلال تجسيما وتشبيها يصد به القلوب عن طريق العلم والإيمان ، مزجي البضاعة من العلم النافع الموروث عن خاتم الرسل والأنبياء لكنه ملئ بالشكوك والشبه ، والجدال والمراء ، خلع عليه الكلام الباطل خلعة الجهل والتجهيل ، فهو يتعثر بأذيال التفكير لأهل الحديث ، والتبديع لهم والتضليل ، قد طاف على أبواب الآراء والمذاهب يتكفف أربابها ، فانثنى بأخسر المواهب والمطالب ، عدل عن الأبواب العالية الكفيلة بنهاية المراد وغاية الاحسان ، فابتلى بالوقوف على الأبواب السافلة الملآنة بالخيبة والحرمان ، وقد لبس حلة منسوجة من الجهل والتقليد والشبهة والعناد ، فإذا بذلت له النصيحة ودعي إلى الحق أخذته العزة بالاثم ، فحسبه جهنم ولبئس المهاد.

فما أعظم المصيبة بهذا وأمثاله على الإيمان ، وما أشد الجناية به على السنة والقرآن ، وما أحب جهاده بالقلب واليد واللسان الى الرحمن ، وما أثقل أجر ذلك الجهاد في الميزان ، والجهاد بالحجة واللسان مقدم على الجهاد بالسيف والسنان ولهذا أمر به تعالى في السور المكية حيث لا جهاد باليد انذارا وتعذيرا ، فقال تعالى : (فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً) [الفرقان : ٥٢].

وأمر تعالى بجهاد المنافقين والغلظة عليهم مع كونهم بين أظهر المسلمين في المقام والمسير ، فقال تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [التحريم : ٩].

فالجهاد بالعلم والحجة جهاد أنبيائه ورسله وخاصته من عباده المخصوصين بالهداية والتوفيق والاتفاق ، ومن مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ، وكفى بالعبد عمى وخذلانا أن يرى عساكر الإيمان وجنود السنة والقرآن وقد لبسوا للحرب لأمته ، وأعدوا له عدته ، وأخذوا مصافهم ووقفوا مواقفهم ، وقد حمي الوطيس ودارت رحى الحرب واشتد القتال وتنادت

٨

الأقران النزال النزال ، وهو في الملجأ والمغارات ، والمدخل مع الخوالف كمين وإذا ساعد القدر وعزم على الخروج قعد فوق التل مع الناظرين ، ينظر لمن الدائرة ليكون إليهم من المتحيزين ، ثم يأتيهم وهو يقسم بالله جهد أيمانه اني كنت معكم وكنت أتمنى أن تكونوا أنتم الغالبين ، فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة أن لا يبيعها بأبخس الأثمان ، وأن لا يعرضها غدا بين يدي الله ورسوله لمواقف الخزي والهوان ، وأن يثبت قدميه في صفوف أهل العلم والإيمان ، وأن لا يتحيز إلى مقالة سوى ما جاء في السنة والقرآن ، فكأن قد كشف الغطاء وانجلى الغبار وأبان عن وجوه أهل السنة مسفرة ضاحكة مستبشرة ، وعن وجوه أهل البدعة عليها غبرة ترهقها قترة ، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.

قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة والضلالة ، فو الله لمفارقة أهل الأهواء والبدع في هذه الدار أسهل من موافقتهم إذا قيل : (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ) [الصافات : ٢٢].

قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وبعده الإمام أحمد : أزواجهم : أشباههم ونظراؤهم ، وقد قال تعالى : (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) [التكوير : ٧] قالوا فيجعل صاحب الحق مع نظيره في درجته ، وصاحب الباطل مع نظيره في درجته ، هنالك والله يعض الظالم على يديه إذا حصلت له حقيقة ما كان في هذه الدار عليه ، يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ، يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد اذ جاءني وكان الشيطان للانسان خذولا.

