🚘

الإعتصام - ج ١ و ٢

أبي اسحاق ابراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي الغرناطي

الإعتصام - ج ١ و ٢

المؤلف:

أبي اسحاق ابراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي الغرناطي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، وعلى آله المطهرين ، وأصحابه الغر المحجلين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، آمين.

أما بعد :

فإن كتاب الاعتصام كتاب لا مثيل له في بابه ، فهو ممتع مشبع ، وإن لم يتمه المصنف رحمه‌الله تعالى. وقد صدره بمقدمة في غربة الإسلام وحديث «بدأ الإسلام غريبا» المنبئ بذلك.

ثم جعل مباحث ما كتبه في عشرة أبواب :

الباب الأول : في تعريف البدع ومعناها.

الثاني : في ذم البدع وسوء منقلب أهلها.

الثالث : في أن ذم البدع والمحدثات عام ، وفيه الكلام على شبه المبتدعة ومن جعل البدع حسنة وسيئة.

الرابع : في مأخذ أهل البدع في الاستدلال.

الخامس : في البدع الحقيقية والإضافية ، والفرق بينهما.

السادس : في أحكام البدع وأنها ليست على رتبة واحدة.

السابع : في الابتداع يختص في العبادات ، أم تدخل فيه العادات؟

الثامن : في الفرق بين البدع والمصالح المرسلة والاستحسان.

التاسع : في السبب الذي لأجله افترقت فرق المبتدعة عن جماعة المسلمين.

٥

العاشر : في الصراط المستقيم الذي انحرفت عنه المبتدعة.

ترجمة للإمام الشاطبي رحمه‌الله

اسمه : الإمام العلامة إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي.

كنيته : أبو إسحاق.

شهرته : الإمام الشاطبي.

شيوخه : الإمام ابن الفخار الألبيري. والإمام أبو القاسم السبتي. والإمام أبو عبد الله التلمساني. والإمام أبو عبد الله المقري. والإمام أبو سعيد بن لب. والإمام ابن مرزوق الجد. والإمام أبو علي منصور بن محمد الزواوي. والإمام أبو علي عبد الله البلنسي. والإمام أبو جعفر الشقوري. والإمام أبو العباس القباب. والإمام المفتي أبو عبد الله الحفار.

تلاميذه : أخذ عنه جماعة من الأئمة منهم :

أبو يحيى بن عاصم. وأبو بكر بن عاصم. والشيخ أبي عبد الله البياني. وغيرهم كثير رحمهم‌الله تعالى جميعا.

مؤلفاته : له مؤلفات عدة منها :

١ ـ أصول النحو.

٢ ـ الاعتصام بالسنة ، وهو كتابنا هذا.

٣ ـ الإفادات والإنشاءات.

٤ ـ الموافقات. وهو التعريف بأسرار التكليف.

٥ ـ المجالس ، شرح فيه كتاب البيوع من صحيح البخاري.

٦ ـ الاتفاق في علم الاشتقاق.

وفاته : توفي رحمه‌الله تعالى في شهر شعبان سنة سبعمائة وتسعين من الهجرة النبوية الشريفة.

٦

(الجزء الأول)

بسم الله الرّحمن الرّحيم

خطبة الكتاب

الحمد لله المحمود على كل حال ، الذي بحمده يستفتح كل أمر ذي بال ، خالق الخلق لما شاء ، وميسرهم على وفق علمه وإرادته ، لا على وفق أغراضهم لما سر وساء ، ومصرّفهم بمقتضى القبضتين ، فمنهم شقي وسعيد ، وهداهم النجدين فمنهم قريب وبعيد ، ومسوّيهم على قبول الإلهامين ففاجر وتقي ، كما قدر أرزاقهم بالعدل على حكم الطرفين ففقير وغنيّ ، كل منهم جار على ذلك الأسلوب فلا يعدوه ، فلو تمالئوا (١) على أن يسدّوا ذلك الفتق لم يسدوه ، أو يردوا ذلك الحكم السابق لم ينسخوه ولم يردوه ، فلا إطلاق لهم على تقييده ولا انفصال ، (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ) (٢).

والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد نبيّ الرحمة ، وكاشف الغمة ، الذي نسخت شريعته كل شريعة ، وشملت دعوته كل أمة ، فلم يبق لأحد حجة دون حجته ، ولا استقام لعاقل طريق سوى لا حب (٣) محجته (٤) ، وجمعت تحت حكمتها كل معنى مؤتلف ، فلا يسمع بعد وضعها خلاف مخالف ولا قول مختلف ، فالسالك سبيلها معدود في الفرقة الناجية ، والناكب عنها مصدود إلى الفرق المقصرة أو الفرق الغالية. صلى الله عليه وعلى آله

__________________

(١) تمالئوا : تساعدوا وتعاونوا.

(٢) سورة : الرعد ، الآية : ١٥.

(٣) اللاحب : الطريق الواضح.

(٤) المحجة : الطريق المستقيم.

