أسباب النّزول القرآني

المؤلف:

دكتور غازي عناية


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الجيل
🚘 نسخة غير مصححة

١

٢
٣

بسم الله الرحمن الرحيم

الاهداء

إلى من أنار الله بصائرهم بنور الحق،

وهدى قلوبهم لعرائض العلم، ونوّر عقولهم بأنوار الهداية،

طلبا للعلم، ومدارسة القرآن من شباب عالمنا الإسلامي من طلاب الجامعات،

ورواد المعرفة، والثقافة الإسلامية.

٤

مقدمة الكتاب

تكمن أهمية دراسة علم أسباب النزول القرآني ، في كونها المدخل الصائب ، والطريق المنير لتفسير آيات القرآن الكريم ، والوقوف على حقائقها ، ومعانيها ، وأحكامها ، وحكمها ، حيث تتأصل العلاقة الوثيقة ، والحتمية بين علمي التفسير ، والأسباب ، حيث يمتنع تفسير الآية دون الوقوف على سبب نزولها ، وقصد سبيلها.

قال الواحدي : لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها ، وبيان سبب نزولها.

وقال ابن دقيق العيد : بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن.

وقال ابن تيمية : معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية ، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب.

ولقد أصّل الصحابة (رضوان الله عليهم) التفسير الصحيح لمعاني القرآن الكريم ، بسبب ملازمتهم لنزول الوحي ، ووقوفهم على أسباب النزول القرآني.

يقول الواحدي : ولا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية ، والسماع ممن شاهدوا التنزيل ، ووقفوا على الأسباب ، وبحثوا في علمها.

ولقد أنكر الواحدي ، وغيره تفسير معاني القرآن عن الجهالة ، ودون الوقوف على معرفة أسباب النزول ، محذرا ، وموعظا بالكذب على القرآن.

قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (اتّقوا الحديث إلا ما علمتم ، فإنه من كذب عليّ

٥

متعمدا فليتبوأ مقعده من النّار ، ومن كذب على القرآن من غير علم. فليتبوأ مقعده من النّار).

وعلى هذا كان السلف الصالح من العلماء ، وكان سدادهم يتأصل في الاحتراز عن التفسير دون الوقوف على سبب النزول ، وتأصيلا للحكمة السامية ، والفرضية الواجبة في تيسير ، وتسهيل الاطلاع ، والوقوف على أسباب النزول القرآني ، حدتني الرغبة العلمية الهادفة إلى وضع كتابي هذا بعنوان أسباب النزول القرآني ، مستجديا فيه الرحمة الربانية ، والعناية الإلهية في التوفيق ، والهداية ، حافزي في ذلك تدريسي لهذه المادة ، وإلقاء محاضرات فيها على مسامع طالباتى وطلابي في جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية ، آملا من الله أن أكون قد وفقت في طرح هذا المرجع في أسباب النزول القرآني بأسلوب قريب إلى الأذهان في التناول ، وبسلاسة لغوية في التلطف ، وشمولية سامية في التناول لكل الآيات التي لها أسباب نزول. ومن أجل تحقيق هذه الغاية فقد حاولت جهدي الجمع في التناول للآيات ، وأسباب نزولها في كتابي : الواحدي ، والسيوطي ، موفقا بين الروايات ، وجامعا بين الآيات.

هذا وقد انفردت بكتابي هذا عن كتابي : الواحدي ، والسيوطي في أنني عاينت بعض الموضوعات التي لها علاقة وثيقة بأسباب النزول القرآني ، وأهمها : موضوعات عموم اللفظ وخصوص السبب ، وصيغ سبب النزول ، وتعدد الروايات في أسباب النزول ، والحكمة من الوقوف على أسباب النزول ، إضافة إلى الأمثلة على أسباب النزول القرآني.

هذا وقد استهديت في ذلك بخطة الدراسة المبرمجة في جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية ، حيث حاولت تغطية المادة المقررة على

٦

طلاب هذه الجامعة الفتية ، داعيا إلى الله السداد في الرأي ، والجد في العمل ، والرجاء في التوفيق.

هذا وقد ضمنت هذه الدراسة لأسباب النزول القرآني أربعة أبواب ، هي :

الباب الأول : التعريف بعلم أسباب النزول القرآني.

الباب الثاني : عموم اللفظ وخصوص السبب.

الباب الثالث : صيغ وروايات أسباب النزول القرآني.

الباب الرابع : الآيات التى لها سبب نزول.

