🚘

زاد المسير في علم التفسير - ج ٤

أبي الفرج عبدالرحمن ابن علي ابن الجوزي

زاد المسير في علم التفسير - ج ٤

المؤلف:

أبي الفرج عبدالرحمن ابن علي ابن الجوزي


المحقق: عبدالرزاق المهدي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

فهرس الموضوعات

الموضوع

الصفحة

الموضوع

الصفحة

٣٩ ـ تفسير سورة الزمر

 ٧

٥٩ ـ تفسير سورة الحشر

 ٢٥٣

٤٠ ـ تفسير سورة غافر

 ٢٩

٦٠ ـ تفسير سورة الممتحنة

 ٢٦٦

٤١ ـ تفسير سورة فصلت

 ٤٥

٦١ ـ تفسير سورة الصف

 ٢٧٦

٤٢ ـ تفسير سورة الشورى

 ٥٨

٦٢ ـ تفسير سورة الجمعة

 ٢٨٠

٤٣ ـ تفسير سورة الزخرف

 ٧٢

٦٣ ـ تفسير سورة المنافقون

 ٢٨٦

٤٤ ـ تفسير سورة الدخان

 ٨٧

٦٤ ـ تفسير سورة التغابن

 ٢٩١

٤٥ ـ تفسير سورة الجاثية

 ٩٦

٦٥ ـ تفسير سورة الطلاق

 ٢٩٥

٤٦ ـ تفسير سورة الأحقاف

 ١٠٢

٦٦ ـ تفسير سورة التحريم

 ٣٠٤

٤٧ ـ تفسير سورة محمّد

 ١١٥

٦٧ ـ تفسير سورة الملك

 ٣١٣

٤٨ ـ تفسير سورة الفتح

 ١٢٥

٦٨ ـ تفسير سورة القلم

 ٣١٨

٤٩ ـ تفسير سورة الحجرات

 ١٤١

٦٩ ـ تفسير سورة الحاقة

 ٣٢٨

٥٠ ـ تفسير سورة ق

 ١٥٦

٧٠ ـ تفسير سورة المعارج

 ٣٣٥

٥١ ـ تفسير سورة الذاريات

 ١٦٧

٧١ ـ تفسير سورة نوح

 ٣٤١

٥٢ ـ تفسير سورة الطور

 ١٧٥

٧٢ ـ تفسير سورة الجن

 ٣٤٦

٥٣ ـ تفسير سورة النجم

 ١٨٣

٧٣ ـ تفسير سورة المزمل

 ٣٥٢

٥٤ ـ تفسير سورة القمر

 ١٩٦

٧٤ ـ تفسير سورة المدثر

 ٣٥٨

٥٥ ـ تفسير سورة الرحمن

 ٢٠٥

٧٥ ـ تفسير سورة القيامة

 ٣٦٨

٥٦ ـ تفسير سورة الواقعة

 ٢١٨

٧٦ ـ تفسير سورة الإنسان

 ٣٧٤

٥٧ ـ تفسير سورة الحديد

 ٢٣٢

٧٧ ـ تفسير سورة المرسلات

٣٨٢

٥٨ ـ تفسير سورة المجادلة

 ٢٤١

٧٨ ـ تفسير سورة النبإ

 ٣٨٧

٥

الموضوع

الصفحة

الموضوع

الصفحة

٧٩ ـ تفسير سورة النازعات

 ٣٩٣

٩٧ ـ تفسير سورة القدر

 ٤٦٩

٨٠ ـ تفسير سورة عبس

 ٣٩٩

٩٨ ـ تفسير سورة البينة

 ٤٧٥

٨١ ـ تفسير سورة التكوير

 ٤٠٥

٩٩ ـ تفسير سورة الزلزلة

 ٤٧٧

٨٢ ـ تفسير سورة الانفطار

 ٤١٠

١٠٠ ـ تفسير سورة العاديات

 ٤٨٠

٨٣ ـ تفسير سورة المطففين

 ٤١٣

١٠١ ـ تفسير سورة القارعة

 ٤٨٣

٨٤ ـ تفسير سورة الانشقاق

 ٤١٩

١٠٢ ـ تفسير سورة التكاثر

 ٤٨٥

٨٥ ـ تفسير سورة البروج

 ٤٢٣

١٠٣ ـ تفسير سورة العصر

 ٤٨٧

٨٦ ـ تفسير سورة الطارق

 ٤٢٨

١٠٤ ـ تفسير سورة الهمزة

 ٤٨٨

٨٧ ـ تفسير سورة الأعلى

 ٤٣١

١٠٥ ـ تفسير سورة الفيل

 ٤٩٠

٨٨ ـ تفسير سورة الغاشية

 ٤٣٤

١٠٦ ـ تفسير سورة قريش

 ٤٩٣

٨٩ ـ تفسير سورة الفجر

 ٤٣٧

١٠٧ ـ تفسير سورة الماعون

 ٤٩٥

٩٠ ـ تفسير سورة البلد

 ٤٤٦

١٠٨ ـ تفسير سورة الكوثر

 ٤٩٧

٩١ ـ تفسير سورة الشمس

 ٤٥٠

١٠٩ ـ تفسير سورة الكافرون

 ٤٩٩

٩٢ ـ تفسير سورة الليل

 ٤٥٣

١١٠ ـ تفسير سورة النصر

 ٥٠١

٩٣ ـ تفسير سورة الضحى

 ٤٥٦

١١١ ـ تفسير سورة المسد

 ٥٠٢

٩٤ ـ تفسير سورة الشرح

 ٤٦٠

١١٢ ـ تفسير سورة الإخلاص

 ٥٠٥

٩٥ ـ تفسير سورة التين

 ٤٦٣

١١٣ ـ تفسير سورة الفلق

 ٥٠٧

٩٦ ـ تفسير سورة العلق

 ٤٦٦

١١٤ ـ تفسير سورة الناس

 ٥١٠

٦

سورة الزّمر

وتسمّى سورة الغرف

فصل في نزولها : روى العوفيّ وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكّيّة ، وبه قال الحسن ، ومجاهد ، وعكرمة ، وقتادة ، وجابر بن زيد. وروي عن ابن عباس أنه قال : فيها آيتان نزلتا بالمدينة : قوله : (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) (١) وقوله : (يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا) (٢) وقال مقاتل : فيها من المدنيّ : (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا) الآية ، وقوله : (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ) (٣). وفي رواية أخرى عنه قال : فيها آيتان مدنيّتان : (يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا) وقوله : (يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ) (٤). وقال بعض السّلف : فيها ثلاث آيات مدنيّات : (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا) إلى قوله : (وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (٥).

