الياقوت في علم الكلام

أبي اسحاق ابراهيم بن نوبخت

الياقوت في علم الكلام

المؤلف:

أبي اسحاق ابراهيم بن نوبخت


المحقق: علي اكبر الضيائي
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي
المطبعة: ستاره
الطبعة: ٢
ISBN: 978-964-8179-78-4
الصفحات: ٩٥
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على نواله ، والصلاة والسّلام على سيدنا محمّد والأطائب من آله.

من تراث الشيعة الأقدمين في علم الكلام ، ولعلّه أوّل كتاب كلامي شيعي كما يعتقده بعض الباحثين ، هذه الرسالة الماثلة أمام القارئ الكريم (الياقوت) ، وهي مع اختصارها الشديد حوت أمّهات المسائل الكلامية ورءوس ما يعتقده الإمامية ، وهي من مؤلفات ابي اسحاق إبراهيم بن نوبخت المعروفة اسرته بالتبرز في علم الكلام.

وكان يؤسفنا أنّ هذا الأثر الممتاز لم يزل مطمورا في زوايا الخمول ولم ينتشر بالشكل اللائق ، حتى قيض الله تعالى الاستاذ المحقّق بمقابلته على نسختين مخطوطتين والتعليق عليه بما يلزم ويتهيأ للطبع بالضوابط المرسومة للمحققين.

ولما كان من أهداف مكتبتنا العامة إحياء التراث الشيعي ، رأينا الاسراع في طبعه مشاركة منا في (مؤتمر الشيخ المفيد) الذي نحن على عتبة انعقاده في هذه السنة ، ونرى أنه مشاركة في إحياء ذكرى هذا العالم الكبير الذي لم يزل ولا يزال مفخرة للشيعة على مدى الأعصار والسنين.

نسأل الله تعالى العون والتوفيق وأن يأخذ بايدينا وجميع العاملين في إحياء مآثر الدين.

قم المقدسة

١٥ رجب ١٤١٣

الامين العام

السيد محمود المرعشي

٤

* فهرس الموضوعات*

الصفحة

المقدمة :

بنو نوبخت.................................................................. ١١

المؤلف..................................................................... ١٣

عهد المؤلف................................................................. ١٥

آراؤه الكلامية............................................................... ١٨

آثاره....................................................................... ٢٠

تحقيق النص................................................................. ٢١

المتن :

في النظر وما يتعلّق به......................................................... ٢٧

في الجوهر والعرض........................................................... ٣٠

في أحكام الجواهر والأعراض................................................... ٣٣

في أن العالم لا يجب أن يكون أبديا............................................ ٣٥

في الموجودات................................................................ ٣٦

في إثبات الصّانع وتوحيده وأحكام صفاته....................................... ٣٨

في أنّ الصفات ثابتة من وجوب وجوده فقط..................................... ٤٣

دقيقة في أنّه تعالى مبتهج بذاته................................................. ٤٤

في العدل................................................................... ٤٥

٥

في أفعال القلوب ونظرائها..................................................... ٥١

في التكاليف................................................................ ٥٤

نكت من التوحيد............................................................ ٥٧

في تتبّع اعتراضات مخالفينا في التوحيد........................................... ٥٩

في تتّبع اعتراضاتهم في مسائل العدل............................................ ٦١

في مسائل الوعد والوعيد...................................................... ٦٣

في تتبّع اعتراضات الخصم على مسائل الوعد والوعيد............................. ٦٦

في النبوّات.................................................................. ٦٧

في تتبّع الاعتراضات على النبوّة................................................ ٦٩

في الإعادة وأحكامها......................................................... ٧١

جمل متفرّقة.................................................................. ٧٢

في عصمة الأنبياء والردّ على مخالفي الملّة أجمع.................................... ٧٣

في الإمامة................................................................... ٧٥

في تتبّع اعتراضات مخالفينا في وجوب الإمامة والعصمة............................. ٧٨

في إثبات إمامة أمير المؤمنين (ع) بعد الرسول (ص) بغير فصل..................... ٨٠

في تتبّع اعتراضاتهم........................................................... ٨١

في تتبّع اعتراضاتهم........................................................... ٨٤

في أدلّة أخر على النصّ...................................................... ٨٥

في إمامة الأحد عشر بعده.................................................... ٨٧

فهرس المصادر :