فصل : وكان من قدر الله وقضائه أن جمع مجلس المذاكرة بين مثبت للصفات والعلو وبين معطل لذلك ، فاستطعم المعطل المثبت الحديث استطعام غير جائع إليه ولكن غرضه عرض بضاعته عليه ، فقال له ما تقول في القرآن ومسألة الاستواء؟ فقال المثبت : نقول فيها ما قاله ربنا تبارك وتعالى وما قاله نبينا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، نصف الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تشبيه ولا تمثيل ، بل نثبت له سبحانه ما أثبته لنفسه من

٩

الأسماء والصفات ، وننفي عنه النقائص والعيوب ومشابهة المخلوقات ، اثباتا بلا تمثيل ، وتنزيها بلا تعطيل ، فمن شبه الله بخلقه فقد كفر ، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر ، وليس ما وصف الله به نفسه ، أو ما وصفه به رسوله تشبيها ، فالمشبه يعبد صنما ، والمعطل يعبد عدما ، والموحد يعبد إلها واحدا صمدا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

والكلام في الصفات كالكلام في الذات ، فكما انا نثبت ذاتا لا تشبه الذوات ، فكذلك نقول في صفاته انها لا تشبه الصفات ، فليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، فلا نشبه صفات الله بصفات المخلوقين ، ولا نزيل عنه سبحانه صفة من صفاته لأجل تشنيع المشنعين ، وتلقيب المفترين ، كما أنا لا نبغض أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لتسمية الروافض لنا نواصب ، ولا نكذب بقدر الله ولا نجحد كمال مشيئته وقدرته لتسمية القدرية لنا مجبرة.

ولا نجحد صفاته ربنا تبارك وتعالى لتسمية الجهمية والمعتزلة لنا مجسمة مشبهة حشوية ، ورحمة الله على القائل :

فإن كان تجسيما ثبوت صفاته

فإني بحمد الله لها مثبت

إلى :

فإن كان تجسيما ثبوت صفاته

لديكم فإني اليوم عبد مجسم

ورضي الله عن الشافعي حيث يقول :

ان كان رفضا حب آل محمد

فليشهد الثقلان إني رافضي

وقدس الله روح القائل وهو شيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول :

ان كان نصبا حب صحب محمد

فليشهد الثقلان اني ناصبي

فصل : وأما القرآن فإني أقول أنه كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود ، تكلم الله به صدقا ، وسمعه جبرائيل حقا ، وبلغه محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم وحيا ، وإن (كهيعص) [مريم : ١] و (حم عسق) [الشورى : ١] و (الر) [يوسف :

١٠

[١] و (ق) [ق : ١] و (ن) [القلم : ١] عين كلام الله حقيقة ، وأن الله تكلم بالقرآن العربي الذي سمعه الصحابة من النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأن جميعه كلام الله ، وليس قول البشر ، ومن قال أنه قول البشر فقد كفر. والله يصليه سقر ، ومن قال ليس لله بيننا في الأرض كلام فقد جحد رسالة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم فإن الله بعثه يبلغ عنه كلامه ، والرسول إنما يبلغ كلام مرسله ، فإذا انتفي كلام المرسل انتفت رسالة الرسول ، ونقول ان الله فوق سماواته مستو على عرشه بائن من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته ، وأنه تعالى إليه يصعد الكلم الطيب وتعرج الملائكة والروح إليه وإنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ، ثم يعرج إليه ، وأن المسيح رفع بذاته إلى الله وأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عرج به إلى الله حقيقة ، وأن أرواح المؤمنين تصعد إلى الله عند الوفاة فتعرض عليه وتقف بين يديه ، وأنه تعالى هو القاهر فوق عباده وهو العلي الأعلى وأن المؤمنين والملائكة المقربين يخافون ربهم من فوقهم ، وان أيدي السائلين ترفع إليه وحوائجهم تعرض عليه فإنه سبحانه هو العلي الأعلى بكل اعتبار ، فلما سمع المعطل منه ذلك أمسك ، ثم أسرها في نفسه وخلي بشياطينه وبني جنسه وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا وأصناف المكر والاحتيال.