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤))

قوله تعالى : (تَنْزِيلُ الْكِتابِ) قال الزّجّاج : الكتاب هاهنا القرآن ، ورفع «تنزيل» من وجهين : أحدهما : الابتداء ، ويكون الخبر (مِنَ اللهِ) ، فالمعنى : نزل من عند الله. والثاني : على إضمار : هذا تنزيل الكتاب ؛ و (مُخْلِصاً) منصوب على الحال ؛ فالمعنى : فاعبد الله موحّدا لا تشرك به شيئا. قوله تعالى : (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ) يعني : الخالص من الشّرك ، وما سواه ليس بدين الله الذي أمر به ؛ وقيل : المعنى : لا يستحقّ الدّين الخالص إلّا الله (٦). (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) يعني آلهة ، ويدخل

__________________

(١) الزمر : ٢٣.

(٢) الزمر : ٥٣.

(٣) الزمر : ١٠.

(٤) الزمر : ١٠.

(٥) الزمر : ٥٣ ـ ٥٥.

(٦) قال القرطبي رحمه‌الله في «الجامع لأحكام القرآن» : ١٥ / ٢٠٥ : قال ابن العربي : هذه الآية دليل على وجوب النية في كل عمل ، وأعظمه الوضوء الذي هو شطر الإيمان ، خلافا لأبي حنيفة والوليد بن مسلم عن مالك اللذين يقولان إن الوضوء يكفي من غير نية ، وما كان ليكون من الإيمان شطره ولا ليخرج الخطايا من بين الأظافر والشعر بغير نية.

٧

في هؤلاء اليهود حين قالوا : (عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ) والنّصارى لقولهم : (الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ) (١) ، وجميع عبّاد الأصنام ، ويدلّ عليه قوله بعد ذلك : (لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً). قوله تعالى : (ما نَعْبُدُهُمْ) أي : يقولون : ما نعبدهم (إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى) أي : إلّا ليشفعوا لنا إلى الله. والزّلفى : القربى ، وهو اسم أقيم مقام المصدر ، فكأنه قال : إلّا ليقرّبونا إلى الله تقريبا. (إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) أي : بين أهل الأديان فيما كانوا يختلفون فيه من أمر الدّين. وذهب قوم إلى أنّ هذه الآية منسوخة بآية السيف ، ولا وجه لذلك.

قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي) أي : لا يرشد (مَنْ هُوَ كاذِبٌ) في قوله : إنّ الآلهة تشفع (كَفَّارٌ) أي : كافر باتّخاذها آلهة ، وهذا إخبار عمّن سبق عليه القضاء بحرمان الهداية.

(لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً) أي : على ما يزعم من ينسب ذلك إلى الله (لَاصْطَفى) أي : لاختار ممّا يخلق. قال مقاتل : أي : من الملائكة.

(خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥))

قوله تعالى : (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ) أي : لم يخلقهما لغير شيء. قوله تعالى : (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ) قال أبو عبيدة : يدخل هذا على هذا. قال ابن قتيبة : وأصل التّكوير : اللّفّ ، ومنه كور العمامة. وقال غيره. التّكوير : طرح الشيء بعضه على بعض. قوله تعالى : (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) أي : ذلّلهما للسّير على ما أراد (كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى) أي : إلى الأجل الذي وقّت الله للدّنيا. وقد شرحنا معنى العزيز في البقرة (٢) ومعنى الغفّار في طه (٣).

(خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦))

قوله تعالى : (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) يعني آدم (ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها) أي : قبل خلقكم جعل منها زوجها ، لأنّ حوّاء خلقت قبل الذّرّيّة ، ومثله في الكلام أن تقول : قد أعطيتك اليوم شيئا ، ثمّ الذي أعطيتك أمس أكثر ؛ هذا اختيار الفرّاء. وقال غيره : ثم أخبركم أنه خلق منها زوجها (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ) أي : خلق (ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) ، وقد بيّنّاها في سورة الأنعام (٤).

قوله تعالى : (خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ) أي : نطفا ثمّ علقا ثم مضغا ثم عظما ثم لحما ثم أنبت الشّعر ، إلى غير ذلك من تقلّب الأحوال إلى إخراج الأطفال ، هذا قول الجمهور. وقال ابن زيد : خلقا في البطون من بعد خلقكم في ظهر آدم. قوله تعالى : (فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ) ظلمة البطن ، وظلمة الرّحم ،

__________________

(١) التوبة : ٣٠.

(٢) البقرة : ١٢٩.

(٣) طه : ٨٢.

(٤) الأنعام : ١٤٣.

٨

وظلمة المشيمة (١) ، قاله الجمهور ، وابن زيد معهم. وقال أبو عبيدة : إنها ظلمة صلب الأب ، وظلمة بطن المرأة ، وظلمة الرّحم.

قوله تعالى : (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) أي : من أين تصرفون عن طريق الحقّ بعد هذا البيان؟!

(إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧))

قوله تعالى : (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ) أي : عن إيمانكم وعبادتكم (وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ) فيه قولان : أحدهما : لا يرضاه للمؤمنين ، قاله ابن عباس. والثاني : لا يرضاه لأحد وإن وقع بإرادته ، وفرق بين الإرادة والرّضى ، وقد أشرنا إلى هذا في البقرة عند قوله : (وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ) (٢). (وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) أي : يرضى ذلك الشّكر لكم ، (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) أي : بما في القلوب.

(وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨))

قوله تعالى : (وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ) اختلفوا فيمن نزلت على قولين : أحدهما : في عتبة ابن ربيعة ، قاله عطاء. والثاني : في أبي حذيفة بن المغيرة ، قاله مقاتل. والضّرّ : البلاء والشّدّة. (مُنِيباً إِلَيْهِ) أي : راجعا إليه من شركه. (ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ) أي : أعطاه وملّكه (نِعْمَةً مِنْهُ) بعد البلاء الذي أصابه ، كالصّحّة بعد المرض ، والغني بعد الفقر (نَسِيَ) أي : ترك (ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ) ، وفيه ثلاثة أقوال : أحدها : نسي الدّعاء الذي كان يتضرّع به إلى الله تعالى. والثاني : نسي الضّرّ الذي كان يدعو الله إلى كشفه. والثالث : نسي الله الذي كان يتضرّع إليه. قال الزّجّاج : وقد تدلّ «ما» على الله عزوجل ، كقوله : (وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ). وقال الفرّاء : ترك ما كان يدعو إليه. وقد سبق معنى الأنداد (٣) ومعنى (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) (٤). قوله تعالى : (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ) لفظه لفظ الأمر ومعناه التّهديد ، ومثله : (فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (٥).

(أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩) قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠))

__________________

(١) في «اللسان» : المشيمة : هي للمرأة التي فيها الولد ، والجمع مشيم ، وقال ابن الأعرابي : يقال لما يكون فيه الولد المشيمة ، والكيس والحوران والقميص.

(٢) البقرة : ٢٠٥ ، وقال القرطبي رحمه‌الله في «الجامع» ١٥ / ٢٠٨ : وهذا مذهب أهل السنة أن الله تعالى لا يرضى الكفر وإن أراده ، فالله تعالى يريد الكفر من الكافر وبإرادته كفر لا يرضاه ولا يحبه ، فهو يريد كون ما لا يرضاه ، وقد أراد الله عزوجل خلق إبليس وهو لا يرضاه ، فالإرادة غير الرضا.