المصادر العربيّة............................................................... ٨٩

المصادر الفارسيّة............................................................. ٩٤

المصادر الأوروبيّة............................................................. ٩٥

٦

تقديم وشكر

بمناسبة انعقاد مؤتمر الشيخ المفيد أقدّم إلى العالم الإسلامي هذا الكتاب الكلامي القيّم وهو باكورة أعمالي في حقل التحقيق راجيا من الله أن يكون فيه الخير والنّفع وأن يضيف لبنة إلى صرح الفكر الإسلامي ويجلي صفحة هامّة من سفره النفيس وإنّني لأعتذر مسبقا عمّا يكون في هذا العمل من نقص وقصور لا يخلو منهما باحث مهما بذل من الجهد واستفرغ من الوسع.

ولا ينقضي حقّ السيّد أحمد الحسيني من شكري ، لإهدائه إلى نسخته الخطّية من هذا الكتاب.

علي أكبر ضيائي

طهران ـ ١٤١٢ ه‍. ق / ١٩٩٢ م

٧

المقدمة

٨
٩
١٠

بنو نوبخت

بنو نوبخت (١) بيت معروف من الشيعة منسوبون إلى نوبخت الفارسي المنجّم (٢) نبغ منهم كثير من أهل العلم والمعرفة بالكلام والأخبار والنجوم (٣) والفرق الإسلامية واشتهر منهم بعلم الكلام جماعة أشهرهم أبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي وأبو محمد الحسن بن موسى النوبختي وأبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت وكان لهم إلمام بالفلسفة وسائر علوم الأوائل ونظر في الأصول واطلاع على الكتب الفلسفية المترجمة إلى العربية والحركات

__________________

(١). المشهور أنّ نوبخت بضمّ النون والظاهر أنّ هذا معرّب نوبخت بفتح النون وهو لفظ فارسي مركّب معناه جديد البخت والطالع (أفندى ، رياض العلماء ، ٦ / ٨٣) وقال السمعاني : النوبختي بضم النون أو فتحها وفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وفي آخرها التاء المنقوطة من فوقها باثنتين ، هذه النسبة إلى نوبخت وهو اسم لبعض أجداد أبي محمد الحسن بن الحسين بن علي بن عباس بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت (١٣ / ١٨٩ ـ ١٩٠) وأنظر أيضا : ابن الأثير الجزري ، اللباب في تهذيب الأنساب ، ٣ / ٣٢٨ ؛ ابن طاوس ، فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ، النجف ، ٢١١ ـ ٢١٢.

(٢). المسعودى ، علي بن الحسين ، مروج الذهب ، باريس ، ١٨٧٤ م ، ٨ / ٢٩٠ ؛ الخطيب البغدادى ، تاريخ بغداد أو مدينة الإسلام ، بيروت ، دار الكتاب العربي ، ١ / ٦٧ ؛ أبو ريحان البيروني ، الآثار الباقية ، حققه إدوارد زاخائو ، ١٩٢٣ م ، ص ٢٧٠ ؛ الطبرى ، محمد بن جرير ، تاريخ الطبري ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، بيروت ، دار سويدان ، ٧ / ٦٣٢ ، ٦٤٨.

(٣). من مدائحهم بعلم النجوم ما مدحهم به ابن الرّومي الشيعي وأفرط على عادة الشعراء فقال :

أعلم الناس بالنجوم بنو نو

بخت علما لم يأتهم بالحساب

بل بأن شاهدوا السماء علوّا

يترقّى في المكرمات الصعاب

ساوروها بكلّ علياء حتّى

بلغوها مفتوحة الأبواب

راجع عن هذه الابيات : فرج المهموم في تارخ علماء النجوم ، لابن طاوس ، النجف ، ١٣٦٨ ق.

١١

السياسية في عهد الدولة العبّاسية.

ولمّا كان لبعضهم مخالفات يسيرة في خصوص بعض المسائل مع سائر متكلّمي الإمامية وأهل الفقه والحديث منهم ، تعرّض متكلّموا الإمامية لجملة منها في أثناء كتبهم وأشاروا إلى من يوافقهم في تلك المسائل أو يخالفهم.