وراموا أمرا يستحمدون به إلى نظرائهم من أهل البدع والضلال وعقدوا مجلسا يبيتون في مساء يومه ما لا يرضاه الله من القول والله بما يعملون محيط وأتوا في مجلسهم ذلك بما قدروا عليه من الهذيان واللغط والتخليط ، وراموا استدعاء المثبت إلى مجلسهم الذي عقدوه ليجعلوا نزله عند قدومه عليهم ما لفقوه من المكر وتمموه فحبس الله سبحانه عنه أيديهم وألسنتهم فلم يتجاسروا عليه ، ورد الله كيدهم في نحورهم فلم يصلوا بالسوء إليه ، وخذلهم المطاع فمزقوا ما كتبوه من المحاضر ، وقلب الله قلوب أوليائه وجنده عليهم من كل باد وحاضر ، وأخرج الناس لهم من المخبآت كمائنها ، ومن الجوائف والمنقلات دفائنها ، وقوى الله جأش عقد المثبت وثبت قلبه ولسانه ، وشيد بالسنة المحمدية بنيانه ، فسعى في عقد مجلس بينه وبين خصومه عند السلطان ، وحكم على نفسه كتب شيوخ القوم

١١

السالفين وأئمتهم المتقدمين ، وأنه لا يستنصر من أهل مذهبه بكتاب ولا إنسان وأنه جعل بينه وبينكم أقوال من قلدتموه ، ونصوص من على غيره من الأئمة قدمتموه ، وصرخ المثبت بذلك بين ظهرانيهم حتى بلغه دانيهم لقاصيهم ، فلم يذعنوا لذلك واستعفوا من عقده فطالبهم المثبت بواحدة من خلال ثلاث مناظرة في مجلس عالم على شريطة العلم والانصاف تحضر فيه النصوص النبوية والآثار السلفية وكتب أئمتكم المتقدمين من أهل العلم والدين ، فقيل لهم لا مراكب لكم تسابقون بها في هذا الميدان وما لكم بمقاومة فرسانه يدان فدعاهم إلى مكاتبة بما يدعون إليه ، فإن كان حقا قبله وشكركم عليه وإن كان غير ذلك سمعتم جواب المثبت ، وتبين لكم حقيقة ما لديه ، فأبوا ذلك أشد الاباء ، واستعفوا غاية الاستعفاء ، فدعاهم إلى القيام بين الركن والمقام قياما في مواقف الابتهال حاسري الرءوس ، نسأل الله أن ينزل بأسه بأهل البدع والضلال.

وظن المثبت والله أن القوم يجيبونه إلى هذا ، فوطن نفسه عليه غاية التوطين ، وبات يحاسب نفسه ، ويعرض ما يثبته وينفيه على كلام رب العالمين ، وعلى سنة خاتم الأنبياء والمرسلين ، ويتجرد من كل هوى يخالف الوحي المبين ، ويهوي بصاحبه إلى أسفل السافلين فلم يجيبوا إلى ذلك أيضا ، وأتوا من الاعتذار بما دله على أن القوم ليسوا من أولي الأيدي والأبصار ، فحينئذ شمر المثبت عن ساق عزمه وعقد لله مجلسا بينه وبين خصمه يشهده القريب والبعيد ، ويقف على مضمونه الذكي والبليد وجعله عقد مجلس التحكيم بين المعطل الجاحد والمثبت المرمي بالتجسيم.

