🚘

تراثنا ـ العددان [ 66 و 67 ] - ج ٦٦ و ٦٧

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العددان [ 66 و 67 ] - ج ٦٦ و ٦٧

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
🚘 نسخة غير مصححة

١

محتويات العدد

*تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات (٢٠).

................................................... السيّد علي الحسيني الميلاني ٧

*عدالة الصحابة (٧).

.......................................................... الشيخ محمّد السند ٨٠

*الحاوي في رجال الإمامية ـ لابن أبي طيّ الحلبي (٢).

....................................................... الشيخ رسول جعفريان ١٢٢

*فوائد المحقّق الكركي عن بعض المصنّفات.

...................................................... الشيخ محمّد الحسّون ١٦٦

*دليل المخطوطات (١٠) ـ مكتبة مفتي الشيعة.

...................................................... السيّد أحمد الحسيني ٢٠٣

٢

*فهرس مخطوطات مكتبة أميرالمؤمنين العامّة / النجف الأشرف (١٠).

........................................ السيّد عبدالعزيز الطباطبائي قدّس سرّه ٢٥٥

*مصطلحات نحوية (١٩).

...................................................... السيّد علي حسن مطر ٢٨٧

*من ذخائر التراث :

*أصدق الأخبار في قصّة الأخذ بالثأر ـ للسيّد محسن الأمين العاملي (١٢٨٤ ـ ١٣٧١ هـ).

............................................... تحقيق : فارس حسّون كريم ٣٠٧

*من أنباء التراث.

................................................................ هيئة التحرير ٤٣١

*صورة الغلاف : نموذج من مخطوطة كتاب منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال لمصنّفه الميرزا محمّد بن علي بن ابراهيم الاستر آبادي ، المتوفّى سنة ١٠٢٨ هـ ، والذي تقوم مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث بتحقيقه.

٣
٤

٥
٦

تشـييد المـراجَعـات

وتفنيد المكابَـرات

(٢٠)

السـيّد عليّ الحسـيني الميلاني

المبحث الثاني

في الإمامة العامّة وهي الخلافة عن رسول الله

أقـول :

كان المبحـث الأَوّل في : (إمامـة المذهـب) في الأُصول والفروع ، وقـد أورد السـيّد فيه أدلّـةً من الكتاب والسُـنّة على وجوب الرجوع إلى أهـل البـيت عليهم السلام بعـد رسـول الله صـلّى الله علـيه وآله وسلّـم ، فـي القضايا الاعتقادية والأحكام العملية والآداب والسُـنن الشرعية ، وأشار إلى حكم العقـل في الباب ، في نهايـة المراجـعة ١٨ بقوله : «دعنا من نصوصـهم وبيّناتهم ، وانظر إليـهم بقطع النظر عنهما ، فهل تجد فيهم قصـوراً في علم أو عمـلٍ أو تقـوىً عن الإمام الأشـعري أو الأئمّـة الاَربعة أو غيرهم ، وإذا لم يكن فيهم قصور ، فبمَ كان غيرهم أوْلى بالاتّباع وأحقُّ بأنْ يطاع؟!» ..

هذا ، وقد تقرّر عندنا وعند الجمهور قبح تقدُّم المفضول على

٧

الفاضل ، الأمر الذي أذعن به حتّى ابن تيميّة (١).

وعنوان المبحث الثاني : (الإمامة العامّة وهي الخلافة عن رسول الله) وفي هذا العنوان إشارة إلى مطلبين :

* أحدهما : تعريف الإمامـة ؛ فقد اتّفق الفريقان على أنّ الإمامـة رئاسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخصٍ من الأشخاص نيابة عن النبيّ (٢) ...

فالإمامة رئاسة عامّة في أُمور الدين والدنيا ، وزعامة مطلقة في جميع شؤون الأُمّة المادّية والمعنوية ، وهي نيابة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسـلّم ؛ فيكون للإمام كلّ ما كان للنـبيّ من المنازل والحالات والصفات ، إلاّ النـبوّة.

* والآخـر : المرادفـة بـين «الإمامـة العامّـة» و «الخلافـة الكـبرى» و «الولاية المطلقة» ..

فالخليفة عن رسول الله لا بُدّ وأن تتوفّر فيه كلّ ما يعتبر فيه من الصفات والحالات ، وحينئذٍ يجب على الأُمّة الاقتداء به في كلّ الأُمور ، والإطاعة له في كلّ ما يأمـر به أو ينهى عنه ، وتنفذ فيهم جميع تصرّفاته ، ولا يجوز لأحدٍ الاعتراض عليه في شيء من ذلك.

