🚘

نهاية المرام في علم الكلام - ج ١

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية المرام في علم الكلام - ج ١

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: فاضل العرفان
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
ISBN: 978-964-357-391-1
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بسم الله الرحمن الرّحيم

الحمد لله القديم الأزليّ الدائم الأبدي الفرد الصّمد الواحد ، الحليم الكريم العظيم الجواد الماجد (١) ، المتقدس بوجوب وجوده عن الشريك والضدّ والمعاند ، المتنزّه بكماله الذاتي عن الصاحبة والوالد والوالد ، المتوحّد بتفرّده في الصنع والإبداع عن المعين والظهير والمعاضد ، العالم بمستودعات السرائر ومكنونات الضمائر وما اشتملت عليه العقائد ، المتعالي بتجرّده عن نيل الأوهام وإدراك الحواس ، المدرك لجميع الموجودات من الأشخاص والأصناف والأنواع والأجناس ، فهو الغائب الشاهد المختص بالملكوت والعظمة والجبروت ، فكلّ شيء له خاضع ساجد ، يسبّح له ما في السماوات وما في الأرض من رطب وجامد ، أحمده على افضاله المتضاعف وكرمه المترادف المتزايد ، وأشكره على سوابغ قسمه وتواتر نعمه الأوابد. وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ولا ندّ ولا مساعد ، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشرك والجاحد ، شهادة أستدفع بها الأهوال والشدائد ، وأدّخر

__________________

(١) م : «الأحد».

٣

بها الزاد يوم المعاد وأسترفد (١) بها من الله تعالى أعظم الذخائر والفوائد.

وصلّى الله على سيّد الأنبياء وخير الأصفياء محمّد بن عبد الله ، القامع شرعه لكلّ شيطان مارد ، والموضح دينه لأنواع الحكم وأصناف المقاصد ، وعلى آله المطهّرين عن الأدناس ، المقدسين عن الخطايا والأرجاس ، الغرر الأماجد ، صلاة يدحض بها كيد كلّ كائد ويقمع عناد كلّ معاند ، وسلّم تسليما.

أمّا بعد : فإنّ الله تعالى شرّف العلماء وعظّم الفضلاء لاختصاصهم بمزيد الإفضال وتميّزهم بأسباب الكمال ، وهو حصول العلم فيهم المقتضي لارتفاعهم عن مشابهة الجمادات وامتيازهم عن العجماوات ، وجعل مساواتهم لغيرهم محلّ العجب العجاب فقال عزّ من قائل: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ) (٢). وقد تطابقت الأخبار النبوية والقضايا العقلية البديهيّة على ارتفاع قدر العلماء إلى ذروة العلى ، وإنهباط منازل الجهال إلى أسفل درك الشقاء. هذا مع (٣) ما أعدّ الله تعالى لذوي البصائر والألباب وأولي النهى والصواب من مزيد الانعام وكثرة الثواب.

ثمّ (٤) إنّ العلوم متفاوتة بحسب تفاوت المعلومات ، ومتفاضلة بحسب تفاضل المتعلّقات ، وبعضها سبب النجاة ، فيجب على طلّاب العلم صرف الهمم إلى البدأة بالأهم منها فالأهم.

ولا شك أنّ أهمّ المعارف وأولاها وأجلّها وأسناها ، ما يكون سببا للخلاص

__________________

(١) الرفد : العطاء ، والإرفاد : الإعطاء والإعانة ، والاسترفاد : الاستعانة. (لسان العرب ٥ : ٢٦٤).

(٢) الزمر / ٩.

(٣) ق : «مع» ساقطة.

(٤) م : «ثم قال» وهي زيادة من الناسخ.

٤

من المهلكات وموجبا لارتفاع الدرجات ، وقد ظهر لأهل الحلّ والعقد ، وأرباب السبك (١) والنقد ، أنّ أشرف الموجودات وأكمل المعلومات ، هو ذات واجب الوجود ، المفتقر إليه كلّ موجود ، فالعلم به تعالى وتقدّس أجلّ من كلّ علم وأنفس. هذا مع اتّفاق الرسل والأنبياء ، وإطباق العقلاء وإجماع العلماء على وجوب معرفة الله تعالى على الأعيان ، والحتم (٢) بها في كلّ حين وزمان ، ولم يسوّغ أحد من المشرّعين ، ولا جوّز أحد من العارفين سلوك طريق التقليد لأحد من العلماء ، ولا ارتكاب عقائد الأجداد والآباء ، إلّا بعد الجدّ والاجتهاد والاستقصاء في تحصيل الاعتقاد ، بل حرّموا ذلك على الإطلاق ومنعه الشارع بالاتفاق.

