🚘

إعراب القرآن - ج ٣

أبي جعفر أحمد بن محمّد بن إسماعيل النحّاس [ ابن النحّاس ]

إعراب القرآن - ج ٣

المؤلف:

أبي جعفر أحمد بن محمّد بن إسماعيل النحّاس [ ابن النحّاس ]


المحقق: عبدالمنعم خليل إبراهيم
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتب العلميّة
🚘 نسخة غير مصححة
١
٢

شرح إعراب سورة مريم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قال أبو جعفر : لا اختلاف في إسكانها. قال أبو إسحاق : أسكنت لأنها حروف تهجّ النيّة فيها الوقف. قرأ أهل المدينة بين التفخيم والإمالة ، وروى محمّد بن سعدان عن أبي محمد عن أبي عمرو بن العلاء أنه قرأ (كهيعص) (١) الياء ممالة والهاء بين التفخيم والإمالة والصاد مدغمة ، وحكى أبو عبيد أنّ حمزة كان يميل الياء ويفخم الهاء ، وأن عاصما والكسائي كانا يكسران الهاء والياء ، وحكى خارجة أن الحسن كان يضمّ كاف ، وحكى غيره أنه كان يضم «ها» ، وحكى إسماعيل بن إسحاق أن الحسن كان يضمّ يا ، قال أبو حاتم لا يجوز ضم الكاف ولا الهاء ولا الياء. قال أبو جعفر :

قراءة أهل المدينة من أحسن ما في هذا والإمالة جائزة في «ها» وفي «يا» وما أشبههما نحو با وتا وثا إذا قصرت ، وهذا قول الخليل وسيبويه (٢). قال : وحكى لي علي بن سليمان أنّ البصريين ينفردون بالكلام في الإمالة ، وأن الكوفيين لم يذكروا ذلك كما ذكروا غيره من النحو وإنما جازت الإمالة عند سيبويه والخليل (٣) فيما ذكرناه لأنها أسماء ما يكتب ففرقوا بينها وبين الحروف ، نحو «لا» و «ما» ، ومن أمال منها شيئا فهو مخطئ ، وكذلك «ما» التي بمعنى الذي ، ولا يجيز أن تمال «حتّى» ولا «إلّا» التي للاستثناء ؛ لأنهما حرفان وإن سمّيت بهما جازت الإمالة ، وأجازا «أنّى» لأنها اسم ظرف كأين وكيف ، ولا يجوز إمالة كاف لأن الألف متوسطة. فأما قراءة الحسن فقد أشكلت على جماعة حتّى قالوا : لا تجوز ، منهم أبو حاتم. والقول فيها ما بينه هارون القارئ.

قال : كان الحسن يشمّ الرفع فمعنى هذا أنه كان يومئ ، كما حكى سيبويه أن من العرب من يقول : الصلاة والزكاة يومئ إلى الواو ، ولهذا كتبت في المصاحف بالواو.

__________________

(١) انظر تيسير الداني ١٢٠.

(٢) انظر الكتاب ٤ / ٢٤٨.

(٣) انظر الكتاب ٤ / ٢٤٨.

٣

(ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) (٢) في رفعه ثلاثة أقوال : قال الفراء (١) : وهو مرفوع بكهيعص. قال أبو إسحاق : هذا محال لأن «كهيعص» ليس هو مما أنبأنا الله جلّ وعزّ به عن زكرياء ، وقد خبّر الله جلّ وعزّ عنه وعما بشّره به وليس «كهيعص» من قصّته. قال الأخفش :

التقدير : فيما نقص عليكم ذكر رحمة ربك ، والقول الثالث أن المعنى: هذا الذي نتلوه عليكم ذكر رحمة ربك عبده ، ورحمة بالهاء تكتب ، ويوقف عليها ، وكذلك كلّ ما كان مثلها. لا نعلم بين النحويين اختلافا في ذلك إذا لم يكن في شعر بل قد اعتلّوا في ذلك أن هذه الهاء لتأنيث الأسماء وفرقوا بينها وبين الأفعال.

قال الأخفش : (عَبْدَهُ) منصوب برحمة. (زَكَرِيَّا) (٢) بدل منه ولم ينصرف لأن فيه ألف تأنيث. هذا فيمن جعله مشتقا عربيا ، ولا يصرفه في معرفة ولا نكرة ، ومن جعله عجميا صرفه في النكرة.

(إِذْ) في موضع نصب على الظرف. (نادى رَبَّهُ نِداءً) مصدر مؤكّد (خَفِيًّا) من نعته.

(قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) والمستقبل يهن أصله يوهن حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة. (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) في نصبه قولان : أحدهما أنه مصدر ، لأن معنى اشتعل شاب ، وهذا قول الأخفش سعيد. قال أبو إسحاق : هو منصوب على التمييز ، وقول الأخفش أولى لأنه مشتقّ من فعل ، والمصدر أولى به. (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) خبر أكن.

(وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي) صب بخفت وحركت الياء في موضع النصب لخفته وأسكنتها في موضع الرفع والخفض لثقلهما ، كما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قرأ خفّت الموالي من ورائي (٣) وهذه قراءة شاذّة وإنما رواها كعب مولى سعيد بن العاص عن سعيد عن عثمان ، وهي بعيدة جدا ، وقد زعم بعض العلماء أنها لا تجوز.

قال : كيف يقول : خفّت الموالي من بعد موتي وهو حيّ؟ والتأويل لها أن لا يعني بقوله

__________________

(١) انظر معاني الفراء ٢ / ١٦١.

(٢) انظر تيسير الداني ١٢٠

(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٨٣ ، والبحر المحيط ٦ / ١٦٥ وهي قراءة زيد بن ثابت وابن عباس ، وسعيد ابن العاص وابن يعمر وابن جبير وعلي بن الحسين وغيرهم.

٤

من ورائي من بعد موتي ولكن من ورائي في ذلك الوقت ، وهذا أيضا بعيد يحتاج إلى دليل أنّهم خفّوا في ذلك الوقت وقلّوا ، وقد أخبر الله عزوجل عنهم بما يدلّ على الكثرة حين قالوا : أيّهم يكفل مريم؟ (وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً) أي لا تلد كأنّ بها عقرا.