وممّا ذكرنا يظهر أنّ «الحكومة» شأنٌ من شؤون الإمام ، ومن الواجب على أفراد الأُمّة أن يتعاونوا معه في القيام بمهامّها ، لينالوا بذلك

____________

(١) منهاج السُـنّة ٦ / ٤٧٥.

(٢) انظـر من كتب أصحابـنا : مناهج اليقين في أُصول الدين : ٢٨٩ ، النافع يوم الحشر : ٤٤ ، شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام ، وغيرها ..

ومن كتب الجمهور : شـرح المواقف ، شرح المقاصـد ؛ في أوّل مباحث الإمامة.

٨

الخير والفلاح في الدنيا والآخرة.

فموضوع هذا المبحث هو : «إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مباشرةً».

قال السيّد ـ رحمه الله ـ :

«من أحاط علماً بسيرة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في تأسيس دولة الإسلام ، وتشريع أحكامها ، وتمهيد قواعدها ، وسـنّ قوانينها ، وتنظيم شؤونها عن الله عزّ وجلّ ، يجد عليّاً وزير رسول الله في أمره ، وظهيره على عدوّه ، وعيبة علمه ، ووارث حكمه ، وولي عهده ، وصاحب الأمر من بعده ..

ومن وقف على أقوال النبيّ وأفعاله ، في حلّه وترحاله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، يجد نصوصه في ذلك متواترةً ، من مبدإ أمره إلى منتهى عمره».

أقول :

فهذا موضوع المبحث الثاني.

وأمّا بالنسبة إلى غير عليّ عليه السلام ، فقد نصّ كبار أئمّة القوم على عدم النصّ على إمامة أبي بكر وولايته وخلافته بعد رسول الله ؛ قال القاضي العضد الإيجي : «إنّ طريقه إمّا النصّ أو الإجماع ، أمّا النصّ فلم يوجد» (١).

وقد اكتفى السـيّد لإثبات المدّعى بذكر عدّة نصوص ، مع التعرّض

____________

(١) المواقف في علم الكلام : ٤٠٠.

٩

لشبهات الخصوم بشأنها ، والجواب عنها ، بحيث يصلح كلّ واحد من تلك النصوص لأنْ يكون دليلاً على الإمامة العامّة حتّى لو لم يكن دليل غيره ، ومن هنا ، فقد استغرق كلّ واحدٍ منها عدّة مراجعات :

١٠

المراجعة (٢٠) ـ المراجعة (٢٥)

نصُّ الدار يوم الإنذار

قال السـيّد :

«وحسبك منها ما كان في مبدأ الدعوة الإسلامية قبل ظهور الإسلام بمكّة ، حين أنزل الله تعالى عليه : (وأنذر عشيرتك الأقربين) ، فدعاهم إلى دار عمّه أبي طالب ، وهم يومئذ أربعون رجلاً ، يزيدون رجلاً أو ينقصونه ، وفيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعبّـاس وأبو لهب ، والحديث في ذلك في صحاح السُـنن المأثورة ، وفي آخر ما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :

يا بني عبـد المطلب! إنّي ـ والله ـ ما أعلم شابّاً من العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به ، جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني أنْ أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني على أمري هذا ، على أنْ يكون أخي ووصيّي فيكم؟!

فأحجم القوم عنه غير عليّ وكان أصغرهم ، إذْ قام فقال : أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه.

فأخذ رسول الله برقبته ، وقال : إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا. فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع. انتهى.

أخرجه بهذه الألفاظ كثير من حفظة الآثار النبوية ، كابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبي نعيم ، والبيهقي في سُننه

١١

وفي دلائله ، والثعلبي والطبري في تفسير سورة الشعراء من تفسيريهما الكبيرين.

وأخرجه الطبري أيضاً في الجزء الثاني من كتابه : تاريخ الأُمم والملوك (١).

وأرسله ابن الأثير إرسال المسلّمات في الجزء الثاني من كامله (٢) ، عند ذكره أمر الله نبـيّه بإظهار دعوته.

وأبو الفداء في الجزء الأوّل من تاريخه (٣) ، عند ذكره أوّل من أسلم من الناس.

ونقله الإمام أبو جعفر الإسكافي المعتزلي في كتابه : نقض العثمانية ، مصـرّحاً بصـحّته (٤).

