🚘

الدّارس في تاريخ المدارس - ج ٢

عبد القادر بن محمّد النعيمي الدمشقي

الدّارس في تاريخ المدارس - ج ٢

المؤلف:

عبد القادر بن محمّد النعيمي الدمشقي


الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار الكتب العلميّة
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

فصل

المدارس المالكية

١٤٠ ـ الزاوية المالكية

قال عز الدين رحمه‌الله تعالى : الزاوية بالجامع واقفها السلطان الملك الناصر صلاح الدين رحمه‌الله تعالى ، ملاصق المقصورة الحنفية من غربي الجامع بدمشق انتهى. وقد مرت ترجمة السلطان هذا في المدرسة الصلاحية الشافعية باختصار. ثم قال عز الدين رحمه‌الله تعالى (بعد أن أخلى بياضا) : ثم درس بها الشيخ جمال الدين أبو عمرو عثمان ، ثم بعده الشيخ زين الدين الزواوي ، ثم بعده جمال الدين أبو يعقوب يوسف الزواوي ، وهو مستمر بها إلى الآن انتهى. قال ابن كثير رحمه‌الله تعالى في تاريخه سنة ست وأربعين وستمائة : الشيخ أبو عمرو بن الحاجب المالكي عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الرويني ثم المصري العلامة أبو عمرو ابن الحاجب ، كان أبوه حاجب الأمير عز الدين موسك الصلاحي ، واشتغل هو بالعلم فقرأ القراآت وحرر النحو تحريرا بليغا ، وتفقه وساد أهل عصره ، وكان رأسا في علوم كثيرة ، منها الأصول والفروع والعربية والنحو والتصريف والعروض والتفسير وغير ذلك ، وكان قد استوطن دمشق في سنة سبع عشرة وستمائة ودرس بها للمالكية بالجمامع حتى كان خروجه صحبة الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه‌الله تعالى في سنة ثمان وثلاثين ، فسار إلى الديار المصرية حتى كانت وفاة الشيخ أبي عمرو عثمان رحمه‌الله تعالى في هذه السنة بالاسكندرية ، ودفن بالمقبرة التي بين المنارة والبلد. قال الشيخ أبو شامة رحمه‌الله تعالى : وكان من أذكى الأئمة قريحة ، وكان ثقة حجة متواضعا عفيفا كثير الحياء منصفا محبا للعلم وأهله ناشرا له ، محتملا للأذى صبورا على البلوى ، قدم دمشق مرارا

٣

آخرها سنة سبع عشرة ، فأقام بها مدرسا للمالكية وشيخا للمستفدين عليه ، وقد أثنى عليه ابن خلكان ثناء كثيرا ، وذكر أنه جاء في أداء شهادة حين كان ابن خلكان نائبا في الحكم بمصر فسأله عن مسألة اعتراض الشرط على الشرط كما إذا قال إن أكلت إن شربت فأنت طالق لم كان لا يقع الطلاق حين يشرب أولا؟ وأذكر أنه أجاب عن ذلك في تؤدة وسكون. قلت : له مختصر في الفقه من أحسن المختصرات ، انتظم فيه جواهر ابن شاس (١) ، وله مختصر في أصول الفقه استوعب فيه عامة فوائد الأحكام لسيف الدين الآمدي ، وقد منّ الله سبحانه وتعالى علي بحفظه وجمعت كراريس في الكلام على ما أودعه فيه من الأحاديث النبوية ولله الحمد والمنة ، وله شرح المفصل والأمالي والمقدمة المشهورة في النحو ، اختصر فيها مفصل الزمخشري وشرحها ، وقد شرحها غيره أيضا ، وله التصريف وشرحه ، وله في العروض قصيدة على وزن الشاطبية انتهى. وقال في سنة اربع واربعين وستمائة : والضياء عبد الرحمن بن عبد الله العمادي المالكي الذي ولي وظائف الشيخ أبي عمرو ابن الحاجب حين خرج من دمشق سنة ثمان وثلاثين وجلس في حلقته ودرس مكانه بزاوية المالكية انتهى. وقال في سنة ثلاث وثمانين وستمائة : القاضي جمال الدين أبو يعقوب يوسف بن عبد السلام بن عمر الزواوي قاضي المالكية ومدرسهم بعد القاضي زين الدين الزواوي الذي عزل نفسه ، وكان ينوب عنه فاستقل في الحكم بعده ، توفي رحمه‌الله تعالى في الخامس من ذي القعدة وهو في طريق الحجاز ، وكان عالما فاضلا قليل التكلف والتكليف ، وقد شغر المنصب بعده ثلاث سنين ، ودرس بعده للمالكية الشيخ جمال الدين الشريشي ، وبعده أبو إسحاق اللوري ، وبعده مجد الدين أبو بكر التونسي ، ثم لما وصل القاضي جمال الدين سليمان (٢) حاكما درس بالمدارس والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما محراب المالكية بالجامع المذكور فقد أم به جماعات.

قال الأسدي في تاريخه رحمه‌الله تعالى في سنة ست عشرة وستمائة : علي بن

__________________

(١) شذرات الذهب ٥ : ٦٩.

(٢) شذرات الذهب ٦ : ١٠٧.