والظاهر أنّ الشيخ المفيد هو أوّل من أشار إلى هذه الاختلافات الكلامية في كتابه المسمّى ب «أوائل المقالات في المذاهب والمختارات». قال المؤلف (١) في مقدمته : «فإنّي بتوفيق الله ومشيئته مثبت في هذا الكتاب ما آثر إثباته من فرق ما بين الشيعة والمعتزلة وفصل ما بين العدلية من الشيعة ومن ذهب إلى العدل من المعتزلة والفرق ما بينهم من بعد وما بين الإمامية فيما اتّفقوا عليه من خلافهم فيه من الأصول وذاكر في أصل ذلك ما اجتبيته أنا من المذاهب المتفرّعة في أصول التوحيد والعدل والقول من اللّطيف من الكلام وما كان وفاقا منه لبني نوبخت ـ رحمهم‌الله ـ وما هو الخلاف لآرائهم في المقال وما يوافق ذلك مذهبه من أهل الاعتزال وغيرهم من أصحاب الكلام ، ليكون أصلا معتمدا فيما يمتحن للاعتقاد» وقد تعرّض الشّيخ المفيد لآرائهم الكلامية في أثناء كتابه مرّات كثيرة.

وتعرّض تلميذه السّيّد المرتضى لبعض آرائهم في كتاب الذخيرة وجاء بعدهما شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي وأشار إلى آرائهم في كتاب تمهيد الأصول في علم الكلام وهو شرح على القسم النظري من جمل العلم والعمل للسّيّد المرتضى وأيضا الفيلسوف الكبير خواجه نصير الدين الطوسي في كتاب تلخيص المحصّل والعلامة الحلّي في كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد وكتاب أنوار الملكوت في شرح الياقوت وجمال الدين مقداد بن عبد الله السّيوري الحلّي في كتاب إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين.

ثم انتشرت آراؤهم في الكتب الكلامية وذاعت شهرتهم بين متكلّمي الإمامية و

__________________

(١). المفيد ، أوائل المقالات ، ٢ ـ ١.

١٢

المعتزلة وتعرّضت آراؤهم للبحث والنقد في عالم الفكر الإسلامي.

المؤلّف

اسمه أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت على ما قاله العلّامة الحلّي في مقدّمة كتاب أنوار الملكوت في شرح الياقوت : «قد صنّف شيخنا الأقدم وإمامنا الأعظم أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت ـ قدّست روحه الزكيّة ونفسه العليّة ـ مختصرا سمّاه الياقوت (١)». لكنّه اشتهر باسم ابن نوبخت في الكتب الكلامية.

امّا المؤرّخون فاختلفوا في اسمه ، فقال الميرزا عبد الله أفندي الأصبهاني : «ابن نوبخت قد يطلق على الشيخ إسماعيل بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت الفاضل المتكلّم المعروف الذي هو من قدماء الإمامية ، صاحب الياقوت في علم الكلام (٢)» وقال : إنّ هذا الاسم أعني ـ ابن نوبخت ـ يطلق على إسماعيل بن نوبخت الذي كان معاصراً لابن نواس الشاعر وعلى الشيخ إسماعيل بن على بن نوبخت المتكلّم الذي كان من كبار الشيعة وعلى أبي الحسن علي بن أحمد بن نوبخت (٣) ولا ندري ما هو مستنده في هذا القول ولكنّنا وجدنا في الكتب الكلامية أنّ هذا الاسم ـ أي ابن نوبخت ـ يطلق فقط على مؤلّف الياقوت ، لا غيره من بني نوبخت.

وقال السيد حسن الصدر : «أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت صاحب كتاب الياقوت في الكلام الذي شرحه العلّامة ابن المطهّر الحلّي» ثم أشار إلى قول العلّامة في مقدّمة كتاب أنوار الملكوت في أنّ مؤلّف الياقوت هو أبو إسحاق ابن نوبخت ولكنّه لم يشر إلى اسمه أعني ابراهيم وزعم أنّ اسمه إسماعيل (٤).

__________________

(١). أنوار الملكوت ، ص ٢.

(٢). رياض العلماء : ٦ / ٣٨.

(٣). نفس المصدر وانظر قول محسن الأمين في : أعيان الشيعة ، ٢ / ٢٧٤.

(٤). الشيعة وفنون الإسلام ، ٦٩ ؛ تأسيس الشيعة ، ٣٦٤ ـ ٣٦٥.

