🚘

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ٢

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ٢

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
ISBN: 978-964-357-385-0
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

٥

الباب الرابع

الصفات السلبية

١ ـ التوحيد

التوحيد الذاتي : واحد التولا ثاني له.

التوحيد الذاتي : أحد لا جزء له.

التوحيد في الصفات.

التوحيد في الخالقية.

التوحيد في الربوبية.

التوحيد في الحاكمية.

التوحيد في الطاعة.

التوحيد في التشريع.

التوحيد في العبادة.

التوحيد في الشفاعة والمغفرة.

٢ ـ ليس بجسم ولا في جهة ولا محل ولا حال ولا متحد.

٣ ـ ليس محلاً للحوادث.

٤ ـ لا يقوم اللذة والألم بذاته.

٥ ـ إمتناع رؤيته.

٦ ـ ليست حقيقته معلومه لغيرة.

٦

الصفات السلبية

جرت عادة الإلهيين على تقسيم صفات الله تعالى الذاتية إلى قسمين : صفات ثبوتية وصفات سلبية ، وإن شئت قلت : صفات الجمال والإكرام ، وصفات الجلال والتنزيه.

وتهدف الأولى منها إلى توصيفه تعالى بما يعد كمالا للموصوف ، وجمالا له ، كالعلم والقدرة والحياة والاختيار.

وتهدف الثانية إلى تنزيهه سبحانه عن النقص والعيب. وقد تقدم منّا في أوائل البحث عن الصفات ، أن مجموع صفاته الثبوتية ترجع إلى وصف واحد وهو كونه متّصفا بكل كمال يعد كمالا للموجود ، بما هو موجود. وأن ما يذكر في مقام العدّ من العلم والقدرة الخ ..... فهو من باب بيان المثال ، ولا تنحصر بما عدوّه. كما أن مجموع الصفات السلبية التي ستتلى عليك إنشاء الله ترجع إلى أمر واحد وهو تنزيهه عن كل نقص وعيب. وما يذكر من تلك الصفات من نفي الشريك والتركيب الخ ..... فهو من باب المثال وإعطاء النموذج من تلك السّلوب. وكأنّ الموحّد لا يخرج عن إطار التوحيد حتى في مقام بيان صفاته ، فيصفه بوصف واحد جامع لكل الكمالات ، كما يسلب

٧

عنه كل ما يتصور من النقص والعيب بسلب واحد جامع لجميع السلوب.

ثم إنّ بعض المتكلمين أرجع صفاته الثبوتية إلى السلبية أيضا وقال إنّ معنى قولنا إنه عالم ، أنّه ليس بجاهل. وإنه قادر ، أنّه ليس بعاجز ، وكذا باقي الصفات. محتجا بأن المعقول لنا من صفاته ليس إلّا السلوب والإضافات. وأما كنه ذاته وصفاته فمحجوب عن نظر العقول ، ولا يعلم ما هو إلّا هو.

وهذا صحيح عند لحاظ عجز البشر عن معرفة الله سبحانه ، ولكن إرجاع الصفات الثبوتية إلى السلبية على خلاف ما ورد في الذكر الحكيم فإنه سبحانه يصف نفسه بصفات ثبوتية ، كما يصف نفسه بصفات سلبية.

يقول سبحانه : (هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ* هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) (١).

فإن بعض ما جاء في هاتين الآيتين وإن كان من صفات الفعل ، غير أنّ بعضها الآخر من صفات الذات ، والكل نحو إثبات له سبحانه ، وإرجاعها إلى السلوب لا يخلو من تكلّف. نعم له سبحانه صفات سلبية بلا شك. ويكفي في ذلك قوله : (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) (٢).

فإذا وقفت على أنّ الصفات السلبية ليس لها حد ولا عد مصداقا ، فلنشرع ببيان المصاديق البارزة منها ، وأهمها مسألة نفي الشريك عنه ويعبّر عنها بالتوحيد.

* * *

__________________

(١) سورة الحشر : الآيتان ٢٣ و ٢٤.

(٢) سورة الاخلاص : الآيتان ٣ و ٤.

٨

الصفات السلبية

(١)

التوحيد

يحتل التوحيد ، بمراتبه المختلفة ، المكانة العليا في الشرائع السماوية ، فإنّ أتباعها لا يختلفون في الصفات الثبوتية الذاتية اختلافا بارزا يفرّقهم ويبددهم إلى مذاهب وطوائف ، فإنّ الكل يعتقد بعلم الإله وقدرته وحياته إلى غير ذلك من الصفات الكمالية ، وإن اختلفوا في تفاصيلها ، وأما الصفات السلبية التنزيهية فهي ، بتمام معنى الكلمة ، مفترق الطرق ، منها تتكون المذاهب وتتشعب.