٧

وصحبه الذين اهتدوا بشمسه المنيرة ، واقتفوا آثاره اللائحة ، وأنواره الواضحة وضوح الظهيرة ، وفرقوا بصوارم أيديهم وألسنتهم بين كل نفس فاجرة ومبرورة ، وبين كل حجة بالغة وحجة مبيرة ، وعلى التابعين لهم على ذلك السبيل ، وسائر المنتمين إلى ذلك القبيل ، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد : فإني أذكرك أيها الصديق الأوفى ، والخالصة الأصفى ، في مقدمة ينبغي تقديمها قبل الشروع في المقصود ، وهي معنى قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «بدئ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدئ فطوبى للغرباء» قيل : ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال : «الذين يصلحون عند فساد الناس» (١) وفي رواية قيل : ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال : «النزوع من القبائل» وهذا مجمل ولكنه مبين في الرواية الأخرى. وجاء من طريق آخر : «بدئ الإسلام غريبا ولا تقوم الساعة حتى يكون غريبا كما بدئ فطوبى للغرباء حين يفسد الناس» ، وفي رواية لابن وهب قال عليه الصلاة والسلام : «طوبى للغرباء الذين يمسكون بكتاب الله حين يترك ويعملون بالسّنة حين تطفى» وفي رواية : «إن الإسلام بدئ غريبا وسيعود غريبا كما بدئ فطوبى للغرباء» قالوا : يا رسول الله كيف يكون غريبا؟ قال : «كما يقال للرجل في حي كذا وكذا إنه لغريب» وفي رواية : أنه سئل عن الغرباء قال : «الذين يحيون ما أمات الناس من سنتي».

وجملة المعنى فيه من جهة وصف الغربة بالعيان والمشاهدة في أول الإسلام وآخره ، وذلك أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعثه الله تعالى على حين فترة من الرسل ، وفي جاهلية جهلاء ، لا تعرف من الحق رسما ، ولا تقيم به في مقاطع الحقوق حكما ، بل كانت تنتحل ما وجدت عليه آباءها ، وما استحسنته أسلافها ، من الآراء المنحرفة ، والنحل (٢) المخترعة ، والمذاهب

__________________

(١) أخرجه مسلم في كتاب : الإيمان ، باب : بيان أن الإسلام بدأ غريبا (الحديث : ١٤٥). وأخرجه الترمذي في كتاب : الإيمان ، باب : ١٣. وقال حديث حسن غريب صحيح. قال النووي في شرح مسلم : «بدأ الإسلام غريبا» كذا ضبطناه : «بدأ» بالهمزة من الابتداء. روى عن ابن عباس معنى «طوبى» : فرح وقرة عين وقيل : شجرة في الجنة. وجاء في الحديث تفسير الغرباء «هم النزاع بين القبائل» ، وقال الهروي : أراد بذلك المهاجرين الذين هجروا أوطانهم إلى الله تعالى.

(٢) النّحل : مفردها نحلة : الدين والعقيدة. والمقصود بها هنا : الفرق.

٨

المبتدعة ، فحين قام فيهم صلى‌الله‌عليه‌وسلم بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، فسرعان ما عارضوا معروفه بالنكر ، وغيروا في وجه صوابه بالإفك ، ونسبوا إليه ، إذ خالفهم في الشرعة ، ونابذهم في النحلة ، كل محال ، ورموه بأنواع البهتان ، فتارة يرمونه بالكذب وهو الصادق المصدوق ، الذي لم يجربوا عليه قط خبرا بخلاف مخبره ، وآونة يتهمونه بالسحر ، وفي علمهم أنه لم يكن من أهله ولا ممن يدعيه ، وكرة يقولون : إنه مجنون مع تحققهم بكمال عقله ، وبراءته من مس الشيطان وخبله ، وإذ دعاهم إلى عبادة المعبود بحق وحده لا شريك له ، قالوا : (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ) (١) ، مع الإقرار بمقتضى هذه الدعوة الصادقة : (فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (٢) ، وإذا أنذرهم بطشة يوم القيامة ، أنكروا ما يشاهدون من الأدلة على إمكانه ، وقالوا : (أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) (٣) ، وإذا خوفهم نقمة الله ، قالوا : (اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (٤) ، اعتراضا على صحة ما أخبرهم به مما هو كائن لا محالة ؛ وإذا جاءهم بآية خارقة افترقوا في الضلالة على فرق ؛ واخترقوا فيها بمجرد العناد ما لا يقبله أهل التهدي إلى التفرقة بين الحق والباطل ، كل ذلك دعاء منهم إلى التأسي بهم والموافقة لهم على ما ينتحلون ، إذ رأوا خلاف المخالف لهم في باطلهم ردّا لما هم عليه ، ونبذا لما شدوا عليه يد الظنة ، واعتقدوا إذ لم يتمسكوا بدليل أن الخلاف يوهن الثقة ويقبح جهة الاستحسان ، وخصوصا حين اجتهدوا في الانتصار بعلم فلم يجدوا أكثر من تقليد الآباء. ولذلك أخبر الله تعالى عن إبراهيم عليه‌السلام في محاجّة قومه : (ما تَعْبُدُونَ* قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ* قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ* أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ؟ * قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ) (٥) ، فحادوا كما ترى عن الجواب القاطع المورد ، مورد السؤال إلى الاستمساك بتقليد الآباء. وقال الله تعالى : (أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ

__________________

(١) سورة : ص ، الآية : ٥.

(٢) سورة : العنكبوت ، الآية : ٦٥.

