تراثنا ـ العددان [ 75 و 76 ] - ج ٧٥ و ٧٦

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العددان [ 75 و 76 ] - ج ٧٥ و ٧٦

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٤٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤   الجزء ٥   الجزء ٦ الجزء ٧-٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠ الجزء ٢١ الجزء ٢٢ الجزء ٢٣ الجزء ٢٤ الجزء ٢٥ الجزء ٢٦ الجزء ٢٧ الجزء ٢٨ الجزء ٢٩ الجزء ٣٠-٣١   الجزء ٣٤ الجزء ٣٥-٣٦ الجزء ٣٧ الجزء ٣٨-٣٩ الجزء ٤١ ـ ٤٢ الجزء ٤٣-٤٤ الجزء ٤٥ - ٤٦ الجزء ٤٧ - ٤٨ الجزء ٤٩ الجزء ٥٠ - ٥١ الجزء ٥٢ الجزء ٥٣ و ٥٤ الجزء ٥٥ و ٥٦ الجزء ٥٧ الجزء ٥٨ الجزء ٥٩ و ٦٠ الجزء ٦١ الجزء ٦٢ الجزء ٦٣ و ٦٤ الجزء ٦٥ الجزء ٦٦ و ٦٧ الجزء ٦٨ الجزء ٦٩ و ٧٠ الجزء ٧١ و ٧٢ الجزء ٧٣ و ٧٤ الجزء ٧٥ و ٧٦ الجزء ٧٧ و ٧٨ الجزء ٧٩ و ٨٠ الجزء ٨١ و ٨٢ الجزء ٨٣ و ٨٤ الجزء ٨٥ و ٨٦ الجزء ٨٧ و ٨٨

١

محتويات العدد

* تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات (٢٥).

................................................... السيّد علي الحسيني الميلاني ٧

* عدالة الصحابة (١٢).

.......................................................... الشيخ محمّد السند ٦٠

* زواج اُم كلثوم .. قراءة في نصوص زواج عمر من اُم كلثوم بنت عليّ عليه السلام (١).

..................................................... السيّد علي الشهرستاني ١٠٨

* تجلّيات الزهد في «نهج البلاغة».

................................. كاظم حمد المحراث ـ جامعة واسط / العراق ١٥٨

* فهرس مخطوطات مكتبة أمير المؤمنين العامّة / النجف الأشرف (١٥).

........................................ السيّد عبدالعزيز الطباطبائي قدّس سرّه ١٩٤

٢

* مصطلحات نحوية (٢٤).

...................................................... السيّد علي حسن مطر ٢٤٨

* من ذخائر التراث :

* آداب المؤمنين وأخلاقهم ـ للشيخ سليمان بن محمّد الجيلاني التنكابني ، المتوفّى بعد سنة ١١٢٥ هـ.

............................................ تحقيق : الشيخ محمّد مشكور ٢٦٧

* أضواء الدرر الغوالي لإيضاح غصب فدك والعوالي ـ للشيخ حسن بن محمّد بن علي المهلّبي ، المتوفّى سنة ٨٤٠ هـ.

......................................... تحقيق : الشيخ أحمد المحمودي ٣٥١

* من أنباء التراث.

................................................................ هيئة التحرير ٤٢٧

* صورة الغلاف : نموذج من مخطوطة «آداب المؤمنين وأخلاقهم» للشيخ سليمان بن محمّد الجيلاني التنكابني ، المتوفّى بعد سنة ١١٢٥ هـ ، المنشورة في هذا العدد ، ص ٢٦٧ ـ ٣٥٠.

٣
٤

٥
٦

تشييد المـراجَعـات

وتفنيد المكابَـرات

(٢٥)

السيّد عليّ الحسـيني الميلاني

المراجـعة (٦٦)

عليٌّ وارث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم

قال السيّد ـ رحمه الله ـ :

«لا ريب في أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، قد أورث عليّاً من العلم والحكمة ، ما أورث الأنبياء أوصياءهم ، حتّى قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، فمن أراد العلم فليأتِ الباب (١).

وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : أنا دار الحكمة وعليّ بابها.

وقال : عليّ باب علمي ، ومبيّن من بعدي لأُمّتي ما أُرسلت به ، حبّه إيمان ، وبغضه نفاق. الحديث.

وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم ، في حديث زيد بن أبي أوفى (٢)

____________

(١) اوردنا هذا الحديث والحديثين اللذين بعده في المراجعة ٤٨ ، ودونك من تلك المراجعة الحديث ٩ والحديث ١٠ والحديث ١١ ، فراجع ولا تغفل عما علقناه ثمة.

(٢) اوردناه في المراجعة ٣٢.

٧

وأنت أخي ووارثي ، قال : وما أرث منك؟ قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : ما ورث الأنبياء من قبلي.

ونصّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، في حديث بريدة (١) على أنّ وارثه عليّ بن أبي طالب.

وحسبك حديث الدار يوم الإنذار.

وكان علي يقول في حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : والله إنّي لأخوه ، ووليّه ، وابن عمّه ، ووارث علمه ، فمن أحقّ به منّي (٢)؟

وقيل له مرّةً : كيف ورثت ابن عمّك دون عمّك؟ فقال : جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، بني عبد المطلب وهم رهط ، كلّهم يأكل الجذعة ، ويشرب الفرق ، فصنع لهم مدّاً من طعام ، فأكلوا حتّى شبعوا ، وبقي الطعام كما هو كأنّه لم يُمس ، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : يا بني عبد المطلب ، إنّي بُعثت إليكم خاصّة ، وإلى الناس عامّة ، فأيّكم يبايعني على أن يكون أخي ، وصاحبي ، ووارثي؟ فلم يقم إليه أحد ، فقمت إليه ، وكنت من أصغر القوم ، فقال لي : اجلس ، ثمّ قال ثلاث مرّات ، كلّ ذلك أقوم إليه فيقول لي : اجلس ، حتّى كان في الثالثة ، ضرب بيده على يدي ، فلذلك ورثت ابن عمّي دون عمّي (٣).

____________

(١) راجعه في المراجعة ٦٨.

(٢) هذه الكلمة بعين لفظها ثابتة عن علي ، اخرجها الحاكم في صفحة ١٢٦ من الجزء ٣ من المستدرك بالسند الصحيح عي شرط البخاري ومسلم ، واعترف الذهبي في تلخيصه بذلك.

(٣) هذا الحديث ثابت ومستفيض ـ اخرجه الضياء المقدسيي في المختارة ، وابن جرير في تهذيب الاثار ، وهوالحديث ٦٢٥٥ في صفحة ٤٠٨ من الجزء٦ من كنز

٨

وسئل قثم بن العبّاس ـ في ما أخرجه الحاكم في المستدرك (١) ، والذهـبي في تلخيصه ، جازمين بصحّته ـ فقيل له : كيف ورث عليّ رسول الله دونكم؟

فقال : لأنّه كان أوّلنا به لحوقاً ، وأشدّنا به لزوقاً.

قلت : كان الناس يعلمون أنّ وارث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، إنما هو علي ، دون عمّه العبّاس وغيره من بني هاشم ، وكانوا يرسلون ذلك إرسال المسلمّات ، كما ترى ، وإنّما كانوا يجهلون السبب في حصر ذلك التراث بعليّ ، وهو ابن عمّ النبي دون العبّاس ، وهو عمّه ، ودون غيره من بني أعمامه وسائر أرحامه صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ولذلك سألوا عليّاً تارة ، وقثماً أُخرى ، فأجابهم بما سمعت ، وهو غاية ما تصل إليه مدارك أولئك السائلين ، وإلاّ فالجواب : إنّ الله عزّ وجلّ اطّلع إلى أهل الأرض فاختار منهم محمّداً فجعله نبيّاً ، ثمّ اطّلع ثانية فاختار عليّاً ، فأوحى إلى نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم : أن يتّخذه وارثاً ووصيّاً.