دكتور : غازي عناية

قسنطينة في ١ / ٥ / ١٤٠٧ ه‍

١ / ١ / ١٩٨٧

٧
٨

الباب الأول

التعريف بعلم أسباب النزول القرآني

مقدمة

أهمية العناية بأسباب النزول القرآني

إن ضرورة معرفة سبب النزول القرآني ، تقتضيها ضرورة التفسير الدقيق ، والواضح للقرآن الكريم ، حتى أن العلماء المحققين منعوا من يجهل أسباب النزول من تفسير كتاب الله.

يقول الواحدي : «لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها ، وبيان سبب نزولها» (١) ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : «معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية ، فإن العمل بالسبب يورّث العلم بالمسبب» (٢).

ويقول ابن دقيق العيد : «معرفة سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن» (٣).

ويقول أبو الفتح القشيري : «بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز ، وهو أمر تحصّل للصحابة بقرائن تحتفّ بالقضايا» (٤).

وتؤصل أقوال العلماء تلك العلاقة الوثيقة بين علمي التفسير ، وأسباب النزول ، وهما : أهم علوم القرآن الكريم ، ولقد نبغ الصحابة

__________________

(١) الواحدي ، كتاب : أسباب النزول ، ص : ٣.

(٢) السيوطي ، كتاب : الإتقان في علوم القرآن ، ج ١ ، ص : ٢٩.

(٣) السيوطي ، الإتقان ، ج ١ ، ص : ٢٩.

(٤) الزركشي ، كتاب : البرهان في علوم القرآن ، ج ١ ، ص : ٢٢.

٩

(رضوان الله عليهم) ، بسبب ملازمتهم للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومعاصرتهم لنزول الوحي في التفسير الصحيح ، والفهم الدقيق لمعاني القرآن الكريم ، وفي الوقوف على أسباب النزول القرآني ، وبالتالي فهم الذين أرسوا الدعائم الأساسية لعلوم القرآن ، وأهمها : علما التفسير ، وأسباب النزول ، ومن أشهرهم :

الخلفاء الأربعة : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي.

والعبادلة الأربعة : عبد الله بن عباس ، عبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر.

والصحابة : زيد بن ثابت ، أبيّ بن كعب ، وأبو موسى الأشعري.

ولقد توالى اهتمام العلماء المسلمين بعد عصر الصحابة بتأصيل دعائم علمي التفسير ، وأسباب النزول ، ومن أشهرهم :

القرن الأول ـ التابعين : مجاهد ، وعطاء ، وعكرمة ، وقتادة ، والحسن البصري ، سعيد بن جبير ، وزيد بن أسلم ، وطاوس ، وأبو العالية.

القرن الثاني ـ تابعي التابعين : مالك بن أنس ، وقد أخذ عن زيد بن أسلم ، وشعبة بن الحجاج (١) ، ووكيع بن الجراح (٢) وسفيان بن عيينة (٣).

القرن الثالث : علي بن المديني ، شيخ البخاري في أسباب النزول (٤).

__________________

(١) شعبة بن الحجاج بن الورد العتقي الأزدي الواسطي ، ويكنّى أبا بسطام ، وهو محدث البصرة ، وسمع أربعمائة تابعي ، توفي سنة ١٦٠ ه‍.

(٢) وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي ، ويكنّى أبا سفيان ، وهو كوفي سمع الأعمش ، والأوزاعي ، وسفيان الثوري ، وروى عنه يحيي بن آدم ، وأحمد بن حنبل ، وعلى بن المديني ، ولد سنة ١٢٨ ه‍ وتوفي سنة ١٩٧ ه‍.

(٣) سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي ، وهو شيخ الحجازيين في التفسير ، والحديث ، توفي سنة ١٩٨ ه‍.

(٤) على بن المديني ، وهو على بن عبد الله بن جعفر ، ويكنى أبا جعفر ، توفي سنة ٢٣٤ ه‍.

١٠

القرن الرابع : ابن جرير الطبري ، في التفسير ، وأسباب النزول (١)

القرن الخامس : الواحدي ، في أسباب النزول (٢).

القرن السادس : أبو القاسم السهيلي ، في مبهمات القرآن (٣).

القرن السابع : السخاوي ، في التفسير (٤) والقراءات.

القرن الثامن : الجعبري ، في أسباب النزول (٥).

القرن التاسع : ابن حجر العسقلاني ، في أسباب النزول (٦).

القرن العاشر : السيوطي ، في التفسير ، وأسباب النزول (٧).

__________________

(١) ابن جرير الطبري محمد بن جرير بن يزيد ، ويكنى أبا جعفر ، ولد في طبرستان ، سنة ٢٢٤ ه‍ ، وتوفي ببغداد سنة ٣١٠ ه‍.