٤

علوش بن عبد الله المغربي برهان الدين امام المالكية بدمشق ، قال أبو شامة رحمه‌الله تعالى : كان عالما بالأصول والفروع والعربية ، روي شيئا من مراثي المغاربة ، وروى عنه الشهاب القوصي وغيره ، توفي رحمه‌الله تعالى في شعبان ودفن بسفح قاسيون انتهى. وقال رحمه‌الله تعالى في سنة خمس وعشرين وستمائة : علي الشيخ الفقيه الصالح ابو الحسن المراكشي المقيم بالمدرسة المالكية توفي رحمه‌الله تعالى في شهر رجب ، وقال ابو شامة رحمه‌الله تعالى : ودفن بالمقبرة التي وقفها الرئيس خليل زويزان (١) قبليّ مقابر الصوفية وكان أول من دفن بها ، وأم بمحراب المالكية انتهى. وقال ابن كثير رحمه‌الله تعالى : في سنة اثنتين وسبعمائة وفي ذي الحجة باشر الشيخ ابو الوليد بن الحاج الاشبيلي المالكي امامة محراب المالكية بجامع دمشق بعد وفاة الشيخ شمس الدين محمد الصنهاجي انتهى. وقال الذهبي رحمه‌الله تعالى في العبر سنة ثمان عشرة وسبعمائة : ومات بدمشق الامام الكبير أبو الوليد محمد بن أبي القاسم احمد بن القاضي أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن الحاج التجيبي القرطبي إمام محراب المالكية وولي امامته ، في شهر رجب وله ثمانون سنة ، كان من العلماء العاملين ، ومن بيت قضاء وجلالة ، حدثنا عن الفخر ابن البخاري انتهى. وقال السيد الحسيني رحمه‌الله تعالى في سنة ثلاث واربعين وسبعمائة : ومات رحمه‌الله تعالى بظاهر دمشق الامام الزاهد المفتي عبد الله بن أبي الوليد المالكي امام محراب المالكية بالجامع الأموي حدث عن ابن البخاري انتهى. وقال رحمه‌الله تعالى : في سنة خمس وأربعين وسبعمائة مات الإمام المفتي الكبير الزاهد ابو عمرو أحمد بن أبي الوليد محمد بن أبي جعفر أحمد بن قاضي الجماعة ابي الوليد محمد الاشبيلي ثم الدمشقي المالكي ، ولد بغرناطة سنة اثنتين وسبعين ، ثم قدم دمشق فسمع ابن البخاري وابن مؤمن والفاروثي وغيرهم ، حدث عنه الذهبي ، وام بمحراب المالكية بالجمامع توفي رحمه‌الله تعالى في ثاني شهر رمضان ، وكان يخطب انتهى. وقال تقي الدين الأسدي رحمه‌الله تعالى في الذيل : في سنة سبع وعشرين وثمانمائة في شهر ربيع الأول الشيخ شمس الدين

__________________

(١) ابن كثير ١٣ : ١٤٠.

٥

محمد بن شهاب الدين احمد المعروف بابن أخي الشاذلي ، كان القاضي برهان الدين الشاذلي متزوجا بأخته وكان هذا قوي النفس به ، وكان بيده مباشرات في الأسرى وغيرها ، ثم انه كبر وضعف وابتلى بامراض مزمنة وافتقر ، وقوة النفس والتصميم لم تزل ، وحج مرات ، وجاور ، وولي امامة المالكية بالجامع الأموي ، ولم يكن يعرف شيئا من العلم ، وإنما كان مباشرا ، توفي بالصالحية ليلة الجمعة مستهل الشهر وقد جاوز التسعين أو السبعين فيما يظهر ، وولي الامامة بعده شهاب الدين الأموي المالكي رحمه‌الله تعالى انتهى.

١٤١ ـ المدرسة الشرابيشية

بدرب الشعارين لصيق حمام صالح ، شمالي الطيوريين ، داخل باب الجابية ، قال القاضي عز الدين رحمه‌الله تعالى : المدرسة المعروفة بنور الدولة علي الشرابيشي بدرب الشعارين انتهى. ورأيت بخط الحافظ البرزالي رحمه‌الله تعالى في تاريخه سنة أربع وثلاثين وسبعمائة وفي يوم الخميس الرابع والعشرين من صفر توفي شهاب الدين أحمد بن نور الدولة علي بن أبي المجد بن محاسن الشرابيشي التاجر السفار ودفن يوم الجمعة بالمكان الذي وقفه والده خارج الباب الصغير ، قبالة جامع جراح ، وكان له همة ، ونهضة ، وتودد إلى الناس انتهى. ثم قال عز الدين رحمه‌الله تعالى أول من ذكر بها الدرس تاج الدين عبد الرحمن المعروف بالزواوي وهو مستمر بها إلى الآن انتهى ، وقد مرت ترجمته في المدرسة قبلها ، ثم درس بها الإمام صدر الدين البارزي شيخ الدنكزية بعد الذهبي وقد مرت ترجمته فيها في دور القرآن والحديث.

١٤٢ ـ المدرسة الصمصامية

بمحلة حجر الذهب شرقي دار القرآن الوجيهية وقبلي المسرورية الشافعية وشام الخاتونية العصمية الحنفية وقال ابن كثير في سنة سبع عشرة وسبعمائة : وفي ذي القعدة يوم الأحد درس بالصمصامية التي تجددت للمالكية ، وقد وقف عليها

٦

الصاحب شمس الدين غبريال (١) الأسمري درسا ، ودرس بها فقها وعين تدريسها لنائب الحكم الفقيه نور الدين علي بن عبد النصير المالكي وحضر عنده القضاة والأعيان ، وممن حضر عنده الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه‌الله تعالى ، وكان يعرفه من الاسكندرية انتهى. قال البرزالي ، ومن خطه نقلت في تاريخه في سنة اربع وثلاثين وسبعمائة : وفي يوم الأربعاء ثاني عشر شوال وصل البريد من الديار المصرية إلى دمشق وأخبر بوفاة الصاحب شمس الدين غبريال (٢) رحمه‌الله تعالى ، وكتب إليّ الشيخ ابو بكر الرحيبي أن وفاته في ليلة السبت ثامن شوال ودفن في تربة قراسنقر خارج باب النصر ، وكان قد أخذ منه الفا ألف درهم ، وذكره شمس الدين بن الجزري رحمه‌الله تعالى في تاريخه وقال : كان حسن التدبير ، ورفع ضرب المقارع من الكتاب ، وكان اسلامه في احدى وسبعمائة. أسلم هو وأمين الملك معا انتهى.

وقال الذهبي رحمه‌الله تعالى في مختصر تاريخ الإسلام سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة : وفي شعبان نكب الصالح شمس الدين غبريال المصري وصودر الى ان مات ، واخذ منه ومن اولاده نحو الف الف درهم ، وسلم من التشهير ، فإنه آذى الناس في الزغل في الدينار البحشوري انتهى. ثم ذكر وفاته فيه في سنة اربع وثلاثين وسبعمائة. وقال في ذيل العبر في سنة اثنتين وثلاثين المذكورة : ونكب الصاحب شمس الدين غبريال بدمشق وصودر وزالت سعادته انتهى. ثم قال فيه في سنة اربع وثلاثين وسبعمائة : ومات الصاحب شمس الدين غبريال المسلماني بمصر في عشر الثمانين ، يقال إنه ادى الفي الف درهم وأهين وصودر اهله من بعده ، وكان صدرا محتشما نبيها محبا للستر على الناس ، قليل الشر والأذى لو لا ما وقع في ايامه من زغل الذهب ، وتأذي الناس من ذلك ، وامتدت ايامه بدمشق في سعادة وتنعم ، وكان يحب أصحاب ابن تيمية رحمه‌الله تعالى كثيرا ويذب عنهم انتهى.