قال الحاكم ـ في ص ١٢٥ ج ٣ من المستدرك ، بعد أن أخرج عن قثم ما سمعته ـ : حدّثني قاضي القضاة أبو الحسن محمّد بن صالح الهاشمي ، قال : سمعت أبا عمر القاضي ، يقول : سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي ، يقول : وقد ذكر له قول قثم هذا ، فقال : إنّما يرث الوارث بالنسب ، أو

____________

العمال ، واخرجه النسائي في ص ١٨ من الخصائص العلوية ، ونقله ابن ابي الحديد عن تاريخ الطبري في اواخر شرح الخطبة القاصعة ص ٢٥٥ ج ٣ من شرح النهج ، ودونك ص ١٥٩ ج ١ من مسند الامام احمد بن حنبل ، تجد الحديث بالمعني.

(١) ص ١٢٥ ج ٣ ، واخرجه ابن ابي شبية ايضا ، وهو الحديث ٦٠٨٤ في ص ٤٠٠ ج ٦ من كنز العمّال.

٩

بالولاء ، ولا خلاف بين أهل العلم أن ابن العمّ لا يرث مع العمّ (قال) فقد ظهر بهذا الإجماع أنّ عليّاً ورث العلم من النبي دونهم. انتهى.

قلت : والأخبار في هذا متواترة ، ولا سيّما من طريق العترة الطاهرة. وحسبنا الوصيّة ونصوصها الجليّة».

فقيل :

«زعم الموسوي أنّ عليّاً وارث النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ، وفسّر الوراثة هنا بالخلافة من بعده ، واستدلّ على ذلك بأحاديث.

١ ـ «أنا مدينة العلم وعليّ بابها» ، و «أنا دار الحكمة وعليّ بابها». لقد سبق الكلام ببيان ضعفهما في ردّنا على المراجعة رقم ٤٨. وقال الذهبي في تلخيصه : «موضوع».

٢ ـ حديث : «أنت أخي ووارثي ...».

لقد سبق الكلام عليه في الردّ على المراجعة رقم ٣٢ ، وبيّنا أنه لا خصوصيّة في ذلك لعليّ رضي الله عنه ، لأنّ الصحابة كلّهم قد ورثوا عن النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم الكتاب والسنّة ، حالهم في ذلك حال عليّ رضي الله عنه.

٣ ـ أمّا حديث بريدة : «لكلّ نبيّ وصيّ ووارث ... الحديث» ، فهو حديث ضعيف بسبب محمّد بن حميد الرازي ، وسيأتي الكلام عليه في المراجعة رقم ٦٨.

أمّا قول عليّ في حياة رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم : «والله إنّي لأخوه ووليه وابن عمّه ووارث علمه فمن أحقّ به منّي».

فجوابه أنّ الموسوي قد اجتزأ هذا الجزء من كلام عليّ رضي الله

١٠

عنه ، فأوهم القارئ بأنّه حديث مستقلّ ، وجعله دليلاً على مذهبه ، وحَمَّله ما لا يحتمل ، وهذا ديدن الرافضة مع كلّ دليل.

والرواية التي في المستدرك تؤكّد هذه الحقيقة ، وتوضّح أنها لا تصلح دليلاً على مذهب هذا الرافضي.

ونصّ الرواية في المستدرك ٣ / ١٢٦ : «عن ابن عبّاس رضي الله عنهما ، قال : كان عليّ يقول في حياة رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم إنّ الله يقول : (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) (١) والله لا ننـقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ، والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتّى أموت ، والله إنّي لأخوه ووليّه وابن عمّه ووارث علمه ، فمن أحقّ به منّي».

إنّ من أمعن النظر في هذه الرواية يجد أنّ الإمام عليّ رضي الله عنه يصرّح بإيمانه الذي لا يتزعزع ، وثباته على الحقّ الذي جاء به النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ، وأنّه لن يتخلّى عنه في حياة النبيّ ولا في مماته ، وأنّه سيدفع عن هذا الدين ويقاتل دونه بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ، كما هو الحال في حياته عليه الصلاة والسلام ، متمثّلاً الآية التي ساقها أوّل كلامه ، وأنّه أوْلى من غيره في هذا كلّه ، لِما بينه وبين النبي صلّى الله عليه [وآله] وسلّم من صلات تميّزه عن غيره من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

ولو سلّمنا بدعوى الموسوي في هذا الخبر عن عليّ ، للزم من ذلك تخاذل عليّ عن قتال الشيخين أبي بكر وعمر عندما وليا الخلافة قبله ، وكذا

____________

(١) سورة آل عمران ٣ : ١٤٤.