(٣) سورة : ق ، الآية : ٣.

(٤) سورة : الأنفال ، الآية : ٣٢.

(٥) سورة : الشعراء ، الآيات : ٧٠ ـ ٧٤.

٩

قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ* بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ) (١) ، فرجعوا عن جواب ما ألزموا إلى التقليد ، فقال تعالى : (قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ) (٢) ، فأجابوا بمجرد الإنكار ، ركونا إلى ما ذكروا من التقليد لا بجواب السؤال.

فكذلك كانوا مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأنكروا ما توقعوا معه زوال ما بأيديهم ، لأنه خرج عن معتادهم ، وأتى بخلاف ما كانوا عليه من كفرهم وضلالهم ، حتى أرادوا أن يستنزلوه على وجه السياسة في زعمهم ، ليوقعوا بينهم وبين المؤالفة والموافقة ولو في بعض الأوقات ، أو في بعض الأحوال ، أو على بعض الوجوه ، ويقنعوا منه بذلك ، ليقف لهم بتلك الموافقة واهي بنائهم ، فأبى عليه الصلاة والسلام إلا الثبوت على محض الحق والمحافظة على خالص الصواب ، وأنزل الله : (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ* لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) (٣) إلى آخر السورة ، فنصبوا له عند ذلك حرب العداوة ، ورموه بسهام القطيعة ، وصار أهل السلم كلهم حربا عليه ، عاد الوليّ الحميم ، عليه كالعذاب الأليم ، فأقربهم إليه نسبا كان أبعد الناس عن موالاته ، كأبي جهل وغيره ، وألصقهم به رحما ، كانوا أقسى قلوبا عليه ، فأي غربة توازي هذه الغربة؟ ومع ذلك فلم يكله الله إلى نفسه ، ولا سلطهم على النّيل من أذاه ، إلا نيل المصلوفين (٤) ، بل حفظه وعصمه ، وتولاه بالرعاية والكلاءة ، حتى بلّغ رسالة ربه.

ثم ما زالت الشريعة في أثناء نزولها ، وعلى توالي تقريرها ، تبعد بين أهلها وبين غيرهم ، وتضع الحدود بين حقها وبين ما ابتدعوا ، ولكن على وجه من الحكمة عجيب ، وهو التأليف بين أحكامها وبين أكابرهم في أصل الدين الأول الأصيل ، ففي العرب نسبتهم إلى أبيهم إبراهيم عليه‌السلام ، وفي غيرهم لأنبيائهم المبعوثين فيهم ، كقوله تعالى بعد ذكر كثير من الأنبياء : (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) (٥) ، وقوله تعالى : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ

__________________

(١) سورة : الزخرف ، الآيتان : ٢١ ـ ٢٢.

(٢) سورة : الزخرف ، الآية : ٢٤.

(٣) سورة : الكافرون ، الآيتان : ١ ـ ٢.

(٤) صلفه صلفا : أبغضه.

(٥) سورة : الأنعام ، الآية : ٩٠.

١٠

الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ) (١).

وما زال عليه الصلاة والسلام يدعو لها ، فيئوب إليه الواحد بعد الواحد على حكم الاختفاء ، خوفا من عادية الكفار ، زمان ظهورهم على دعوة الإسلام ، فلما اطلعوا على المخالفة أنفوا ، وقاموا وقعدوا ، فمن أهل الإسلام من لجأ إلى قبيلة فحموه على إغماض ، أو على دفع العار في الإخفار (٢). ومنهم من فرّ من الإذاية وخوف الغرة ؛ هجرة إلى الله وحبا في الإسلام. ومنهم من لم يكن له وزر (٣) يحميه ، ولا ملجأ يركن إليه ، فلقي منهم من الشدة والغلظة والعذاب أو القتل ما هو معلوم ، حتى زلّ منهم من زل فرجع أمره بسبب الرجوع إلى الموافقة ، وبقي منهم من بقي صابرا محتسبا ، إلى أن أنزل الله تعالى الرخصة في النطق بكلمة الكفر على حكم الموافقة ظاهرا ، ليحصل بينهم وبين الناطق الموافقة ، وتزول المخالفة ، فنزل إليها من نزل على حكم التّقيّة ، ريثما يتنفس من كربه ويتروح من خناقه ، وقلبه مطمئن بالإيمان. وهذه غربة أيضا ظاهرة ، وإنما كان هذا جهلا منهم بمواقع الحكمة ، وأن ما جاءهم به نبيهم صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الحق ضد ما هم عليه ، فمن جهل شيئا عاداه ، فلو علموا لحصل الوفاق ، ولم يسمع الخلاف ، ولكن سابق القدر حتّم على الخلق ما هم عليه قال الله تعالى : (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) (٤).

ثم استمرّ تزيّد الإسلام ، واستقام طريقه على مدة حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومن بعد موته ؛ وأكثر قرن الصحابة رضي الله عنهم ، إلى أن نبغت فيهم نوابغ الخروج عن السّنة ، وأصغوا إلى البدع المضلة كبدعة القدر (٥) وبدعة الخوارج (٦) وهي التي نبّه عليها الحديث بقوله :

__________________

(١) سورة : الشورى ، الآية : ١٣.