وأورده الحلبي في باب استخفائه صلّى الله عليه وآله وسلّم وأصحابه في دار الأرقم (٥) ، من سـيرته المعروفة.

____________

(١) ص ٢١٧ ، بطرق مختلفة.

(٢) ص ٢٢.

(٣) ص ١١٦.

(٤) كما في ص ٢٦٣ من المجلّد ٣ من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، طبع مصر. أمّا كتاب نقض العثمانية ، فإنّه ممّا لا نظير له ، فحقيق بكلّ بحّاث عن الحقائق أن يراجعه ، وهو موجود في ص ٢٥٧ وما بعدها إلى ص ٢٨١ من المجّلد ٣ من شـرح النهج ، في شرح آخر الخطبة القاصعة.

(٥) راجع الصفحة الرابعة من ذلك الباب ، أو ص ٣٨١ من الجزء الأوّل من السيرة الحلبية ، ولا قسط لمجازفة ابن تيميّة وتحكّماته التي أوحتها إليه عصبيّته المشهورة.

وهذا الحديث أورده الكاتب الاجتماعي المصري محمّـد حسين هيكل ، فراجع العمود الثاني من الصفحة الخامسة من ملحق عدد ٢٧٥١ من جريدته (السياسة) الصادر في ١٢ ذي القعـدة سنة ١٣٥٠ ، تجده مفصّلاً ، وإذا راجعت العمود الرابع

١٢

وأخرجه بهذا المعنى مع تقارب الألفاظ غير واحد من أثبات السُـنّة وجهابذة الحديث ، كالطحاوي ، والضياء المقدسي في المختارة ، وسعيد بن منصور في السُـنن.

وحسبك ما أخرجه أحمد بن حنبل من حديث عليّ في ص ١١١ وفي ص ١٥٩ من الجزء الأوّل من مسـنده ، فراجع.

وأخرج في أوّل ص ٣٣١ من الجزء الأوّل من مسـنده أيضاً حديثاً جليلاً عن ابن عبّـاس يتضمّن هذا النصّ في عشر خصائص ممّا امتاز به عليّ على من سواه.

وذلك الحديث الجليل أخرجه النَسائي أيضاً عن ابن عبّـاس في ص ٦ من خصائصه العَلَوية ، والحاكم في ص ١٣٢ من الجزء الثالث من المستدرك ، وأخرجه الذهبي في تلخيصـه معترفاً بصـحّته.

ودونك الجزء السادس من كتاب كنز العمّال ، فإنّ فيه التفصيل (١).

____________

من صفحة ٦ من ملحق عدد ٢٧٨٥ من (السياسة) تجـده ينقل هذا الحديـث عن كلّ من : مسلم في صـحيحه ، وأحمد في مسـنده ، وعبـد الله بن أحمد في زيادات المسـند ، والهيثـمي في مجمع الزوائـد ، وابن قتـيبة في عيون الأخبار ، وأحمد بن عبـد ربّه في العقد الفريد ، وعمرو بن بحر الجاحظ في رسالته عن بني هاشم ، والإمام أبي إسحاق الثعلبي في تفسـيره ..

قلت : ونقل هذا الحديث جرجس الانگليزي في كتابه الموسوم مقالة في الإسلام ، وقد ترجمه إلى العربية ذلك الملحد البروتستانتي الذي سمى نفسه بهاشم العربي ، والحديث تجده في صفحة ٧٩ من ترجمة المقالة في الطبعة السادسة.

ولشهرة هذا الحديث ذكره عدة من الإفرنج في كتبهم الفرنسية والانگليزية والألمانية ، واختصره توماس كارليل في كتابه الأبطال.

(١) راجع منه : الحديث ٦٠٠٨ في ص ٣٩٢ تجده منقولاً عن ابن جرير .. والحديث ٦٠٤٥ في ص ٣٩٦ تجده منقولاً عن أحمد في مسنده ، والضياء المقدسي في

١٣

وعليك بـ : منتخب الكنز وهو مطبوع في هامش مسند الإمام أحمد ، فراجع منه ما هو في هامش ص ٤١ إلى ص ٤٣ من الجزء الخامس تجد التفصيل ؛ وحسبنا هذا ونعم الدليل.

تصحيح هذا النصّ :

لولا اعتباري صـحّته من طريق أهل السُـنّة ما أوردته هنا.

