🚘

المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز - ج ٣

أبي محمّد عبدالحقّ بن غالب بن عطيّة الأندلسي

المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز - ج ٣

المؤلف:

أبي محمّد عبدالحقّ بن غالب بن عطيّة الأندلسي


المحقق: عبدالسلام عبدالشافي محمّد
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتب العلميّة
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

سورة التّوبة

تفسير سورة براءة : هذه السورة مدنية إلا آيتين : (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ) [التوبة : ١٢٨] إلى آخرها ، وتسمى سورة التوبة ، فاله حذيفة وغيره ، وتسمى الفاضحة قاله ابن عباس ، وتسمى الحافرة لأنها حفرت عن قلوب المنافقين ، قال ابن عباس مازال ينزل ومنهم ومنهم حتى ظن أنه لا يبقى أحد ، وقال حذيفة : هي سورة العذاب ، قال ابن عمر كنا ندعوها المفشفشة ، قال الحارث بن يزيد : كانت تدعى المبعثرة ويقال لها المثيرة ، ويقال لها البحوث ، وقال أبو مالك الغفاري : أول آية نزلت من براءة (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً) [التوبة : ٤١] وقال سعيد بن جبير : كانت براءة مثل سورة البقرة في الطول ، واختلف لم سقط سطر بسم الله الرحمن الرحيم من أولها ، فقال عثمان بن عفان أشبهت معانيها معاني الأنفال وكانت تدعى القرينتين في زمن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلذلك قرنت بينهما ، ولم أكتب بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها في السبع الطول ، وقال علي بن أبي طالب لابن عباس رضي الله عنهما : بسم الله الرحمن الرحيم أمان وبشارة ، وبراءة نزلت بالسيف ونبذ العهود فلذلك لم تبدأ بالأمان.

قال القاضي أبو محمد : ويعزى هذا القول للمبرد وهو لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وهذا كما يبدأ المخاطب الغاضب أما بعد ، دون تقريظ ولا استفتاح بتبجيل ، وروي أن كتبة المصحف في مدة عثمان اختلفوا في الأنفال وبراءة ، هل هي سورة واحدة أو هما سورتان؟ فتركوا فصلا بينهما مراعاة لقول من قال هما سورتان ولم يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم مراعاة لقول من قال منهم هما واحدة فرضي جميعهم بذلك.

قال القاضي أبو محمد : وهذا القول يضعفه النظر أن يختلف في كتاب الله هكذا ، وروي عن أبيّ بن كعب أنه قال : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يأمرنا بوضع بسم الله الرحمن الرحيم في أول كل سورة ، ولم يأمرنا في هذا بشيء فلذلك لم نضعه نحن ، وروي عن مالك أنه قال : بلغنا أنها كانت نحو سورة البقرة ثم نسخ ورفع كثير منها وفيه البسملة ، فلم يروا بعد أن يضعوه في غير موضعه ، وسورة براءة من آخر ما نزل على النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحكى عمران بن جدير أن أعرابيا سمع سورة براءة فقال أظن هذه من آخر ما أنزل الله على رسوله ، فقيل له لم تقول ذلك؟ فقال أرى أشياء تنقص وعهودا تنبذ.

قوله عزوجل :

(بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ

٣

وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ)(٣)

(بَراءَةٌ) رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذه الآيات براءة ، ويصح أن ترتفع بالابتداء والخبر في قوله : (إِلَى الَّذِينَ) وجاز الابتداء بالنكرة لأنها موصوفة فتعرفت تعريفا ما ، وجاز الإخبار عنها ، وقرأ عيسى بن عمر «براءة» بالنصب على تقدير التزموا براءة ففيها معنى الإغراء ، و (بَراءَةٌ) معناها تخلص وتبرؤ من العهود التي بينكم وبين الكفار البادئين بالنقض ، تقول برئت إليك من كذا ، فبرىء الله تعالى ورسوله بهذه الآية إلى الكفار من تلك العهود التي كانت ونقضها الكفار ، وقرأ أهل نجران «من الله» بكسر النون من «من» ، وهذه الآية حكم من الله عزوجل بنقض العهود والموادعات التي كانت بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبين طوائف المشركين الذين ظهر منهم أو تحسس من جهتهم نقض ، ولما كان عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لازما لأمته حسن أن يقول (عاهَدْتُمْ) قال ابن إسحاق وغيره من العلماء : كانت العرب قد وافقها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عهدا عاما على أن لا يصد أحد عن البيت الحرام ونحو ذلك من الموادعات ، فنقض ذلك بهذه الآية وأجل لجميعهم أربعة أشهر ، فمن كان له مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم عهد خاص وبقي منه أقل من الأربعة الأشهر بلغ به تمامها ، ومن كان أمده أكثر من أربعة أشهر أتم له عهده ، إلا إن كان ممن تحسس منه نقض فإنه قصر على أربعة أشهر ، ومن لم يكن له عهد خاص فرضت له الأربعة الأشهر «يسيح فيها» في الأرض أي يذهب مسرحا آمنا كالسيح من الماء وهو الجاري المنبسط ومنه قول طرفة بن العبد : [السريع]