(٢) الإخفار : الحماية.

(٣) وزر : ملجأ.

(٤) سورة : هود ، الآيتان : ١١٨ ـ ١١٩.

(٥) القدرية : فرقة ينكرون القدر ويقولون إن كل إنسان خالق لفعله.

(٦) الخوارج : فرقة خرجوا على الإمام علي وخالفوا رأيه.

١١

«يقتلون أهل الإسلام ، ويدعون أهل الأوثان ، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم» (١) يعني : لا يتفقهون فيه ، بل يأخذونه على الظاهر ، كما بيّنه حديث ابن عمر الآتي بحول الله. وهذا كله في آخر عهد الصحابة.

ثم لم تزل الفرق تكثر حسبما وعد به الصادق صلى‌الله‌عليه‌وسلم في قوله : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» (٢) وفي الحديث الآخر : «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لا تبعتموهم» قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال : «فمن؟» (٣) وهذا أعم من الأول فإن الأول عند كثير من أهل العلم خاص بأهل الأهواء وهذا الثاني عام في المخالفات ، ويدل على ذلك من الحديث قوله : «حتى لو دخلوا في جحر ضب لا تبعتموهم».

وكل صاحب مخالفة فمن شأنه أن يدعو غيره إليها ، ويحض سؤاله بل سواه عليها ، إذ التأسي في الأفعال والمذاهب موضوع طلبه في الجبلة ، وبسببه تقع في المخالف المخالفة ، وتحصل من الموافق المؤالفة ، ومنه تنشأ العداوة والبغضاء للمختلفين.

كان الإسلام في أوله وجدته مقاوما بل ظاهرا ، وأهله غالبون وسوادهم أعظم

__________________

(١) أخرجه البخاري بنحوه في كتاب : فضائل القرآن ، باب : إثم من راءى بقراءة القرآن أو تأكل به ، وفي كتاب : أحاديث الأنبياء ، باب : علامات النبوة في الإسلام ، وفي كتاب : الأدب ، باب : ما جاء في قول الرجل : ويلك ، وفي كتاب : استتابة المرتدين ، باب : قتال الخوارج ، باب : من ترك قتال الخوارج للتآلف وأن لا ينفر الناس عنه (الحديث : ٩ / ٨٦). وأخرجه مسلم في كتاب : الزكاة ، باب : ذكر الخوارج وصفاتهم (الحديث : ١٠٦٤). وأخرجه مالك في الموطأ في كتاب : القرآن ، باب : ما جاء في القرآن (الحديث : ١ / ٢٠٤ ، ٢٠٥). وأخرجه أبو داود في كتاب : السنة ، باب : في قتال الخوارج (الحديث : ٤٧٦٤). وأخرجه النسائي في كتاب : الزكاة ، باب : في المؤلفة قلوبهم ، وفي كتاب : تحريم الدم ، باب : من شهر سيفه ثم وضعه (الحديث : ٥ / ٨٧).

(٢) أخرجه الترمذي في كتاب : الإيمان ، باب : ما جاء في افتراق هذه الأمة ، وقال : حسن صحيح (الحديث : ٢٦٤٢). وأخرجه أبو داود في كتاب : السنة ، باب : شرح السنة (الحديث : ٤٥٩٦).

(٣) أخرجه البخاري في كتاب : الاعتصام ، باب : قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لتتبعن سنن من كان قبلكم» ، وفي كتاب : أحاديث الأنبياء ، باب : ما ذكر عن بني إسرائيل (الحديث : ١٣ / ٢٥٥). وأخرجه مسلم في كتاب : العلم ، باب : اتباع سنن اليهود والنصارى (الحديث : ٢٦٦٩).

١٢

الأسودة ، فخلا من وصف الغربة بكثرة الأهل والأولياء الناصرين ، فلم يكن لغيرهم ممن لم يسلك سبيلهم أو سلكه ولكنه ابتدع فيه صولة يعظم موقعها ، ولا قوة يضعف دونها حزب الله المفلحون ، فصار على استقامة ، وجرى على اجتماع واتساق ، فالشاذ مقهور مضطهد ، إلى أن أخذ اجتماعه في الافتراق الموعود ، وقوته إلى الضعف المنتظر ، والشاذ عنه تقوى صولته ويكثر سواده ، واقتضى سرّ التأسي المطالبة بالموافقة ولا شك أن الغالب أغلب ، فتكالبت على سواد السنّة البدع والأهواء ، فتفرق أكثرهم شيعا. وهذه سنّة الله في الخلق : إن أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل لقوله تعالى : (وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) (١) ، وقوله تعالى : (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) (٢) ، ولينجز الله ما وعد به نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم من عود وصف الغربة إليه ، فإن الغربة لا تكون إلا مع فقد الأهل أو قلتهم ، وذلك حين يصير المعروف منكرا ، والمنكر معروفا ، وتصير السّنة بدعة ، والبدعة سنة ، فيقام على أهل السّنة بالتثريب والتعنيف ، كما كان أولا يقام على أهل البدعة طمعا من المبتدع أن تجتمع كلمة الضلال ، ويأبى الله أن تجتمع حتى تقوم الساعة ، فلا تجتمع الفرق كلها ـ على كثرتها ـ على مخالفة السّنة عادة وسمعا ، بل لا بد أن تثبت جماعة أهل السنة حتى يأتي أمر الله ، غير أنهم لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناصبهم العداوة والبغضاء استدعاء إلى موافقتهم ، لا يزالون في جهاد ونزاع ، ومدافعة وقراع ، آناء الليل والنهار ، وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل ويثيبهم الثواب العظيم.