وأوجبوا على كلّ مكلّف بذل الوسع في تحصيل المعارف ، ليحصل الأمن من المخاوف ، وذلك إنّما هو بعلم الكلام ، فوجب معرفته على الخاص والعام. وقد صنّفنا فيه كتبا متعدّدة ومسائل مسدّدة.

وقد أجمع رأينا في هذا الكتاب الموسوم ب «نهاية المرام في علم الكلام» على جمع تلك الفوائد التي استنبطناها والنكت التي استخرجناها ، مع زيادات نستخرجها في هذا الكتاب لطيفة ، ومعان حسنة شريفة لم يسبقنا إليها المتقدّمون ولا سطرها المصنّفون.

ثمّ نذكر على الاستقصاء ما بلغنا من كلام القدماء ، ونحكم بالإنصاف بين

__________________

(١) سبك : المعدن ، سبكا : أذابه وخلّصه من الخبث ، ثمّ أفرغه في قالب. ويقال : سبكت التجارب فلانا : علمته وهذّبته. (المعجم الوسيط ، مادة «سبك»).

(٢) أي وجوب المعرفة اليقينية ، وسيرد عليك ما يفيدك بصيرة في الفصل السادس من مقدمة الكتاب.

٥

المتكلّمين والحكماء ، وجمعت فيه بين (١) القوانين الكلاميّة والقواعد الحكميّة المشتملة (٢) عليهما المباحث والنهاية (٣). فكان في هذا الفن قد بلغ الغاية (٤) ، لأجل أعزّ الناس عليّ وأحبّهم إليّ وهو الولد العزيز محمّد ، رزقه الله تعالى الوصول إلى أقصى نهايات الكمال ، والارتقاء إلى أعلى ذرى (٥) الجلال ، وأيّده بالعنايات الأزليّة ، وأمدّه بالسعادات الأبديّة ، وأحياه الله تعالى في عيش رغيد (٦) وعمر مديد ، بمحمّد وآله الطاهرين.

وقد رتّبت هذا الكتاب على مقدمة وقواعد مستعينا (٧) بالله لا غير ، فإنّه الموفق لكلّ خير ودافع كلّ ضير.

وتشتمل المقدمة على فصول (٨) :

الأوّل : في بيان شرف هذا العلم

ويدلّ عليه وجوه :

أ ـ أنّ البديهة حاكمة بشرف العلم وعلو شأنه. لا شكّ أنّ شرف العلم تابع لشرف المعلوم ، ولمّا كان الغرض الأقصى من هذا الفن معرفة الله تعالى وصفاته وكيفيّة أفعاله وتأثيراته ، والبحث عن رسله وأوصيائهم ، وأحوال النفس والمعاد ، وهذه أشرف المطالب خصوصا وواجب الوجود تعالى أشرف الموجودات ،

__________________

(١) م : «من».

(٢) م : «المشتمل».

(٣) في هامش نسخة ج : المباحث والنهاية هما كتابان للفخر الرازي. والمراد من المباحث : المباحث المشرقية ، ومن النهاية : نهاية العقول في دراية الأصول.

(٤) م : سقطت الجملة بتمامها من «لاجل» إلى «وقد رتبت».

(٥) جمع ذروة ، وذروة كل شيء : أعلاه (لسان العرب : مادة «ذرا»).

(٦) رغيد : رغد من العيش أي رزق واسع (المصباح المنير : مادة «رغد»).

(٧) في المخطوطة : «مستعين» ، أصلحناها وفقا للسياق.

(٨) ولتعريف علم الكلام راجع المواقف : ٧ ؛ مقدمة ابن خلدون : ٤٥٨ ؛ احصاء العلوم : ٧١ ؛ شرح المقاصد ١ : ١١ ـ ١٢ ؛ التعريفات : ٨ ؛ مقدمة قواعد المرام ؛ مقدمة شوارق الالهام.

٦

فالعلم به أشرف العلوم.

ب ـ أنّ مقدمات العلوم قد تكون قطعيّة ، وقد تكون ظنّية ، ويحصل بالأوّل اليقين ، وبالثاني الظنّ ، والأوّل أشرف.