(٣) البقرة : ٢٢.

(٤) الحج : ٩.

(٥) النحل : ٥٥.

٩

قوله تعالى : (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وحمزة ، وأبو جعفر ، والمفضّل عن عاصم ، وزيد عن يعقوب : «أمن» بالتخفيف ؛ وقرأ الباقون : بالتشديد. فأمّا المشدّدة ، فمعناها : أهذا الذي ذكرنا خير ، أمّن هو قانت؟ والأصل في «أمّن» : أم من ، فأدغمت الميم في الميم. وأمّا المخفّفة ، ففي تقديرها ثلاثة أوجه : أحدها : أنها بمعنى النداء. قال الفرّاء : فسّرها الذين قرءوا بها فقالوا : يا من هو قانت ، وهو وجه حسن ، والعرب تدعو بالألف كما تدعو بياء ، فيقولون : يا زيد أقبل ، و: أزيد أقبل ، فيكون المعنى : أنه ذكر النّاسي الكافر ، ثم قصّ قصّة الصّالح بالنّداء ، كما تقول : فلان لا يصوم ولا يصلّي ، فيا من يصوم أبشر. والثاني : أنّ تقديرها : أمن هو قانت كمن ليس بقانت؟! والثالث : أمن هو قانت كمن جعل لله أندادا؟!

وقد ذكرنا معنى القنوت في سورة البقرة (١) ومعنى (آناءَ اللَّيْلِ) في آل عمران (٢).

قوله تعالى : (ساجِداً وَقائِماً) يعني في الصلاة. وفيمن نزلت فيه هذه الآية خمسة أقوال (٣) : أحدها : أنه أبو بكر الصّدّيق ، رواه عطاء عن ابن عباس. والثاني : عثمان بن عفّان ، قاله ابن عمر. والثالث : عمّار بن ياسر ، قاله مقاتل. والرابع : ابن مسعود ، وعمّار ، وصهيب ، وأبو ذرّ ، قاله ابن السّائب. والخامس : أنه رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، حكاه يحيى بن سلام. قوله تعالى : (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ) أي : عذاب الآخرة. وقد قرأ ابن مسعود ، وأبيّ بن كعب ، وابن عباس ، وعروة ، وسعيد بن جبير ، وأبو رجاء ، وأبو عمران : «يحذر عذاب الآخرة» بزيادة «عذاب». (وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ) فيها قولان : أحدهما : أنها المغفرة ، قاله ابن السّائب. والثاني : الجنّة ، قاله مقاتل.

قوله تعالى : (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ) أنّ ما وعد الله من الثّواب والعقاب حقّ (وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ). وباقي الآية قد تقدّم في الرّعد (٤) ، وكذلك قوله : (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ) قد تقدّم في النّحل (٥). وفي قوله : (وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ) قولان : أحدهما : أنه حثّ لهم على الهجرة من مكّة إلى حيث يأمنون. والثاني : أنها أرض الجنّة رغّبهم فيها. (إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ) الذين صبروا لأجل الله تعالى على ما نالهم (بِغَيْرِ حِسابٍ) أي : يعطون عطاء كثيرا أوسع من أن يحسب وأعظم من أن يحاط به ، لا على قدر أعمالهم.

(قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨))

__________________

(١) البقرة : ١١٦.

(٢) آل عمران : ١١٣.

(٣) الصواب أن الآية عامة.

(٤) الرعد : ١٩.

(٥) النحل : ٣٠.

١٠

قوله تعالى : (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ).

(١٢٢٣) قال مقاتل : وذلك أنّ كفّار قريش قالوا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما حملك على الذي أتيتنا به؟! ألا تنظر إلى ملّة آبائك فتأخذ بها؟! فنزلت هذه الآية.

والمعنى : (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) أي : أمرت أن أعبده على التوحيد والإخلاص السالم من الشّرك ، (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) من هذه الأمّة. (قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي) بالرّجوع إلى دين آبائي ، (عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) وقد اختلفوا في نسخ هذه الآية كما بيّنّا في نظيرتها في الأنعام (١). (قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي) بالتوحيد ، (فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ) ، وهذا تهديد ، وبعضهم يقول : هو منسوخ بآية السيف ، وهذا باطل ، لأنه لو كان أمرا كان منسوخا ، فأمّا أن يكون بمعنى الوعيد ، فلا وجه لنسخه. (قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) بأن صاروا إلى النّار (وَ) خسروا (أَهْلِيهِمْ) فيه ثلاثة أقوال (٢) : أحدها : أنهم خسروا الحور العين اللّواتي أعددن لهم في الجنّة لو أطاعوا ، قاله الحسن ، وقتادة. والثاني : خسروا الأهل في النّار ، إذ لا أهل لهم فيها ، قاله مجاهد ، وابن زيد. والثالث : خسروا أهليهم الذين كانوا في الدنيا ، إذ صاروا إلى النّار بكفرهم ، وصار أهلوهم إلى الجنّة بإيمانهم ، قاله الماورديّ. قوله تعالى : (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ) وهي الأطباق من النّار. وإنما قال : (وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) لأنّها ظلل لمن تحتهم (ذلِكَ) الذي وصف الله من العذاب (يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ) المؤمنين.

قوله تعالى : (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ).

(١٢٢٤) روى ابن زيد عن أبيه أنّ هذه الآية والتي بعدها نزلت في ثلاثة نفر كانوا في الجاهليّة يوحّدون الله تعالى : زيد بن عمرو بن نفيل ، وأبي ذرّ ، وسلمان الفارسيّ ، رضي الله عنهم ؛ قال : (أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ) بغير كتاب ولا نبيّ.

وفي المراد بالطّاغوت هاهنا ثلاثة أقوال : أحدها : الشياطين ، قاله مجاهد. والثاني : الكهنة ، قاله ابن السّائب. والثالث : الأوثان ، قاله مقاتل ، فعلى قول مقاتل هذا : إنما قال : «يعبدوها» لأنها مؤنّثة. وقال الأخفش : إنما قال : «يعبدوها» لأنّ الطّاغوت في معنى جماعة ، وإن شئت جعلته واحدا مؤنّثا.

____________________________________

(١٢٢٣) عزاه المصنف لمقاتل ، وهو ممن يصنع الحديث ، فخبره هذا لا شيء.

(١٢٢٤) ضعيف جدا. أخرجه الطبري ٣٠١٠٨ عن ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، حدثني أبي ... وهذا مرسل ، وابن زيد هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وهو متروك ، والمتن منكر جدا ، والصحيح عموم الآية. وذكره الواحدي في «أسباب النزول» ٧٢٤ وكذلك ابن كثير ٤ / ٥٩ بدون سند.