١٣

وقال الشيخ عباس القمي (١) : «ومن غلمان أبي سهل أبو الحسن السوسنجردي واسمه محمد بن بشير ويعرف بالحمدوني منسوبا إلى آل حمدون وحفيده أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن أبي سهل صاحب كتاب الياقوت في الكلام الذي شرحه العلّامة (ره)».

وقال محمد إقبال الآشتياني (٢) : «كلّما ذكر في الكتب الكلامية قول من الياقوت ذكر اسم المؤلّف «ابن نوبخت» ، إلّا أنّ العلّامة في مقدّمة أنوار الملكوت ذكر أنّه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت وهذه الكنية والاسم رأيتهما في ثلاث نسخ من كتاب أنوار الملكوت بشكل واحد وبدون اختلاف ومع تصريح العلّامة باسم المؤلّف ما علمت دليل الميرزا عبد الله أفندي المؤلّف رياض العلماء ومن تبعه من المؤلفين المتأخّرين في العراق وسوريا بأنّ اسم المؤلّف إسماعيل وانّه إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت ومستند صاحب الرياض في ذلك غير معلوم».

وتردّد محقّق كتاب أنوار الملكوت (٣) في اسم المؤلّف وقال : «لكنّني لا أرى ترجيحا لقول العلّامة على قول صاحب الرياض ، إذ لو كان قرب عهد المؤلّف من العلّامة مرجّحا لقوله ، فتضلّع صاحب الرياض في تراجم العلماء وتبحّره فيه أيضا يرجّح قوله» ولكنّه اختار في نهاية القول ما قاله العلّامة ، لأنّ خلاف ذلك يحتاج إلى دليل قاطع.

وأمّا مستند قول الميرزا عبد الله أفندي في اسم أبيه وجدّه فغير معلوم أيضا وتبعه في ذلك الشيخ عباس القمي والسيد حسن الصدر وأمّا إذا علمنا أنّ عهد المؤلّف بعيد جدّا عن عهد أبي سهل بحيث يبعد أن يكون المؤلّف حفيدا له ولنا دلائل تؤيّد ذلك ، فإنّا نشكّ في ما قاله أفندي الأصبهاني في اسم ابيه وجدّه.

__________________

(١). الكنى والألقاب ، ١ / ٩٤ ـ ٩٥.

(٢). خاندان نوبختي ، ١٦٧.

(٣). أنوار الملكوت ، «و» مقدمة.

١٤

وجاء في كتاب بعض مثالب النّواصب في نقض بعض فضائح الرّوافض (١) الّذي ألّف في حدود ٥٦٠ ق اسم إبراهيم النّوبختي ولكن لا ندري أهو مؤلّف الياقوت ، أم هو إبراهيم آخر غير مؤلّف هذا الكتاب وأمّا إبراهيم الذي أشار إليه الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة (٢) فهو غير مؤلّف الياقوت ، لأنّ من ذكره ، الشّيخ كان حيّا في أواخر القرن الثالث أو أوائل القرن الرابع وعهد المؤلّف ـ أعني أبا إسحاق إبراهيم بن نوبخت ـ في رأينا بعيد عنه جدّا.

عهد المؤلّف

وقع في تحديد عهد المؤلّف خلاف كبير بين المؤرّخين الإسلاميين والمستشرقين.

لم يحدّد الميرزا عبد الله أفندي (٣) عهد المؤلّف ، لكنّه يعتقد أنّ مؤلّف الياقوت هو حفيد أبي سهل بن نوبخت (كان حيّا في القرن الثاني) وهذا يعني أنّ أبا إسحاق كان يعيش في حدود القرن الثالث وزعم السيد حسن الصدر (٤) ـ رحمه‌الله تعالى ـ أنّ أبا إسحاق عاش في القرن الثاني واستند إلى قول الجاحظ البصري (٥) :

«كان أبو نواس يرتعي (٦) على خوان إسماعيل بن نوبخت كما ترتعي الإبل في الحمض (٧) بعد طول الخلّة (٨) ، ثمّ كان جزاؤه منه أنّه قال :

خبز إسماعيل كالوشى (٩)

إذا ما شقّ يرفا

__________________

(١). ٢ / ١٨٤ ، ١٨٦.

(٢). صص ٢٢٦ ـ ٢٢٧ ؛ خاندان نوبختي ، ١٧٠.