على أن ابن جرير ، والإمام أبا جعفر الإسكافي ، أرسلا صـحّته إرسال المسلّمات (١).

وقد صـحّحه غير واحد من أعلام المحقّقين.

وحسبك في تصحيحه ثبوته من طريق الثقات الأثبات ، الّذين احتجّ بهم أصحاب الصحاح بكلّ ارتياح.

____________

المختارة ، والطحاوي ، وابن جرير وصـحّحه .. والحديث ٦٠٥٦ في ص ٣٩٧ تجده منقولاً عن ابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبي نعيم ، والبيهقي في شعب الإيمان وفي الدلائل .. والحديث ٦١٠٢ ص ٤٠١ تجده منقولاً عن ابن مردويه .. والحديث ٦١٥٥ في ص ٤٠٨ تجده منقولاً عن أحمد في مسنده ، وابن جرير ، والضياء في المختارة ..

ومن تتبع كنز العمّال وجد هذا الحديث في أماكن أُخر شتى ، وإذا راجعت ص ٢٥٥ من المجلد الثالث من شرح النهج للإمام المعتزلي الحديدي ، أو أواخر شرح الخطبة القاصعة منه ، تجد هذا الحديث بطوله.

(١) راجع : الحديث ٦٠٤٥ من أحاديث الكنز في ص ٣٩٦ من جزئه السادس تجد هناك تصحيح ابن جرير لهذا الحديث ، وإذا راجعت من منتخب الكنز ما هو في أوائل هامش ص ٤٣ من الجزء ٥ من مسـند أحمد تجد تصحيح ابن جرير لهذا الحديث أيضاً.

أمّا أبو جعفر الإسكافي فقد حكم بصـحّته جزماً في كتابه نقض العثمانية ، فراجع ما هو موجود في ص ٢٦٣ من المجلّد ٣ من شرح نهج البلاغة للحديدي ، طبع مصر.

١٤

ودونك ص ١١١ من الجزء الأوّل من مسند أحمد ، تجده يخرج هذا الحديث عن أسـود بن عامر (١) ، عن شريك (٢) ، عن الأعمش (٣) ، عن المنهال (٤) ، عن عباد بن عبـد الله الأسـدي (٥) ، عن عليّ مرفوعاً.

وكلّ واحد من سلسلة هذا السند حجّة عند الخصم ، وكلّهم من رجال الصحاح بلا كلام ، وقد ذكرهم القيسراني في كتابه الجمع بين رجال الصـحيحين ؛ فلا مندوحة عن القول بصـحّة الحديث.

على أنّ لهم فيه طرقاً كثيرة يؤيّد بعضها بعضاً ، وإنّما لم يخرجه الشيخان وأمثالهما ؛ لأنّهم رأوه يصادم رأيهم في الخلافة ، وهذا هو السبب في إعراضهم عن كثير من النصوص الصحيحة ، خافوا أن تكون سلاحاً للشيعة ، فكتموها وهم يعلمون ..

وإنّ كثيراً من شيوخ أهل السُـنّة ـ عفا الله عنهم ـ كانوا على هذه الوتيرة ، يكتمون كلّ ما كان من هذا القبيل ، ولهم في كتمانه مذهب معروف ، نقله عنهم الحافظ ابن حجر في فتح الباري.

وعقد البخاري لهذا المعنى باباً في أواخر كتاب العلم من الجزء الأوّل

____________

(١) احتجّ به البخاري ومسلم في صـحيحيهما ، وقـد سمع شـعبة عندهما ، وسمع عبـد العزيز بن أبي سلمة عند البخاري ، وسمع عند مسلم زهير بن معاوية ، وحمّاد ابن سلمة ، روى عنه في صحيح البخاري محمّـد بن حاتم بن بزيع ، وروى عنه في صحيح مسلم هارون بن عبـد الله ، والناقد ، وابن أبي شيبة ، وزهير.

(٢) احتجّ به مسلم في صـحيحه ، كما أوضحناه عند ذكره في المراجعة ١٦.

(٣) احتجّ به البخاري ومسلم في صـحيحيهما ، كما بيّـنّاه عند ذكره في المراجعة ١٦.

(٤) احتجّ به البخاري ، كما أوضحناه عند ذكره في المراجعة ١٦.

(٥) هو عباد بن عبـد الله بن الزبـير بن العوّام القرشي الأسدي ، احتجّ به البخاري ومسلم في صحيحيهما ، سمع أسماء وعائشة بنتي أبي بكر ، وروى عنه في الصحيحين ابن أبي مليكة ، ومحمّـد بن جعفر بن الزبير ، وهشام بن عروة.