وقال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٤ / ٥٩ : والصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان ، وأناب إلى عبادة الرحمن. فهؤلاء لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

__________________

(١) الأنعام : ١٥.

(٢) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٤ / ٥٨ : قوله تعالى : (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي تفارقوا فلا التقاء لهم أبدا ، سواء ذهب أهلوهم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار ، أو أن الجميع أسكنوا النار ، ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور اه.

١١

قوله تعالى : (وَأَنابُوا إِلَى اللهِ) أي : رجعوا إليه بالطّاعة (لَهُمُ الْبُشْرى) بالجنّة «فبشر عبادي» بياء ، وحرّك الياء أبو عمرو. ثم نعتهم فقال : (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ) وفيه قولان : أحدها : أنه القرآن ، قاله الجمهور. فعلى هذا ، في معنى (فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) أقوال قد شرحناها في الأعراف (١) عند قوله : (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها). والثاني : أنه جميع الكلام. ثم في المعنى قولان. أحدهما : أنه الرّجل يجلس مع القوم فيسمع كلامهم ، فيعمل بالمحاسن ويحدّث بها ، ويكفّ عن المساوئ ولا يظهرها ، قاله ابن السّائب. والثاني : أنه لمّا ادّعى مسيلمة أنه قد أتى بقرآن ، وأتت الكهنة بالكلام المزخرف في الأباطيل ، فرّق المؤمنون بين ذلك وبين كلام الله ، فاتّبعوا كلام الله ، ورفضوا أباطيل أولئك ، قاله أبو سليمان الدّمشقي.

(أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ (٢٠))

قوله تعالى : (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ) قال ابن عباس : سبق في علم الله أنّه في النّار. فإن قيل : كيف اجتمع في هذه الآية استفهامان بلا جواب؟ قيل : أمّا الفرّاء ، فإنه يقول : هذا ممّا يراد به استفهام واحد ، فسبق الاستفهام إلى غير موضعه فردّ إلى موضعه الذي هو له ، فيكون المعنى : أفأنت تنقذ من في النّار من حقّت عليه كلمة العذاب؟ ومثله : (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) (٢) فردّ (أَنَّكُمْ) مرّتين ، والمعنى : أيعدكم أنكم مخرجون إذا متّم؟ ومثله : (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا) ثم قال : (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ) (٣) فردّ «تحسبنّ» مرتين ، والمعنى : لا تحسبنّ الذين يفرحون بمفازة من العذاب. وقال الزّجاج : يجوز أن يكون في الكلام محذوف ، تقديره : أفمن حقّ عليه كلمة العذاب فيتخلّص منه أو ينجو ، أفأنت تنقذه؟ قال المفسّرون : أفأنت تخلّصه ممّا قدّر له فتجعله مؤمنا؟ والمعنى : ما تقدر على ذلك. قال عطاء : يريد بهذه الآية أبا لهب وولده ومن تخلّف من عشيرة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الإيمان.

قوله تعالى : (لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا) وقرأ أبو المتوكّل ، وأبو جعفر «لكنّ» بتشديد النون وفتحها. قال الزّجّاج : والغرف : هي المنازل الرّفيعة في الجنّة ، (مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ) أي : منازل أرفع منها. (وَعْدَ اللهِ) منصوب على المصدر ؛ فالمعنى : وعدهم الله غرفا وعدا. ومن قرأ : «وعد الله» بالرّفع ؛ فالمعنى : ذلك وعد الله.

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١))

قوله تعالى : (أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً) قال الشّعبي : كلّ ما في الأرض فمن السّماء ينزل (فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ) قال ابن قتيبة : أي : أدخله فجعله ينابيع ، أي : عيونا تنبع ، (ثُمَّ يَهِيجُ) أي : ييبس. قال الأصمعيّ : يقال للنّبت إذا تمّ جفافه : قد هاج يهيج هيجا. فأمّا الحطام ، فقال أبو عبيد : هو ما يبس

__________________

(١) الأعراف : ١٤٥.

(٢) المؤمنون : ٣٥.

(٣) آل عمران : ١٨٨.

١٢

فتحاتّ من النّبات ، ومثله الرّفات. قال مقاتل : هذا مثل ضرب للدنيا ، بينا ترى النّبت أخضر ، إذ تغيّر فيبس ثمّ هلك ، وكذلك الدّنيا وزينتها. وقال غيره : هذا البيان للدّلالة على قدرة الله عزوجل.

(أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢))

قوله تعالى : (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ) قال الزّجّاج : جوابه متروك ، لأنّ الكلام دالّ عليه ، تقديره : أفمن شرح الله صدره فاهتدى كمن طبع على قلبه فلم يهتد؟ ويدلّ على هذا قوله : (فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ).

(١٢٢٥) وقد روى ابن مسعود أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم تلا هذه الآية ، فقلنا : يا رسول الله ، وما هذا الشّرح؟ فذكر حديثا قد ذكرناه في قوله : (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ) (١).

قوله تعالى : (فَهُوَ عَلى نُورٍ) فيه أربعة أقوال. أحدها : اليقين ، قاله ابن عباس. والثاني : كتاب الله يأخذ به وينتهي إليه ، قاله قتادة. والثالث : البيان ، قاله ابن السّائب. والرابع : الهدى ، قاله مقاتل. وفيمن نزلت هذه الآية؟ فيه ثلاثة أقوال (٢) : أحدها : أنّها نزلت في أبي بكر الصّدّيق ، وأبيّ بن خلف ، رواه الضّحّاك عن ابن عباس. والثاني : في عليّ وحمزة وأبي لهب وولده ، قاله عطاء. والثالث : في رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وفي أبي جهل ، قاله مقاتل.

____________________________________

(١٢٢٥) متن منكر بأسانيد واهية ، وهو شبه موضوع. إسناده ضعيف جدا ، محمد بن يزيد بن سنان وأبوه ضعيفان ، وفي الإسناد مجاهيل. وبهذا الإسناد أخرجه البغوي في «التفسير» ١٨١٧.