والفعل منه عقرت مسموع من العرب ، والقياس عقرت. (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) والمستقبل يهب ، والأصل يوهب بكسر الهاء ، ومن قال : الأصل يوهب بفتح الهاء فقد أخطأ لأنه لو كان كما قال لم تحذف الواو وكما لم تحذف في يوجل ، وإنما حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ثم فتح بعد حذفها لأن فيه حرفا من حروف الحلق.

وقرأ أهل الحرمين والحسن وعاصم وحمزة (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) (١) برفعهما ، وقرأ يحيى بن يعمر وأبو عمرو ويحيى بن وثاب والأعمش والكسائي (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) (٢) بالجزم فيهما. قال أبو جعفر : القراءة الأولى بالرفع أولى في العربية وأحسن ، والحجّة في ذلك ما قاله أبو عبيد فإن حجّته حسنة. قال : المعنى :

فهب لي من لدنك الوليّ الذي هذه حاله وصفته لأن الأولياء منهم من لا يرث ، فقال :

هب الّذي يكون وارثي ، وردّ الجزم ؛ لأن معناه إن وهبته لي ورثني ، فكيف يخبر الله جلّ وعزّ بهذا وهو أعلم به منه؟ وهذه حجة مقتضاة لأن جواب الأمر عند النحويين فيه معنى الشرط والمجازاة. تقول : أطع الله جلّ وعزّ يدخلك الجنة والمعنى : إن تطعه يدخلك الجنة. فأما معنى (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) فللعلماء فيه ثلاثة أجوبة :

قيل : هي وراثة نبوّة ، وقيل : هي وراثة حكمة ، وقيل : هي وراثة مال. فأما قولهم وراثة نبوة محال ؛ لأن النبوة لا تورث ، ولو كانت تورث لقال قائل : الناس كلّهم ينسبون إلى نوحصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو نبيّ مرسل. ووراثة الحكمة والعلم مذهب حسن. وفي الحديث «العلماء ورثة الأنبياء» (٣) وأما وراثة المال فلا يمتنع وإن كان قوم قد أنكروه لقول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا نورث ما تركنا صدقة» (٤) فهذا لا حجّة فيه ؛ لأن الواحد يخبر عن نفسه بإخبار الجميع وقد يؤول هذا بمعنى لا نورث الذي تركناه صدقة لأن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يخلف شيئا يورث عنه ، وإنما كان الذي له أباحه الله عزوجل إياه في حياته بقوله جلّ وعزّ (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) [الأنفال : ٤١] لأن معنى لله جلّ وعزّ لسبل الله جلّ ثناؤه ، ومن سبل الله تبارك وتعالى ما يكون في مصلحة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما دام حيّا فإن قيل : ففي بعض الروايات «إنّا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» ففيه التأويلان جميعا أن يكون «ما» بمعنى الذي ، والآخر لا يورث من

__________________

(١) انظر البحر المحيط ٦ / ١٦٥.

(٢) انظر تيسير الداني ١٢٠.

(٣) أخرجه ابن ماجة في سننه في المقدمة ١٧ ـ حديث ٢٢٣ ، والدارمي في سننه ١ / ٩٨.

(٤) أخرجه مالك في الموطأ باب ١٢ حديث ٢٧ ، والترمذي في سننه ـ السير ٧ / ١١٢ ، وأبو داود في سننه رقم (٢٩٧٧).

٥

كانت هذه حاله. (مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) لم ينصرف لأنه أعجمي وزعم عاصم الجحدري أنهم لو قالوا هو يعقوب آخر غير يعقوب بن إسحاق لصروفه ، وقال : إنّهم قالوا : إنه غير يعقوب بن إسحاق عليهما‌السلام.

(يا زَكَرِيَّا) منادى مفرد. (اسْمُهُ يَحْيى) مبتدأ وخبر ولم ينصرف يحيى لأنه في الأصل فعل مستقبل وكتب بالياء فرقا بينه وبين الفعل (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) قد ذكرناه ، وقد قيل: معناه لم نأمر أحدا أن يسمّي ابنه يحيى قبلك.

(أَنَّى) في موضع نصب على الظرف. (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) (١) قال قتادة :

أي سنّا ، والتقدير في العربية : سنّا عتيّا. والأصل عتوّا لأنه من ذوات الواو فأبدل من الواو ياء لأنها أختها ، وهي أخفّ منها والآيات على الياء ، ومن قرأ (عِتِيًّا) كره الضمة مع الكسرة والياء.

(قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ) الكاف في موضع رفع أي الأمر كذلك. (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) قال الفراء (٢) : أي خلقه عليّ هين ، قرأ أهل المدينة وأهل البصرة وعاصم (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ) ، وقرأ سائر الكوفيين وقد خلقناك (٣) قال أبو جعفر : والقراءة الأولى أشبه بالسواد.

(قالَ آيَتُكَ) مبتدأ وخبره (أن) وصلتها (تُكَلِّمَ) نصب بأن لأن «لا» غير حائلة ، وأجاز الكسائي والفراء (٤) «أن لا تكلّم الناس» بالرفع : بمعنى أنك لا تكلم الناس ، وهذا كما قال : [الطويل]

٢٨٢ ـ ألا زعمت بسباسة اليوم أنّني

كبرت وأن لا يشهد اللهو أمثالي (٥)

__________________

(١) انظر البحر المحيط ٦ / ١٦٦ ، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٠٧ ، وهي قراءة ابن أبي ليلى والأعمش وحمزة والكسائي ، وباقي السبعة بالضم وعبد الله بفتح العين.

(٢) انظر معاني الفراء ٢ / ١٦٢.

(٣) انظر البحر المحيط ٦ / ١٦٧ ، وتيسير الداني ١٢٠.

(٤) انظر معاني الفراء ٢ / ١٦٢.

(٥) مرّ الشاهد رقم (١٢٤).

٦

قال الأخفش : (سَوِيًّا) نصب على الحال. قال أبو جعفر : والمعنى : يكفّ عن الكلام في هذه الحال.

(فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) ظرفان ، وزعم الفراء أنّ العشيّ يؤنّث ويجوز تذكيره إذا أبهمت. قال : وقد يكون العشيّ جمع عشيّة.

(يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ) ومن أخذ يأخذ. الأصل أوخذ ، حذفت الهمزة الثانية لكثرة الاستعمال ، وقيل لاجتماع حرفين من حروف الحلق ، واستغني عن الهمزة وكسرت الذال لالتقاء الساكنين. (وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) على الحال.

(وَحَناناً) عطف على الحكم. وفي معناه قولان عن ابن عباس أحدهما قال : تعطّف الله جلّ وعزّ عليه بالرحمة ، والقول الآخر : ما أعطيه من رحمة الناس حتّى يخلّصهم من الكفر والشرّ. (وَزَكاةً) في معناه قولان : أحدهما أنه أعطي الزيادة في الخير والنماء فيه ، والقول الآخر أنّ الله جلّ وعزّ زكّاه بأن وصفه أنه زكيّ تقيّ فقال جلّ وعزّ : (وَكانَ تَقِيًّا).

(وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ) عطف على تقي.

(وَسَلامٌ عَلَيْهِ) رفع بالابتداء ، وحسن الابتداء بالنكرة لأن فيها معنى الدعاء.

ومعنى سلام عليك وسلام الله عليك واحد في اللغة.

(فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا) وهو جبرائيل عليه‌السلام. سمّي روحا لأنه يأتي بما يحيا به العباد من الوحى فلما كان ما يأتي به يحيا العباد به سمّي روحا ولهذا سمّي عيسى صلى‌الله‌عليه‌وسلم روحا (فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا) على الحال.

٧

(قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) ابتداء وخبر. (لِأَهَبَ لَكِ) (١) قراءة أكثر الناس وهي الصحيحة عن نافع بن أبي نعيم. حكى ذلك أبو عبيد وإسماعيل بن إسحاق وغيرهما من أهل الضبط إلّا ورشا فإنه روى عنه ليهب (٢) وقراءة أبي عمرو ليهب (٣) بلا اختلاف عنه. قال أبو عبيد : وهذا مخالف لجميع المصاحف كل ها : قال : ولو جاز أن يغيّر حرف من المصحف للرأي لجاز في غيره. قال : وفي هذا تحويل القرآن حتى لا يعرف المنزل منه من غيره قال أبو جعفر : «ليهب» يحتمل وجهين : أحدهما : أن يريد لأهب ثم يخفف الهمزة ، والآخر يكون على غير تخفيف الهمزة : ويكون معناه ارسلني ليهب ، ومن يقرأ «لأهب» فتقديره : قال لأهب لأن في قوله : (إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) ما يدلّ على هذا.

(وَلَمْ يَمْسَسْنِي) ظهر التضعيف لما سكن الحرف الثاني. (بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) الأصل أكن وقد ذكرناه (٤).

(وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا) الأصل مقضويّ ثم أدغمت الواو في الياء.

ظرف وإن شئت كان مفعولا أي قصدت به مكانا قصيا.

(فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ) قيل : لأنها طلبت الظلّ. (قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُ) من قال متّ ففي تقديره قولان : أحدهما أنه من متّ أمات مثل خفت أخاف ، والآخر هو قول سيبويه أنه من متّ أموت ، وزعم سيبويه (٥) أنه جاء في كلام العرب على فعلت أفعل : فضل يفضل ، ومتّ تموت ، ولا يعرف غيرهما. (وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا) (٦) قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو وعاصم والكسائي ، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة (وَكُنْتُ نَسْياً) بفتح النون. قال أبو جعفر : كسر النون في هذا أولى في العربية لجهتين : إحداهما أن

__________________

(١) انظر البحر المحيط ٦ / ١٧٠.

(٢) انظر تيسير الداني ١٢٠ ، ومعاني الفراء ٢ / ١٦٣ ، والبحر المحيط ٦ / ١٧٠.

(٣) انظر تيسير الداني ١٢٠ ، ومعاني الفراء ٢ / ١٦٣ ، والبحر المحيط ٦ / ١٧٠.

(٤) مرّ في إعراب الآية ١٠٩ ـ هود.

(٥) انظر الكتاب ٤ / ٤٨٦.

(٦) انظر تيسير الداني ١٢١.

٨

المفتوحة مصدر والمكسورة اسم ، والاسم هاهنا أولى من المصدر ، والجهة الأخرى أن المصدر إنما تستعمله العرب هاهنا على فعلان فيقولون : نسيت نسيانا.

(فَناداها مِنْ تَحْتِها) فأما أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة إلّا الحسن وأبا عمرو النّخعي وعاصما فإنهم قرءوا من تحتها (١) بفتح الميم. فزعم أبو عبيد أن من قرأ «من تحتها» جاز في قراءته أن يكون لجبرائيل صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولعيسى عليه‌السلام ، ومن قرأ «من تحتها» فهو لعيسى صلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصّة. قال أبو جعفر : «من» اسم و «تحتها» ظرف ولا يمتنع أن يكون معناه لجبرائيل صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما كان في الأول (٢).

فيه ستّ قراءات : قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم والكسائي (تُساقِطْ) بالتاء وتشديد السين ، وقرأ الأعمش وحمزة تساقط بالتاء وتخفيف السين ، وقرأ البراء بن عازب يسّاقط بالياء وتشديد السين ، وقرأ مسروق بن الأجدع تسقط والقراءتان الباقيتان (تُساقِطْ) ونساقط. قال أبو جعفر : فالقراءة الأولى أصلها تتساقط ثم أدغمت التاء في السين ، والثانية على الحذف ، والثالثة على الإدغام ولا يجوز معها الحذف. ونصب رطب في هذه القراءات الثلاث على البيان كما قال : [الطويل]

٢٨٣ ـ فلو أنّها نفس تموت سويّة

ولكنّها نفس تساقط أنفسا (٣)

وحكى أبو إسحاق عن أبي العباس أنه منصوب بهزّي ، والقراءة الرابعة على أن يكون منصوبا بتسقط أو بهزّي ، وكذا الخامسة. قال أبو إسحاق : ومن قرأ نساقط أراد : نساقط نحن عليك رطبا جنيّا ليكون ذلك آية. قال أبو جعفر : والرطب يذكّر على معنى الجنس ويؤنث على معنى الجماعة.

(فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) قال أبو إسحاق : فكلي من الرطب واشربي من الماء.

قال و (عَيْناً) منصوب على التمييز. قال أبو جعفر : الأصل أأكلي بهمزتين فحذفت

__________________

(١) انظر تيسير الداني ١٢١.

(٢) انظر البحر المحيط ٦ / ١٧٥ ، وتيسير الداني ١٢١ ، ومعاني الفراء ٢ / ١٦٦.

(٣) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ١٠٧ ، وسرّ صناعة الإعراب ٢ / ٦٤٨ ، وشرح المفصّل ٩ / ٨ ، ولسان العرب (جمع) ، وتفسير الطبري ١٣ / ١٥٢ ، وشرح القصائد السبع لابن الأنباري ٤٢٣.

٩

إحداهما لاجتماعهما وكثرة الاستعمال ، وكان القياس أن تخفّف الثانية فتكون واوا فيقال أوكل كما يقال : أوجر فلان من الأجر ، فلمّا حذفت الهمزة الثانية استغني عن الأولى فقيل : كلي ، وحذفت النون لأن الفعل غير معرب وللجزم عند الكوفيين وكذا واشربي وقرّي. قال الأصمعي : قررت به عينا ، مشتقّ من القرّ أي بردت عيني فلم تدمع فتسخن ، وقال أبو عمرو الشيباني : هو من قررت في المكان أي قرّت عيني فنامت ولم تسهر ، وقيل : معناه قررت أي هدأت لمّا نلت ما كنت متطلعا إليه. (فَإِمَّا تَرَيِنَ) في موضع جزم بالشرط. والأصل فإما تريي ، زيدت النون توكيدا ، وصلح ذلك في الخبر لدخول «ما» ، وحكى سيبويه (١) ، «بألم ما تختننّه» (٢) ولو نطق به بغير نون لكان «فإما ترى» فلمّا زدت النون رددته إلى أصله وكسرت الياء لالتقاء الساكنين ، وكانت الكسرة أولى للفرق بين المذكّر والمؤنّث ثم خفّفت الهمزة فألقيت حركتها على الراء وحذفت فصار ترين. (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) مشتق من آنس إذا علم وأبصر ، والانسيّ مبصر معلوم به والجمع «أناسي» ، تزاد الألف ثالثة ، كما يعمل في المجموع فتقول : بختيّ وبخاتيّ وذلك كثير معروف.

(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ) في موضع الحال.

(يا أُخْتَ هارُونَ) نداء مضاف. والأصل أخوة يدلّ على ذلك أخوات وقال محمد بن يزيد : حذفت الواو فرقا بين المتشبّث وغير المتشبّث. ولا نعلم أحدا سبق أبا العباس إلى هذا القول مع حسنه وجودته. وزعم الفراء أنه إنما ضمّت الهمزة في قولهم أخت وكسرت الباء في قولهم : بنت للفرق بين ما حذفت منه الواو وبين ما حذفت منه الياء فالضمة علم الواو والكسرة علم الياء. وذكر محمد بن يزيد أن هذا القول خطأ. قال أبو جعفر : في قوله : «يا أخت هارون» قولان للعلماء : أحدهما أن هارون كان رجلا صالحا فقالوا يا أخت هارون أي يا شبيهته في الصّلاح ، وإنما المؤمنون إخوة من هذا ، وآخى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بين أصحابه. وروى جعفر عن سعيد بن جبير أنه كان رجل فاسق يقال له هارون فقالوا لها : يا أخت هارون. قال أبو جعفر : والقول الأول أولى لأن فيه حديثا مسندا.

__________________

(١) انظر الكتاب ٣ / ٥٨٠.

(٢) ورد المثل في خزانة الأدب ١١ / ٤٠٣ ، ومجمع الأمثال ١ / ١٠٧ ، والمعنى : لا يكون الختان إلا بألم ، أي إنّ الخير لا يدرك إلا باحتمال المشقّة.

١٠

(قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) فيه ثلاثة أقوال : أحدها أن تكون «كان» زائدة ونصب (صَبِيًّا) على الحال ، والعامل فيه الاستقرار ، وقيل : «كان» بمعنى وقع نصب صبيّ على الحال إلّا أن العامل فيه كان ، والقول الثالث قول أبي إسحاق. قال :

من للشرط ، والمعنى : من كان في المهد صبيا فكيف نكلّمه؟ قال : كما تقول : من كان لا يسمع ولا يبصر فكيف أخاطبه؟ قال أبو جعفر : وإنما احتاج النحويون إلى هذه التقديرات ؛ لأن الناس كلّهم كانوا في المهد صبيانا ولا بد من أن يبيّن عيسى صلى‌الله‌عليه‌وسلم بشيء منهم وقد حكى سيبويه زيادة كان ، وأنشد : [الوافر]

٢٨٤ ـ فكيف إذا مررت بدار قوم

وجيران لنا كانوا كرام (١)

وحكى النحويون : ما كان أحسن زيدا وقالوا على إلغاء كان.

(قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ) في معناه قولان : أحدهما قدّر أن يؤتينيه ، والآخر أنّ الله جلّ وعزّ أكمل عقله وآتاه الكتاب وجعله نبيا وهو في المهد. قال قتادة : في المهد أي في الحجر.

(وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما) مشتقّ من البركة وهو الثبوت على الخير. وكان ثابتا على الخير مشبا ، كما قال عمرو بن قيس : معنى «وجعلني مباركا» معلّما مؤدبا. وبيّن هذا ما رواه شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلميّ عن عثمان عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وروى عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «خيركم من علم القرآن وعلّمه» (٢) وروى شريك عن عاصم بن أبي النجود عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «خيركم من علم القرآن وأقرأه». (وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ) قال أبو إسحاق : «الزكاة» الطهارة ، وقال غيره وأوصاني بالزكاة أن أؤدّيها إذا وجبت علي وآمر بها ، (ما دُمْتُ حَيًّا) خبر دمت وعلى الحال عند الفراء.