(٢) الواحدي ، وهو علي بن أحمد ، ويكنى أبا الحسين ، نحوي ومفسر ، توفي سنة ٤٢٧ ه‍.

(٣) عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد ، ويكنى أبا القاسم ، صاحب كتاب : مبهمات القرآن ، توفي بمراكش سنة ٥٨١ ه‍.

(٤) على بن محمد له السخاوية ، وهي منظومة في القراءات ، توفي سنة ٦٣٤ ه‍.

(٥) وهو برهان الدين بن عمر ، له كنز المعاني في علوم القرآن ، توفي سنة ٧٣٢ ه‍.

(٦) وهو أبو الفضل شهاب الدين الحافظ ، ينسب إلى عسقلان فلسطين ، توفي سنة ٨٥٢ ه‍.

(٧) جلال الدين عبد الرحمن من جنوب مصر من أسيوط توفي سنة ٩١١ ه‍.

١١

الفصل الأول

التعريف بسبب النزول القرآني

كان أمين الأرض المصطفى (صلوات الله عليه) يتلقى القرآن من أمين السماء ، جبريل (عليه‌السلام) بتلهف ، وشغف كبيرين ، وكان يتعجّل به ، فنزل قوله تعالى : (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) (القيامة : ١٦) وكان الصحابة (رضوان الله عليهم) يتلقون القرآن من نبيهم بشغف وتلهف كبيرين أيضا ، وكان التلقّي النبوي ، والصحابي للقرآن حفظا ، وتلاوة ، وتدبرا ، وعملا لأحكامه ، وفرائضه.

روي عن أبي عبد الرحمن السلمي ، أنه قال : «حدثنا الذين كانوا يقرءوننا القرآن ، كعثمان بن عفان ، وعبد الله بن مسعود ، وغيرهما ، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم ، والعمل. قالوا : فتعلمنا القرآن ، والعلم ، والعمل جميعا» (١).

وقد جاء النزول القرآني بعقيدة جديدة هي عقيدة التوحيد ، ودين جديد هو دين الإسلام ، وأحكام ، وفرائض ، وتشريعات ، هي من نوع جديد لم يألفه العرب في حياتهم ، مما فتح الأذهان ، وهيأ النفوس ، وحفز الأفراد إلى ترديد التساؤلات ، والتوجه بالاستفسارات ، وأقبل الجميع على النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يستوضحون ، ويتثبّتون.

وكان أهل البيت والصحابة ، والأنصار ، والمهاجرون ، وأهل الأمصار ، وأهل البداوة يسألون. وكان الكفار من أهل الكتب السماوية

__________________

(١) متفق عليه.

١٢

والمشركون من عبدة الأوثان ، والمنافقون من أهل الشرك ، والرياء يسألون.

وكان القرآن ينزل بسبب هذه التساؤلات ، وتلك الاستفسارات مجيبا عنها موضحا ، مفصلا ، ومبينا لها ، ولأحكامها ، وقد أطلق على تلك الأسئلة ، والاستفسارات ، أسباب النزول.

فسبب النزول إذا : ما هو إلا سؤال ، أو استفسار ، أو استيضاح ، أو استبيان ، أو واقعة ، أو حادثة ، أو قصة ، أو حكاية وقعت ، ونزل القرآن من أجلها ، مجيبا عنها ، مفصلا لها ، مؤصلا لحكم الله فيها.

ويشترط في سبب النزول أن ينزل القرآن من أجله ، وبسببه أولا ، وأن ينزل القرآن في زمن وقوعه ثانيا.

يقول الإمام السيوطي : «والذي يتحرر في سبب النزول ، أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه ، ليخرج ما ذكره الواحدي في تفسيره في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة به ، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء ، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية ، كذكر قصة نوح ، وعاد ، وثمود ، وبناء البيت ، ونحو ذلك. وكذلك ذكره في قوله تعالى : (وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً) (النساء : ١٢٥). سبب اتخاذه خليلا ، فليس ذلك من أسباب النزول كما لا يخفى (١) ، ومن هنا فإن سبب النزول ينحصر فقط في السؤال ، أو الواقعة ، أو السبب الذي نزلت الآية ، أو الآيات القرآنية زمن وقوعه ، أو زمن حدوثه.

وإذا رمزنا إلى تلك الأسئلة والاستفسارات ، والوقائع ، أسباب النزول القرآني ، أو استعضنا عنها باسم الموصول : كالذي ، أو ما ـ فيمكننا أن نعرف سبب النزول كما يأتي :

سبب النزول «هو ما نزل القرآن من أجله ، للإجابة عنه ، أو لبيان

__________________

(١) السيوطي ، الإتقان ، ج ١ ، ص : ٣٢.