وأخرجه الحاكم ٤ / ٣١١ من طريق محمد بن بشر بن مطر ، والبيهقي في «الشعب» ١٠٥٥٢ من طريق ابن أبي الدنيا كلاهما عن محمد بن جعفر الوركاني عن عدي بن الفضل عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود به. وإسناده ضعيف ، لضعف عدي بن الفضل ، وقد سكت عليه الحاكم ، وأعله الذهبي بوهن ابن الفضل. هذا وله علة ثانية ، المسعودي صدوق إلا أنه اختلط. وأخرجه الطبري ١٣٨٥٩ من وجه آخر عن أبي عبيدة عن أبيه ابن مسعود مرفوعا ، وإسناده ضعيف ، ففي الإسناد مجاهيل ، وعلة ثانية : وهي الإرسال بين أبي عبيدة ، وابن مسعود. وأخرجه الطبري أيضا ١٣٨٦١ من وجه آخر عن عبد الرحمن بن عتبة عن ابن مسعود به مرفوعا وهذا إسناد ضعيف ، عبد الرحمن عن ابن مسعود معضل. وقد ورد من مرسل أبي جعفر ، أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» ٨٥٢ ومن طريقه الطبري ١٣٨٥٦ و ١٣٨٥٧ و ١٣٨٥٨. وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» ٣١٥ من وجه آخر عن أبي جعفر به ، هذا مرسل ، ومع إرساله ، أبو جعفر هذا متهم بالوضع. قال أحمد : أحاديثه موضوعة. راجع «الميزان» ٤٦٠٨. وأخرجه الطبري ١٣٨٦٠ والبيهقي في «الأسماء والصفات» ٣٢٦ من وجه آخر عن عبد الله بن المسور. وعبد الله هذا هو أبو جعفر المدائني المتقدم ذكره ، وهو متروك متهم ، فالحديث ضعيف ، ولا يصح عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحسبه أن يكون من كلام من دون ابن مسعود ، والله أعلم. وأخرجه البيهقي ٣٢٥ من وجه آخر عن أبي جعفر فجعله من قوله ، ولم يرفعه وقال : وقد روي في هذا خبر مرفوع. وانظر الحديث المتقدم في سورة الأنعام عند آية : ١٢٥. الخلاصة : المتن منكر كونه مرفوعا ، وحسبه أن يكون موقوفا ، أو من كلام أبي جعفر المدني فإنه لا يشبه كلام النبوة ، بل الأشبه أنه من كلام الصوفية والوعاظ ، والله أعلم.

__________________

(١) الأنعام : ١٢٥.

(٢) لا حجة في شيء من ذلك ، والآية عامة.

١٣

قوله تعالى : (فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ) قد بيّنّا معنى القساوة في البقرة (١). فإن قيل : كيف يقسو القلب من ذكر الله عزوجل؟ فالجواب : أنه كلّما تلي عليهم ذكر الله الذي يكذّبون به ، قست قلوبهم عن الإيمان به. وذهب مقاتل في آخرين إلى أنّ «من» هاهنا بمعنى «عن» ؛ قال الفرّاء : كما تقول : أتخمت عن طعام أكلته ، ومن طعام أكلته ؛ وإنما قست قلوبهم من ذكر الله ، لأنهم جعلوه كذبا فأقسى قلوبهم ؛ ومن قال : قست قلوبهم عنه ، أراد : أعرضت عنه. وقد قرأ أبيّ بن كعب ، وابن أبي عبلة ، وأبو عمران : «قلوبهم عن ذكر الله» مكان قوله : «من».

(اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣))

قوله تعالى : (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) يعني القرآن ؛ وقد ذكرنا سبب نزولها في أول يوسف (٢). قوله تعالى : (كِتاباً مُتَشابِهاً) فيه قولان : أحدهما : أنّ بعضه يشبه بعضا في الآي والحروف ، فالآية تشبه الآية ، والكلمة تشبه الكلمة ، والحرف يشبه الحرف. والثاني : أنّ بعضه يصدّق بعضا ، فليس فيه اختلاف ولا تناقض.

وإنّما قيل له : (مَثانِيَ) لأنه كرّرت فيه القصص والفرائض والحدود والثّواب والعقاب.

فإن قيل : ما الحكمة في تكرار القصص ، والواحدة قد كانت تكفي؟

فالجواب : أنّ وفود العرب كانت ترد على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيقرئهم المسلمون شيئا من القرآن ، فيكون ذلك كافيا لهم ، وكان يبعث إلى القبائل المتفرّقة بالسّور المختلفة ، فلو لم تكن الأنباء والقصص مثنّاة مكرّرة ، لوقعت قصّة موسى إلى قوم ، وقصة عيسى إلى قوم ، وقصة نوح إلى قوم ، فأراد الله تعالى أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها إلى كلّ سمع. فأمّا فائدة تكرار الكلام من جنس واحد ، كقوله تعالى : (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) (٣) ، وقوله : (لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) (٤) ، وقوله تعالى : (أَوْلى لَكَ فَأَوْلى) (٥) (وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ) (٦) فسنذكرها في سورة الرّحمن عزوجل.

قوله تعالى : (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) أي : تأخذهم قشعريرة ، وهو تغيّر يحدث في جلد الإنسان من الوجل.

(١٢٢٦) وروى العبّاس بن عبد المطّلب عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «إذا اقشعرّ جلد العبد من

____________________________________

(١٢٢٦) ضعيف. أخرجه الواحدي في «الوسيط» ٣ / ٥٧٨ والبيهقي في «الشعب» ٨٠٣ والبغوي في «تفسيره» ١٨١٨ من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني من حديث العباس وإسناده ضعيف جدا ، يحيى الحماني متروك ، متهم بسرقة الحديث ، وعبد العزيز هو الدراوردي روى مناكير ، وأم كلثوم مجهولة لا تعرف ، وقد توبع الحماني ، وعلة الحديث جهالة أم كلثوم. وأخرجه البزار ٤ / ٧٤ «كشف» والبيهقي ٨٠٣ من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في «المجمع» ١٠ / ٣١٠ : وفيه أم كلثوم بنت العباس ، ولم أعرفها ، وبقية رجاله ثقات. قلت : الدراوردي ، وإن وثقه غير واحد ، فقد روى مناكير ، راجع «الميزان».

__________________

(١) البقرة : ٧٤.

(٢) يوسف : ٣.

(٣) الرحمن : ١٣.

(٤) الكافرون : ٢.

(٥) القيامة : ٣٤.

(٦) الانفطار : ١٧.

١٤

خشية الله ، تحاتّت ذنوبه كما يتحاتّ عن الشجرة اليابسة ورقها».

وفي معنى الآية ثلاثة أقوال (١) : أحدها : تقشعرّ من وعيده ، وتلين عند وعده ، قاله السّدّيّ. والثاني : تقشعرّ من الخوف ، وتلين من الرّجاء. والثالث : تقشعرّ الجلود لإعظامه ، وتلين عند تلاوته ، ذكرهما الماوردي. وقال بعض أهل المعاني : مفعول الذّكر في قوله تعالى : (إِلى ذِكْرِ اللهِ) محذوف ، لأنه معلوم ؛ والمعنى : تطمئنّ قلوبهم إلى ذكر الله الجنّة والثّواب. قال قتادة : هذا نعت أولياء الله ، تقشعرّ جلودهم وتلين قلوبهم ، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم ، إنّما هذا في أهل البدع ، وهذا من الشّيطان.

(١٢٢٧) وقد روى أبو حازم ، قال : مرّ ابن عمر برجل ساقط من أهل العراق ، فقال : ما شأنه؟ فقالوا : إنه إذا قرئ عليه القرآن يصيبه هذا ، قال : إنّا لنخشى الله عزوجل ، وما نسقط.