(وَبَرًّا بِوالِدَتِي) قال الكسائي : هو نسق على مبارك أي وجعلني برا. وقرأ ابن

__________________

(١) مرّ الشاهد رقم (٨١).

(٢) أخرجه الترمذي في سننه ـ فضائل القرآن ١١ / ٣٢ ، وابن ماجة في سننه ـ المقدمة الحديث ٢١١ ، ٢١٢ ، وأبو داود في سننه حديث رقم (١٤٥٢).

١١

نهيك وبرّ بوالدتي بمعنى وأوصاني بالصلاة والزكاة وبرّ بوالدتي.

(وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) آخر كلام عيسى عليه‌السلام فلمّا تكلّم في حجر أمّه ظهرت لهم الآية.

(ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِ) قال الكسائي : «قول الحقّ» نعت ، وقال أبو حاتم : المعنى هو قول الحق ، وقيل : التقدير هذا الكلام قول الحق. وقرأ عاصم وعبد الله بن عامر (قَوْلَ الْحَقِ) بالنصب. قال الفراء (١) : بمعنى حقّا. قال أبو إسحاق : هو مصدر أي أقول قول الحق ؛ لأن ما قبله يدلّ عليه.

(ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ أَنْ) في موضع رفع اسم كان (مِنْ وَلَدٍ) في موضع نصب و «من» زائدة للتوكيد ، وحقيقة هذا أنك إذا قلت : ما اشتريت فرسا ، جاز أن يكون المعنى أنك ما اشتريت شيئا البتة ، وجاز أن يكون المعنى أنك اشتريت أفراسا.

فإذا قلت : ما اشتريت فرسين ، جاز فيه ثلاثة أوجه : منها أن يكون لم تشتر شيئا ، وجاز أن تكون اشتريت واحدا ، وجاز أن تكون اشتريت أكثر من اثنين. فإذا قلت : ما اشتريت من فرس صار المعنى أنك لم تشتر من هذا الجنس شيئا البتة. (سُبْحانَهُ) مصدر (فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (٢) قراءة الجماعة ، وقرأ ابن عامر الشامي فيكون.

(وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) قراءة أهل المدينة وقراءة أهل الكوفة و «إنّ» (٣) بكسر الهمزة على أنه مستأنف ، وفي الفتح أقوال : فمذهب الخليل وسيبويه رحمهما‌الله أن المعنى ولأن «ربّي وربّكم» ، وكذا عندهما (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا) [الجنّ : ١٨] فإنّ في موضع نصب عندهما ، وأجاز الفراء (٤) أن يكون في موضع خفض على حذف اللام ، وأجاز أيضا أن يكون في موضع خفض بمعنى «وأوصاني بالصلاة والزكاة وبأن الله ربي وربكم» ، وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بمعنى «والأمر أن الله ربي وربكم» ،

__________________

(١) انظر معاني الفراء ٢ / ١٦٨.

(٢) انظر تيسير الداني ١٢١.

(٣) انظر تيسير الداني ١٢١ وهي قراءة ابن عامر والكوفيين.

(٤) انظر معاني الفراء ٢ / ١٦٨.

١٢

وفيها قول خامس حكى أبو عبيد أن أبا عمرو بن العلاء قاله ، وهو أن يكون المعنى :

وقضى أنّ الله ربّي وربكم.

(أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا) مبني على السكون لأن لفظه لفظ الأمر ومعناه معنى التعجّب : ما أسمعهم وما أبصرهم!

(وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) قد ذكرناه وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : ما من أحد يدخل النار إلّا وله بيت في الجنة فيتحسّر عليه ، وقيل : تقع الحسرة إذا أعطي كتابه بشماله. وأن معنى : (إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ) عرّف كلّ إنسان ما له وما عليه ، وقيل : التقدير :

وأنذرهم خبر يوم الحسرة إذ قضي الأمر فخبّر أنّهم معذّبون.

(إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا) خبر «كان» و «نبيّا» من نعته ، ويجوز أن يكون خبرا ثانيا ، وأن يكون حالا من المضمر.

قال أبو إسحاق : الوقف إذ قال لأبيه يا أبه بالهاء لأنها هاء تأنيث ، وقال أبو الحسن بن كيسان : الوقف بالتاء لأنه مضاف إلى ما لا ينفصل ، كما تقول : هذه نعمتي. قال أبو جعفر : وقد ذكرنا (١) هذا في سورة «يوسف» بأكثر من هذا. قال الكسائي : عصيّ وعاصي واحد.

(قالَ أَراغِبٌ) رفع بالابتداء ، و «أنت» فاعل سدّ مسدّ الخبر ، كما تقول : أقائم أنت؟ وحسن الابتداء بالنكرة لما تقدمها.

(قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ) صلح الابتداء بالنكرة لأن فيها معنى المنصوب وفيها في هذا الموضع معنى التفرّق والترك ، ومثله (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) [الفرقان : ٦٣].

(سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) أي إن أسلمت وتبت. (إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا) قال علي بن أبي

__________________

(١) انظر إعراب الآية ٤ : يوسف.

١٣

طلحة عن ابن عباس رضي الله عنه : أي لطيفا. قال الكسائي : قال : حفي به حفاوة وحفوة. وقال الفراء (١) : «إنه كان بي حفيا» أي عالما يجيبني إذا دعوته. قال أبو إسحاق : ويقال : قد تحفّى فلان بفلان حفوة إذا ألطفه وبرّه.

(وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) «ما» في موضع نصب لأنها معطوفة أي واعتزل ما تدعون.

(وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ) أي قول صدق ، كما قال أعشى باهلة : [البسيط]

٢٨٥ ـ إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها

من علو لا عجب فيها ولا سخر (٢)

وأنّث اللسان في هذا البيت ، وهي لغة معروفة ، وإن كان القرآن قد جاء بالتذكير.