__________________

(١) ابن كثير ١٤ : ١٧٤.

(٢) ابن كثير ١٤ : ١٧٤.

٧

١٤٣ ـ المدرسة الصلاحية

قال القاضي عز الدين رحمه‌الله تعالى : مدرسة انشأها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن ايوب ، فاتح بيت المقدس رحمه‌الله تعالى ، وهي بالقرب من البيمارستان النوري انتهى. وقد مرت ترجمة الملك الناصر هذا في المدرسة الصلاحية الشافعية. ووجدت بخط الشيخ تقي الدين بن قاضي شهبة الأسدي رحمه‌الله تعالى في تسمية مدارس المالكية ، تسمية هذه المدرسة بالنورية ، وتسمية المدرسة الزاوية المارة بالحلقة ، ثم قال القاضي عز الدين : ذكر من علم من مدرسيها وترك بياضا ، ثم الشيخ جمال الدين المعروف بحمار المالكية ، ثم من بعده جمال الدين عثمان بن الحاجب ، ثم من بعده الشيخ زين الدين عبد السلام الزواوي ، ثم أعطاها لزوج ابنته جمال الدين أبي يعقوب يوسف الزواوي ، وهو مستمر بها إلى الآن انتهى. قلت : لعل الشيخ جمال الدين المذكور هو الامام يوسف الفندلاوي (١). قال شيخنا رحمه‌الله تعالى في الكواكب الدرية في السيرة النورية (٢) في سنة ثلاث واربعين وخمسمائة : وفيها نزل الفرنج على دمشق إلى ان قال وكان صاحب دمشق آبق بن محمد بن بوري بن طغتكين ومدبر الأمور انر والحكم له وليس لآبق الملقب بمجير الدين منه شيء ، فلما كان سادس عشر ربيع الأول لم يشعر أهل دمشق إلا وملك الألمان قد خيم على المزة وزحف على البلد بخيله ورجله ، وكان معه نحو ستين الف راجل وعشرة آلاف فارس ، إلى ان قال : وخرج اليهم معين الدين ومجير الدين في مائة الف راجل سوى الفرسان في يوم السبت سادس شهر ربيع الاول وقاتلوا قتالا شديدا ، واستشهد من المسلمين في هذا اليوم نحو مائتين ، منهم الامام يوسف الفندلاوي شيخ المالكية ، عند النيرب ، قريب الربوة ، وكذلك الزاهد عبد الرحمن الجلجولي ، قتلا في مكان واحد ، إلى أن قال : وذكر الحافظ ابو القاسم ابن عساكر رحمه‌الله تعالى في تاريخه ان الفقيه الفندلاوي رؤي في المنام فقيل له : أين أنت؟ قال : في جنات عدن على سرر متقابلين ، وقبره الآن يزار بمقابر باب الصغير من ناحية حائط

__________________

(١) شذرات الذهب ٤ : ١٣٦.

(٢) ابن كثير ١٣ : ٣٢٢.

٨

المصلى ، وعليه بلاطة كبيرة منقورة فيها شرح حاله ، قاله ابن الأثير رحمه‌الله تعالى انتهى. وأما جمال الدين بن الحاجب فقد مرت ترجمته في المدرسة الزاوية قريبا ، واما الشيخ زين الدين عبد السلام الزواوي رحمه‌الله تعالى فقال ابن كثير رحمه‌الله تعالى في تاريخه في سنة أربع وستين وستمائة : وفيها استجد بدمشق اربعة قضاة كما فعل بالعام الماضي بديار مصر ، وفيها وردت الولايات لقضاء القضاة من المذاهب الأربعة ، فصار كل مذهب فيه قاضي القضاة ، فكان في منصب الشافعية شمس الدين احمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان البرمكي رحمه‌الله ، وصار على قضاء الحنفية شمس الدين عبد الله (١) بن محمد بن عطاء ، وللحنابلة شمس الدين عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر بن أحمد بن قدامة رحمهم‌الله تعالى ، وللمالكية عبد السلام بن الزواوي ، وقد امتنع من الولاية ، فالزم بها حتى قبل ، ثم عزل نفسه ، ثم الزم بها فقبل بشرط ان لا يباشر اوقافا ولا يأخذ جامكية على الحكم ، فأجيب إلى ذلك ، وكذلك قاضي الحنابلة لم يأخذ على احكامه أجرا ، وقال نحن في كفاية ، فأعفي من ذلك أيضا رحمهم‌الله تعالى اجمعين ، وقد كان هذا الصنيع الذي لم يسبق الى مثله قد فعل في العام الماضي بالديار المصرية أيضا واستقرت الأحوال على هذا المنوال ولله الحمد والمنة انتهى.

وقال ابن كثير رحمه‌الله تعالى أيضا في سنة احدى وثمانين وستمائة : القاضي الامام العلامة شيخ القراء زين الدين أبو محمد عبد السلام بن علي بن عمر الزواوي المالكي قاضي القضاة المالكية بدمشق ، وهو أول من باشر القضاء بها وعزل نفسه عنه تورعا وزهادة ، واستمر بلا ولاية ثماني سنين ثم كانت وفاته رحمه‌الله تعالى ليلة الثلاثاء من شهر رجب منها عن ثلاث وثمانين سنة ، وقد سمع الحديث واشتغل على السخاوي وابن الحاجب رحمهم‌الله تعالى انتهى. واما زوج ابنة قاضي القضاة المالكية جمال الدين يوسف الزواوي بعده فقد مرت ترجمته في المدرسة الزواوية.

وقال الذهبي في العبر في سنة سبع عشرة وسبعمائة : ومات بدمشق قاضي

__________________

(١) شذرات الذهب ٥ : ٣٤٠.