ومقدمات هذا الفن قطعيّة يقينيّة (١) ، إمّا (٢) بديهيّة أو كسبيّة راجعة إليها ، فتكون براهينه أوثق من غيره ، فيكون أشرف.

ج ـ الإنسان خلق لا كغيره من الحيوانات ، بل جعل محلّا لخطاب الله تعالى وتكليفه ، لينال السعادة الأخروية ، وهي أجلّ (٣) المطالب وأتمّ المقاصد ، ولا شكّ أنّ نيل هذه السعادة إنّما يحصل بالإيمان بالله تعالى ورسله واليوم الآخر ، وذلك كلّه إنّما يحصل بمعرفة هذا الفن ، فيكون أشرف.

د ـ السعادة الدنيوية لا يمكن تحصيلها ، إلّا بالحكمة العمليّة المعلوم فيها معرفة أحوال نظام العالم ، والعلوم السياسية والمدنية (٤) ، والأخلاق المحمودة والمذمومة ، لتكمل النفس باستعمال تلك ، والتنزّه عن هذه (٥) ، وذلك إنّما يحصل بالرغبة في الثواب والرهبة من العقاب ، وإنّما يستفادان من هذا العلم.

ه ـ العلم إمّا ديني أو دنيوي ، والثاني غير معتدّ به عند العقلاء ، لأنّه يجري مجرى الحرف والصناعات ، فالمعول عليه هو الأوّل لا غير ، والعلوم الدينيّة كلّها متوقّفة على صحّة هذا العلم ، لأنّه المتكفّل لإثبات الصانع تعالى ، وإثبات قدرته وعلمه ، ليصحّ تكليفه ، ويتيسر (٦) للفقيه والمحدّث والمفسّر للكتاب

__________________

(١) م : «يقينية» ساقطة.

(٢) م : «لانها».

(٣) م : «اعظم».

(٤) م : «الدينية» والصواب ما في المتن.

(٥) أي باستعمال الأخلاق المحمودة والتنزّه عن الأخلاق المذمومة.

(٦) م : «تكليفه ويتيسر» ساقطة.

٧

العزيز وغيرهم من العلماء الخوض في علومهم. وإذا ثبت استغناؤه عن غيره واحتياج غيره إليه كان أشرف.

و ـ أنّ للضد مدخلا في حسن الضد الآخر وقبحه ، فإذا كان الخطأ في هذا العلم كفرا وبدعة ، وهما من أقبح الأشياء وأخسّها (١) ، وجب أن يكون هذا العلم الذي يحصل به إصابة الحق ، من أشرف الأشياء وأحسنها.

ز ـ موضوعات سائر العلوم على ما سيظهر ، راجعة إلى هذا العلم ، وموضوعه بديهيّ الثبوت ، فجميع العلوم محتاجة إليه ، ومبادئها مستندة إليه ، فيكون أشرف (٢).

الفصل الثاني : في علّة تسميته بالكلام (٣)

كلّ علم من العلوم لا ينفكّ عن البحث والمناظرة والكلام ، لكن خصّص هذا العلم باسم الكلام لوجوه :

أ ـ العادة قاضية بتسمية البحث في دلائل وجود الصانع تعالى وصفاته وأفعاله ، الكلام في الله تعالى وصفاته ، فسمّي هذا العلم بذلك. ولا استبعاد في تخصيص بعض الأسماء ببعض المسمّيات دون بعض.

ب ـ أنكر جماعة البحث في العلوم العقليّة والبراهين القطعية ، فإذا سئلوا عن مسألة تتعلّق بالله تعالى وصفاته وأفعاله والنبوّة والمعاد ، قالوا : نهينا عن الكلام في هذا العلم ، فاشتهر هذا العلم بهذا الاسم.

__________________

(١) م : «أخبثها».

(٢) أنظر الوجوه ما عدا الأخيرة في مقدمة نهاية العقول للرازي.

(٣) راجع شرح العقائد النسفية : ١٥ ـ ١٦ ؛ المواقف : ٨ ـ ٩ ؛ كشّاف اصطلاحات الفنون ، للتهانوي ١ : ٢٤ ؛ مذاهب الإسلاميين ، للبدوي ١ : ٢٨ ـ ٣٢.