١١

عثمان رضي الله عنه. فتأمّل هذا.

٥ ـ أمّا حديث : «جمع رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم بني عبد المطلب وهم رهط ...».

فقد مضى الحديث عليه في الردّ على المراجعة رقم ٢٠ ، وبيّنّا كذبه. أمّا ما أخرجه الحاكم في المستدرك عن شريك بن عبد الله ، عن أبي إسحاق ، قال : سألت قثم بن العبّاس كيف ورث عليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دونكم ، قال : لأنّه كان أوّلنا به لحوقاً ، وأشدّنا به لزوقاً.

فليس فيه وجه استدلال على مدّعى الموسوي بحال ، لأنّ المقصود بالميراث هنا إنّما هو ميراث العلم فقط ، ولا يصحّ حمله على المال ، لقوله عليه الصلاة والسلام : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» ، ولو جاز ذلك فليس لعليّ من ميراث النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم شيئاً لأنّه محجوب بعمّه العبّاس.

كما لا يصحّ حمله على الولاية والخلافة من بعده ، لأنّها لا تُستحقّ بالوراثة بالاتّفاق.

فإذا لم يصحّ حمله على الوجهين السابقين ، كان لا بُدّ من حمله على الوراثة في العلم ، ويؤيّد هذا الرواية الأُخرى التي أخرجها الحاكم ٣ / ١٢٥ : «إنّما يرث الوارث بالنسب أو بالولاء ، ولا خلاف بين أهل العلم أنّ ابن العمّ لا يرث مع العمّ ، فقد ظهر بهذا الاجماع أنّ عليّاً ورث العلم من النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم دونهم».

وعند ذلك لا تكون هذه صفة خاصّة بعليّ رضي الله عنه ، بل كلّ أصحابه حصل له نصيب من العلم بحسبه ، فقد يرث الواحد من الناس من العلم ما ورثه الآخر ، وقد يزيد عليه ، كعليّ بن أبي طالب ، حيث ورث من

١٢

العلم أكثر ممّا ورثه غيره من آل البيت ، بحسب منطوق هذه الروايات».

أقول :

أمّا أنّ عليّاً عليه السلام وارث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فهذا هو المدّعى في هذه المراجعة ، وعلينا إثباته.

وأمّا أنّ السيّد ـ رحمه الله ـ «فسّر (الوارث) هنا بـ (الخلافة من بعده)» فهذه دعوى عليه ، ولم نجد في كلامه هذا التفسير ...

غير أنّ العِلم من الشروط الأساسية في الخليفة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عند الفريقين ; لأنّ أهل السنّة ـ وأنْ أوكلوا أمر الإمامة والخلافة بعد النبيّ إلى الأُمّة ـ قد اشترطوا في الخليفة المختار أنْ يكون عالماً ..

قال في شرح المواقف : «المقصد الثاني ، في شروط الإمامة : الجمهور على أنّ أهل الإمامة ومستحقّها مَن هو مجتهد في الأُصول والفروع ، ليقوم بأُمور الدين متمكّناً من إقامة الحجج ، وحلّ الشُبه في العقائد الدينية ، مستقلاًّ بالفتوى في النوازل والأحكام الوقائع ، نصّاً واستنباطاً ; لأنّ أهم مقاصد الإمامة : حفظ العقائد ، وفصل الحكومات ، ورفع المخاصمات ، ولن يتمّ ذلك بدون هذا الشرط» (١).

فهل كان عليّ الواجد لهذا الشرط ، حتّى يكون أهلاً للإمامة والخلافة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، أو غيره؟!

____________

(١) شرح المواقف ٨ / ٣٤٩.

١٣

يقول السيّد ـ رحمه الله ـ :

«لا ريب في أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد أورث عليّاً من العلم والحكمة ، ما أورث الأنبياء أوصياءهم ، حتّى قال ...» واستشهد بالأحاديث من كتب أهل السُنّة :

١ و ٢ ـ حديث : أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، وحديث : أنا دار الحكمة وعليّ بابها.