وقد خاصم في هذا المجلس بالله وحاكم إليه وبرئ إلى الله من كل هوى وبدعة وضلالة وتحيز إلى فئة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وما كان أصحابه عليه والله سبحانه هو المسئول أن لا يكله إلى نفسه ولا إلى شيء مما لديه ، وأن يوفقه في جميع حالاته لما يحبه ويرضاه ، فإن أزمة الأمور بيديه وهو يرغب إلى من يقف على هذه الحكومة أن يقوم لله قيام متجرد عن هواه قاصد لرضاء مولاه ، ثم يقرؤها متفكرا ويعيدها ويبديها متدبرا ، ثم يحكم فيها بما يرضي الله ورسوله

١٢

وعباده المؤمنين ، ولا يقابلها بالسب والشتم كفعل الجاهلين والمعاندين ، فإن رأى حقا تبعه وشكر عليه ، وإن رأى باطلا رده على قائله وأهدى الصواب إليه ، فإن الحق لله ورسوله ، والقصد أن تكون كلمة السنة هي العليا جهادا في الله وفي سبيله ، والله عند لسان كل قائل وقلبه ، وهو المطلع على نيته وكسبه ، وما كان أهل التعطيل أولياءه ، ان أولياؤه إلا المتقون ، المؤمنون المصدقون : (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ، وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [التوبة : ١٠٥].

فصل: وهذه أمثال حسان مضروبة للمعطل والمشبه والموحد ، ذكرناها قبل الشروع في المقصود ، فإن ضرب الأمثال مما يأنس به العقل لتقريبها المعقول من المشهود ، وقد قال تعالى ، وكلامه المشتمل على أعظم الحجج وقواطع البراهين : (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ) [الحشر : ٢١] الآية : (وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ) [العنكبوت : ٤٣] وقد اشتمل منها على بضعة وأربعين مثلا ، وكان بعض السلف إذا قرأ مثلا لم يفهمه يشتد بكاؤه ويقول لست من العالمين ، وسنفرد لها ان شاء الله كتابا مستقلا متضمنا لأسرارها ومعانيها وما تضمنته من كنوز العلم وحقائق الإيمان ، والله المستعان وعليه التكلان.

المثل الأول : ثياب المعطل ملطخة بعذرة التحريف ، وشرابه متغير بنجاسة التعطيل. وثياب المشبه متضمخة بدم التشبيه وشرابه متغير بدم التمثيل ، والموحد طاهر الثوب والقلب والبدن ، يخرج شرابه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين.

المثل الثاني : شجرة المعطل مغروسة على شفا جرف هار. وشجرة المشبه قد اجتثت من فوق الأرض ما لها ما قرار. وشجرة الموحد أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون.

المثل الثالث : شجرة المعطل شجرة الزقوم ، فالحلوق السليمة لا تبلعها.

١٣

وشجرة المشبه شجرة الحنظل ، فالنفوس المستقيمة لا تتبعها. وشجرة الموحد طوبى يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها.

المثل الرابع : المعطل قد أعد قلبه لوقاية الحر والبرد كبيت العنكبوت ، والمشبه قد خسف بعقله ، فهو يتجلجل في أرض التشبيه الى البهموت ، وقلب الموحد يطوف حول العرش ناظرا إلى الحي الذي لا يموت.

المثل الخامس : مصباح المعطل قد عصفت عليه أهوية التعطيل فطفئ وما أنار ، ومصباح المشبه قد غرقت فتيلته في عسكر التشبيه فلا تقتبس منه الأنوار ، ومصباح الموحد يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.

المثل السادس : قلب المعطل متعلق بالعدم فهو أحقر الحقير ، وقلب المشبه عابد للصنم الذي قد نحت بالتصوير والتقدير ، والموحد قلبه متعبد لمن ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

المثل السابع : نقود المعطل كلها زيوف فلا تروج علينا ، وبضاعة المشبه كاسدة فلا تنفق لدينا ، وتجارة الموحد ينادي عليها يوم العرض على رءوس الأشهاد هذه بضاعتنا ردت إلينا.

المثل الثامن : المعطل كنافخ الكير اما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة ، والمشبه كبائع الخمر ، اما أن يسكرك واما أن ينجسك ، والموحد كبائع المسك اما أن يحذيك وإما يبيعك واما أن تجد منه رائحة طيبة.

المثل التاسع : المعطل قد تخلف عن سفينة النجاة ولم يركبها فأدركه الطوفان ، والمشبه قد انكسرت به اللجة ، فهو يشاهد الغرق بالعيان ، والموحد قد ركب سفينة نوح ، وقد صاح به الربان : اركبوا فيها باسم الله مجريها ومرساها ، ان ربي لغفور رحيم.