٩

المالكية المعمر جمال الدين محمد بن سليمان ابن سوير الزواوي عن بضع وثمانين سنة وبقي قاضيا ثلاثين سنة واصابه فالج سنوات ثم عجز ، فجاء على منصبه قبل موته بعشرين يوما العلامة فخر الدين احمد بن سلامة الاسكندراني (١) ، وثنا الزواوي عن الشرف المرسي وابن عبد السلام انتهى.

وقال تلميذه ابن كثير رحمه‌الله تعالى في تاريخه في سنة اربع وسبعمائة : وفي يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي القعدة حكم قاضي القضاة جمال الدين بن الزواوي بقتل شمس الدين محمد بن جمال الدين عبد الرحيم الباجربقي (٢) ، واراقة دمه وان تاب وان اسلم ، بعد إثبات محضر عليه يتضمن كفر الباجربقي المذكور ، وكان ممن شهد عليه فيه الشيخ مجد الدين التونسي النحوي الشافعي فهرب الباجربقي (٣) إلى بلاد الشرق ، فمكث بها مدة سنين ، ثم جاء بعد موت الحاكم المذكور كما سيأتي انتهى.

وقال في سنة ست وسبعمائة : وفي سابع عشر شهر رمضان حكم القاضي تقي الدين الحنبلي بحقن دم محمد بن الباجربقي واحضر عنده محضرا بعداوة بينه وبين الشهود الست الذين شهدوا عليه عند المالكي حين حكم باراقة دمه ، وممن شهد بهذه العداوة ناصر الدين بن عبد السلام (٤) ، وزين الدين ابن الشريف عدنان وقطب الدين ابن شيخ السلامية (٥) انتهى. وقال في سنة خمس عشرة وسبعمائة وفي ثامن شوال قتل احمد الزويني شهد عليه بالعظائم من ترك الواجبات واستحلال المحرمات وتنقصه واستهانته بالكتاب والسنة ، فحكم المالكي باراقة دمه وان اسلم ، فاعتقل ثم قتل انتهى. وقال في سنة سبع عشرة : وفي يوم السبت ثالث عشرين شهر ربيع الآخر قدم قاضي المالكية إلى الشام من مصر وهو الامام العلامة فخر الدين أبو العباس أحمد بن سلامة بن أحمد بن سلامة

__________________

(١) شذرات الذهب ٦ : ٤٧.

(٢) شذرات الذهب ٦ : ٤٧.

(٣) شذرات الذهب ٦ : ٦٤.

(٤) ابن كثير ١٤ : ٥٨.

(٥) شذرات الذهب ٦ : ١٠٣.

١٠

الاسكندري المالكي ، على قضاء دمشق عوضا عن قاضي القضاة جمال الدين الزواوي لضعفه واشتداد مرضه ، فالتقاه القضاة والاعيان ، وقرىء تقليده بالجامع ثاني يوم وصوله ، وهو مؤرخ بثاني عشر الشهر ، وقدم نائبه الفقيه نور الدين السخاوي ودرس بالجامع في مستهل جمادى الأولى ، وحضر عنده الأعيان وشكرت فضائله وعلومه وصرامته ونزاهته وديانته ، وبعد ذلك بتسعة أيام توفي الزواوي المعزول رحمه‌الله تعالى ، وقد باشر القضاء بدمشق ثلاثين سنة انتهى. وهذه ترجمته رحمه‌الله تعالى : قاضي القضاة جمال الدين ابو عبد الله محمد ابن الشيخ سليمان بن يوسف الزواوي قاضي القضاة المالكية بدمشق من سنة سبع وثمانين وستمائة قدم مصر من المغرب ، واشتغل بها وأخذ عن مشايخها منهم الشيخ عز الدين بن عبد السلام ، ثم قدم دمشق قاضيا في سنة تسع وثمانين وستمائة ، وكان مولده في سنة تسع وعشرين وستمائة ، واقام شعار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه ، وعمر الصمصامية في ايامه ، وجدد عمارة النورية ، وحدث بصحيح مسلم وموطإ مالك رضي الله تعالى عنه رواية يحيى بن يحيى عن مالك ، وكتاب الشفاء للقاضي عياض رحمه‌الله تعالى ، وعزل قبل وفاته بعشرين يوما عن القضاء ، وهذا من خيره بحيث لم يمت قاضيا رحمه‌الله تعالى توفي بالمدرسة الصمصامية يوم الخميس التاسع في جمادى الأولى او الآخرة ، وصلي عليه بعد الجمعة ، ودفن بمقابر باب الصغير تجاه مسجد النارنج ، وحضر جنازته خلق كثير واثنوا عليه خيرا وقد جاوز الثمانين رحمه‌الله تعالى ولم يبلغ إلى سبع عشرة من عمره على مقتضى مذهبه أيضا انتهى. بعد ان قال في سنة سبع وثمانين وستمائة : وفي عاشر جمادى الأولى قدم من الديار المصرية قاضي القضاة حسام الدين الحنفي ، والصاحب تقي الدين توبة التكريتي ، وقاضي القضاة جمال الدين محمد بن سليمان الزواوي المالكي على قضاء المالكية بعد شغور دمشق عن حاكم مالكي ثلاث سنين ونصفا ، فأقام شعار المنصب ونشر المذهب وكان له سؤدد ورياسة انتهى.

وقال الذهبي في سنة ثمان عشرة وسبعمائة : ومات في ذي القعدة بدمشق قاضي القضاة المالكية العلامة الأصولي البارع فخر الدين احمد بن سلامة بن احمد بن

١١

محمد الاسكندري عن سبع وخمسين سنة ، وكان حميد السيرة بصيرا بالعلم محتشما انتهى. وقال تلميذه ابن كثير رحمه‌الله تعالى في السنة المذكورة : قاضي القضاة فخر الدين أبو العباس أحمد بن تاج الدين أبي الخير سلامة بن زين الدين ابي العباس أحمد بن سلامة الاسكندري المالكي ، ولد سنة احدى وسبعين وستمائة ، وبرع في علوم كثيرة ، وولي نيابة الحكم في الاسكندرية فحمدت سيرته وديانته وصرامته ، ثم قدم على قضاء الشام للمالكية في السنة الماضية فباشر احسن مباشرة سنة ونصفا إلى أن توفي بالصمصامية بكرة الأربعاء مستهل ذي الحجة ، ودفن الى جانب الفندلاوي بباب الصغير ، وحضر جنازته خلق كثير ، وشكره الناس واثنوا عليه رحمه‌الله تعالى انتهى.