(١٢٢٨) وقال عامر بن عبد الله بن الزّبير : جئت أبي ، فقال لي : أين كنت؟ فقلت : وجدت قوما ، ما رأيت خيرا منهم قطّ ، يذكرون الله عزوجل فيرعد واحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله عزوجل ، فقعدت معهم ، فقال : لا تقعد معهم بعدها أبدا ، قال : فرآني كأنّي لم يأخذ ذلك فيّ ، فقال : رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتلو القرآن ، ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن فلا يصيبهم هذا من خشية الله

____________________________________

وأخرجه أبو يعلى ٦٧٠٣ ومن طريقه البيهقي في «الشعب» ٨٠٤ عن موسى بن محمد عن محمد بن عمر بن عبد الله الرومي قال : حدثني جابر بن يزيد بن رفاعة عن هارون بن أبي الجوزاء. هارون وبقية رجاله وثقوا ، على ضعف في محمد بن عمر ، وثقه ابن حبان. وأورده الحافظ في «المطالب العالية» ٣ / ٢١٨ و ٢١٩ ونسبه إلى أبي يعلى ، ونقل الشيخ حبيب الرحمن عن البوصيري قوله : رواه أبو يعلى والبيهقي بسند ضعيف اه.

وكذا ضعفه العراقي في «تخريج الإحياء» ٤ / ١٦٣ ، وانظر «الضعيفة» ٢٣٤٢.

(١٢٢٧) موقوف. أخرجه البغوي في «تفسيره» ١٨٢١ ، بإسناد ضعيف ، فيه سعيد الجمحي لم يدرك ابن عمر.

(١٢٢٨) انظر ما بعده.

__________________

(١) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٤ / ٦١ : وقوله : (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) ، أي هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبّار المهيمن العزيز الغفار ، لما يفهمونه من الوعيد والوعد ، والتخويف والتهديد ، تقشعر جلودهم من الخشية والخوف. (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ) لما يرجون ويؤمّلون من رحمته ولطفه ، فهم مخالفون لغيرهم من الفجّار من وجوه : أحدها : أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات ، وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات. الثاني : أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خرّوا سجدا وبكيا بأدب وخشية ، ورجاء ومحبة ، وفهم وعلم ، كما قال : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) وقال تعالى : (وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً) أي : لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها ، بل مصغين إليها ، فاهمين بصيرين بمبانيها ، فلهذا إنما يعملون بها ، ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم. الثالث : يلزمون الأدب عند سماعها كما كان الصحابة رضي الله عنهم عند سماعهم كلام الله من تلاوة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم تقشعر جلودهم ، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله. لم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون ما ليس يهم ، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك ، ولهذا فازوا بالقدح المعلى في الدنيا والآخرة.

١٥

تعالى ، أفترى أنهم أخشى لله من أبي بكر وعمر؟ قال : فرأيت ذلك كذلك. وقال عكرمة : سئلت أسماء بنت أبي بكر : هل كان أحد من السّلف يغشى عليه من الخوف؟ قالت : لا ، ولكنّهم كانوا يبكون.

(١٢٢٩) وقال عبد الله بن عروة بن الزّبير : قلت لجدّتي أسماء بنت أبي بكر ، كيف كان أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت : كانوا كما نعتهم الله تعالى ، تدمع أعينهم وتقشعرّ جلودهم. فقلت لها : إنّا ناسا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن ، خرّ أحدهم مغشيّا عليه ، فقالت : أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم.

وكان جوّاب يرعد عند الذّكر ، فقال له إبراهيم النّخعيّ : إن كنت تملكه ، فما أبالي أن لا أعتدّ بك ، وإن كنت لا تملكه ، فقد خالفت من كان قبلك.

قوله تعالى : (ذلِكَ هُدَى اللهِ) في المشار إليه قولان : أحدهما : أنه القرآن ، قاله مقاتل. والثاني : أنه ما ينزل بالمؤمنين عند تلاوة القرآن من اقشعرار الجلود عند الوعيد ، ولينها عند الوعد ، قاله ابن الأنباري.

(أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨))

قوله تعالى : (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ) أي : شدّته. قال الزّجّاج : جوابه محذوف ، تقديره : كمن يدخل الجنّة؟ وجاء في التفسير أنّ الكافر يلقى في النّار مغلولا ، ولا يتهيّأ له أن يتّقيها إلّا بوجهه. ثم أخبر عمّا يقول الخزنة للكفّار بقوله تعالى : (وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ) يعني الكافرين (ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) أي : جزاء كسبكم.

قوله تعالى : (كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي : من قبل كفّار مكّة (فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) أي : وهم آمنون غافلون عن العذاب ، (فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ) يعني الهوان والعذاب ، (وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ) مما أصابهم في الدنيا (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) ، ولكنهم لا يعلمون ذلك. (وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ) أي : وصفنا لهم (مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) أي : من كلّ شبه يشبه أحوالهم.

قوله تعالى : (قُرْآناً عَرَبِيًّا) قال الزّجّاج : (عَرَبِيًّا) منصوب على الحال ، المعنى : ضربنا للناس في هذا القرآن في حال عربيّته وبيانه ، فذكر (قُرْآناً) توكيدا ، كما تقول : جاءني زيد رجلا صالحا ، وجاءني عمرو إنسانا عاقلا ، فذكر رجلا وإنسانا توكيدا. قوله تعالى : (غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال : غير مخلوق. وقال غيره : مستقيم غير مختلف.

____________________________________

(١٢٢٩) موقوف. أخرجه البغوي في «التفسير» ١٨٢٠ بسند فيه خلف بن سالم فمن فوقه رجال الصحيح ، ومن دونه بعضهم معروف ، وبعضهم لم أجد له ترجمة ، لكن توبعوا عند سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في «الدر المنثور» ٥ / ٦١٠ فالخبر صحيح.

١٦

(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١))

قوله تعالى : (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً) ثم بيّنه فقال : (رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ) قال ابن قتيبة : أي : مختلفون ، يتنازعون ويتشاحّون فيه ، يقال : رجل شكس. وقال اليزيديّ : الشّكس من الرّجال : الضّيّق الخلق. قال المفسّرون : وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر ، فإنّ الكافر يعبد آلهة شتّى ، فمثّله بعبد يملكه جماعة يتنافسون في خدمته ، ولا يقدر أن يبلغ رضاهم أجمعين ؛ والمؤمن يعبد الله وحده ، فمثّله بعبد لرجل واحد ، قد علم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه ، فهو في راحة من تشاكس الخلطاء فيه ، فذلك قوله تعالى : (سَلَماً لِرَجُلٍ). قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو إلّا عبد الوارث في غير رواية القزّاز ، وأبان عن عاصم : «ورجلا سالما» بألف وكسر اللام وبالنّصب والتنوين فيهما ؛ والمعنى : ورجلا خالصا لرجل قد سلّم له من غير منازع. ورواه عبد الوارث إلّا القزّاز كذلك ، إلّا أنه رفع الاسمين ، فقال : «ورجل سالم لرجل» ، وقرأ ابن أبي عبلة : «سلم لرجل» بكسر السين ورفع الميم. وقرأ الباقون : (وَرَجُلاً سَلَماً) بفتح السين واللام وبالنصب فيهما والتنوين. والسّلم ، بفتح السين واللام ، معناه الصّلح ، والسّلم ، بكسر السين مثله. قال الزّجّاج : من قرأ : «سلما» و«سلما» فهما مصدران وصف بهما ، فالمعنى ، ورجلا ذا سلّم لرجل وذا سلم لرجل ؛ فالمعنى : ذا سلم ؛ والسّلم : الصّلح ، والسّلم ، بكسر السين مثله. وقال ابن قتيبة : من قرأ «سلما لرجل» أراد : سلّم إليه فهو سلم له. وقال أبو عبيدة : السّلم والسّلم الصّلح.