١٣

حكمه زمن وقوعه».

أو «هو ما نزلت السورة بسببه ، للإجابة عنه ، أو لبيان حكمه زمن وقوعه».

أو «هو ما نزلت الآية بشأنه ، للإجابة عنه ، أو لبيان حكمه زمن وقوعه».

النزول القرآني الابتدائي :

يقول الإمام الجعبري : «نزل القرآن على قسمين : قسم نزل ابتداء ، وقسم نزل عقب واقعة ، أو سؤال» (١).

ويفهم من هذا أنه ليس لكل نزول قرآني سبب ، فكثير من الآيات والسور القرآنية كانت تنزل ابتداء ، وليس كل النزول القرآني ، كان وقفا في نزوله على الوقائع ، والأسئلة. ومن هذا النزول القرآني الذي كان يقع ابتداء : الآيات ، والسور النازلة في قصص الأنبياء ، والرسل مع أقوامهم ، والآيات النازلة في وصف الوقائع ، والأحوال السابقة ، والآيات النازلة في الأمور الغيبية : كقيام الساعة ، ومشاهد البعث ، والجنة ، والنار ، وأحوال النعيم ، والعذاب ، وغيرها : كأمور العقيدة ، والأركان ، والأخلاق ، إلخ ..

فمثل هذه الآيات لم تنزل إجابة لسؤال ، أو توضيحا لواقعة ، فلا يلتمس لها سبب ، وإنما نزلت ابتداء ، ولذا يجب التفريق بينها وبين الآيات التي نزلت ، ولها أسباب.

وغني عن القول : بأن هذا التفريق لا يتعارض البتّة مع إخبار بعض الصحابة عن مدى علمهم بأسباب النزول القرآني ، كقول الإمام علي كرم الله وجهه : «والله ما نزلت آية إلا وأنا أعلم فيم نزلت» (٢). وكقول عبد

__________________

(١) السيوطي ، الإتقان ، ج ١ ، ص : ٢٩.

(٢) السيوطي ، الإتقان ، ج ١ ، ص : ٢٩.

١٤

الله بن مسعود (رضي الله عنه) : «والله ما نزلت آية إلا وأنا أعلم فيم نزلت ، وفيمن نزلت ، وأين نزلت» (١).

فقولهم هذا يحمل على شيء من المبالغة ، حفزا للناس على تلقي القرآن بعلومه عنهم ، فمن الصعب الحكم على علم الصحابة الشامل لأسباب النزول ، فضلا عن أن قولهم لا يتناول ما نزل من القرآن ابتداء ، فليس كل ما يحفظه الصحابي ، أو يلم به شاملا لما يجب حفظه من أسباب النزول.

__________________

(١) السيوطي ، الإتقان ، ج ١ ، ص : ٢٩

١٥

الفصل الثاني

أمثلة على أسباب النزول القرآني

غالبا ما يكون سبب النزول ، إما : سؤالا ، أو استفتاء ، أو واقعة.

أولا : أمثلة على الأسئلة أسباب النزول :

أ ـ سؤال يهود الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الروح ، والذي كان سببا في نزول قوله تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً)

(الإسراء : ٨٥)

أخرج البخاري عن ابن مسعود (١) ، قال : «كنت أمشي مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالمدينة ، وهو يتوكأ على عسيب ، فمر بنفر من اليهود ، فقال بعضهم : لو سألتموه ، فقالوا : حدثنا عن الرّوح؟. فقام ساعة ، ورفع رأسه ، فعرفت أنه يوحى إليه حتى صعد الروح ، ثم قال : (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً).

ب ـ سؤال يهود الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ذي القرنين ، والذي كان سببا في نزول قوله تعالى :

(وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً).

(الكهف : ٨٣)

أخرج الواحدي (٢) : قال قتادة : «إن اليهود سألوا نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، عن ذي القرنين ، فأنزل الله تعالى هذه الآية :

__________________

(١) صحيح البخاري.

(٢) الواحدي ، أسباب النزول ، ص : ٢٢٥.

١٦

(وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً).

ج ـ سؤال الصحابة (رضوان الله عليهم) الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يقصص عليهم ، كان سببا في نزول قوله تعالى :

(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ، إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ)

(يوسف : ١ ، ٢ ، ٣)

أخرج الواحدي من رواية عن الصحابي سعد بن أبي وقاص : «أن الصحابة قالوا : يا رسول الله ، لو قصصت علينا ، فأنزل الله تعالى :

(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ...) إلى قوله : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) (١).