وهذه هي الديانات البراهمانيّة والبوذيّة والهندية والمجوسية والمسيحية ترجع أصول اختلافها إلى مسألة التوحيد بشعبه التي ستقف عليها ، فليست الثنوية إلّا وليدة رفض التوحيد عن معترك العقائد والاعتقاد بإله غير واحد.

ولأجل ذلك يجب على الإلهي التركيز على الصفات السلبية أكثر من الثبوتية ، وبين الصفات السلبية التركيز على التوحيد أكثر من غيره. ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يعرف هدف بعثة الأنبياء وإرسالهم ، بالتركيز على صورة من صور التوحيد وهو التوحيد في العبادة : قال سبحانه : (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (١).

__________________

(١) سورة النحل : الآية ٣٦.

٩

وعلى ضوء هذا الأصل ، ترى البحث في المقام مترامي الأطراف ، واسع النطاق ، وقد فصّلنا ما يرجع إلى التوحيد عما يرجع إلى غيره من الصفات السلبية حتى يقف الباحث على شعب التوحيد وأصنافه مستمدا من الكتاب العزيز والأحاديث الإسلامية والعقل.

* * *

١٠

التوحيد في الذات

(١)

واحد : ليس له نظير ولا مثيل

إنّ من أبرز صفاته تعالى أنه تعالى واحد لا ثاني له ، وهذا هو المصطلح عليه في ألسنة المتكلمين بالتوحيد الذاتي ، يهدفون به نفي أي مثل له. وربما يطلق التوحيد الذاتي على كونه سبحانه واحدا بمعنى أنّه بسيط لا جزء له. ولأجل التفريق بين هذين التوحيدين الذاتيين يعبرون عن الأول ، بالتوحيد الواحدي ، مشيرين إلى أنه لا ثاني له ، وعن الثاني بالتوحيد الأحدي ، مشيرين به إلى أنه تعالى لا جزء له. وقد أشار سبحانه إليهما في سورة (الإخلاص) فقال في صدر السورة (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) هادفا إلى أنه بسيط لا جزء له وقال في ختامها : (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) بمعنى لا ثاني له وقد فسرت الآيتان على النحو الذي ذكرناه دفعا للزوم التكرار. ونحن نبحث عن كل قسم من التوحيدين في فصل خاص ، وهذا الفصل مختص بالقسم الأول منهما.

ثم إنّه ربما يستعمل في هذا المقام «نفي الشّريك» ، ولكنه أخص مما نتبناه ، فإنه يهدف إلى تنزيهه سبحانه عن وجود شريك له في الخلق والتدبير والعبادة ، مع أنّ البحث أوسع من ذلك ، لأنه مركز على أنّه سبحانه واحد لا ثاني له (يمتنع تثنّيه) ، سواء أكان هناك خلق أم لا ، أكان هناك تدبير أم

١١

لا ، أكانت هناك عبادة أم لا. والتوحيد في هذه المراحل الثلاث : الخلق والتدبير والعبادة ، متأخر عن التوحيد الذاتي ، بمعنى أن ذاته واحدة لا ثاني لها.

وقد استدل الإلهيون على توحيد وجوده ببراهين عقلية واضحة ، كما أنه تعالى وصف نفسه في الذكر الحكيم بهذا الوصف مقترنا بالبرهان العقلي ونحن نكتفي من البراهين بأخصرها وأوضحها ولا نستقصيها جميعا ، ونقدم البحث عن معنى كونه واحدا.

معنى كونه واحدا

الوحدة على قسمين :

١ ـ الوحدة العددية ، وهي عبارة عن كون شيء واقعا تحت مفهوم عام وجد منه مصداق واحد ، وذلك مثل مفهوم الشمس الذي هو مفهوم وسيع قابل للانطباق على كثير ، غير أنه لم يوجد في عالم الحسّ منه إلّا مصداق واحد مع إمكان وجود مصاديق كثيرة له. وهذا هو المصطلح عليه ب «الواحد العددي».