فقد تلخص مما تقدم أن مطالبة المخالف بالموافقة جار مع الأزمان لا يختص بزمان دون زمان ، فمن وافق فهو عن المطالب المصيب على أي حال كان ، ومن خالف فهو المخطئ المصاب ، ومن وافق فهو المحمود السعيد ، ومن خالف فهو المذموم المطرود ، ومن وافق فقد سلك سبيل الهداية ، ومن خالف فقد تاه في طرق الضلالة والغواية.

وإنما قدمت هذه المقدمة لمعنى أذكره ، وذلك أني ـ ولله الحمد ـ لم أزل منذ فتق للفهم عقلي ووجه شطر العلم طلبي ، أنظر في عقلياته وشرعياته ، وأصوله وفروعه لم أقتصر منه على علم دون علم ، ولا أفردت عن أنواعه نوعا دون آخر ، حسبما اقتضاه الزمان

__________________

(١) سورة : يوسف ، الآية : ١٠٣.

(٢) سورة : سبأ ، الآية : ١٣.

١٣

والإمكان ، وأعطته المنة (١) المخلوقة في أصل فطرتي ، بل خضت في لججه خوض المحسن للسباحة ، وأقدمت في ميادينه إقدام الجريء ، حتى كدت أتلف في بعض أعماقه ، أو انقطع في رفقتي ، التي بالأنس بها تجاسرت على ما قدر لي ، غائبا عن مقال القائل وعذل العاذل ، ومعرضا عن صد الصاد ولوم اللائم ، إلى أن منّ عليّ الرب الكريم ، الرءوف الرحيم ، فشرح لي من معاني الشريعة ما لم يكن في حسابي وألقى في نفسي القاصرة أن كتاب الله وسنّة نبيه لم يتركا في سبيل الهداية لقائل ما يقول ولا أبقيا لغيرهما مجالا يعتد فيه ، وإن الدين قد كمل ، والسعادة الكبرى فيما وضع ، والطلبة فيما شرع ، وما سوى ذلك فضلال وبهتان ، وإفك وخسران ، وأن العاقد عليهما بكلتا يديه مستمسك بالعروة الوثقى ، محصل لكليتي الخير دنيا وأخرى ، وما سواهما فأحلام وخيالات وأوهام ، وقام لي على صحة ذلك البرهان الذي لا شبهة تطرق حول حماه ، ولا ترتمي نحو مرماه : (ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) (٢) ، والحمد لله والشكر كثيرا كما هو أهله. فمن هنالك قويت نفسي على المشي في طريقه بمقدار ما يسر الله فيه ، فابتدأت بأصول الدين عملا واعتقادا ، ثم بفروعه المبنية على تلك الأصول ، وفي خلال ذلك أبين ما هو من السنن أو من البدع ، كما أبين ما هو من الجائز وما هو من الممتنع ، وأعرض ذلك على علم الأصول الدينية والفقهية ، ثم أطالب نفسي بالمشي مع الجماعة التي سماها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالسواد الأعظم ، في الوصف الذي كان عليه هو وأصحابه وترك البدع التي نص عليها العلماء أنها بدع وأعمال مختلفة.

وكنت في أثناء ذلك قد دخلت في بعض خطط الجمهور من الخطابة والإمامة ونحوها فلما أردت الاستقامة على الطريق ، وجدت نفسي غريبا في جمهور أهل الوقت لكون خططهم قد غلبت عليها العوائد ، ودخلت على سننها الأصلية شوائب من المحدثات الزوائد ، ولم يكن ذلك بدعا في الأزمنة المتقدمة ، فكيف في زماننا هذا فقد روي عن السلف الصالح من التنبيه على ذلك كثير ، كما روي عن أبي الدرداء أنه قال : لو خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عليكم ما عرف شيئا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة. قال الأوزاعي :

__________________

(١) المنّة : القوة.

(٢) سورة : يوسف ، الآية : ٣٨.

١٤

فكيف لو كان اليوم؟ قال عيسى بن يونس : فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان؟

وعن أم الدرداء قالت : دخل أبو الدرداء وهو غضبان ، فقلت : ما أغضبك؟ فقال : والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا.

وعن أنس بن مالك قال : ما أعرف منكم ما كنت أعهده على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم غير قولكم : لا إله إلا الله. قلنا : بلى يا أبا حمزة؟ قال : قد صليتم حتى تغرب الشمس ، أفكانت تلك صلاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟ وعن أنس قال : لو أن رجلا أدرك السلف الأول ثم بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا ، قال : ووضع يده على خذه ثم قال : إلا هذه الصلاة ، ثم قال : أما والله على ذلك لمن عاش في النكر ولم يدرك ذلك السلف الصالح فرأى مبتدعا يدعو إلى بدعته ، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه ، فعصمه الله من ذلك ، وجعل قلبه يحنّ إلى ذلك السلف الصالح ، يسأل عن سبلهم ، ويقتص آثارهم ، ويتبع سبيلهم ، ليعوض أجرا عظيما ، وكذلك فكونوا إن شاء الله.