٨

ج ـ هذا العلم أسبق من غيره في المرتبة ، فالكلام فيه أسبق من الكلام في غيره ، فكان أحقّ بهذا الاسم.

د ـ هذا العلم أدقّ من غيره من العلوم ، والقوّة المميّزة للإنسان ـ وهي النطق ـ (١) إنّما تظهر بالوقوف على أسرار هذا العلم ، فكان المتكلّم فيه أكمل الأشخاص البشريّة ، فسمّي هذا بالكلام ؛ لظهور قوّة التعقّل فيه.

ه ـ هذا العلم يوقف منه على مبادئ سائر العلوم ، فالباحث عنه كالمتكلّم في غيره ، فكان اسمه بعلم الكلام أولى.

و ـ أنّ العارفين بالله تعالى يتميزون عن غيرهم من بني نوعهم ، لما شاهدوه من ملكوت الله تعالى ، وأحاطوا بما عرفوه من صفاته ، فطالت ألسنتهم (٢) على غيرهم فكان علمهم أولى باسم الكلام.

الفصل الثالث : في موضوعه (٣)

اعلم أنّ لكلّ علم على الإطلاق أمورا ثلاثة : موضوعا ومبادئ ومسائل.

ونعني بالموضوع : ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه التي تلحقه لما هو هو ـ أي: لذاته ـ أو لجزئه أو لما تساوى ذاته من لوازمه ، وهذه أجمع تسمّى

__________________

(١) ق : «المنطق».

(٢) هكذا في «ق» و «م» والظاهر أنّهم أصبحوا كثيري الحجج فحصلت لهم القدرة على الكلام مع مخالفيهم ، كمن حصلت له القدرة في العقليات بمعرفته المنطق.

(٣) وقد اقتصر المصنف (ره) في هذا الفصل على بيان الكلّيات والبحث عن الموضوع والمبادئ والمسائل لكل علم ، وبيان رأيه في موضوع علم الكلام وأعرض عن ذكر الأقوال في موضوع هذا العلم.

ومن أراد التفصيل في هذه الثلاثة فليراجع الفصل السادس من المقالة الثانية من الفن الخامس من منطق الشفاء ؛ التحصيل : ١٩٧ ـ ٢٠٣ ؛ الجوهر النضيد : ٢١٢ ـ ٢١٥ ؛ كشف الظنون ١ : ٦ ـ ٨ ؛ كشاف اصطلاحات الفنون ١ : ٢٢ ـ ٢٤.

٩

بالأعراض الذاتية ، وأمّا ما يلحقه لأمر أعمّ من ذاته عارض لها أو لأمر أخصّ فهما عرضان غريبان.

وباعتبار هذا الموضوع تتمايز العلوم وتختلف ، مثلا : أجرام العالم من حيث الشكل موضوعة للهيئة ، ومن حيث الطبيعة موضوعة للسماء والعالم من الطبيعي (١). فلولا اعتبار هاتين الحيثيتين لامتزج العلمان واختلط أحدهما بالآخر. (٢)

والموضوع قد يكون واحدا على الإطلاق ، وقد يكون متكثّرا (٣) ، لكن بشرط تناسب تلك الأشياء المتكثرة ، إمّا بأن تتشارك في ذاتي كالخطّ والسطح والجسم ، إذا جعلت موضوعات الهندسة ، فإنّها تشترك في الكمّ المتّصل القار الذات ، وهو جنس لها ، أو في عرضي كبدن الإنسان وأجزائه وأحواله ، والأدوية والأغذية وما شاكلها ، إذا جعلت جميعا موضوعات علم الطب ، فإنّها تتشارك في كونها منسوبة إلى الصحّة التي هي الغاية في ذلك العلم.

وإنّما سمّي الموضوع موضوعا للعلم ؛ لأجل أنّ موضوعات مسائل ذلك العلم ترجع إليه ، بأن تكون نفسه أو جزئيا تحته (٤) أو جزءا منه أو عرضا ذاتيا له.

أمّا المبادئ : فهي التي يبنى العلم عليها ، وهي إمّا تصوّرات أو تصديقات.

فالتصوّرات : هي حدود أشياء تستعمل في ذلك العلم ، وهي إمّا موضوع العلم أو جزء منه أو جزئي تحته أو عرض ذاتي له. وهذه الأشياء قد يجب تقديم

__________________

(١) أي لقسم السماء والعالم من العلم الطبيعي. أنظر أقسام العلم الطبيعي في طبيعيات الشفاء.