قال جلّ وعزّ (عَلِيًّا) وهو نعت للسان ، وقال الآخر : [الوافر]

٢٨٦ ـ ندمت على لسان فات منّي

فليت بيانه في جوف عكم (٣)

(وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا) مشتقّ من الرّضوان ، والأصل مرضوّ عند سيبويه أبدل من الواو ياء ؛ لأنها أخفّ ، وكذا مسنيّة وإنما أبدل من الواو ياء لأنها قبلها ضمة والساكن ليس بحاجز حصين ، وقال الكسائي والفراء (٤) من قال : مرضي بناه على رضيت. قالا :

وأهل الحجاز يقولون : مرضو ، وفيه قول ثالث حكاه الكسائي والفراء (٥) قالا : من العرب من يقول : رضوان ورضيّان فرضوان على مرضو ورضيّان على مرضي ، ولا يجيز البصريون أن يقال إلّا رضوان وربوان. قال أبو جعفر : سمعت أبا إسحاق يقول :

يخطئون في الخطّ فيكتبون ربا بالياء ثم يخطئون فيما هو أشدّ من هذا فيكتبون ربيان ، ولا يجوز إلّا ربوان ورضوان قال الله جلّ وعزّ (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ) [الروم : ٣٩].

__________________

(١) انظر معاني الفراء ٢ / ١٦٩.

(٢) الشاهد لأعشى باهلة في إصلاح المنطق ٢٦ ، والأصمعيات ٨٨ ، وجمهرة اللغة ٩٥٠ ، وخزانة الأدب ٦ / ٥١١ ، وسمط اللآلي ٧٥ ، وشرح المفصّل ٤ / ٩٠ ، ولسان العرب (سخر) و (لسن) ، والمؤتلف والمختلف ١٤ ، وبلا نسبة في خزانة الأدب ١ / ١٩١ ، ولسان العرب (علا).

(٣) الشاهد للحطيئة في ديوانه ١٢٢ ، وتخليص الشواهد ٢٩٢ ، وخزانة الأدب ٤ / ١٥٢ ، وشرح شواهد الإيضاح ٥٠٣ ، ولسان العرب (عكم) ، و (لسن) ، ونوادر أبي زيد ٣٣ ، وبلا نسبة في خزانة الأدب ١٠ / ٢٤٤.

(٤) انظر معاني الفراء ٢ / ١٦٩.

(٥) انظر معاني الفراء ٢ / ١٦٩.

١٤

(وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا) نصب على الحال. قال الفراء : نجيّ مثل جليس قال : ونجيّ ونجوى يكونان اسمين ومصدرين.

(وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ) بدل من الأخ ولم ينصرف لأنه معرفة عجمي ، وكذا إدريس عليه‌السلام.

(خَرُّوا سُجَّداً) على الحال. (وَبُكِيًّا) عطف عليه وقيل هو مصدر أي وبكوا بكيا.

ويقال : بكى يبكي بكاء وبكي وبكيّا إلّا أن الخليل رحمه‌الله قال : إذا قصرت البكاء فهو مثل الحزن أي ليس معه صوت. قال : [الوافر]

٢٨٧ ـ بكت عيني وحقّ لها بكاها

وما يغني البكاء ولا العويل (١)

(فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) الغيّ في اللغة الخيبة. قال أبو جعفر : وقد ذكرناه.

(إِلَّا مَنْ تابَ) في موضع نصب على الاستثناء. قال أبو إسحاق : ويجوز أن يكون المعنى لكن من تاب. (فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً).

(جَنَّاتِ عَدْنٍ) على البدل. قال أبو إسحاق : ويجوز جنّات عدن» على الابتداء.

قال أبو حاتم : ولو لا الخطّ لجاز جنّة عدن ، لأن قبله يدخلون الجنة. (إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) قال الكسائي : أي يؤتى إليه ويصار ، وزعم القتبيّ (٢) : أنّ مأتيا بمعنى آت ومائتي مهموز لأنه من أتى يأتي ومن خفّف الهمزة جعلها ألفا.

__________________

(١) الشاهد لحسان بن ثابت في جمهرة اللغة ١٠٢٧ ، وليس في ديوانه ، ولعبد الله بن رواحة في ديوانه ص ٩٨ ، وتاج العروس (بكى) ، ولكعب بن مالك في ديوانه ص ٢٥٢ ، ولسان العرب (بكا) ، ولحسان أو لكعب أو لعبد الله في شرح شواهد الشافية ص ٦٦ ، وبلا نسبة في أدب الكاتب ص ٣٠٤ ، ومجالس ثعلب ١٠٩ ، والمنصف ٣ / ٤٠.

(٢) القتبيّ : هو ابن قتيبة ، انظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ٢٧٤.

١٥

(لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً) قال الأخفش سعيد : وهذا على الاستثناء الذي ليس من الأول ، قال : وإن شئت كان بدلا أي لا يسمعون إلا سلاما. (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا) ظرفان. قال أبو إسحاق : أي يقسم لهم في هذين الوقتين ما يحتاجون إليه في كلّ ساعة. قال الأخفش : أي على مقادير الغداة والعشيّ مما في الدنيا لأنه ليس هناك ليل ولا نهار إنما هو نور العرش.

قال الأخفش : (لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا) أي قبل أن نخلق (وَما خَلْفَنا) ما يكون بعد الموت. (وَما بَيْنَ ذلِكَ) مذ خلقنا.

(فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ) الأصل اصتبر فثقل الجمع بين التاء والصاد لاختلافهما فأبدل من التاء طاء ، كما تقول من الصوم : اصطام.

قرأ أهل الكوفة إلا عاصما وأهل مكة وأبو عمرو وأبو جعفر أولا يذكر الإنسان (١) وقرأ شعبة ونافع وعاصم (أَوَلا يَذْكُرُ) بالتخفيف ، وفي حرف أبيّ أولا يتذكّر وهذه القراءة على التفسير لأنها مخالفة لخطّ المصحف ؛ لأن الأصل في يذّكّر يتذكر فأدغمت التاء في الذال. ومعنى يتذكّر : يتفكّر ، ومعنى يذكر يتنبّه ويعلم.

(فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ) عطف على الهاء والميم والشياطين الذين أغووهم (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا) (٢) نصب على الحال. والأصل جثوّ أبدل من الواو ياء ؛ لأنها ظرف ، والجمع بابه التغيير. ومن قال : جثيّ أتبع الكسرة الكسرة.