وقال السيد رحمه‌الله تعالى في السنة المذكورة : ومات بدمشق قاضي المالكية العلامة الأصولي فخر الدين احمد بن سلامة بن احمد الاسكندري عن سبع وخمسين سنة ، كان حميد السيرة بصيرا بالعلم محتشما انتهى. وقال الذهبي رحمه‌الله تعالى : في سنة تسع عشرة وسبعمائة قدم على قضاء المالكية شرف الدين محمد ابن قاضي القضاة معين الدين أبي بكر بن ظافر الهمذاني (١) النويري ونائبه شمس الدين القفصي انتهى. وقال ابن كثير رحمه‌الله تعالى في السنة المذكورة : وفي بكرة يوم الثلاثاء خامس جمادى الآخرة قدم من مصر إلى دمشق قاضي القضاة شرف الدين أبو عبد الله محمد بن قاضي القضاة معين الدين أبي بكر ابن الشيخ زكي الدين ظافر الهمذاني المالكي على قضاء المالكية بالشام ، عوضا عن ابن سلامة توفي رحمه‌الله تعالى فكان بينهما ستة اشتهر ، ولكن تقليد هذا مؤرخ تاسع شهر ربيع الاول ولبس الخلعة ، وقرىء تقليده بالجامع انتهى. وقال السيد رحمه‌الله تعالى في ذيل العبر في السنة المذكورة : وقدم على قضاء المالكية شرف الدين محمد ابن قاضي القضاة معين الدين أبي بكر بن ظافر الهمذاني النويري ونائبه شمس الدين القفصي انتهى. وقال فيه في سنة ثمان وأربعين وسبعمائة : ومات قاضي القضاة وشيخ الشيوخ شرف الدين أبو عبد الله محمد ابن قاضي

__________________

(١) ابن كثير ١٤ : ٢٣٣.

١٢

القضاة معين الدين أبي بكر بن ظافر الهمذاني النويري المالكي في ثاني المحرم عن بضع وثمانين سنة ، وولي بعده قضاء المالكية نائبه الامام جمال الدين محمد بن عبد الرحيم المسلاتي (١) ومشيخة الشيوخ شيخنا علاء الدين علي بن محمود القونوي الحنفي الصوفي انتهى.

وقال فيه في سنة تسع وخمسين وسبعمائة : وفي يوم الاربعاء ثاني شهر رمضان قدم شيخنا قاضي القضاة شرف الدين أحمد بن الحسين العراقي من القاهرة على قضاء المالكية بدمشق عوضا عن القاضي جمال الدين المسلاتي انتهى ، وقال في سنة ستين وسبعمائة : وفي يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول صرف قاضي القضاة شرف الدين العراقي عن قضاء المالكية بدمشق وأعيد قاضي القضاة جمال الدين ابن المسلاتي انتهى. وقال الأسدي رحمه‌الله تعالى في تاريخه في سنة سبع وثمانمائة وفي أول المحرم وصل توقيع بدر الدين حسن المالكي ، فترك القاضي شرف الدين عيسى الحكم انتهى. وقال في شهر ربيع الأول منها : ووقع الاتفاق بين القاضيين المالكيين على أن القاضي عيسى ويكون حسن نائبه ، فعزل حسن نفسه من الولاية التي وافته واستخلف الحنبلي القاضي عيسى ، واذن له في استنابة حسن فاستنابه والتزم بعد عزله ، وحكم الحنبلي بلزوم ذلك ، وهذا من جملة الغرائب التي جددت بهذه الأزمنة ، فلما بلغ النائب ذلك أنكره وقال لا يكون أحدهما نائب الآخر ، وعقد المجلس بسبب ذلك ، وسئل النائب عن الأولى منهما فوقع الاتفاق على ترجيح القاضي عيسى فاستمر به ، ومنع الآخر من الحكم انتهى. ثم قال في سنة تسع وثمانمائة وفي شهر ربيع الاول عزل القاضي عيسى المالكي بالقاضي حسن الزرعي انتهى. ثم قال : وفي ثامن عشر جمادى الآخرة منها أعيد القاضي شرف الدين المالكي الى قضاء المالكية انتهى. ثم قال : في أول سنة ست عشرة وثمانمائة في جمادى الآخرة وفي يوم السبت سابع عشريه ولي ناصر الدين ابن قاضي القضاة شرف الدين المالكي من نوروز قضاء المالكية بدمشق عوضا عن شرف الدين عيسى ، وكان قبل ذلك قاضي طرابلس ، فجاء منها خوفا من

__________________

(١) شذرات الذهب ٦ : ٢١٩.