وقد تقدَّم منّا مجمل الكلام على هذين الحديثين ـ في المراجعة ٤٨ ـ وذكرنا هناك أسماء جماعة من الأئمّة والحفّاظ من أهل السنّة ، الّذين أخرجوهما في كتبهم بأسانيدهم ، وأثبتنا صحّتها عندهم باعتراف غير واحد منهم.

وقول المفتري : «قال الذهبي في تلخيصه : موضوع».

يَردّه : إنّه قد أخرج الحاكم حديث : «أنا مدينة العلم» بأسانيد (١) ، فأخرجه أوّلاً بسنده عن أبي الصّلت عبد السلام بن صالح : «ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول الله ...».

ثمّ قال : «وأبو الصلت ثقة مأمون ، فإنّي سمعت أبا العبّاس محمّد بن يعقوب في التاريخ يقول : سمعت العبّاس بن محمّد الدوري يقول : سألت يحيى بن معين عن أبي الصّلت الهروي؟ فقال : ثقة. فقلت : أليس قد حدّث عن أبي معاوية ، عن الأعمش : أنا مدينة العلم؟ فقال : قد حدّث به محمّد بن جعفر الفيدي ، وهو ثقة مأمون ...».

____________

(١) المستدرك علي الصحيحين ٣ / ١٢٦ ـ ١٢٧ كتاب معرفة الصحابة.

١٤

فأقول :

أوّلاً : قد ظهر أنّ النزاع في هذا الحديث بهذا السند ، يعود إلى الخلاف في «أبي الصّلت» ، والحاكم قد وثّقه ، ثمّ استشهد بتوثيق يحيى بن معين.

وثانياً : إنّ جرح الذهبي لا يصلح لأنْ يعارض توثيق يحيى بن معين ، وذلك لوجوه :

١ ـ إنّ يحيى بن معين عندهم من أئمّة الجرح والتعديل ، وقد ترجم له الذهبي نفسه فوصفه بـ : «الإمام الحافظ الجهبذ ، شيخ المحدّثين ... أحد الأعلام ...» وذكر عن الأئمّة في حقّه ما لم يرد في حقّ غيره (١).

٢ ـ إنّ ابن معين كان معاصراً لأبي الصّلت ، فيكون توثيقه شهادةً حسّـية منه له ; فلا يعارضها كلام من تأخّر عنه بقرون ، عن اجتهاد من عنده!

٣ ـ وليته تكلّم فيه عن اجتهاد مبنيّ على أصل ولو فاسد! لكنّه يتكلّم في الرجال تبعاً لهواه ، كما نصّ على ذلك تلميذه السبكي بترجمته من الطبقات .. حتّى قال الحافظ ابن حجر في اللسان بترجمة علي بن صالح الأنماطي متعقبّاً كلام الذهبي فيه : «فينبغي التثبّت في الّذين يضعّفهم المؤلّف من قبله» (٢).

وثالثاً : قد أخرج الحاكم الحديث بسنده عن محمّد بن جعفر الفيدي : «ثنا أبو معاوية ...» ، ثمّ قال مؤكّداً على صحّة الحديث : «ليعلم

____________

(١) سير اعلام النبلاء١١ / ٧١.

(٢) لسان الميزان ٤ / ٢٧٥.

١٥

المستفيد لهذا العلم أنّ الحسين بن فهم بن عبد الرحمن ثقة مأمون حافظ».

أقول :

فهذا السند ليس فيه «أبو الصّلت» ، وراويه : «الحسين بن فهم» وثّقه الحاكم ، وهو حافظ كبير ، من تلامذة يحيى بن معين ، وأمّا «الفيدي» فهو من مشايخ البخاري في صحيحه ، كما ذكر الحافظ وغيره (١).

وهذا السند لم يتكلّم عليه الذهبي في تلخيصه بشيء ، فهو موافق للحاكم فيه ... والحمد لله.

ورابعا : قال الحاكم بعد ذلك : «ولهذا الحديث شاهد من حديث سفيان الثوري ، بإسناد صحيح» فأخرجه بإسناده عن الثوري : «عن عبد الله ابن عثمان بن خثيم ، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي ، قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، فمن أراد العلم فليأتِ الباب».