المثل العاشر : منهل المعطل كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم

١٤

يجده شيئا فرجع خاسئا حسيرا. ومشرب المشبه من ماء قد تغير طعمه ولونه وريحه بالنجاسة تغييرا ، ومشرب الموحد من كأس كان مزاجها كافورا ، عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (وقد سميتها بالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية).

وهذا حين الشروع في المحاكمة ، والله المستعان ، وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

١٥

[القصيدة النونية وشرحها]

حكم المحبة ثابت الأركان

ما للصدود بفسخ ذاك يدان

أنى وقاضي الحسن نفذ حكمها

فلذا أقر بذلك الخصمان

وأتت شهود الوصل تشهد أنه

حق جرى في مجلس الإحسان

فتأكد الحكم العزيز فلم يجد

فسخ الوشاة إليه من سلطان

وأتى الوشاة فصادفوا الحكم الذي

حكموا به متيقن البطلان

ما صادف الحكم المحل ولا هو

استوفى الشروط فصار ذا بطلان

فلذاك قاضي الحسن أثبت محضرا

بفساد حكم الهجر والسلوان

وحكى لك الحكم المحال ونقضه

فاسمع إذا يا من له أذنان

حكم الوشاة بغير ما برهان

أن المحبة والصدود لدان

والله ما هذا بحكم مقسط

أين الغرام وصد ذي هجران

شتان بين الحالتين فان ترد

جمعا فما الضدان يجتمعان

المفردات : الأركان جمع ركن ، وهو جانب الشيء الأقوى ـ الصدود الهجر والتمنع ـ يدان تثنية يد بمعنى القدرة ـ أنى بمعنى كيف ، الوشاة جمع واش ، من وشى به يشي وشاية إذا نم عليه وسعى به ، لدان تثنية لدة كعدة وهي الترب أي المساوي ، مسقط أي عادل ، الغرام الجب.

الشرح : بدأ الشيخ قصيدته بالنسب جريا على عادة الشعراء في ذلك ، ولكن لم يعن بالمحبة هنا إلا ما يتعلق منها بالمطالب العالية ، والمعاني الشريفة التي

١٦

تتعشقها القلوب الكبيرة ، وتجد في طلبها ووصالها ، وتسهر الليالي في تحصيلها.

وفي هذه الأبيات يخبر أن حكم تلك المحبة بالجد في طلب المحبوب والظفر بوصله حكم وطيد الأركان ، ثابت الدعائم لا يستطيع الصدود والاعراض فسخه وأبطاله ، كيف وقاضي الحسن والجمال هو المنفذ لذلك الحكم ، مما حمل كلا من الخصمين على الاقرار به. وجاء شهود الوصل يشهدون بحقية ذلك الحكم وثبوته حتى تأكد غاية التأكيد ، وبذلك أصبح حكم الوشاة والعاذلين حكما لاغيا تهاوت منه الأركان فخر صريعا على الأذقان.

ولما أخبر أن حكم المحبة قد توفرت له كل وسائل القوة والتنفيذ وأنه لا سبيل للوشاة الى نقضه وابطاله ، بين حكمهم المنافي لحكم المحبة وهو الداعي إلى الصدود والهجران ، فقال ان الوشاة أدركوا بطلان ذلك الحكم الذي حكموا به بطلانا يقينا ، لأنه حكم لم يصادف محله ، ولا استوفى شروطه ، ومن أجل ذلك حرر قاضي الحسن محضرا بفساد حكم الهجر والسلوان وأنكر على الوشاة زعمهم أن المحبة والصدود لدان ، ثم أقسم أن هذا حكم في غاية الجور وليس بحكم مقسط ، فإنه يسوي بين أمرين متضادين ، ومعلوم ببديهة العقل أن الضدين لا يجتمعان في محل واحد بحيث يتصف بهما في وقت معا :