٢ ـ الوحدة الحقيقية ، وهي عبارة عن كون الموجود لا ثاني له ، بمعنى أنه لا يقبل الاثنينية ، ولا التكثّر ولا التكرر. وذلك كصرف الشيء المجرد عن كل خليط. مثلا : الوجود المطلق عن كل قيد ، واحد بالوحدة الحقة ، لأنّه لا ثاني له. لأن المفروض ثانيا ـ بما أنه لا يتميز عن الأول ـ لا يمكن أن يعد شيئا آخر ، بل يرجع إلى الوجود الأول.

وعلى ضوء ذلك ، فالمراد من كون الشمس واحدة هو أنها واحدة لا اثنتان ولا ثلاثة ولا ... ولكن المراد ، من كون الوجود المطلق ، ـ منزها عن كل قيد ـ واحد ، أنه لا ثاني له ولا مثيل ولا شبيه ولا نظير ، أي لا تتعقل له الاثنينية والكثرة لأن ما فرضته ثانيا ، بحكم أنه منزه عن كل قيد وخليط يكون مثل الأول ، فلا يتميز ولا

١٢

يتشخص ، فلا يكون متحققا ، لأن الكثرة رهن دخول شيء مغاير في حقيقة الشيء. مثلا : البياض بما هو بياض ، لا يتصور له الاثنينية ، إلّا إذا دخل فيه شيء غيره ، كتعدد المحل ، فيتعدد البياض ، ولو لا ذلك لصار البياض صرف الشيء ، وهو غير قابل للكثرة. يقول الحكيم السبزواري في هذا الصدد :

وما له تكثّر قد حصلا

ففيه ما سواه قد تخلّلا

إنّ الوجود ما له من ثان

ليس قرى وراء عبّادان (١)

والمراد من كونه سبحانه واحدا ، هو الواحد بالمعنى الثاني ، أي ليس له ثان ، ولا تتصور له الاثنينية والتعدد.

ولأجل ذلك يقول سبحانه في تبيين هذه الوحدة : (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) ، أي واحد لا نظير له.

والعجب إنّ الإمام أمير المؤمنين عليا (عليه‌السلام) قام بتفسير كونه تعالى واحدا ، عند ما كان بريق السيوف يشد إليه العيون ، وضربات الطرفين تنتزع النفوس والأرواح في معركة (الجمل) ، فأحس (عليه‌السلام) بأنّ تحكيم العقيدة وصرف الوقت في تبيينها لا يقصر في الأهمية عن خوض المعارك ضد أهل الباطل :

روى الصدوق أن أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين (عليه‌السلام) فقال : «يا أمير المؤمنين أتقول إنّ الله واحد ، قال فحمل الناس عليه ، وقالوا : يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب ، فقال أمير المؤمنين : دعوه ، فإنّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم» ... ثم قال شارحا ما سأل عنه الأعرابي : «وقول القائل واحد ، يقصد به باب الأعداد ، فهذا ما لا يجوز ، لأنّ ما لا ثاني له ، لا يدخل في باب الأعداد ، أما ترى أنّه كفر من قال «ثالث ثلاثة»».

__________________

(١) شرح المنظومة ، ص ٣٣٣.

١٣

ثم قال : «معنى هو واحد : أنّه ليس له في الأشياء شبه ، كذلك ربنا. وقول القائل إنه عزوجل أحديّ المعنى يعني به أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم ، كذلك ربنا عزوجل»(١).

فالإمام (عليه‌السلام) لم يكتف ببيان المقصود من توصيفه سبحانه بأنه واحد ، بل أشار إلى معنى آخر من معاني توحيده وهو كونه أحديّ الذات ، الذي يهدف إلى كونه بسيطا لا جزء له في الخارج والذهن. وهذا المعنى هو الذي نطرحه على بساط البحث في القسم الثاني من التوحيد الذاتي.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى بيان البراهين العقلية على توحيده سبحانه بمعنى كونه واحدا لا ثاني له.

أدلة الوحدانية

١ ـ التعدد يستلزم التركيب

لو كان هناك واجب وجود آخر لتشارك الواجبان في كونهما واجبي الوجود ، فلا بد من تميّز أحدهما عن الآخر بشيء وراء ذلك الأمر المشترك ، كما هو الحال في كل مثلين. وذلك يستلزم تركب كل منهما من شيئين : أحدهما يرجع إلى ما به الاشتراك ، والآخر إلى ما به الامتياز. والمركب بما أنه محتاج إلى أجزائه لا يكون متصفا بوجوب الوجود ، بل يكون ـ لأجل الحاجة ـ ممكنا ، وهو خلاف الفرض.