وأخرج بالإسناد المذكور : قال جابر : «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وهو آخذ بضبع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ـ وهو يقول : هذا أمير البررة ، قاتل الفجرة ، منَصور من نصره ، مخذول من خذله ، ثمّ مدّ بها صوته» ، فقال : «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» (٢).

لكنّ الذهبي تكلّم في «أحمد بن عبد الله بن يزيد الحرّاني».

____________

(١) تهذيب التذهيب ٩ / ٨٤.

(٢) المستدرك علي الصحيحين ٣ / ١٢٩.

١٦

قلت :

ورواية مثل هذا الحديث لا تتحمّله النفوس الأُمويّة ، فحقّ لها أن تطعن راويها.

والمهمُّ : إنّ الحاكم قد أخرج حديث : «أنا مدينة العلم» بأسانيد صحيحة ، وقد وافقه الذهبي على واحد منها ..

فنقول للمفتري :

إنْ كنت مقلِّداً للذهبي ، فإنّه قد وافق الحاكم على سند وخالفه على آخر ، فلماذا أخذت بالمخالفة وسكتَّ عن الموافقة؟

وإن كنت من أهل العلم والتحقيق ، فكان عليك النظر في أسانيد الحديث ودراستها ، ومراجعة كلمات أعلام الفنّ منكم فيها ، كـ : الحافظ جلال الدين السيوطي ، والحافظ العلائي ، والحافظ ابن حجر ، وغيرهم ، الّذين ردّوا بشدّة على القول بوضعه (١).

ثمّ تتخذّ الرأي الصحيح ..

ولكنّك ـ وللأسف ـ رجل جاهلٌ مفتر!!

ثمّ إنّ في هذا المفتري خيانة وتدليساً آخر ، فقد وضع قول الذهبي : «موضوع» بعد الحديثين ، والحال أنّه قال ذلك في حديث : «أنا مدينة العلم» فقط ، وبالنسبة إلى أحد طرقه كما عرفت ، وأمّا حديث : «أنا دار الحكمة» فلم يقل الذهبي ذلك فيه ، كيف؟ وقد أخرجه الترمذي وحسّنه ،

____________

(١) اللالي المصنوعة في الاحاديث الموضوعة ١ / ٣٢٩ ـ ٣٣٤.

١٧

والطبري وصحّحه ، وأخرجه جماعة من الأئمّة ولم يتكلّموا عليه بشيء ، كما تقدّم في المراجعة ٤٨ ; فراجع.

٣ ـ حديث : «عليّ باب علمي ...».

وهذا الحديث قد أغفله المفتري هنا ، فلم يتكلّم عليه بشيء.

أمّا في المراجعة ٤٨ ـ حيث أورده السيّد برقم ١١ ، وأورد بعده الحديث : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ عليه السلام : «أنت تبيّن لأُمّتي ما اختلفوا فيه من بعدي» ـ فقد قال : «١١ ، ١٢ ـ عليّ باب علمي ... الحديث. موضوع ، ذكره الذهبي في ترجمة ضرار بن صرد بلفظ : «عليّ عيبة علمي» ، وقال فيه البخاري : متروك ، وقال يحيى بن معين : كذّابان بالكوفة ، هذا وأبو نعيم النخعي. وكذا حديث رقم ١٢ : «أنت تبيّن لأُمّتي ما اختلفوا فيه من الحقّ» ذكره الذهبي في ترجمة ضرار بن صرد. المستدرك ٣ / ١٢٢».

هذا نصّ كلام هذا الرجل هناك ..

فنقول :

أمّا الحديث : «عليّ باب علمي ...» فقد رواه السيّد عن كنز العمّال عن الديلمي ، عن أبي ذر ، وقد أورده الحافظ السيوطي في سياق أحاديث «أنا مدينة العلم» وغيره ; إذ قال : «وبقي للحديث طرق» ، فأورد بعض الأحاديث ، وكان من جملتها : «وقال الديلمي : أنبأنا أبي ، أنبأنا الميداني ، أنبأنا أبو محمّد الحلاّج ، أنبأنا أبو الفضل محمّد بن عبد الله ، حدّثنا أحمد ابن عبيد الثقفي ، حدّثنا محمّد بن علي بن خلف العطّار ، حدّثنا موسى بن

١٨

جعفر بن إبراهيم بن محمّد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، حدّثنا عبد المهيمن بن العبّاس ، عن أبيه ، عن جدّه سهل بن سعد ، عن أبي ذرّ ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم : «عليّ باب علمي ومبيّنٌ لأُمّتي ما أُرسلت به من بعدي ، حبّه إيمان وبغضه نفاق ، والنظر إليه رأفة» (١).