* * *

يا والها هانت عليه نفسه

إذ باعها غبنا بكل هوان

أتبيع من يهواه نفسك طائعا

بالصد والتعذيب والهجران

أجهلت أوصاف المبيع وقدره

أم كنت ذا جهل بذي الأثمان

واها لقلب لا يفارق طيره الأغ

صان قائمة على الكثبان

ويظل يسجع فوقها ولغيره

منها الثمار وكل قطف دان

ويبيت يبكي والمواصل ضاحك

ويظل يشكو وهو ذو شكران

هذا ولو أن الجمال معلق

بالنجم همّ إليه بالطيران

المفردات : الواله : المتحير من شدة الوجد. الغبن في البيع : النقص من الثمن

١٧

أو غيره واها : كلمة تقال اما للتعجب من الشيء أو للتلهّف والحسرة ـ الكثبان : جمع كثيب ، وهو التل من الرمل ، والسجع : شدو الطير وغناؤه ـ قطف : بكسر القاف بمعنى مقطوف.

الشرح : يخاطب المؤلف بهذه الأبيات المحب الذي لا يرعى شروط المحبة ولا يعرف قدر محبوبه ، فهو مع ما يكابده من الوجد والشوق قد هانت عليه نفسه فلم يعطها حظها من وصل محبوبها لأنه باعه طائعا بأبخس الأثمان ، أعني بالصد والتعذيب والهجران ، وذلك لجهله بوصف ذلك المبيع وقدره وما يستحقه من غالي الأثمان. ثم يلتفت الشيخ متحسرا على ذلك القلب الهائم الذي استبد به الهيام ، فطيره لا يفارق تلك الأغصان القائمة على كثبانها ، ويديم الشدو والغناء فوقها ، ومع ذلك فهو محروم من ثمارها وقطوفها على حين يستمتع بها غيره ممن واتاهم الحظ بوصال ذلك المحبوب ، وهو كذلك يبيت ليله شاكيا باكيا يندب حظه ويتجرع قسوة الحرمان ، على حين يبيت ذو الوصل ضاحكا نشوان.

ولكنه مع كل هذا الحرمان والعذاب في الحب فهو لا يسلو ولا يزال مفتونا بالجمال ، حتى أنه لو وجده معلقا بالثريا لما قعد عن الطيران إليه.

* * *

لله زائرة بليل لم تخف

عسس الأمير ومرصد السجان

قطعت بلاد الشام ثم تيممت

من أرض طيبة مطلع الإيمان

وأتت على وادي العقيق فجاوزت

ميقاته حلا بلا نكران

وأتت على وادي الأراك ولم يكن

قصدا لها فألا بأن ستراني

وأنت على عرفات ثم محسر

ومنى فكم نحرته من قربان

وأتت على الجمرات ثم تيممت

ذات الستور وربة الأركان

هذا وما طافت ولا استلمت ولا

رمت الجمار ولا سعت لقران

المفردات : العسس : في الأصل مصدر عس إذا طاف بالليل : يحرس الناس ويكشف أهل الريبة ، المراد به هنا جماعة الحراس ، المرصد : مكان الرصد.

١٨

التيمم : القصد : أرض طيبة هي المدينة دار الهجرة ، وكانت تسمى يثرب ، المطلع : مكان الطلوع وهو الظهور. وادي العقيق : واد من أودية المدينة ، أهل منه النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفي الحديث «أتاني آت بالعقيق فقال صل في هذا الوادي المبارك ، ثم قل عمرة في حجة». وادي الاراك وعرفات ومحسر ومنى ، كلها أمكنة مشهورة بالحجاز ، ذات الستور : الكعبة المشرفة ، القران : الاحرام بالعمرة والحج معا.

الشرح : يتخيل الشيخ في هذه الأبيات جريا على عادة الشعراء زائرة حسناء قد طرقته ليلا في غير خوف من العيون والارصاد ، وأنها قبل أن تقدم عليه قد قامت برحلة طويلة وطوفت في أماكن كثيرة فاجتازت بلاد الشام قاصدة أرض طيبة التي شع منها نور الحق وصريح الايمان.