وباختصار ، لو كان في الوجود واجبان للزم إمكانهما وذلك أنهما يشتركان في وجوب الوجود فإن لم يتميزا لم تحصل الاثنينية ، وإن تميزا لزم تركب كل واحد منهما مما به المشاركة وما به الممايزة ، وكل مركب ممكن ، فيكونان ممكنين ، وهذا خلاف الفرض.

__________________

(١) توحيد الصدوق ، ص ٨٣ ـ ٨٤.

١٤

٢ ـ الوجود اللامتناهي لا يقبل التعدد

هذا البرهان مؤلف من صغرى وكبرى. والنتيجة هي وحدة الواجب وعدم إمكان تعدده. وإليك صورة القياس حتى نبرهن على كل من صغراه وكبراه.

وجود الواجب غير متناه.

وكل غير متناه واحد لا يقبل التعدد.

فالنتيجة : وجود الواجب واحد لا يقبل التعدد.

وإليك البرهنة على كل من المقدمتين.

أما الصغرى : فإنّ محدودية الموجود ملازمة لتلبّسه بالعدم. ولأجل تقريب هذا المعنى ، لاحظ الكتاب الموضوع بحجم خاص ، فإنك إذا نظرت إلى أي طرف من أطرافه ترى أنه ينتهي إليه وينعدم بعده. ولا فرق في ذلك بين صغير الموجودات وكبيرها ، حتى أنّ جبال الهملايا مع عظمتها ، محدودة لا نرى أي أثر للجبل بعد حده. وهذه خصيصة كل موجود متناه زمانا أو مكانا أو غير ذلك. فالمحدودية والتلبس بالعدم متلازمان.

وعلى هذا الأساس لا يمكن اعتبار ذاته سبحانه محدودة ، لأن لازم المحدودية الانعدام بعد الحد كما عرفت ، وما هو كذلك لا يكون حقا مطلقا مائة بالمائة ، بل يلابسه الباطل والانعدام. مع أنّ الله تعالى هو الحق المطلق الذي لا يدخله باطل. والقرآن الكريم يصف وجوده سبحانه بالحق المطلق وغيره بالباطل وما هذا إلا لأنّ وجود غيره وجود متلبس بالعدم والفناء وأما وجود الله تعالى فطارد لكل عدم وبطلان. قال عزّ من قائل : (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (١).

وبتقرير آخر : إنّ عوامل المحدودية تتمحور في الأمور التالية :

__________________

(١) سورة الحج : الآية ٦٢.

١٥

١ ـ كون الشيء محدودا بالماهية ومزدوجا بها. فإنها حد وجود الشيء. والوجود المطلق بلا ماهية غير محدّد ولا مقيد. وإنما يتحدد بالماهية.

٢ ـ كون الشيء واقعا في إطار الزمان ، فهذا الكم المتصل (الزمان) يحدد وجود الشيء في زمان دون آخر.

٣ ـ كون الشيء في حيز المكان ، وهو أيضا يحدد وجود الشيء ويخصه بمكان دون آخر.

وغير ذلك من أسباب التحديد والتضييق. والله سبحانه وجود مطلق غير محدد بالماهية إذ لا ماهية له ، كما سيوافيك البحث عنه. كما لا يحويه زمان ومكان. فتكون عوامل التناهي معدومة فيه ، فلا يتصور لوجوده حد ولا قيد ولا يصح أن يوصف بكونه موجودا في زمان دون آخر أو مكان دون آخر. بل وجوده أعلى وأنبل من أن يتحدّد بشيء من عوامل التناهي.

وأما الكبرى : فهي واضحة بأدنى تأمل ، وذلك لأن فرض تعدد اللامتناهي يستلزم أن نعتبر كل واحد منهما متناهيا من بعض الجهات حتى يصح لنا أن نقول هذا غير ذاك. ولا يقال هذا إلّا إذا كان كل واحد متميزا عن الآخر ، والتّميّز يستلزم أن لا يوجد الأول حيث يوجد الثاني ، وكذا العكس. وهذه هي «المحدودية» وعين «التناهي» ، والمفروض أنه سبحانه غير محدود ولا متناه.