وعن ميمون بن مهران قال : لو أن رجلا أنشر فيكم من السلف ما عرف غير هذه القبلة.

وعن سهل بن مالك عن أبيه قال : ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة ، إلى ما أشبه هذا من الآثار الدالة على أن المحدثات ، تدخل في المشروعات ، وأن ذلك قد كان قبل زماننا ، وإنما تتكاثر على توالي الدهور إلى الآن.

فتردد النظر بين ـ أن أتبع السنّة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس فلا بد من حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد ، لا سيما إذا ادعى أهلها أن ما هم عليه هو السنة لا سواها إلا أن في ذلك العبء الثقيل ما فيه من الأجر الجزيل ـ وبين أن أتبعهم على شرط مخالفة السّنة والسلف الصالح ، فأدخل تحت ترجمة الضلال عائذا بالله من ذلك ، إلا أني أوافق المعتاد ، وأعد من المؤالفين ، لا من المخالفين ، فرأيت أن الهلاك في اتباع السّنة هو النجاة ، وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئا ، فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور ، فقامت عليّ القيامة ، وتواترت عليّ الملامة ، وفوّق (١) إليّ العتاب سهامه ، ونسبت إلى البدعة

__________________

(١) فوّق السهم : عمل له فوقا ، الفوق من السهم حيث يثبت الوتر منه.

١٥

والضلالة ، وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة ، وأني لو التمست لتلك المحدثات مخرجا لوجدت ، غير أن ضيق العطن ، والبعد عن أهل الفطن ، رقي بي مرتقى صعبا وضيق عليّ مجالا رحبا ، وهو كلام يشير بظاهره إلى أن اتباع المتشابهات ، لموافقات العادات ، أولى من اتباع الواضحات ، وإن خالفت السلف الأول.

وربما ألموا في تقبيح ما وجهت إليه وجهتي بما تشمئز منه القلوب ، أو خرجوا بالنسبة إلى بعض الفرق الخارجة عن السّنة شهادة ستكتب ويسألون عنها يوم القيامة فتارة نسبت إلى القول بأن الدعاء لا ينفع ولا فائدة فيه كما يعزى إلى بعض الناس ، بسبب أني لم ألتزم الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلاة حالة الإمامة. وسيأتي ما في ذلك من المخالفة للسنة وللسلف الصالح والعلماء.

وتارة نسبت إلى الرفض وبغض الصحابة رضي الله عنهم ، بسبب أني لم ألتزم ذكر الخلفاء الراشدين منهم في الخطبة على الخصوص ، إذ لم يكن ذلك شأن من السلف في خطبهم ، ولا ذكره أحد من العلماء المعتبرين في أجزاء الخطب. وقد سئل أصبغ عن دعاء الخطيب للخلفاء المتقدمين فقال : هو بدعة ولا ينبغي العمل به ، وأحسنه أن يدعو للمسلمين عامة. قيل له : فدعاؤه للغزاة والمرابطين؟ قال : ما أرى به بأسا عند الحاجة إليه ، وأما أن يكون شيئا يصمد له في خطبته دائما فإني أكره ذلك. ونص أيضا عز الدين بن عبد السلام : على أن الدعاء للخلفاء في الخطبة بدعة غير محبوبة.

وتارة أضيف إليّ القول بجواز القيام على الأئمة ، وما أضافوه إلا من عدم ذكري لهم في الخطبة ، وذكرهم فيه محدث لم يكن عليه من تقدم.

وتارة أحمل على التزام الحرج والتنطع في الدين ، وإنما حملهم على ذلك أنى التزمت في التكليف والفتيا الحمل على مشهور المذهب الملتزم لا أتعداه ، وهم يتعدونه ويفتون بما يسهل على السائل ويوافق هواه ، وإن كان شاذّا في المذهب الملتزم أو في غيره. وأئمة أهل العلم على خلاف ذلك وللمسألة بسط في كتاب (الموافقات) (١).

وتارة نسبت إلى معاداة أولياء الله ، وسبب ذلك أني عاديت بعض الفقراء المبتدعين

__________________

(١) الموافقات : كتاب في علم الأصول للمؤلف.

١٦

المخالفين للسّنة ، المنتصبين ـ بزعمهم ـ لهداية الخلق ، وتكلمت للجمهور على جملة من أحوال هؤلاء الذين نسبوا إلى الصوفية ولم يتشبهوا بهم.

وتارة نسبت إلى مخالفة السّنة والجماعة ، بناء منهم على أن الجماعة التي أمر باتباعها ـ وهي الناجية ـ ما عليه العموم ، ولم يعلموا أن الجماعة ما كان عليه النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان. وسيأتي بيان ذلك بحول الله ، وكذبوا عليّ في جميع ذلك ، أو وهموا ، والحمد لله على كل حال.