ثم أتت على وادي العقيق وهو ميقات أهل المدينة فتجاوزته حلا بدون احرام ومن غير أن ينكر ذلك عليها أحد. ثم أتت على وادي الأراك ، وما بعده من الأماكن التي تؤدى عندها المناسك ، ولم يكن تقصد لقائي ولا تتوقعه ، فأتت على عرفات وهو الجبل المشهور الذي يعتبر الوقوف عليه عشية التاسع من ذي الحجة أعظم أركان الحج ، ثم أفاضت منه إلى وادي محسر وهو المزدلفة ، ويقال له جمع ثم إلى منى التي ترمى عندها الجمار وتنحر القربان ، ثم قصدت بعد ذلك إلى البيت في مكة. وهي مع ذلك لم تطف ولم تسع ولا استلمت الحجر ولا رمت الجمار ولا سعت بين الصفا والمروة من أجل قران ، وهو الجمع بين الحج والعمرة.

وما أشبه زائرة الشيخ هذه ، بما كان يسميه بعض الصحفيين هنا في مصر (بالجاسوسة الحسناء) التي تأتيه بالأخبار وتوافيه بالأسرار ، وهو مدخل لطيف يقدمه الشيخ بين يدي حكايته للمذاهب والمقالات التي كشف عوارها وهتك أستارها فيما سيأتي من أبيات هذه القصيدة الشماء.

* * *

ورقت إلى أعلى الصفا فتيممت

دارا هنالك للمحث العاني

أترى الدليل أعارها أثوابه

والريح أعطتها من الخفقان

١٩

والله لو أن الدليل مكانها

ما كان ذلك منه في امكان

هذا ولو سارت مسير الريح ما

وصلت به ليلا إلى نعمان

سارت وكان دليلها في سيرها

سعد السعود وليس بالدبران

وردت جفار الدمع وهي غزيرة

فلذاك ما احتاجت ورود الضان

وعلت على مين الهوى وتزودت

ذكر الحبيب ووصلة المتداني

المفردات : الصفا : هو الجبل المعروف ، المحث : اسم فاعل من أحثه على كذا بمعنى نشطه ، ومفعوله محذوف أي المحث راحلته ، العاني : الأسير ، الخفقان الاضطراب ومنه خفق الطائر بجناحيه ، نعمان : اسم مكان ويقال له نعمان الأراك ، وسعد السعود والدبران نجمان يكنى بهما عن الاقبال والادبار. جفار : جمع جفر وهي البئر الواسعة ، المين : الكذب.

الشرح : يقول الشيخ : ان تلك الحسناء في رحلتها المباركة الطويلة صعدت على أعلى الصفا ، وأنها قصدت هناك دارا للمحث مطاياه ، المكبل بقيود هواه ، ولعله يقصد بها دار الأرقم بن أبي الأرقم التي كانت أول مدرسة في الاسلام يجتمع فيها النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأصحابه يقرئهم القرآن ويعلمهم عقائد الايمان ، ثم يعجب الشيخ لشأن تلك الزائرة كيف كانت تسير في هذه المتاهات بلا دليل وبسرعة الريح ، حتى أنها قد بزت الدليل في خبرتها والريح في سرعتها ، وكان اهتداؤها في مسيرها بذلك النجم الميمون المسمى بسعد السعود ، وليس بالدبران الذي هو علامة النجس والشؤم ، وأنها وردت آبار الدمع غزارا فاكتفت بها عن كل ورد سواها ، وأنها ربأت بنفسها عن كذب الهوى ، وكان زادها في رحلتها ذكر الحبيب ووصله المتداني القريب.

* * *

وعدت بزورتها فأوفت بالذي

وعدت وكان بملتقى الأجفان

لم يفجأ المشتاق إلا وهي دا

خلة الستور بغير ما استئذان

قالت وقد كشفت نقاب الحسن ما

بالصبر لي عن أن أراك يدان

٢٠