وهذه آية مشكلة في الإعراب لأن القراء كلّهم يقرءون (أَيُّهُمْ) بالرفع إلّا

__________________

(١) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤١٠ ، والبحر المحيط ٦ / ١٩٥ ، وهذه قراءة أبي بحرية والحسن وشيبة وابن أبي ليلى وابن مناذر وأبي حاتم.

(٢) انظر تيسير الداني ١٢١.

١٦

هارون القارئ ، فإن سيبويه حكى عنه ثمّ لننزعنّ من كلّ شيعة أيّهم (١) بالنصب أوقع على أيّهم لننزعنّ. قال أبو إسحاق : في رفع «أيّهم» ثلاثة أقوال : قال الخليل بن أحمد ـ حكاه عنه سيبويه (٢) ـ إنه مرفوع على الحكاية ، والمعنى عنده : ثم لننزعنّ من كلّ شيعة الذي يقال من أجل عتوّه أيّهم أشدّ على الرحمن عتيّا ، وأنشد الخليل : [الكامل]

٢٨٨ ـ ولقد أبيت من الفتاة بمنزل

فأبيت لا حرج ولا محروم (٣)

أي فأبيت بمنزلة الذي يقال له : لا هو حرج ولا محروم. قال أبو جعفر : ورأيت أبا إسحاق يختار هذا القول ويستحسنه ، قال : لأنه بمعنى قول أهل التفسير ، وزعم أن معنى «ثم لننزعنّ من كلّ شيعة» ثم لننزعنّ من كلّ فرقة الأعتى فالأعتى ، كأنه يبدأ بالتعذيب بأشدهم عتيا ثمّ الذي يليه. وهذا نص كلام أبي إسحاق في معنى الآية. وقال يونس : لننزعن بمنزلة الأفعال التي تلغى فرفع «أيّهم» بالابتداء. وقال سيبويه (٤) : «أيّهم» مبني على الضم لأنها خالفت أخواتها في الحذف لأنك لو قلت : رأيت الذي أفضل منك ، ومن أفضل ، كان قبيحا حتى تقول : من هو أفضل ، والحذف في أيّهم جائز. قال أبو جعفر : وما علمت أن أحدا من النحويين إلّا وقد خطّأ سيبويه في هذا. سمعت أبا إسحاق يقول : ما يبين لي أنّ سيبويه غلط في كتابه إلّا في موضعين هذا أحدهما ، قال :

وقد علمنا سيبويه أنه أعرب «أيّا» وهي منفردة ؛ لأنها تضاف فكيف يبنيها وهي مضافة؟ ولم يذكر أبو إسحاق فيما علمت إلا هذه الثلاثة الأقوال. قال أبو جعفر : وفيه أربعة أقوال سوى هذه الثلاثة الأقوال التي ذكرها أبو إسحاق ، قال الكسائي : لننزعنّ واقعة على المعنى كما تقول : لبست من الثياب ، وأكلت من الطعام ، ولم يقع لننزعن على أيّهم فينصبها. وقال الفراء : المعنى ثم لننزعن بالنداء. ومعنى لننزعن لننادين إذا كان معناه لننزعن بالنداء. قال أبو جعفر : وحكى أبو بكر بن شقير أنّ بعض الكوفيين يقول :

في أيّهم معنى الشرط والمجازاة ، فلذلك لم يعمل فيها ما قبلها ، والمعنى ثم لننزعن من كلّ فرقة إن تشايعوا أو لم يتشايعوا كما تقول : ضربت القوم أيّهم غضب ، والمعنى : إن غضبوا أو لم يغضبوا ، فهذه ستة أقوال ، وسمعت علي بن سليمان يحكي عن محمد بن يزيد قال : أيّهم متعلّق بشيعة فهو مرفوع لهذا ، والمعنى : ثم لننزعن من الذين تشايعوا

__________________

(١) انظر البحر المحيط ٦ / ١٩٦ ، ومختصر ابن خالويه ٨٦.

(٢) انظر الكتاب ٢ / ٤٢٠.

(٣) الشاهد للأخطل في ديوانه ٦١٦ ، والكتاب ٢ / ٨١ ، وتذكرة النحاة ٤٤٧ ، وخزانة الأدب ٣ / ٢٥٤ ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٤٨٨ ، وشرح المفصّل ٣ / ١٤٦ ، ولسان العرب (ضمر) ، وبلا نسبة في الإنصاف ١ / ٧١٠ ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٨٠ ، وشرح المفصّل ٧ / ٨٧.

(٤) انظر الكتاب ٢ / ٤٢٠.

١٧

أيهم ، أي من الذين تعاونوا فنظروا أيّهم أشدّ على الرحمن عتيا. وهذا قول حسن. وقد حكى الكسائي : إنّ التشايع التعاون ، «عتيا» على البيان.

(وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) قد ذكرنا فيه أقوالا : قال خالد بن معدان : إذا دخل أهل الجنة قالوا : يا ربنا إنك وعدتنا أن نرد النار ، فيقال لهم : إنكم وردتموها وهي خامدة.

قال أبو جعفر : ومن أحسن ما قيل فيه ، أعني في الآية ـ أن المعنى : وإن منكم إلّا وارد القيامة لأن الله جلّ وعزّ قال في المؤمنين : (لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها) [الأنبياء : ١٠٨] ، وقال جلّ ثناؤه : (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [المائدة : ٦٩ والأنعام : ٤٨] ودلّ على أنّ المضمر للقيامة (فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ) فالحشر إنما هو في القيامة ثم قال جلّ وعزّ : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا) واسم كان فيها مضمر أي كان ورودها. فأما (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا) فالإضمار للنار لأنها في القيامة فكنى عنها لمّا كانت فيها. وهذا من كلام العرب الفصيح الكثير. وقرأ عاصم الجحدري ومعاوية بن قرة (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا) (١) بفتح الثاء ، وقرأ ابن أبي ليلى ثمة (٢) :

«ثم» ظرف إلّا أنه مبني لأنه غير محصّل فبني كما بني «ذا» والهاء يجوز أن تكون لبيان الحركة فتحذف لأن الحركة في الوصل بيّنة ، ويجوز أن تكون لتأنيث البقعة فتثبت في الوصل تاءا.