١٣

نائبها بعد ما شوش عليه ، وكان سيء السيرة يتهتك في الرشوة ، وقد ولي قديما قضاء حماة وحلب المحروسة ، وجلس للحكم بالمدرسة الظاهرية الجوانية انتهى ، ثم قال : أول سنة سبع عشرة وثمانمائة ، وقاضي القضاة ناصر الدين ابن القاضي سري الدين المالكي ، ولي في جمادى الآخرة من نوروز عوضا عن القاضي شرف الدين العامري ، إلا أنه قدم السلطان فأعيد القاضي شرف الدين في جمادى الأولى منها انتهى. ثم قال : في جمادى هذه وفي يوم الجمعة ثانيه صلى السلطان بالجامع الأموي على العادة ، وبلغني انه أذن للقاضي شرف الدين المالكي في الحكم ، ولم يلبس لأجل الكلفة انتهى. ثم قال : في سنة احدى وعشرين وقاضي القضاة شرف الدين العامري المالكي ، وصل الخبر الى دمشق بعزله بالقاضي شهاب الدين الاموي في جمادى الاولى منها ، ثم قال فيه منها : وفي يوم الجمعة تاسع عشرة بلغني ان كتاب القاضي المالكي الاموي وصل الى القاضي محيي الدين المالكي أن يباشر عنه الى ان يقدم فباشر انتهى. ثم قال في يوم الاثنين سادس جمادى الآخرة منها : ويومئذ وصل القاضي شهاب الدين المالكي الأموي ولبس من عند النائب من الغد وقريء توقيعه بالجامع بحضرة القضاة وهو مؤرخ بسابع شهر ربيع الاول انتهى. ثم قال في أول سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة : وقاضي القضاة شهاب الدين الاموي ولي في جمادى الأولى من السنة الماضية ، ثم عزل بالقاضي شرف الدين العامري في شهر رمضان انتهى. ثم قال في شهر رمضان منها : وفي يوم الجمعة ثالث عشريه بعد الصلاة لبس القاضي شرف الدين العامري المالكي خلعة القضاة عوضا عن القاضي شهاب الدين الاموي ببيت الحاجب ، ثم جاء الى الجامع ومعه كاتب السر والقاضي الحنبلي والحاجب ابن الخطاب ، وكان القاضي الشافعي في الجامع. واجتمع بعض الفقهاء عند محراب المالكية وادعى عنده دعوة ، وقرأ القرآن ثم قاموا ولم يقرأ له توقيع ، ثم ذهبوا معه إلى بيته انتهى. ثم قال في أول سنة أربع وعشرين وثمانمائة : وقاضي القضاة شرف الدين العامري المالكي عزل في جمادى الاولى منها بالقاضي شهاب الدين الأموي انتهى ، ثم قال في جمادى الاولى هذه : وفي يوم الخميس سادس عشرة خلع على القاضي شهاب الدين الاموي المالكي بعوده إلى القضاء عوضا عن القاضي شرف

١٤

الدين العامري المالكي انتهى ، ثم قال في أول سنة ست وثلاثين وثمانمائة وفي شهر ربيع الاول : قاضي القضاة شهاب الدين الاموي كان توفي في صفر ، استقر عوضه في هذا الشهر القاضي محيي الدين اليحيائي انتهى. ثم قال في أول سنة اثنتين واربعين وثمانمائة : وقاضي القضاة المالكي محيي الدين اليحيائي توفي في ذي القعدة منها واستقر عوضه القاضي علاء الدين الناسخ انتهى. ثم قال في أول سنة ثلاث واربعين وثمانمائة وقاضي القضاة علاء الدين الناسخ في ذي القعدة ولي من السنة الخالية ، ثم في صفر استناب برهان الدين ابن بنت الأموي وسافر إلى حلب المحروسة فعزل في شهر ربيع الآخر من السنة بسالم الزواوي انتهى. ثم قال في جمادى الأولى منها وفي يوم الجمعة سابع عشرة وصل توقيع القاضي سالم المغربي بقضاء المالكية ، وهذا الرجل كان قد ورد من سنين ، والتف على محيي الدين ، وكان قد أسره الفرنج وخلص وجلس في سوق برا واتجر وهو خامل جدا لا يحسن كلام الناس ، غير انه يعرف الفروع على مذهب مالك رضي الله تعالى عنه ، وهو رجل جيد انتهى. ثم قال في أول سنة خمس واربعين وثمانمائة ، وقاضي القضاة زين الدين سالم الزواوي المالكي عزل في صفر منها بالقاضي شهاب الدين التلمساني ، ووصل دمشق في أول شهر ربيع الأول منها ثم عزل في شوال واعيد الذي كان قبله ، ثم في مستهل ذي الحجة منها دخل القاضي أمين الدين سالم المالكي من القدس الشريف عائدا الى وظيفته قضاء المالكية ، وبعد يومين سافر خصمه إلى مصر ، وكان قد أرسل من جهته يطلب له الحضور فأجيب إلى ذلك قيل ليتولى قضاء الاسكندرية عوضا عن قاضيها المتوفى انتهى. ثم قال في سنة ست وأربعين وثمانمائة في المحرم منها تاسع عشرة : بلغني ان الشهاب التلمساني المالكي ارسل حافيا إلى الاسكندرية ، وسر الناس ببعده لما فيه من الحماقة وقلة المعرفة انتهى. ثم قال في سنة سبع واربعين وثمانمائة : وقاضي القضاة سالم التونسي المالكي جاء الخبر انه عزل في جمادى الأولى منها بشخص من مصر ، ثم انتقض هذا واستمر سالم ، ثم عزل بسبب ما نسب اليه من الحكم باستمرار صغار اولاد سامري اسلم جدهم على الكفر ، وولي شخص يقال له ابو القاسم التويري اصله من غزة ، قيل انه يعرف غريمه وانه استمر بدمشق مدة ، ثم ولي

١٥

قضاء القدس وحصل له شر كثير حتى جاء به الأمير أركماس الجلباني وشاله على رجليه وأراد ضربه فشفع فيه ، ثم توجه إلى مصر فأقام بها ، وفي جمادى الآخرة منها في خامس عشرة قيل انه وصل كتاب اعادة القاضي سالم المالكي إلى وظيفة القضاء ، وسر الناس بذلك كراهية بالذي كان قد تولى انتهى. ثم قال في سنة خمسين وثمانمائة : وقاضي القضاة أمين الدين سالم التونسي المالكي أعيد في شوال سنة خمس وأربعين واستمر إلى ان عزل في آخر شعبان منها ، واستقر عوضه القاضي ابن عامر المصري المالكي ، وفي آخر يوم من الشهر طلب القاضي المالكي إلى النائب ، فلما حضر أعلمه أنه عزل ، وكان سبب ذلك انه اثبت للنائب شيئا بالخطوط في تركة للسلطان فيها استحقاق ، فغضب السلطان من ذلك وارسل بعزله انتهى. ثم قال في اول سنة احدى وخمسين وثمانمائة : وقاضي القضاة ابن عامر المصري المالكي ، ولي في ذي القعدة من السنة الخالية ، وقدم إلى دمشق في ذي الحجة انتهى. ثم ولي بعده شهاب الدين التلمساني المغربي ، ودخل إلى دمشق في ذي القعدة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة إلى ان عزل بسبب الوقوع بينه وبين الحاجب الثاني ، وهو ان شهاب الدين طلب غريما عند الحاجب المذكور فامتنع من إرساله إليه فطلب الحاجب المذكور ، فلما حضر اليه المذكور أهانه واخرق فيه ، فتعصب الامراء وكتبوا إلى مصر ، فورد مرسوم بأن القضاة لا يطلبون أحدا من عند حكام السياسة ولا يحكمون في من سبقت دعواه اليهم ، وكذلك حكام السياسة لا يأخذون احدا من مجالس الشرع الشريف ولا يحكمون فيه ، ونودي بذلك بدمشق في شوال منها. ثم حضر من مصر القاضي ابن عامر المالكي عوضه ، وعلى يده مرسوم السلطان بأن حكام السياسة لا يأخذون من مجلس حكمه غريما وإن كان لأحد عنده محاكمة شرعية وخصمه عند السياسة يطلبه من عندهم ويعمل بينهما ما يقتضيه مذهبه الشريف ، ثم اعيد شيخنا سالم إلى قضاء المالكية بدمشق وحكم باراقة دم ابن ابي الفتح في ثالث عشر شهر رمضان سنة اربع وخمسين ، فلما قضى المصريون مرادهم بالحكم المذكور عزلوه في صفر سنة خمس وخمسين ثم استقر عوضه فيها شهاب الدين أحمد بن سعيد بن