١٥

من صـحيحه ، فقال (١) : (باب من خصّ بالعلم قوماً دون قوم).

ومن عرف سريرة البخاري تجاه أمير المؤمنين وسائر أهل البيت ، وعلم أنّ يراعته ترتاع من روائع نصوصهم ، وأنّ مداده ينضب عن بيان خصائصـهم ؛ لا يسـتغرب إعراضـه عـن هذا الحديث وأمثالـه ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.

الوجه في احتجاجنا بهذا الحديث.

الخلافة الخاصّة منفيّة بالإجماع.

النسـخ هنا محال.

إنّ أهل السُـنّة يحتجّون في إثبات الإمامة بكلّ حديث صحيح ، سواء كان متواتراً أو غير متواتر ، فنحن نحتجّ عليهم بهذا لصـحّته من طريقهم ، إلزاماً لهم بما ألزموا به أنفسهم ، وأمّا استدلالنا به على الإمامة فيما بيننا ، فإنّما هو لتواتره من طريقنا كما لا يخفى.

ودعوى : أنّه إنّما يدلّ على أنّ عليّاً خليفة رسول الله في أهل بيته خاصّة ، مردودة بأنّ كلّ من قال بأنّ عليّاً خليفة رسول الله في أهل بيته ، قائل بخلافته العامّة ، وكلّ من نفى خلافته العامّـة ، نفى خلافته الخاصّـة ، ولا قائل بالفصل ، فما هذه الفلسفة المخالفة لإجماع المسلمين؟!

وما نسـيت فلا أنسَ القول بنسـخه ، وهو محال عقلاً وشرعاً ، لأنّه من النسـخ قبل حضـور زمن الابتلاء كما لا يخـفى ، على أنّه لا ناسـخ هنا إلاّ ما زعمه من إعراض النبيّ عن مفاد الحديث ..

____________

(١) في ص ٢٥.

١٦

وفيه : إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يعرض عن ذلك ، بل كانت النصـوص بعده متوالية ومتواترة ، يؤيّد بعضها بعضاً ، ولو فرض أنّ لا نصّ بعده أصـلاً ، فمن أين علم إعراض النبيّ عن مفاده ، وعدوله عن مؤدّاه؟! (إن يتبعون إلاّ الظنّ وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربّهم الهدى) (١) ، والسلام».

أقـول :

يقع الكلام في هذا المقام في جهات :

* الجهة الأُولى : في متن الحديث ورواته.

لقد روى الشيخ علي المتّقي الهندي هذا الحديث في كتاب كنز العمّال بعدّة ألفاظٍ ، عن جمعٍ كثيرٍ من أئمّة الحديث ، ونحن نورد هنا محلّ الحاجة ، ومن أراد النصوص الكاملة فليرجع إليه :

(٣٦٤٠٨) ـ «... عن عليٍّ ، قال : لمّا نزلت هذه الآية (وأنذر عشيرتك الأقربين) (٢) جمع النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم من أهل بيته ، فاجتمع ثلاثون ، فأكلوا وشربوا ، فقال لهم : من يضمن عنّي ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنّة ويكون خليـفتي في أهلي؟ وقال رجل : يا رسول الله! أنت كنت بحراً ، من يقوم بهذا؟! ثمّ قال الآخر. فعرض هذا على أهل بيته واحداً واحداً.

فقال عليّ : أنا.

____________

(١) سورة النجم ٥٣ : ٢٣.

(٢) سورة الشعراء ٢٦ : ٢١٤.

١٧

حم ، وابن جرير وصحّحه ، والطحاوي ، والضياء» (١).

(٣٦٤١٩) ـ «... عن عليٍّ ، قال : لمّا نزلت هذه الآية على رسول الله (وأنذر عشيرتك الأقربين) ... تكلّم النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم فقال : يا بني عبـد المطّلب! إنّي ـ والله ـ ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ما جئتكم به ، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني على أمري هذا (٢)؟

فقلت ـ وأنا أحدثهم سنّاً وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً ـ : أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه.

فأخذ برقبتي فقال : إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا. فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع وتطيع لعليّ.

ابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل» (٣).