(٢) راجع قسم المنطق من كتاب النجاة : ٧٢ (فصل في اختلاف العلوم واشتراكها في الموضوعات) ؛ التحصيل: ٢١٥.

(٣) راجع المواقف : ٧ ؛ شرح المقاصد ١ : ٨ ؛ كشف الظنون ١ : ٣ ، ٦ ؛ ابن خلدون : ٤٦٦ ؛ شوارق الالهام : ٩ ، گوهر مراد : ١٨.

(٤) والكلمة مطموسة ، والصواب ما أثبتناه في المتن كما يفهم من السياق.

١٠

التصديق بها على العلم ، وهي الموضوع وما يتركب منه ، وقد يكون في ذلك العلم ، وهي الأعراض الذاتية ، وحدود الأوّل بحسب الماهيّات والثاني بحسب الأسماء.

وأمّا التصديقات : فهي المقدمات التي منها تؤلّف قياسات ذلك العلم ، فمنها بيّن يجب قبوله ، وتسمّى القضايا المتعارفة ، وهي مبادئ على الإطلاق. ومنها غير بيّن يجب تسليمها ليبنى عليها ، ومن شأنها أن تبيّن في علم آخر ، وهي مبادئ بالقياس إلى العلم المبني عليها ومسائل بالقياس إلى الآخر.

ثمّ تسليم هذه إن كان مع مسامحة وحسن ظن بالمعلم (١) ، فهي أصول موضوعة ، وإن كان مع استنكاف سمّيت مصادرات. (٢)

وأمّا المسائل : فهي المطالب المبيّنة (٣) في ذلك العلم ويطلب فيه انتساب محمولاتها إلى موضوعاتها.

وإذ قد تمهّدت هذه القاعدة ، فنقول : علم الكلام ينظر فيه في أعمّ الأشياء ، وهو الوجود. ينقسم الوجود أوّلا إلى قديم ومحدث ، ثم يقسم المحدث إلى جوهر وعرض ، ثم يقسم العرض إلى مشروط بالحياة وغير مشروط. ويقسم الجوهر إلى حيوان ونبات وجماد.

ويبيّن وجه الخلاف بينها ، هل هو بذاتي أو عرضي؟ ثمّ ينظر في القديم ، فيبيّن عدم تكثّره بوجه من الوجوه ، وأنّه متميز عن الحوادث بما يجب له من الصفات ويمتنع عليه ، ويفرّق بين الواجب والجائز والممتنع ، ثمّ يبيّن أنّ أصل الفعل جائز (٤) عليه ، وأنّ العالم فعله ، وإرسال الأنبياء من جملة آثاره ، وأنّهم

__________________

(١) في المخطوطة : «بالعلم» ، والصحيح ما أثبتناه ، كما في الفصل الرابع من المقالة الأولى من الفن الخامس من منطق الشفاء ؛ الجوهر النضيد : ٢١٤.

(٢) أنظر الفرق بين الأصول الموضوعة والمصادرات في الفصل الثاني عشر من المقالة الأولى من الفن الخامس من منطق الشفاء.

(٣) ق وج : «المثبتة».

(٤) أي ليس الفعل واجبا ولا ضروريا عليه ومن فعله العالم ، فهو جائز عليه.

١١

صادقون باعتبار فعل المعجزة منهم ، ثمّ يستعين العقل بقول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي استدل على صدقه فيما يقوله في الله تعالى واليوم الآخر مما يعجز عن إدراكه العقل ولا يحكم بامتناعه. ولا شك في أنّ هذه الأشياء عارضة للوجود من حيث هو ، فيكون موضوعه هو الوجود المطلق.