والله سبحانه لأجل كونه موجودا غير محدود ، يصف نفسه في الذكر الحكيم ب (الْواحِدُ الْقَهَّارُ) (١). وما ذلك إلا لأن المحدود المتناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه. فإذا كان قاهرا من كل الجهات لم تتحكم فيه الحدود ، فكأن اللامحدودية تلازم وصف القاهرية ، وقد عرفت أنّ

__________________

(١) سورة الرعد : الآية ١٦.

١٦

ما لا حدّ له يكون واحدا لا يقبل التعدد. فقوله سبحانه ، وهو الواحد القهار ، من قبيل ذكر الشيء مع البينة والبرهان.

قال العلامة (الطباطبائي) : «القرآن ينفي في تعاليمه الوحدة العددية عن الإله جلّ ذكره ، فإن هذه الوحدة لا تتم إلّا بتميّز هذا الواحد ، من ذلك الواحد ، بالمحدودية التي تقهره. مثال ذلك ماء الحوض إذا فرّغناه في أوان كثيرة يصير ماء كلّ إناء ماء واحدا غير الماء الواحد الذي في الإناء الآخر ، وإنما صار ماء واحدا يتميّز عما في الآخر لكون ما في الآخر مسلوبا عنه ، غير مجتمع معه ، وكذلك هذا الإنسان إنما صار إنسانا واحدا لأنه مسلوب عنه ما للإنسان الآخر ، وهذا إن دلّ فإنما يدل على أنّ الوحدة العددية إنما تتحقق بالمقهورية والمسلوبية أي قاهرية الحدود ، فإذا كان سبحانه قاهرا غير مقهور وغالبا لا يغلبه شيء لم تتصور في حقه وحدة عددية ، ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه عند ما يصف نفسه بالواحدية يتبعها بصفة القاهرية حتى تكون الثانية دليلا على الأولى ـ قال سبحانه :

(أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ) (١) ، وقال : (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ) (٢) وقال : (لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ ، سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ) (٣).

وباختصار : إنّ كلّا من الوحدة العددية كالفرد الواحد من النوع ، أو الوحدة النوعية كالإنسان الذي هو نوع واحد في مقابل الأنواع الكثيرة ، مقهور بالحد الذي يميز الفرد عن الآخر والنوع عن مثله ، فإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كل شيء فليس بمحدود في شيء ، فهو موجود لا يشوبه عدم ، وحق لا يعرضه بطلان ، وحي لا يخالطه موت ، وعليم لا يدبّ

__________________

(١) سورة يوسف : الآية ٣٩.

(٢) سورة ص : الآية ٦٥.

(٣) سورة الزمر : الآية ٤.

١٧

إليه جهل ، وقادر لا يغلبه عجز ، وعزيز لا يتطرق إليه ظلم ، فله تعالى من كل كمال محضه» (١).

ومن عجيب البيان ما نقل عن الإمام الثامن (علي بن موسى الرضا) (عليه‌السلام) في هذا المجال في خطبة ألقاها على جماعة من العلماء وقال في ضمن تحميده سبحانه :

ليس له حدّ ينتهي إلى حدّه ، ولا له مثل فيعرف مثله (٢).

ترى إنّ الإمام (عليه‌السلام) بعد ما نفى الحد عن الله ، أتى بنفي المثل له سبحانه ، لارتباط وملازمة بين اللامحدودية ونفي المثيل ، والتقرير ما قد عرفت.

٣ ـ صرف الوجود لا يتثنى ولا يتكرر

إنّ هذا البرهان مركب من صغرى وكبرى على الشكل التالي :

الله سبحانه وجود صرف.

وكل وجود صرف واحد لا يتثنّى ولا يتكرّر.

فالنتيجة : الله سبحانه واحد لا يتثنّى ولا يتكرّر.

أما الصغرى فإليك بيانها :

أثبتت البراهين الفلسفية أنّه سبحانه منزّه عن الماهية التي تحد وجوده. وتحليله يحتاج إلى بيان دور الماهية في وجود الشيء فنقول : كل ما يقع في أفق النظر من الموجودات الإمكانية فهو مؤلف من وجود هو رمز عينيته

__________________

(١) الميزان ، ج ٦ ، ص ٨٨ / ٨٩ ـ بتلخيص.

(٢) توحيد الصدوق ، ص ٣٣.