(٣٦٤٦٥) ـ «... عن عليٍّ ، قال : لمّا نزلت هذه الآية (وأنذر عشيرتك الأقربين) دعا بني عبـد المطّلب ... ثمّ قال لهم ـ ومدّ يده ـ : من يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووليّكم من بعدي؟!

فمددت وقلت : أنا أبايعك ، وأنا يومئذٍ أصغر القوم ، عظيم البطن ، فبايعني على ذلك ... (قال :) وذلك الطعام أنا صنعته.

____________

(١) كنز العمّال ١٣ / ١٢٨ ـ ١٢٩ ، و «حم» : رمز أحمد في المسـند ، و «الضياء» : هو المقدسي صاحب كتاب المختارة.

(٢) وفي تفسير البغوي ـ الملتزم فيه بالصحّة ـ توجد هنا إضافة : «ويكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم».

(٣) كنز العمّال ١٣ / ١٣١ ـ ١٣٣.

١٨

ابن مردويه» (١).

(٣٦٥٢٠) ـ «... عن عليٍّ إنّه قيل له : كيف ورثت ابن عمّك دون عمّك؟!

فـقـال : جـمـع رسـول الله صلّـى الله عـلـيـه [وآلـه] وسـلّـم بـنـي عبـد المطّلب ... فقال : يا بني عبـد المطّلب! إنّي بعثت إليكم خاصّةً وإلى الناس عامّةً ، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم ، فأيّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي؟ فلم يقم إليه أحد ، فقمت إليه ـ وكنت من أصغر القوم ـ فقال : اجلس. ثمّ قال ثلاث مرّات. كلّ ذلك أقوم إليه فيقول لي : اجلس. حتّى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي. قال : فلذلك ورثت ابن عمّي دون عمّي.

حم ، وابن جرير ، والضياء» (٢).

أقـول :

وهذا سند الرواية الأُولى ـ التي رواها المتّقي برقم (٣٦٤٠٨) عن أحمد ، وابن جرير وصـحّحه ، والطحاوي ، والضياء ـ في مسـند أحمد : «أسـود بن عامـر ، ثنا شـريك ، عن الأعـمش ، عن المـنهال ، عن عباد بن عبـد الله الأسـدي ، عن عليٍّ» (٣).

وهذا سند الرواية الأخيرة ـ التي رواها برقم (٣٦٥٢٠) عن أحمد ، وابن جرير ، والضياء ـ في مسـند أحمد : «عفّان ، ثنا أبو عوانة ، عن عثمان

____________

(١) كنز العمّال ١٣ / ١٤٩.

(٢) كنز العمّال ١٣ / ١٧٥.

(٣) مسند أحمد ١ / ١١١.

١٩

ابن المغيرة ، عن أبي صادق ، عن ربيعة بن ناجذ ، عن عليٍّ رضي الله عنه ، قال : جمع رسـول الله ـ أو : دعا رسول الله ـ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم بني عبـد المطّلب ...» (١).

وقد أخرج الحافظ الهيثمي الرواية الأُولى ، ثمّ قال : «رواه أحمد ، ورجاله ثقات» (٢).

وأخرج النَسائي أيضاً الرواية الأخيرة ـ بسـند أحمد بن حنبل نفسـه ـ في خصائص سـيّدنا أمير المؤمنين عليه السلام (٣) ، وأهل العلم يعلمون بأنّ هذا الكتاب جزء من سنن النَسائي .. ولا يخفى عليهم أيضاً صحّة السند المذكور.

وأخرجه الهيثمي : «عن عليٍّ ، قال : لمّا نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين) ، قال رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم : يا عليّ! اصنع رجل شاةٍ بصاعٍ من طعام واجمع لي بني هاشم ... فأكلوا وشربوا ، فبدرهم رسول الله فقال : أيّكم يقضي عنّي ديني؟ قال : فسكت وسكت القوم. فأعاد رسول الله المنطق. فقلت : أنا يا رسول الله. فقال : أنت يا عليّ ، أنت يا عليّ.

رواه البزّار ـ واللفظ لـه ـ وأحمد باختصار ، والطبرانـي باختصارٍ أيضاً ، ورجال أحمد وأحد إسنادي البزّار رجال الصحيح غير شريك وهو ثقـة» (٤).

____________

(١) مسـند أحمد ١ / ١٥٩.

(٢) مجمع الزوائد ٨ / ٣٠٢.

(٣) خصائص أمير المؤمنين عليّ : ١٣٣ ح ٦٦.

(٤) مجمع الزوائد ٨ / ٣٠٢.

٢٠