قوله تعالى : (هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً) هذا استفهام معناه الإنكار ، أي : لا يستويان ، لأنّ الخالص لمالك واحد يستحقّ من معونته وإحسانه ما لا يستحقّه صاحب الشّركاء المتشاكسين. وقيل : لا يستويان في باب الرّاحة ، لأنّ هذا قد عرف الطريق إلى رضى مالكه ، وذاك متحيّر بين الشّركاء. قال ثعلب : وإنما قال : (هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً) ولم يقل : مثلين ، لأنهما جميعا ضربا مثلا واحدا ، ومثله : (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً) (١) ، ولم يقل : آيتين ، لأنّ شأنهما واحد. وتمّ الكلام هاهنا ، ثم قال : (الْحَمْدُ لِلَّهِ) أي : له الحمد دون غيره من المعبودين (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) والمراد بالأكثر الكلّ. ثم أخبر نبيّه بما بعد هذا الكلام أنه يموت ، وأنّ الذين يكذّبون يموتون ، وأنهم يجتمعون للخصومة عند الله عزوجل ، المحقّ والمبطل ، والمظلوم والظالم (٢).

__________________

(١) المؤمنون : ٥٠.

(٢) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٤ / ٦٣ : وقوله : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) ، هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق عند موت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى تحقق الناس موته ، مع قوله (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ) ومعنى هذه الآية : ستنقلون من هذه الدار لا محالة ، وستجتمعون عند الله في الدار الآخرة ، وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله عزوجل فيفصل بينكم ، ويفتح بالحقّ وهو الفتاح العليم. فينجي المؤمنين المخلصين الموحّدين ، ويعذّب الكافرين الجاحدين المشركين المكذّبين ، ثم إن هذه الآية ، وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين ، وذكر الخصومة بينهم في الدار الآخرة فإنها شاملة لكل متنازعين في الدنيا ، فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة.

١٧

(١٢٣٠) وقال ابن عمر : نزلت هذه الآية وما ندري ما تفسيرها ، وما نرى أنها نزلت إلّا فينا وفي أهل الكتابين ، حتى قتل عثمان ، فعرفت أنها فينا نزلت. وفي لفظ آخر : حتى وقعت الفتنة بين عليّ ومعاوية.

(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥))

قوله تعالى : (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ) بأن دعا له ولدا وشريكا (وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ) وهو التوحيد والقرآن (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ) أي : مقام للجاحدين؟! وهذا استفهام بمعنى التقرير ؛ يعني : إنه كذلك.

قوله تعالى : (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ) فيه أربعة أقوال (١) : أحدها : أنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قاله عليّ بن أبي طالب ، وابن عباس ، وقتادة ، وابن زيد. ثم في الصّدق الذي جاء به قولان : أحدهما : أنه «لا إله إلّا الله» ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ، وبه قال سعيد ابن جبير. والثاني : القرآن ، قاله قتادة. وفي الذي صدّق به ثلاثة أقوال : أحدها : أنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أيضا ، هو جاء بالصّدق ، وهو صدّق به ، قاله ابن عباس ، والشّعبي. والثاني : أنه أبو بكر ، قاله عليّ بن أبي طالب. والثالث : أنهم المؤمنون ، قاله قتادة ، والضّحّاك ، وابن زيد.

والقول الثاني : أن الذي جاء بالصّدق : أهل القرآن ، وهو الصّدق الذي يجيبون به يوم القيامة ، وقد أدّوا حقّه ، فهم الذين صدّقوا به ، قاله مجاهد. والثالث : أنّ الذي جاء بالصّدق الأنبياء ، قاله الرّبيع ، فعلى هذا ، يكون الذي صدّق به : المؤمنون. والرابع : أنّ الذي جاء بالصّدق : جبريل ، وصدّق به : محمّد ، قاله السّدّيّ.

قوله تعالى : (أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) أي : الذين اتّقوا الشّرك ؛ وإنما قيل : «هم» ، لأنّ معنى «الذي» معنى الجمع ، كذلك قال اللغويون ، وأنشد أبو عبيدة ، والزّجّاج :

____________________________________

(١٢٣٠) حسن ، أخرجه النسائي في «التفسير» ٤٦٧ والطبري ٣٠١٣٩ كلاهما عن ابن عمر ، وإسناده حسن ، رجاله ثقات معروفون ، ويشهد له خبر عن أبي سعيد الخدري مثله. عزاه الشوكاني في «فتح القدير» ٤ / ٥٣٢ لسعيد بن منصور ، وعزاه ابن حجر في «تخريجه» ٤ / ٢٧ للثعلبي.

__________________

(١) قال الطبري في «تفسيره» ١١ / ٥ : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذكره عنى بقوله (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) كل من دعا إلى توحيد الله ، وتصديق رسله ، والعمل بما ابتعث به رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من بين رسل الله وأتباعه والمؤمنين به ، وأن يقال الصدق : هو القرآن ، وشهادة أن لا إله إلا الله ، والمصدّق به : المؤمنون بالقرآن ، من جميع خلق الله كائنا من كان من نبيّ الله وأتباعه. ووافقه ابن كثير. وقال ابن كثير في «تفسيره» ٤ / ٦٥ : وهذا القول الذي قاله مجاهد يشمل كل المؤمنين ، فإن المؤمن يقول الحقّ ويعمل به ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أولى الناس بالدخول في هذه الآية على هذا التفسير فإنه جاء بالصدق وصدق المرسلين وآمن بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله.

١٨

فإنّ الذي حانت بفلج دماؤهم

هم القوم ، كلّ القوم ، يا أمّ خالد (١)

قوله تعالى : (لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ) المعنى : أعطاهم ما شاؤوا ليكفّر عنهم (أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا) ، أي : ليستر ذلك بالمغفرة (وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ) بمحاسن أعمالهم ، لا بمساوئها.

(أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨))

قوله تعالى : (أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ).