١٨

في الخارج ، وماهية تحد الوجود وتبين مرتبته في عالم الشهود والخارج. مثلا : الزّهرة الماثلة أمام أعيننا ، لها وجود به تتمثل أمام نظرنا ، ولها ماهية تحددها بحد النباتية ، وتميزها عن الجماد والحيوان. ولأجل ذلك الحد نحكم عليها أنها قد ارتقت من عالم الجماد ولم تصل بعد إلى عالم الحيوان. وبذلك تعرف أن واقعية الماهية هي واقعية التحديد. هذا من جانب.

ومن جانب آخر ، الماهية إذا لوحظت من حيث هي هي ، فهي غير الوجود كما هي غير العدم. بشهادة أنها توصف بالأول تارة وبالثاني أخرى ويقال : النبات موجود ، كما يقال : غير موجود. وهذا يوضح أن مقام الحد والماهية مقام التخلية عن الوجود والعدم ، بمعنى أن الإنسان عند النظر إلى ذات الشيء يراه عاريا عن كل من الوجود والعدم. ثم يصفه في الدرجة الثانية بأحدهما. وأما وجه كون الشيء في مقام الذات غير موجود ولا معدوم فلأجل أنه لو كان في مقام الذات والماهية موجودا ـ سواء أكان الوجود جزءه أو عينه ـ يكون الوجود نابعا من ذاته ، وما هذا شأنه يكون واجب الوجود ، يمتنع عروض العدم عليه. كما أنه لو كان في ذلك المقام معدوما ـ سواء أكان العدم جزءه أو عينه ـ يكون العدم نفس ذاته ، وما هذا شأنه يمتنع عليه عروض الوجود. فلأجل تصحيح عروض كل من الوجود والعدم لا مناص عن كون الشيء في مقام الذات خاليا عن كلا الأمرين حتى يصح كونه معروضا لأحدهما. وإلى هذا يهدف قول الفلاسفة : «الماهية من حيث هي هي لا موجودة ولا معدومة». ومع هذا كلّه فهي في الخارج لا تخلو إما أن تكون موجودة أو معدومة. فالنبات والحيوان والإنسان في خارج الذهن لا تفارق أحد الوصفين. وبهذا تبين أنّ اتصاف الماهية بأحد الأمرين يتوقف على علة ، لكن اتصافها بالوجود يتوقف على علة موجودة ، ويكفي في اتصافها بالعدم ، عدم العلة الموجودة. فاتصاف الماهيات بالأعدام الأزلية

١٩

خفيف المئونة ، بخلاف اتصافها بالوجود فإنه رهن وجود علة حقيقية خارجية.

وعلى ضوء هذا البيان يتضح أنه سبحانه منزّه عن التحديد والماهية وإلّا لزم أن يحتاج في اتصاف ماهيته بالوجود إلى علة (١). وما هذا شأنه لا يكون واجبا بل يكون ممكنا. وهذا يجرّنا إلى القول بأنه سبحانه صرف الوجود المنزه عن كل حد.

وأما الكبرى فإليك بيانها :

إن كل حقيقة من الحقائق إذا تجردت عن أي خليط وصارت صرف الشيء لا يمكن أن تتثنّى وتتعدد ، من غير فرق بين أن تكون صرف الوجود أو تكون وجودا مقرونا بالماهية كالماء والتراب وغيرهما. فإنّ كل واحد منها إذا لوحظ بما هو هو عاريا عن كل شيء سواه لا يتكرر ولا يتعدد. فالماء بما هو ماء ، لا يتصور له التعدد إلّا إذا تعدد ظرفه أو زمانه أو غير ذلك من عوامل التعدد والتميز.

فالماء الصرف والبياض الصرف والسواد الصرف ، وكل شيء صرف ، في هذا الأمر سواسية. فالتعدد والاثنينيّة رهن اختلاط الشيء مع غيره.

وعلى هذا ، فإذا كان سبحانه ـ بحكم أنه لا ماهية له ـ وجودا صرفا ، لا يتطرق إليه التعدد ، لأنه فرع التميز ، والتميز فرع وجود غيريّة فيه ، والمفروض خلوّه عن كل مغاير سواه ، فالوجود المطلق والتحقق بلا لون ولا تحديد ، والعاري عن كل خصوصية ومغايرة ، كلما فرضت له ثانيا يكون

__________________

(١) وهنا يبحث عن العلة ما هي؟ أهي نفس الوجود العارض على الماهية أو وجود آخر. فإن كان الأول لزم الدور ، وإن كان الثاني لزم التسلسل. والتفصيل يؤخذ من محله. لاحظ الأسفار ج ١ ـ فصل في أنه سبحانه صرف الوجود.

٢٠