الفصل الرابع : في غايته

إنّ الإنسان خلق لا كغيره من أنواع الحيوانات ، بل هو مدنيّ بالطبع يفتقر في معاشه إلى غذاء ولباس ومسكن وصلاح أحواله ومن يعوله من نسله وغيرهم ، وهذه أمور صناعية لا يمكن صدورها عن صانع واحد ، وإنّما تحصل باجتماع خلق يتعاونون عليه ، ويتشاركون في تحصيله ، ليفرغ كلّ واحد منهم لصاحبه عن بعض مهمه (١) منهم ، فيتمّ بمعارضته ومعاوضته. ثمّ إنّ الاجتماع على التعاون إنّما يتمّ إذا كان بين بني النوع معاملة وعدل ؛ إذ كلّ منهم يشتهي ما يحتاج إليه ، ويغضب على مزاحمته فيه ، وبحسب هاتين يحصل الجور فيقع الهرج والمرج ، ويختلّ أمر النظام ، ولا بدّ من عدل متفق عليه ، ولمّا كانت الجزئيات غير منحصرة وجب وضع قوانين شرعية لكيفيّة العدل ، وتلك القوانين لو وضعها الناس لحصل الاختلاف ، فيقع الهرج المحذور منه ، فإذن يجب امتياز الشارع بينهم باستحقاق الطاعة ليطيعه الباقون ، وإنّما يتميّز بمعجزات تصدر عنه دون غيره ، ولمّا كانت الحكمة إنّما تتمّ بالتكليف ، إذ ضعفاء العقول يستجيزون (٢) اختلال العدل الناظم لمعاشهم ، وجب في عنايته تعالى إرسال الأنبياء بشرائع تقتضي نظام الوجود ، ومجازاة الممتثل لها بالإحسان ، ومقابلة المخالف بالعذاب الأخروي ، ووجب معرفة

__________________

(١) م : «مهمّه» ساقطة.

(٢) ق : «يستحقرون».

١٢

المجازي واقتران تلك المعرفة بالتكرار الموجب للتذكار ، وهو إنّما تتمّ بعبادات مذكّرة متكررة في أوقات متتالية.

وعلم الكلام هو المتكفّل بمعرفة المجازي ، وكيفية آثاره وأفعاله وتكاليفه على الإجمال. وذلك هو سبب السعادة الأبديّة والخلاص عن الشقاء الأبدي ، ولا غاية أهمّ من هذه الغاية.

الفصل الخامس : في مرتبته ونسبته إلى سائر العلوم

إنّه لمّا ظهر أنّ موضوع هذا العلم هو الوجود المطلق ، وكان الوجود أعمّ من كلّ موضوع ، وجب أن يكون هذا العلم أسبق العلوم وأقدمها.

وأيضا فإنّ مبادئ سائر العلوم إنّما تتبيّن فيه ، ومعرفة ذي المبدأ متوقفة على معرفة المبدأ. فلهذا العلم تقدّم بهذا الاعتبار أيضا على غيره من سائر العلوم.

ولأنّ سبب النجاة إنّما هو معرفة هذا العلم وهذه الغاية أكمل من كلّ غاية ، فلهذا العلم تقدم على غيره بحسب غايته.

ولأنّ معلومه أشرف من كلّ معلوم وجب تقدمه على جميع العلوم.

ولأنّ السمعيّة متوقفة عليه ، والعقليّة إمّا كلّية أو جزئيّة ، والكلّي منها هو هذا العلم وباقي العقليات جزئيّة ، والجزئي ينتهي إلى الكلّي فجميع العلوم متأخّرة عن هذا العلم.

الفصل السادس : في وجوب معرفته (١)

إنّه سيظهر لك فيما بعد إن شاء الله تعالى ، أنّ معرفة الله تعالى واجبة ، وكذا

__________________

(١) انظر تلخيص المحصّل : ص ٦١ ؛ المواقف : ٢٨ ـ ٣٠.

١٣

معرفة صفاته وما يجب له ويستحيل عليه ، ولا تتمّ هذه المعرفة إلّا بهذا العلم ، لأنّه المتكفّل بذلك ، وما لا يتمّ الواجب المطلق إلّا به فهو واجب على ما يأتي.

وأيضا قوله تعالى : (قُلِ انْظُرُوا) (١) وقوله : (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ) (٢) وقوله: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ) (٣) إلى غير ذلك من الآيات الدالّة عليه.

وكذا ما ورد من الآيات الدالّة على النهي عن التقليد وذمّه. ولا خلاف بين العقلاء في ذلك.

إذا عرفت هذا فنقول : الواجب على قسمين : إمّا على الأعيان أو على الكفاية. ووجوب هذا العلم على الأعيان ، للنهي عن التقليد في العقائد.