فكنت على حالة تشبه حالة الإمام الشهير عبد الرحمن بن بطة الحافظ مع أهل زمانه إذ حكى عن نفسه فقال : عجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني والأبعدين ، والعارفين والمنكرين ، فإني وجدت بمكة وخراسان (١) وغيرهما من الأماكن أكثر من لقيت بها موافقا أو مخالفا ، دعاني إلى متابعته على ما يقوله ، وتصديق قوله والشهادة له ، فإن كنت صدقته فيما يقول وأجزت له ذلك ـ كما يفعله أهل هذا الزمان ـ سماني موافقا ، وإن وقفت في حرف من قوله أو في شيء من فعله ـ سماني مخالفا ، وإن ذكرت في واحد منها أن الكتاب والسّنة بخلاف ذلك وارد ، سماني خارجيا ، وإن قرأت عليه حديثا في التوحيد سماني مشبها ، وإن كان في الرؤية سماني سالميا ، وإن كان في الإيمان سماني مرجئيا ، وإن كان في الأعمال ، سماني قدريا ، وإن كان في المعرفة سماني كراميا ، وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر ، سماني ناصبيا ، وإن كان في فضائل أهل البيت ، سماني رافضيا ، وإن سكت عن تفسير آية أو حديث فلم أجب فيهما إلا بهما ، سماني ظاهريا ، وإن أجبت بغيرهما ، سماني باطنيا. وإن أجبت بتأويل سماني أشعريا ، وإن جحدتهما (٢) ، سماني معتزليا ، وإن كان في السنن مثل القراءة ، سماني شفعويا ، وإن كان في القنوت ، سماني حنفيا ، وإن كان في القرآن ، سماني حنبليّا ، وإن ذكرت رجحان ما ذهب كل واحد إليه من الأخبار ـ إذ ليس في الحكم والحديث محاباة ـ قالوا : طعن في تزكيتهم ، ثم أعجب من ذلك أنهم يسمونني فيما يقرءون عليّ من أحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما يشتهون من هذه الأسامي ؛ ومهما وافقت بعضهم

__________________

(١) خراسان : أول حدودها مما يلي العراق أزاذوار قصبه جوين وبيهق وآخر حدودها مما يلي الهند فخارستان وغزله وسجستان وكرمان وليس ذلك منها إنما هو أطراف حدودها.

(٢) جحد : أنكر.

١٧

عاداني غيره ، وإن داهنت (١) جماعتهم أسخطت الله تبارك وتعالى ، ولن يغنوا عني من الله شيئا ، وإني مستمسك بالكتاب والسّنة وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو وهو الغفور الرحيم.

هذا تمام الحكاية فكأنه رحمه‌الله تكلم على لسان الجميع ، فقلما تجد عالما مشهورا أو فاضلا مذكورا ، إلا وقد نبذ بهذه الأمور أو بعضها ، لأن الهوى قد يداخل المخالف ، بل سبب الخروج عن السنة الجهل بها ، والهوى المتبع الغالب على أهل الخلاف ، فإذا كان كذلك حمل على صاحب السنة ، إنه غير صاحبها ، ورجع بالتشنيع عليه والتقبيح لقوله وفعله ، حتى ينسب هذه المناسب.

وقد نقل عن سيد العبّاد بعد الصحابة أويس القرني أنه قال : إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدعا للمؤمن صديقا ، نأمرهم بالمعروف فيشتمون أعراضنا ويجدون في ذلك أعوانا من الفاسقين ، حتى ـ والله ـ لقد رموني بالعظائم ، وأيم الله لا أدع أن أقوم فيهم بحقه.

فمن هذا الباب يرجع الإسلام غريبا كما بدأ ، لأن المؤالف فيه على وصفه الأول قليل ، فصار المخالف هو الكثير ، فاندرست رسوم السّنة حتى مدت البدع أعناقها ، فأشكل مرماها على الجمهور فظهر مصداق الحديث الصحيح.

ولما وقع عليّ من الإنكار ما وقع مع ما هدى الله إليه وله الحمد ، ولم أزل أتتبع البدع التي نبّه عليها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وحذّر منها ، وبيّن أنها ضلالة وخروج عن الجادة وأشار العلماء إلى تمييزها والتعريف بجملة منها ، لعليّ أجتنبها فيما استطعت ، وأبحث عن السنن التي كادت تطفئ نورها تلك المحدثات لعلّي أجلو بالعمل سناها ، وأعدّ يوم القيامة فيمن أحياها ، إذ ما من بدعة تحدث إلا ويموت من السنن ما هو في مقابلتها ، حسبما جاء عن السلف في ذلك. فعن ابن عباس قال : ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنّة ، حتى تحيا البدعة وتموت السنن. وفي بعض الأخبار : لا يحدث رجل بدعة إلا ترك من السّنة ما هو خيرا منها. وعن لقمان بن أبي إدريس الخولاني أنه كان يقول : ما أحدثت أمّة في دينها بدعة إلا رفع بها عنهم سنّة. وعن حسان بن عطية قال : ما أحدث قوم بدعة في

__________________

(١) داهن : أظهر خلاف ما أضمر ، نافق.

١٨

دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لم يعدها إليهم إلى يوم القيامة ، إلى غير ذلك مما جاء في هذا المعنى وهو مشاهد معلوم حسبما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

وجاء من الترغيب في إحياء السنن ما جاء ، فقد خرّج ابن وهب حديثا عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «من أحيا سنّة من سنّتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من الناس لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله فإن عليه إثم من عمل بها لا ينقص ذلك من آثام الناس شيئا» (١) ، وأخرجه الترمذي باختلاف في بعض الألفاظ مع اتفاق المعنى وقال فيه : حديث حسن.