١٦

عثمان بن محمد بن ابراهيم بن التلمساني ، ووصل من مصر إلى دمشق في شهر ربيع الاول سنة ثمان وخمسين ، ثم وصل تشريف له باستمراره في وظيفته ، ثم في خامس عشر شوال سنة تسع وخمسين وصل من مصر تشريف قاضي القضاة سراج الدين الحمصي باستمراره في قضاء الشافعية بدمشق ، وانفصال القاضي المالكي شهاب الدين التلمساني من قضاء المالكية بها ، واستقرار القاضي زين الدين عبد الرحمن ابن محمد بن عثمان بن منيع السويدي (١) المغربي المالكي ، ثم في يوم الاثنين سابع ذى الحجة من سنة تسع المذكورة أعيد شهاب الدين التلمساني بعد أن بذل نحو خمسمائة دينار على ما قيل ، وعزل زين الدين عبد الرحمن المذكور ، ثم في يوم الثلاثاء ثاني شعبان سنة ستين وصل القاضي زين الدين عبد الرحمن المذكور من طرابلس وقد اعيد إلى قضاء المالكية بدمشق عوضا عن شهاب الدين المذكور وألبس تشريفة بذلك في يوم الخميس تاسع عشر شعبان المذكور ، وفي يوم الخميس مستهل ذي الحجة سنة احدى وستين وثمانمائة اعيد القاضي شهاب الدين التلمساني الى قضاء المالكية بدمشق عوضا عن زين الدين السويدي وألبس تشريفة بذلك ، وفي أوائل سنة اثنتين وستين توفي القاضي عبد الرحمن السويدي المذكور ، وفي تاسع صفر سنة ثلاث وسبعين توفي شيخنا في رواية الحديث قاضي القضاة زين الدين ويقال امين الدين وعلم الدين سالم بن ابراهيم بن عيسى الصنهاجي المغربي الدمشقي المالكي بالمدرسة الشرابيشية ، مولده سنة سبع وسبعين وسبعمائة قرأت عليه من أول البخاري الى مناقب عمار رضي الله تعالى عنه وهو النصف منه واجاز لي بذلك وبكل ما يجوز أو يصح له روايته وخطه عندي بذلك ودفن رحمه‌الله تعالى شرقي المقبرة الحميرية.

وفي يوم الأربعاء خامس شهر ربيع الأول سنة أربع وسبعين توفي قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن سعيد بن عثمان بن محمد بن سعيد بن إبراهيم رحمه‌الله تعالى. قال الأسدي رحمه‌الله تعالى في تاريخه : أخذ القضاء بدمشق عن علم الدين سالم في صفر سنة خمس وأربعين انتهى ، ودفن شمالي الذهبية شرقي

__________________

(١) شذرات الذهب ٧ : ٣٠١.

١٧

الطريق بمقبرة باب الفراديس وقد قارب الثمانين ظنا مني رحمه‌الله تعالى ، وكان قد عزل شيخنا شيخ الإسلام قاضي القضاة محيي الدين عبد القادر بن عبد الرحمن بن عبد الوارث البكري المصري المالكي في سنة سبع أو ثمان وستين ، روى عنه موطأ الإمام مالك رضي الله تعالى عنه وصحيح مسلم وغيرهما ، وسار في القضاء بحرمة وافرة ومراتب حافلة ، حتى أن شيخنا قاضي القضاة جمال الدين الباعوني كان يتأيد به ويستعين ، واستمر كذلك إلى أن توفي رحمه‌الله تعالى في يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الأولى سنة أربع وسبعين المذكورة ، ثم ولي بعده قاضي القضاة كمال الدين محمد بن أحمد العباسي الحموي ثم الدمشقي ، واستمر إلى أن عزله وكيل السلطان البرهان النابلسي في جمادى الأولى سنة ثمانين. ثم ولي قضاء القضاة شهاب الدين أحمد بن المريني المغربي في يوم الخميس سابع عشر جمادى الأولى منها ، وفي يوم الجمعة عيد الأضحى بعد صلاتها بالأموي صلي على قاضي قضاة المالكية بدمشق شهاب الدين أحمد بن المريني ، بكسر الميم والراء المهملة المخففة بعدها ياء آخر الحروف ثم نون ثم ياء النسبة ، من سنة ست وتسعين ، أتى إلى دمشق بعد الستين وثمانمائة فقيرا ، له بعض اشتغال في العلم فاستعان به قاضي القضاة جمال الدين الباعوني في البيمارستان النوري فظهرت أمانته وديانته ، فكان السبب في ترقيته ، فاشتغل في غضون ذلك بدمشق ، ورافقته في الاشتغال على الشيخ علي حجي العجمي المقيم يومئذ بالمدرسة الشامية الجوانية مدة يسيرة ، وهو إذ ذاك نائب الحكم لقاضي القضاة شهاب الدين التلمساني ، ثم لقاضي القضاة محيي الدين بن عبد الوارث ، وفي سنة خمس وتسعين المذكورة صودر بولده ، ثم في آخر سنة ست وتسعين المذكورة سافر إلى قسم الصرفند ، ووقف المالكية ، فتمرض ببلد القرعون ، وتوفي بعد الظهر يوم عرفة ، وحمل منها إلى دمشق ، ودخل به ليلة العيد من باب المدينة إلى منزله ، وكانت جنازته مشهودة ، ومشى فيها النائب إلى مقبرة باب الصغير ، ودفن غربي جامع جراح بقربه ، وهو في عشر الثمانين ظنا مني ، وفي شهر ربيع الأول سنة سبع وتسعين وثمانمائة ورد كتاب من مصر إلى دمشق بأن وظيفة قضاء المالكية بدمشق