واعلم أنّ القدر الواجب على الأعيان من هذا العلم ، هو معرفة الله تعالى بالدليل ، ومعرفة ما يجب معرفته من صفاته الثبوتيّة والسلبيّة ، ومعرفة آثاره التي تتوقّف عليها بعثة الرسل ومعرفة الرسل وصدق الأنبياء ، ومعرفة المعاد ، والإمام. ولا يجب تتبّع الجواب عن الشبهات ، ومقاومة الخصوم على الأعيان ، بل ذلك واجب على الكفاية.

__________________

(١) ـ (قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) يونس / ١٠١.

(٢) محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم / ١٩.

(٣) الروم / ٨. وفي المخطوطة : «أو لم يتفكروا في خلق السّماوات والأرض» وهي ليست نصّ آية ، وإنّما استفاد المصنّف معناها من آيات متعددة امثال : الروم / ٨ ؛ آل عمران / ١٩١ ؛ يونس / ١٠١ ؛ العنكبوت / ٢٠ ؛ الأعراف / ١٨٥.

١٤

القاعدة الأولى

في تقسيم المعلومات

وفيه مقاصد :

١٥
١٦

المقصد الأوّل

في التقسيم إلى الموجود والمعدوم

اعلم أنّ كلّ معلوم إمّا أن يكون موجودا وإمّا أن يكون معدوما (١) ، فهنا فصول :

الفصل الأوّل :

في مباحث الوجود

البحث الأوّل : في أنّ تصور الوجود بديهيّ

وفيه مقامات ثلاثة :

الأوّل : في الاستدلال على أنّه بديهي

اختلف الناس في ذلك ، فذهب المحقّقون إليه ، ونازع فيه جماعة ، وزعموا أنّه يعرف بحدّه ، واختلفوا في حدّه ، فقال قوم : إنّ الموجود هو الثابت العين.

__________________

(١) في هامش نسخة ق : «والمراد بالمعدوم هاهنا المعدوم المضاف ؛ لأنّ المعدوم المطلق لا يبحث عنه».

١٧

وقال آخرون : إنّه ما صحّ التأثير به أو فيه. وأراد بقوله فيه الجواهر ، لأنّ الجواهر يصحّ التأثير فيها ولا يصحّ بها لأنّها لا توجب حكما في الغير.

وقيل : حدّ الوجود ما يظهر معه مقتضى صفات النفس ، وهذا على رأي من قال : المعدوم له في حال عدمه صفة ، ولكلّ جنس صفة نفسية ، ومن قال : إنّ المعدوم لا صفة له حال عدمه قال : الوجود هو الثبوت.

وقال آخرون : الوجود هو الذي يوجب كون ما وصف به موجودا.

وقيل : إنّه الذي ينقسم إلى القديم والحادث.

وقيل : الوجود هو الذي ينقسم إلى فاعل أو مفعول.

وهذه التعريفات كلّها رديئة لاستلزام التعريف بها الدور ، أو التعريف بالأخفى ، والحق أنّه غني عن التعريف ، إذ كلّ عاقل لا يشك في أنّه موجود (١).

وقد استدل أفضل المتأخّرين (٢) على أوليّته بوجوه (٣) :

الوجه الأوّل : علمي بوجودي بديهي ، والوجود جزء من وجودي ، والعلم بالجزء سابق على العلم بالكل ، والعلم السابق على الأوّلي أولى أن يكون أوّليا ، والوجود في الكلّ واحد ، فالوجود المطلق أوّلي.

وفيه نظر ، فإنّ للقائل أن يقول : البديهي ، الحكم بأنّي موجود ، أمّا تصوّر وجودي فممنوع ، ونمنع كمالية تصوّر كلّ واحد لوجوده ، فجاز أن يتصوّره باعتبار

__________________

(١) قارن الفصل الخامس من المقالة الأولى من إلهيات الشفاء ؛ المباحث المشرقية ١ : ٩٧.

(٢) وهو أبو عبد الله ، محمد بن عمر الرازي الملقب بفخر الدين توفى سنة (٦٠٦ ه‍) راجع وفيات الأعيان ٤ : ٢٤٨.

(٣) انظر الوجوه في المباحث المشرقية ١ : ٩٨ ـ ٩٩ ؛ تلخيص المحصل : ٧٤ ؛ شرح المواقف ٢ : ٧٧ ؛ شرح المقاصد ١ : ٥٦. وقد ذكر الطوسي ـ ره ـ الوجه الثاني والثالث وأجاب عنهما. راجع كشف المراد : ٢٣.