(٣). رياض العلماء ٦ / ٣٨.

(٤). تأسيس الشيعة ، ٣٦٤ ـ ٣٦٥.

(٥). البخلاء ، ص ١٠٥.

(٦). يرتعي : يأكل.

(٧). الحمض : ما كان فيه ملوحة.

(٨). الخلة : خلاف الحمض.

(٩). الوشى : الثوب المرقوم.

١٥

ثم قال الصدر : «أبو نواس مات سنة ثمان وتسعين ومائة وقيل : قبل ذلك ، فلا بدّ أن يكون إسماعيل بن إسحاق المذكور من أعيان المائة الثانية ولا أعرف إسماعيل قبله في آل نوبخت» ثمّ استند إلى قول الميرزا أفندي في أنّ إسماعيل بن نوبخت كان معاصرا لأبي نواس الشاعر ولكن ليس لدينا أيّ دليل على أنّ اسمه إسماعيل ، لا إبراهيم ومع هذا الشكّ يبقى دليل السيد الصدر مشكوكا فيه.

وزعم الفاضل عباس إقبال الآشتياني (١) أنّ أبا إسحاق ابن نوبخت صنّف الياقوت في حدود ٣٤٠ ق / ٩٥٠ م وله دلائل متعدّدة تؤيّد نظره واشتهر هذا القول عنه بين المستشرقين (٢).

وامّا ما ذهب إليه ابنا نوبخت في معنى المكلّف ، على ما قاله السيد المرتضى (٣) فلا نعلم ما المراد منهما ، لا سيّما اذا علمنا أنّ الشيخ ابن نوبخت ذهب إلى خلاف ما نسب إلى ابني نوبخت في معنى المكلّف.

نقل بول كراوز (٤) عن الميرزا محمد خان القزويني أنّ منهج أبي إسحاق ابن نوبخت في تأليف الياقوت يدلّ أنّ عهد المؤلّف قريب من عهد العلّامة الحلّي (ت. ٧٢٦ ه‍. ق).

واعتقد هنري كوربن (٥) أنّ أبا إسحاق هو أوّل من نظم الفلسفة الإسلامية في كتاب

__________________

(١). خاندان نوبختي ، ١٦٨ ـ ١٧٠.

(٢). فؤاد سزكين ، تاريخ التراث العربي ، ١ (٣) / ٢٩٥ ـ ٢٩٦ ؛ كارل بروكلمان ، تاريخ الأدب العربي ، ٣ / ٣٢٨ ـ ٣٢٩.

(٣). الذخيرة ، ١١٤ ، قال السيد المرتضى : «قالوا : إنّ الحيّ الفعّال هو الذّات من الذوات ، ليست بجوهر متحيز ولا حالّ ولا عرض في هذه الجملة وإن كان يفعل فيها ويدبّرها ويصرفها وهذا المذهب محكيّ عن معمّر وإليه كان يذهب ابنا نوبخت.

(٤).Paul Kraus "Raziana ,I ",Orientalia ,IV] ٥٣٩١ [,P. ٦٠٣

وانظر أيضا في : محمد بن زكريا الرازي ، السيرة الفلسفية ، حققه بول كراوز وترجمه إلى الفارسية عباس إقبال ، يونسكو ، ٨٣ ـ ٨٤ (مقدمة).

(٥). Henry Corbin," Imamologie Et Philosophie", Le Shi\'isme Imamite. Paris ١٩٧٠P ٦٤١

١٦

الياقوت في حدود ٣٥٠ ق / ٩٦١ م وتبعه خواجه نصير الدين الطوسي وأتمّ فعله.

وقد أشرنا إلى أقوال العلماء في تحديد عهد المؤلّف ونحن نعتقد أنّ المؤلّف عاش بين النصف الثاني من القرن الخامس والنّصف الأوّل من القرن السّابع ولنا دلائل متعدّدة نشير إليها بالاختصار كما يلي :

١. إنّ المعتقدات الكلامية للمصنّف في هذا الكتاب لا تناسب الأفكار التي نسبها الشيخ المفيد إلى بني نوبخت في كتاب أوائل المقالات والّتي نسبها السيد المرتضى في كتاب الذخيرة (١) والشيخ الطوسي في كتاب تمهيد الأصول في علم الكلام (٢).