١٨

قد خرجت باسم الشمس الطولقي (١) ، التاجر في حانوت يومئذ بدمشق ، وأن توقيعه أخذه الساعي له قاضي القضاة الشافعي شهاب الدين بن الفرفور ، الذي هو الآن بمصر ، وهو السبب في ذلك ، وفي يوم الأحد سابع عشر جمادى الأولى دخل القاضي الشافعي المذكور إلى دمشق وفي يوم الخميس مستهل جمادى الآخرة منها تاسع عشرين آذار ألبس الطولقي التشريف بقضاء المالكية ، وقرىء توقيعه بالجامع على العادة ، وتاريخه مستهل شهر ربيع الأول منها ، وفي يوم الاثنين سلخ ذي الحجة سنة تسع وتسعين قبض على قاضي المالكية الشمس الطولقي بمرسوم شريف من مصر على يد مملوك ، ووضع بالقلعة محتفظا عليه ، ثم سافروا به صبيحة يوم الاثنين سابع ذي الحجة منها ، فمر علينا بمحلة مسجد الذبيان ، راكبا فرسا ، لابسا جبلة حمراء ، وقدامه جماعة ، وخلفه جماعة مماليك وبجانب فرسه ماشيا عن يمينه وعن شماله ، وقد اصفر وجهه وتغير ، ثم وليها قاضي القضاة شمس الدين محمد بن يوسف الأندلسي في أواخر سنة تسعمائة ، وفي يوم الاثنين سابع عشر شهر رمضان سنة إحدى وتسعمائة وهو الثلاثون من أيار لبس بدمشق التشريف بقضاء المالكية ، سعى له الشهاب بن المحوجب (٢) عند كاتب السر بمصر ، وبلغني أنه استعان على ذلك بمكاتبة النائب له في ذلك ، واعتضد بعبد النبي (٣) في أموره ، وسكن في شمالي المدرسة القيمرية شرقي الجامع الأموي ، وسافر إلى الصرفند ، ثم قدم ثامن عشر المحرم سنة اثنتين وتسعمائة ، وفي بكرة يوم الاثنين ثامن صفر منها وهو خامس عشر تشرين ثاني دخل من مصر إلى دمشق قاضي المالكية الشمس الطولقي الذي كان عزل عنها واستمر مدة بمصر ، وتولاها عنه شمس الدين المذكور لشغورها مدة ، وقرأ توقيعه بالجامع الأموي بهاء الدين الحجيني نائب الحنفي ، وتاريخه خامس عشري المحرم ، ثم فوض للشهاب أحمد ابن أخي شعيب ، وفي سلخ شهر رمضان منها

__________________

(١) شذرات الذهب ٨ : ١٦١.

(٢) شذرات الذهب ٨ : ٥٦.

(٣) شذرات الذهب ٨ : ١٢٦.

١٩

أعيد قاضي المالكية شمس الدين محمد بن يوسف الأندلسي ، ولبس التشريف ، وعزل الطولقي ما كان ، وفي هذه الأيام أوقع بابن أخي شعيب تنكيلا بالغا ، وفي يوم الثلاثاء عشرين شهر رجب سنة ثلاث وتسعمائة شاع بدمشق عزل قاضي القضاة المالكية شمس الدين محمد بن يوسف وإعادة شمس الدين الطولقي وكان الطولقي حينئذ بحلب المحروسة ، ذهب مع نائب الشام كرتباي ولم يمتنع الشمس ابن يوسف من الحكم اعتمادا على ان النائب كرتباي صديقه ، فإن الأمور الشامية حينئذ مرجعها إليه كما أخبر هو أنه يولي من يختار ويعزل من يختار. وفي يوم الثلاثاء حادي عشرين شعبان منها ورد مرسوم النائب كرتباي من حلب المحروسة بأن ابن يوسف مستمر على عادته يحكم وأنه لا يلتفت إلى غير ذلك ، وفي يوم الجمعة ثالث عشر شهر رمضان منها وصل من حلب المحروسة إلى دمشق بغتة قاضي المالكية بها وصح عزل الأندلسي في ثاني شهر رجب حسب مرسوم السلطان الناصري وأنكر على الأندلسي استمراره في الحكم في الأيام الماضية بإشارة النائب كرتباي. وفي يوم الخميس اول أو ثاني ذي الحجة سنة أربع وتسعمائة شاع بدمشق عزل الشمس الطولقي من قضاء المالكية ، وأن ابن يوسف أعيد إليها وهو الآن بمصر قد سافر إليها من شهور ، ولم يمتنع الطولقي من الحكم ليراجع له النائب جلبان ، فلما عزل صرح قاضي الشافعية ابن الفرفور بعزله ، وعزم الطولقي على السفر إلى الديار المصرية صحبة النائب المعزول عن دمشق. وفي يوم الاثنين ثاني عشر المحرم سنة خمس وتسعمائة سافر صحبة النائب المذكور إلى مصر ، ثم أتى القاضي الجديد ابن يوسف وذهب لملاقاة النائب قصروه الآتي من حلب المحروسة ، وفي يوم الاثنين حادي عشر صفر منها ألبس ابن يوسف خلعته التي جاءت معه من مصر وفي ثالث شهر ربيع الأول سنة ست وتسعمائة شاع بدمشق ان السلطان الجديد جان بولاد (١) أعاد الطولقي إلى القضاء بدمشق وهو من العجب فإن نائبها قصروه المذكور لا يعد المولى سلطانا وقد أخذ منه غالب البلاد الشامية ، فالسلطان مزلل حينئذ ، ثم في يوم الخميس رابع

__________________

(١) شذرات الذهب ٨ : ٢٨.

٢٠