١٨

ما ، وحينئذ لا يجب تصوّر جزئه ، ونمنع أيضا كون الوجود المطلق جزءا من وجودي ، لابتنائه على اشتراك الوجود في المعنى وقد خالف فيه جماعة.

الوجه الثاني : التصديق البديهي بأنّ النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ليس إلّا التصديق بامتناع الخلوّ عن الوجود والعدم ، وذلك مسبوق بتصوّر الوجود ، والسابق على البديهي بديهي.

قيل عليه (١) : التصديق البديهي لا يستلزم كون تصوّراته بديهيّة ، بل يجوز أن تكون كسبيّة.

الوجه الثالث : (٢) تعريف الوجود بنفسه محال وبأجزائه أيضا ، لأنّها إن كانت وجودات لزم توقّف الشيء على نفسه ، وإن لم تكن فعند اجتماعها إن لم يحصل زائد كان الوجود محض ما ليس بوجود. وإن حصل كان هو الوجود ، وتلك الأمور معروضاته ، فلا تكون أجزائه.

وتعريفه بالأمور الخارجة عنه محال ، لأنّ الرسم إنّما يفيد تصوّر الماهية بعد اختصاصه بها ، وذلك إنّما يكون معلوما لو عرفنا الماهية وما غايرها من جميع الماهيّات ، فيلزم الدور و (٣) معرفة ما لا يتناهى ، ولا بالمركّب من الداخل والخارج لأنّه خارج.

وفيه نظر (٤) ؛ لأنّه لا يلزم من كون أجزاء الوجود وجودات أن تكون هي نفس الوجود ، كما أنّه لا يلزم من كون أجزاء الجوهر جواهر أن تكون الأجزاء هي نفس المركّب.

__________________

(١) الظاهر أنّ الإشكال يرد على الوجهين الأوّل والثاني معا ، وقد أجاب الرازي عنه في المباحث المشرقية ١ : ٩٨ ـ ٩٩.

(٢) هذا الوجه وما بعده بيان لعدم إمكان تعريف الوجود. المباحث المشرقية ١ : ٩٩ ـ ١٠٠.

(٣) م : «وهو» وفي ج : «يلزم».

(٤) وجوه النظر مذكورة أيضا في كشف المراد : ٢٣.

١٩

سلّمنا ، لكن عند اجتماعها لا يحصل زائد غير المركّب ولا يكون الوجود محض ما ليس بوجود ، لأنّ المركّب مغاير لأجزائه.

سلّمنا ، لكن لا يلزم من حصول الزائد أن لا تكون تلك الأجزاء أجزاء. على أنّ هذا يقتضي نفي التركيب مطلقا ، كما تقول : الحيوان ـ مثلا ـ ليس بمركّب ، لأنّ أجزاءه إن كانت حيوانات لزم تركّب الشيء من نفسه وهو محال. وإن لم تكن فإن لم يحصل زائد عند اجتماعها ، كان الحيوان محض ما ليس بحيوان ، وإن حصل كان هو الحيوان ، وتلك ليست أجزاء له.

سلّمنا ، لكن جاز التعريف بالخارج ، وهو يتوقف على الاختصاص لا على العلم به ولا دور ، ولا يلزم العلم بما لا يتناهى على التفصيل لتوقّفه على العلم بعارض كالمعلومية.

الوجه الرابع : تعريف الوجود ليس بالحدّ فإنّه لا جنس له ولا فصل ، ولا بالرسم لأنّ الاستقراء دلّ على أنّه لا شيء أعرف من الوجود (١).

وهو ضعيف لأنّ الحدّ لا يجب تركّبه من الجنس والفصل.

سلّمنا ، لكن نمنع انتفاء الجنس والفصل عنه. وعدم العلم لا يدلّ على العدم.

سلّمنا ، لكنّ الاستقراء لا يفيد اليقين.

لا يقال : لو كان بديهيا استحال البرهان عليه ، لكنّكم برهنتم عليه فلا يكون تصوره بديهيا.

لأنّا نقول : التصوّر البديهي له اعتباران : أحدهما : ثبوته في نفسه ، والثاني : ثبوت هذا الوصف ، أعني كونه بديهيا له. والممتنع إقامة البرهان عليه هو الأوّل ، أمّا الثاني فلا.

__________________

(١) قال الرازي : هذا الوجه وصل إلينا ممّن قبلنا ، المباحث المشرقية ١ : ١٠٠.

٢٠