وفي الترمذي عن أنس قال : قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غشّ لأحد فافعل» ثم قال لي : «يا بني وذلك من سنّتي ، ومن أحيا سنّتي فقد أحبني ، ومن أحبني كان معي في الجنة» (٢) حديث حسن.

فرجوت بالنظر في هذا الموضع الانتظام في سلك من أحيا سنّة وأمات بدعة ، وعلى طول العهد ودوام النظر اجتمع لي في البدع والسنن أصول قررت أحكامها الشريعة ، وفروع طالت أفنانها لكنها تنتظمها تلك الأصول ، وقلما توجد على الترتيب الذي سنح (٣) في الخاطر ، فمالت إلى بثها النفس ، ورأت أنه من الأكيد الطلب لما فيه من رفع الالتباس الناشئ بين السنن والبدع ، لأنه لما كثرت البدع وعم ضررها ، واستطار شررها ، ودام الإكباب على العمل بها ، والسكوت من المتأخرين عن الإنكار لها ، وخلفت بعدهم خلوف جهلوا أو غفلوا عن القيام بفرض القيام فيها ، صارت كأنها سنن مقررات ، وشرائع من صاحب الشرع محررات ، فاختلط المشروع بغيره ، فعاد الراجع إلى محض السنة كالخارج

__________________

(١) أخرجه الترمذي في كتاب : العلم ، باب : ما جاء بالأخذ في السنة واجتناب البدع (الحديث : ٢٦٧٩) وقال : هذا حديث حسن.

(٢) أورد التبريزي صاحب «مشكاة المصابيح» هذا الحديث نقلا عن الترمذي بلفظ : «من أحب سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة» ولعله وقع في بعض النسخ للترمذي هكذا. وأخرجه الترمذي في كتاب : العلم ، باب : ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (الحديث : ٢٦٨٠) وقال : هذا حديث حسن غريب.

(٣) سنح : خطر.

١٩

عنها كما تقدم ، فالتبس بعضها ببعض ، فتأكد الوجوب بالنسبة إلى من عنده فيها علم ؛ وقلما صنف فيها على الخصوص تصنيف ، وما صنف فيها فغير كاف في هذه المواقف ، مع أن الداخل في هذا الأمر اليوم فاقد المساعد عديم المعين ؛ فالموالي لم يخلد به إلى الأرض ، ويلقى له باليد إلى العجز عن بث الحق ، بعد رسوخ العوائد في القلوب ، والمعادي يريسه بالأردبيس ، ويروم أخذه بالعذاب البئيس ، لأنه يرد عوائده الراسخة في القلوب ، المتداولة في الأعمال ، دينا يتعبد به ، وشريعة يسلك عليها لا حجة له إلا عمل الآباء والأجداد ، مع بعض الأشياخ العالمين ، كانوا من أهل النظر في هذه الأمور أم لا. ولم يلتفتوا إلى أنهم عند موافقتهم للآباء والأشياخ مخالفون للسلف الصالح ، فالمتعرض لمثل هذا الأمر ينحو نحو عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في العمل حيث قال : ألا وإني أعالج أمرا لا يعين عليه إلا الله قد فني عليه الكبير ، وكبر عليه الصغير ، وفصح عليه الأعجمي ، وهاجر عليه الأعرابي ، حتى حسبوه دينا لا يرون الحق غيره.

وكذلك ما نحن بصدد الكلام عليه ، غير أنه أمر لا سبيل إلى إهماله ، ولا يسع أحدا ممن له منّة إلا الأخذ بالحزم والعزم في بثه ، بعد تحصيله على كماله ، وإن كره المخالف فكراهيته لا حجة فيها على الحق ألا يرفع مناره ، ولا تكشف وتجلى أنواره ، فقد خرج أبو الطاهر السّلفي بسنده إلى أبي هريرة أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال له : «يا أبا هريرة علّم الناس القرآن وتعلمه ، فإنك إن مت وأنت كذلك زارت الملائكة قبرك كما يزار البيت العتيق ، وعلّم الناس سنّتي وإن كرهوا ذلك ، وإن أحببت ألا توقف على الصّراط طرفة عين حتى تدخل فلا تحدث في دين الله حدثا برأيك» (١).

قال أبو عبد الله بن القطان : وقد جمع الله له ذلك كله من إقراء كتاب الله والتحديث بالسّنة ، أحب الناس أم كرهوا ، وترك الحديث حتى إنه كان لا يتأوّل شيئا مما روى ، تتميما للسلامة من الخطأ.

على أن أبا العرب التميمي حكى عن ابن فروخ أنه كتب إلى مالك بن أنس : إن بلدنا كثير البدع وإنه ألف كلاما في الرد عليهم. فكتب إليه مالك يقول له : إن ظننت ذلك بنفسك

__________________

(١) أخرجه أبو نصر السجري في الإبانة وقال : غريب. وأخرجه الخطيب وابن النجار عن أبي هريرة.

كذا في كنز العمال.

٢٠