ورواه السيوطي كذلك في كتابه في مناقب أمير المؤمين عليه السلام ، الذي أسماه بـ : القول الجليّ في فضائل عليّ (٢).

كما رواه جماعة عن الديلمي ، عن أبي ذرّ باللفظ المذكور.

ولم أجد كلاماً من أحد منهم فيه.

وأمّا الحديث : «عليّ عيبة علمي» ، فحديثٌ آخر ، والخلط بينهما تدليس وخيانة .. هذا أوّلاً.

وثانياً : فإنّ هذا الحديث قد أخرجه أبو نعيم الأصفهاني ، وابن عساكر الدمشقي ، وغيرهما من الأعلام ، وقال المناوي بشرحه : «قال ابن دريد : وهذا من كلامه الموجز الذي لم يسبق ضرب المثل به في إرادة اختصاصه بأُموره الباطنة ، التي لا يطّلع عليها أحد غيره ، وذلك غاية في مدح عليّ ، وقد كانت ضمائر أعدائه منطويةً على اعتقاد تعظيمه. وفي شرح الهمزية : إنّ معاوية كان يرسل يسأل عليّاً عن المشكلات فيجيبه ، فقال أحد بنيه : تجيب عدوّك؟ قال : أما يكفينا أن احتاجنا وسألنا؟» (٣).

وثالثاً : إنّ الأصل في ذكر هذا الحديث بترجمة ضرار بن صُرد هو

____________

(١) اللالي المصنوعة في الاحاديث الموضوعة ١ / ٣٣٥.

(٢) القول الجلي في فضائل علي : الحديث رقم ٣٨.

(٣) فيض القدير في شرح الجامع الصغير ٤ / ٣٥٦.

١٩

ابن عدي ، وقد تبعه الذهبي في الميزان (١) ، قال ابن عدي : «حدّثنا أحمد ابن حمدون النيسابوري ، حدّثنا ابن بنت أبي أُسامة ـ هو جعفر بن هذيل ـ حدّثنا ضرار بن صرد ، حدّثنا يحيى بن عيسى الرملي ، عن الأعمش ، عن عباية ، عن ابن عبّاس ، عن النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ، قال : عليّ عيبة علمي.

قال الشيخ : وضرار بن صرد هذا من المعروفين بالكوفة ، وله أحاديث كثيرة ، وهو في جملة من ينسب إلى التشيّع بالكوفة» (٢).

لكنّ الذهبي لم يذكر كلمة ابن عدي هذه في الرجل!

ورابعاً : لقد اختلفت كلمات القوم في ضرار بن صرد ; قال المزّي : «روى عنه البخاري في كتاب أفعال العباد» ، ثمّ ذكر أسماء الرواة عنه من كبار الأئمّة : كـ : أبي حاتم الرازي ، وأبي زرعة الرازي ، ومحمّد بن عثمان ابن أبي شيبة ، ومحمّد بن عبد الله مطيّن ، وأبي بكر زهير بن حرب ، وحنبل بن إسحاق ... وأمثالهم.

قال : «وقال أبو حاتم : صدوق ، صاحب قرآن وفرائض ، يكتب حديثه ولا يحتّج به ، روى حديثاً عن معتمر ، عن أبيه ، عن الحسن ، عن أنس ، عن النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ، في فضيلة لبعض الصحابة ، ينكرها أهل المعرفة بالحديث» (٣).

فنقول للذهبي ولمن يأخذ بقوله هنا لأنّه يوافق هواه :

* لقد ذكرتَ بترجمة أبي حاتم الرازي أنّه إن وثّق أحداً فتمسّك

____________

(١) ميزان الاعتدال ٢ / ٣٢٧.

(٢) الكامل في ضعفاء الرجال ٥ / ١٦١.

(٣) تهذيب الكمال في اسماء الرجال ١٣ / ٣٠٥.

٢٠