(خَيْرٌ مَقاماً) منصوب على البيان ، وكذا (نَدِيًّا) وكذا (أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً) فيه خمس قراءات (٣) : قرأ أهل المدينة وريّا بغير همز ، وقرأ أهل الكوفة وأبو عمرو (وَرِءْياً) بالهمز ، وحكى يعقوب أنّ طلحة قرأ وريا بياء واحدة مخفّفة وروى سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس هم أحسن أثاثا وزيّا بالزاي فهذه أربع قراءات ، قال أبو إسحاق ويجوز هم أحسن أثاثا وريئا بياء بعدها همزة. قال أبو جعفر : قراءة أهل المدينة في هذا حسنة ، وفيها تقديران : أحدهما أن يكون «من رأيت» ثم خففت الهمزة فأبدل منها ياء وأدغمت الياء. وكذا هذا حسنا لتتّفق رؤوس الآيات

__________________

(١) انظر البحر المحيط ٦ / ١٩٨.

(٢) انظر البحر المحيط ٦ / ١٩٨.

(٣) انظر البحر المحيط ٦ / ١٩٨ ، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤١١ ، ومعاني الفراء ٢ / ١٧١ ، والمحتسب ٢ / ٤٣.

١٨

لأنها غير مهموزات وعلى هذا قال ابن عباس : الريّ المنظر. والمعنى : هم أحسن أثاثا ولباسا ، والوجه الثاني أن يكون المعنى أنّ جلودهم مرتوية من النعمة فلا يجوز الهمز لأنه مصدر من رويت ريّا ، وفي رواية ورش : وريّا ، ومن رواه عنه ورئيا بالهمز فهو يكون على الوجه الأول. وقراءة أهل الكوفة وأبي عمرو من رأيت على الأصل وقراءة طلحة بن مصرف وريا بياء واحدة مخفّفة أحسبها غلطا ، وقد زعم بعض النحويين أنه كان أصلها ورئيا ثم حذفت الهمزة والزيّ الهيأة : والقراءة الخامسة على قلب الهمزة. حكى سيبويه راء بمعنى رأى.

(قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا) قيل : المعنى : فليعش ما شاء فإنّ مصيره إلى الموت والعذاب. (حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ). قال أبو إسحاق : هذا على البدل من «ما» والمعنى : حتّى إذا رأوا العذاب أو الساعة.

(أَطَّلَعَ الْغَيْبَ) ألف الاستفهام وفيه معنى التوبيخ ، وحذفت ألف الوصل لأنه قد استغني عنها.

(وَيَأْتِينا فَرْداً) على الحال.

فيه تقديران : أحدهما أن يكون «من» في موضع رفع البدل من الواو أي لا يملك الشفاعة إلا من اتّخذ ، والتقدير الآخر : أي يكون من في موضع نصب استثناء ليس من الأول. والمعنى : لكن من اتّخذ عند الرحمن عهدا بأنّه يشفع له ، والمعنى عند الفراء (١)

لا يملكون الشفاعة إلا لمن اتّخذ عند الرحمن عهدا ، ليس أنّ اللام مضمرة ولكن المعنى عنده على هذا.

قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم (وَلَداً) بفتح الواو واللام ، وقرأ سائر

__________________

(١) انظر معاني الفراء ٢ / ١٧٢.

١٩

الكوفيين ولدا بضم الواو وإسكان اللام. وفرّق أبو عبيد بينهما : فزعم أن الولد يكون للأهل والولد جميعا. قال أبو جعفر : وهذا قول مردود عليه لا يعرفه أحد من أهل اللغة ، ولا يكون الولد والولد إلّا لولد الرجل وولد ولده إلّا أن ولدا أكثر في كلام العرب ، كما قال النابغة : [البسيط]

٢٨٩ ـ مهلا فداء لك الأقوام كلّهم

وما أثمّر من مال ومن ولد (١)

قال أبو جعفر : وسمعت محمد بن الوليد يقول : يجوز أن يكون ولد جمع ولد ، كما يقال : وثن ووثن وأسد وأسد ، ويجوز أن يكون ولد وولد جمعا بمعنى واحد ، كما يقال : عجمّ وعجم وعرب وعرب.

وقرأ أبو عبد الرحمن بفتح الهمزة ، ويجوز شيئا أادّا كما تقول : رادّا ، يقال ؛ أدّ يؤدّ أدّا فهو أادّ ، والاسم الأدّ إذا جاء بشيء عظيم منكر.

(تَكادُ السَّماواتُ) على تأنيث الجماعة ويكاد على تذكير الجمع ينفطرن (٢) بالياء والنون قراءة أبي عمرو وعاصم وحمزة ، وقرأ الأعمش والحسن ونافع والكسائي (يَتَفَطَّرْنَ) (٣) بالياء والتاء والأولى اختيار أبي عبيد ، واحتجّ بقوله جلّ وعزّ (إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ) [الانفطار : ١] ولم يقل : تفطّرت. قال أبو جعفر : يتفطّرن بالياء والتاء في هذا الموضع أولى لأن فيه معنى التكثير فهو أولى لأنهم كفروا فكادت السموات تتشقّق فتسقط عليهم عقوبة بما فعلوه. (وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا) مصدر لأن معنى تخرّ تهدّ.

(أَنْ) في موضع نصب عند الفراء (٤) بمعنى لأن دعوا ومن أن دعوا وزعم الفراء أن الكسائي قال : هي في موضع خفض.

لأن الله جلّ وعزّ لا يشبهه شيء ، وولد الرجل يشبهه.

__________________

(١) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ٢٦ ، والأشباه والنظائر ٧ / ٩٠ ، وخزانة الأدب ٦ / ١٨١ ، ولسان العرب (فدي) ، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٦ / ٢٣٧ ، وشرح المفصّل ٤ / ٧٣.

(٢) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤١٢. والبحر المحيط ٦ / ٢٠٥.

(٣) انظر البحر المحيط ٦ / ٢٠٥.

(٤) انظر معاني الفراء ٢ / ١٧٣.

٢٠