د ـ سؤال الصحابة رضوان الله عليهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، عن التعامل مع المرأة الحائض ، كان سببا في نزول قوله تعالى :

(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة : ٢٢٢)

أخرج مسلم عن أنس قال : «إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ، ولم يواكلوها ، ولم يشاربوها ، ولم يجامعوها في البيوت ، فسئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ذلك ، فأنزل الله : (وَيَسْئَلُونَكَ)

__________________

(١) الواحدي ، أسباب النزول ، ص : ٢٠٣.

١٧

الآية. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : جامعوهن في البيوت ، واصنعوا كل شيء إلا النكاح (١).

ه ـ سؤال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم جبريل عليه‌السلام ، بأن يكثر من زياراته ، كان سببا في نزول قوله تعالى :

(وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) (مريم : ١٦٤)

أخرج الواحدي عن ابن عباس قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا جبريل ، ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ قال : فنزلت : (وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) الآية كلها.

قال : كان هذا الجواب لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم» (٢).

ثانيا : أمثلة على الاستفتاءات أسباب النزول :

أ ـ استفتاء الناس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن نكاح يتامى النساء ، كان سبب في نزول قوله تعالى :

(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَ) (النساء : ١٢٧)

أخرج مسلم عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، قالت : «ثم ان الناس استفتوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية :

(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ) الآية : ، والذي يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى التي قال فيها : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى) (النساء : ٣).

__________________

(١) أخرجه مسلم وأهل السنن.

(٢) أخرجه البخاري عن أبي نعيم عن أبي ذر.

١٨

قالت عائشة (رضي الله عنها) : «وقال الله تعالى في الآية الأخرى : (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ) (النساء : ١٢٧) ، رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال ، والجمال ، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها ، وجمالها من باقي النساء إلّا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن» (١).

ب ـ استفتاء الناس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في إرث الكلالة كان سببا في نزول قوله تعالى : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) (النساء : ١٧٦).

أخرج الواحدي عن جابر قال : «اشتكيت ، فدخل عليّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعندي سبع أخوات ، فنفخ في وجهي ، فأفقت ، فقلت : يا رسول الله ، أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال : أجلس ، فقلت : الشطر؟

قال : اجلس ، ثم خرج ، فتركني ، قال : ثم دخل عليّ ، وقال : يا جابر ، إني لا أراك تموت في وجعك هذا ، إن الله قد أنزل ، فبين الذي لأخواتك الثلثين ، وكان جابر يقول : نزلت هذه الآية فيّ :

(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) (٢).

ثالثا : أمثلة على الوقائع أسباب النزول :

أ ـ واقعة السرقة من قبل طعمة بن أبيرق كانت سببا في نزول قوله تعالى :

(إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً) إلى قوله تعالى : (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً) (النساء : ١٠٥ ـ ١١٦)

__________________

(١) رواه مسلم عن حرملة بن وهب.

(٢) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ، ص : ١٢٥.

١٩

فالآيات من ١٠٥ إلى ١١٦ كلها نزلت في قصة واحدة.

أخرج الواحدي «أن رجلا من الأنصار يقال له : طعمة بن أبيرق ـ أحد بني ظفر بن الحارث ـ سرق درعا من جار له يقال له : قتادة بن النعمان ، وكانت الدّرع في جراب فيه دقيق ، فجعل الدقيق ينثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار ، وفيها أثر الدقيق ثم خبأها عند رجل من اليهود ، يقال له : زيد بن السمين ، فالتمست الدرع عند طعمة ، فلم توجد عنده ، وحلف لهم ، والله ، ما أخذها ، وما له به من علم ، فقال صاحب الدرع : والله قد أدلج علينا ، فأخذها ، وطلبنا أثره حتى دخل داره ، فرأينا أثر الدقيق ، فلما أن حلف تركوه ، وأتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي ، فأخذوه ، فقال : دفعها إليّ طعمة بن أبيرق ، وشهد له أناس من اليهود على ذلك ، فقالت بنو ظفر ـ وهم قوم طعمة ـ : انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكلموه في ذلك ، فسألوه أن يجادل عن صاحبه ، وقالوا : إن لم تفعل ، هلك صاحبنا ، وافتضح ، وبرئ اليهودي ، فهمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يفعل ، وكان هواه معهم ، وأن يعاقب اليهودي حتى أنزل الله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِ) إلى (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً) ، الآيات كلها ، وهذا قول جماعة من المفسرين» (١).

__________________

(١) الواحدي : أسباب النزول ، ص : ١٢٠ ـ ١٢١.

٢٠