والظاهر أنّ ولفرد مادلونغ هو أوّل من نبّه على هذا الموضوع من المقارنة بين أقوال بني نوبخت في أوائل المقالات وكتاب الياقوت وأعتقد أنّ زمن تأليف الياقوت يجب أن يكون القرن الخامس أو بعده (٣).

٢. ذهب أبو إسحاق ابن نوبخت إلى أنّ مناط حاجة الممكن إلى العلّة هو الإمكان. وقال خواجه نصير الدين الطوسي : «والقائلون بكون الإمكان علّة الحاجة هم الفلاسفة والمتأخرون من المتكلّمين والقائلون بكون الحدوث علّة لها هم الأقدمون منهم (٤)».

والجدير بالذكر أنّ خواجه نصير الدين الطّوسي ولد في ٥٩٧ ق ومات في ٦٧٢ ق وهذا يدلّ على أنّ أبا إسحاق كان معاصرا لنصير الدين الطوسي.

٣. شرح هذا الكتاب ابن أبي الحديد المعتزلي (٥) الذي مات في سنة ٦٥٦ ق وهذا يعني أنّ زمن تأليف الياقوت لا يكون بعد النصف الأوّل من القرن السّابع والمقارنة بين هذا

__________________

(١). ص ١١٤.

(٢). ص ١٦٤.

(٣). Wilferd Madelung." Imamism And Mutazilite Theology", La Shiisme Imamite, Paris ، ١٩٧٠ ، P. ٥١.

(٤). تلخيص المحصّل ، ١٢٠.

(٥). محمد باقر الخوانساري ، روضات الجنات ، ٥ / ٢٢ ؛ السيد حسن الصدر ، تأسيس الشيعة ، ٣٦٥.

١٧

الكتاب وكتاب محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين لفخر الدين الرازي (ت. ٦٠٦ ق) تكشف لنا أنّ الياقوت قد ألّف على ترتيب كتاب الرازي والمؤلّف ـ أي أبو إسحاق ـ قبل بعض آراء الرازي وردّ على البعض الآخر (١).

آراؤه الكلامية

نشير إليها كما يلي :

١. ذهبت الحكماء إلى زيادة الوجود على الماهية في الذهن ، لا في الخارج واستدلّوا على ذلك بصحّة سلب الوجود عن الماهية وبافتقار حمل الوجود على الماهية إلى الدليل وبانفكاك الماهية من الوجود في الذهن وبلزوم اتّحاد كلّ الماهيّات لو كان الوجود عينا لها وبلزوم التسلسل لو كان الوجود جزءا للماهية (٢).

أما أبو الحسن الأشعري وأبو الحسين البصري وأبو إسحاق ابن نوبخت فذهبوا إلى أنّ الوجود هو نفس الماهيّات ، واجبة كانت أو ممكنة (٣).

٢. ذهب الشيخ أبو إسحاق إلى أن الإيمان هو التّصديق القلبي فقط ، كما ذهب إليه كمال الدّين ابن ميثم في قواعده (٤) وجمال الدّين مقداد بن عبد الله السّيوري الحلّي في إرشاده (٥) وامّا المحقّق الطّوسي والعلّامة الحلّي فذهبا إلى أنّه التصديق بالقلب واللسان معا (٦) وذهب ابن أبي الجمهور الأحسائي (٧) إلى أنّ الإيمان لغة هو التّصديق وأمّا شرعا فهو التّصديق

__________________

(١). قد تعرض الشيخ أبو إسحاق ابن نوبخت لتعريف الموجود على رأي الحكماء والمتكلمين معا ، مثلما عرّفه فخر الدين الرازي في كتاب المحصّل ، راجع عنه : تلخيص المحصّل ، قول الماتن ، ص ٩٣ ، ١٢٢.

(٢). راجع : الحاج ملا هادي السبزواري ، غرر الفرائد في فن الحكمة ، ١ / ٤٥ ـ ٥٠.

(٣). أنوار الملكوت ، ٤٧.

(٤). قواعد المرام ، ١٧٠ ـ ١٧١.

(٥). إرشاد الطالبين ، ٤٤٢.

(٦). إرشاد الطالبين ، ٤٣٨.

(٧). التحفة الكلامية ، مخطوط ، ٥١ ـ ٥٤.