(١٢٣١) ذكر المفسّرون أنّ مشركي مكّة قالوا : يا محمّد ، ما تزال تذكر آلهتنا وتعيبها ، فاتّق أن تصيبك بسوء ، فنزلت هذه الآية. والمراد بعبده هاهنا : محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

وقرأ حمزة ، والكسائيّ : «عباده» على الجمع ، وهم الأنبياء ، لأنّ الأمم قصدتهم بالسّوء ؛ فالمعنى أنه كما كفى الأنبياء قبلك يكفيك ، وقرأ سعد بن أبي وقّاص ، وأبو عمران الجوني : «بكافي» مثبتة الياء «عبده» بكسر الدال والهاء من غير ألف. وقرأ أبيّ بن كعب ، وأبو العالية ، وأبو الجوزاء ، والشّعبي مثله ، إلّا أنهم أثبتوا الألف في «عبادة» وقرأ أبو عبد الرّحمن السّلمي ، وأبو جعفر ، وشيبة ، والأعمش : «بكاف» بالتنوين ، «عباده» على الجمع. وقرأ ابن مسعود ، وأبو رجاء العطاردي : «يكافي» بياء مرفوعة قبل الكاف وياء ساكنة بعد الفاء «عباده» على الجمع.

(وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) أي : بالذين يعبدون من دونه ، وهم الأصنام. ثم أعلم بما بعد هذا أن الإضلال والهداية إليه تعالى ، وأنه منتقم ممّن عصاه. ثم أخبر أنهم مع عبادتهم ، يقرّون أنه الخالق. ثم أمر أن يحتجّ عليهم بأنّ ما يعبدون لا يملك كشف ضرّ ولا جلب خير. وقرأ أبو عمرو ، وأبو بكر عن عاصم : «كاشفات ضرّه» و«ممسكات رحمته» منوّنا. والباقون : «كاشفات ضرّه» و«ممسكات رحمته» على الإضافة.

(قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠) إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١))

قوله تعالى : (قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا) ذكر بعض المفسّرين أنها والآية التي تليها نسخت بآية السيف. قوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ) يعني القرآن (لِلنَّاسِ) أي : لجميع الخلق (بِالْحَقِ) ليس فيه

____________________________________

(١٢٣١) ضعيف. أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» ٢٦٣٤ عن قتادة قال : قال لي رجل ... فذكره ، وهو ضعيف لجهالة الرجل.

__________________

(١) البيت للأشهب بن رميلة ، وهو في «الكتاب» ١ / ٩٦ ، وقد تقدم في الجزء الأول.

١٩

باطل. وتمام الآية مفسّر في آخر يونس (١) ، وذكروا أنه منسوخ بآية السيف.

(اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢))

قوله تعالى : (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها) أي : يقبض الأرواح حين موت أجسادها (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ) أي : ويتوفّى التي لم تمت (فِي مَنامِها). (فَيُمْسِكُ) أي : عن الجسد والنفس (الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ) وقرأ حمزة ، والكسائيّ : «قضي» بضم القاف وفتح الياء ، «الموت» بالرفع. (وَيُرْسِلُ الْأُخْرى) إلى الجسد (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) وهو انقضاء العمر (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) في أمر البعث (٢). وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : تلتقي أرواح الأحياء وأرواح الأموات في المنام ، فيتعارفون ويتساءلون ، ثم تردّ أرواح الأحياء إلى أجسادها ، فلا يخطأ بشيء منها ، فذلك قوله : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). وقال ابن عباس في رواية أخرى : في ابن آدم نفس وروح ، فبالنّفس العقل والتّمييز ، وبالرّوح النفس والتّحريك ، فإذا نام العبد ، قبض الله نفسه ولم يقبض روحه (٣). وقال ابن جريج : في الإنسان روح ونفس ، بينهما حاجز ، فهو تعالى يقبض النّفس عند النّوم ثم يردّها إلى الجسد عند الانتباه ، فإذا أراد إماتة العبد في نومه ، لم يردّ النّفس وقبض الرّوح. وقد اختلف العلماء ، هل بين النّفس والرّوح فرق (٤)؟ على قولين : قد ذكرتهما في «الوجوه والنظائر» ، وزدت هذه الآية شرحا في

__________________

(١) يونس : ١٠٨.

(٢) قال الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ١١ / ١٠ : وقوله تعالى ذكره : إن في قبض الله نفس النائم والميت وإرساله بعد نفس هذا ترجع إلى جسمها ، وحبسه لغيرها عن جسمها لعبرة وعظة لمن تفكر وتدبّر ، وبيانا له أن الله يحيى من يشاء من خلقه إذا شاء ، ويميت من شاء إذا شاء.

(٣) أثر ابن عباس ، قال عنه الحافظ في «تخريجه» ٤ / ١٣١ : لم أجده.

قال القرطبي رحمه‌الله في «الجامع لأحكام القرآن» ١٥ / ٢٢٨ : قال القشيري أبو النصر ـ رحمه‌الله ـ : وفي هذا بعد إذ المفهوم من الآية أن النفس المقبوضة في الحالين شيء واحد ولهذا قال : (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) فإذا يقبض الله الروح في حالين : في حالة النوم وحالة الموت ، فما قبضه في حال النوم فمعناه أنه يغمره بما يحبسه عن التصرف فكأنه شيء مقبوض ، وما قبضه في حال الموت فهو يمسكه ولا يرسله إلى يوم القيامة. وقوله : (وَيُرْسِلُ الْأُخْرى) أي يزيل الحابس عنه فيعود كما كان.

فتوفي الأنفس في حال النوم بإزالة الحس وخلق الغفلة والآفة في محل الإدراك. وتوفيها في حالة الموت بخلق الموت وإزالة الحس بالكلية.

(٤) قال القرطبي رحمه‌الله في «الجامع» ١٥ / ٢٢٩ : والأظهر أنهما شيء واحد ، وهو الذي تدل عليه الآثار الصحاح على ما نذكره في هذا الباب ، من ذلك : حديث أم سلمة قالت : دخل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على أبي سلمة وقد شقّ بصره فأغمضه ، ثم قال : «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» أخرجه مسلم ٩٢٠. وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره» قال : فذلك حين يتبع بصره نفسه» أخرجه مسلم ٩٢١. وحديث أبي هريرة عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «تحضر الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قالوا : اخرجي أيها النفس الطيبة كانت في الجسر الطيب اخرجي حميدة وابشري بروح وريحان ورب راض غير غضبان فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء». وإسناده صحيح. أخرجه أحمد ٢ / ٢٦٤ ـ ٢٨٨ وابن ماجة ٤٢٦٢. وفي صحيح مسلم ٢٨٧٢ عنه رضي الله عنه قال : «إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدان بها». وقال بلال في حديث الوادي الذي أخرجه مسلم ٢٨٧٢ : أخذ بنفسي يا رسول الله.

٢٠