١٨

القلبي للرسول في كلّ ما علم مجيئه به بالضّرورة ، أي فيما علم أنّه من الدّين ، بحيث يعلمه العامّة من غير افتقار إلى نظر واستدلال ، كوجوب الصّلاة وحرمة الخمر ونحو ذلك.

٣. ذهب الشيخ أبو إسحاق ابن نوبخت إلى أنّ الأجسام يجوز خلوّها عن الأعراض إلّا اللّون والطّعم والرّائحة كالهواء وذهبت المعتزلة والحكماء وفخر الدين الرازي والعلّامة الحلّي إلى جواز خلوّها عن الأعراض إلّا الكون وقيّد المحقّق الطّوسي بالمذوقة والمرثية والمشمومة وخالفت الأشاعرة في ذلك وقالوا بامتناع خلوّها عن شيء من الأعراض (١).

٤. ومن معتقداته أنّ ماهيته تعالى معلومة كوجوده (٢).

٥. وإنّ ماهيته تعالى الوجود المعلوم.

٦. واعتقد انّ اللّذّة العقليّة عليه تعالى جائزة ، مع تفسيرها بإرادة الكمال من حيث أنّه كمال (٣).

٧. وذهب إلى انّ استحقاق الثّواب والعقاب سمعيّ ، لا عقليّ وأمّا جمهور المعتزلة فيذهب إلى أنّه عقليّ ، لا سمعي (٤).

٨. وذهب إلى أنّ العلم بدوام الثواب والعقاب سمعيّ وقالت المعتزلة أنّه عقليّ واختاره المحقق الطوسي والعلّامة الحلّي وذهبت المرجئة إلى أنّه سمعي (٥).

٩. وله في مبحث الإرادة والحركة والسكون آراء يطول ذكرها.

__________________

(١). إرشاد الطالبين ، ٥٧.

(٢). نفس المصدر.

(٣). رجال الخاقاني ، ١٤٦ ـ ١٤٧.

(٤). أنوار الملكوت ، ص ١٧٠ ـ ١٧١.

(٥). كشف المراد ، ص ٤٣٦ ـ ٤٣٧.

١٩

آثاره

الف : الياقوت

وهو هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ وهو كلّ ما وصل إلينا من المصنّف وقد أشرنا إلى بعض آراء المصنّف في هذا الكتاب. وأوّل من شرح هذا الكتاب عبد الحميد بن محمد المدائني المعروف بابن أبي الحديد (١) ثمّ شرحه العلّامة الحلّي وسمّاه أنوار الملكوت في شرح الياقوت وحقّقه السيد محمد النّجمي الزنجاني وطبع في جامعة طهران وأعيد بالأوفست في ١٣٦٣ ش في قم المقدسة ومع ذلك وجدنا فيه أخطاء كثيرة وقمنا بتحقيقه مرة أخرى وقوّمنا متنه واستخرجنا الأقوال وعلّقنا عليه وسيخرج قريبا إن شاء الله تعالى.

ومن الجدير بالذّكر أنّ المقارنة بين المباحث الكلامية المطروحة في كتابي الياقوت ونهج المسترشدين للعلامة الحلّي ترشدنا إلى أنّ العلّامة كان إلى حدّ كبير متأثّرا بابن نوبخت وأسلوبه البياني في كتاب الياقوت.

وشرح أنوار الملكوت السيد عميد الدين الأعرجي الحلّى وقمنا بتحقيقه أيضا وعرّفنا به في مجلّة تراثنا الرقم ٢٧.

ثمّ شرح الياقوت أيضا الشيخ شهاب الدين إسماعيل بن الشيخ شرف الدين أبي عبد الله الحسين العاملي وسمّاه أرجوزة في شرح الياقوت (٢).

ب : الابتهاج

والمراد منه اللذّة العقلية واتّفق الحكماء وبعض المتكلّمين على ثبوتها لله تعالى ، لأنّه

__________________

(١). محمد باقر الخوانساري ، روضات الجنّات ، ٥ / ٢٢ ؛ السيد حسن الصدر ، تأسيس الشيعة ، ٣٦٥.

(٢). رياض العلماء ، ١ / ٨٣ ؛ إعجاز حسين النيسابوري الكنتوري ، كشف الحجب والأستار عن أسماء الكتب والأسفار ، الرقم ١٦٥ ؛ الذريعة ، ١ / ٤٨٠.

٢٠