لو خفت هذا منك ما نلتني

حتى نرى خيلا أمامي تسيح

وهذا ينبىء عن أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم استشعر من الكفار نقضا وتربصا به إلا من الطائفة المستثناة ، وقال ابن عباس رضي الله عنه : أول الأشهر الأربعة شوال وحينئذ نزلت الآية ، وانقضاؤها عند انسلاخ الأشهر الحرم وهو انقضاء المحرم بعد يوم الأذان بخمسين يوما فكان أجل من له عهد أربعة أشهر من يوم نزول الآية ، وأجل سائر المشركين خمسون ليلة من يوم الأذان.

قال القاضي أبو محمد : اعترض هذا بأن الأجل لا يلزم إلا من يوم سمع ويحتمل أن البراءة قد كانت سمعت من أول شوال ، ثم كرر إشهارها مع الأذان يوم الحج الأكبر ، وقال السدي وغيره : بل أولها يوم الأذان وآخرها العشر من ربيع الآخر ، وهي الحرم استعير لها الاسم بهذه الحرمة والأمن الخاص الذي رسمه الله وألزمه فيها ، وهي أجل الجميع ممن له عهد وتحسس منه نقض وممن لا عهد له ، وقال الضحاك وغيره من العلماء : كان من العرب من لا عهد بينه وبين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم جملة ، وكان منهم من بينه وبينهم عهد وتحسس منهم النقض وكان منهم من بينه وبينهم عهد ولم ينقضوا ، فقوله (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) هو أجل ضربه لمن كان بينه وبينهم عهد وتحسس منهم نقضه ، وأول هذا الأجل

٤

يوم الأذان وآخره انقضاء العشر الأول من ربيع الآخر ، وقوله (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) ، هو حكم مباين للأول حكم به في المشركين الذين لا عهد لهم البتة ، فجاء أجل تأمينهم خمسين يوما أولها يوم الأذان وآخرها انقضاء المحرم ، وقوله (إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ) ، يريد به الذين لهم عهد ولم ينقضوا ولا تحسس منهم نقض ، وهم فيما روي بنو ضمرة من كنانة عاهد لهم المخش بن خويلد وكان تبقى من عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر : وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت : إنما أجل الله أربعة أشهر من كان عهده ينصرم عند انقضائها أو قبله ، والمعنى فقل لهم يا محمد سيحوا ، وأما من كان له عهد يتمادى بعد الأربعة الأشهر فهم الذين أمر الله لهم بالوفاء ، وقوله (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ) ، معناه واعلموا أنكم لا تفلتون الله ولا تعجزونه هربا من عقابه ، ثم أعلمهم بحكمه بخزي الكافرين ، وذلك حتم إما في الدنيا وإما في الآخرة. وقوله تعالى : (وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ) الآية ، (وَأَذانٌ) معناه إعلام وإشهار ، و (النَّاسِ) هاهنا عام في جميع الخلق ، و (يَوْمَ) منصوب على الظرف والعامل فيه (أَذانٌ) وإن كان قد وصف فإن رائحة الفعل باقية ، وهي عاملة في الظروف ، وقيل لا يجوز ذلك إذ قد وصف المصدر فزالت عنه قوة الفعل ، ويصح أن يعمل فيه فعل مضمر تقتضيه الألفاظ ، وقيل العامل فيه صفة الأذان وقيل العامل فيه (مُخْزِي).

قال القاضي أبو محمد : وهذا بعيد ، و (يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) قال عمر وابن عمر وابن المسيب وغيرهم : هو يوم عرفة ، وقال به علي ، وروي عنه أيضا أنه يوم النحر ، وروي ذلك عن أبي هريرة وجماعة غيرهم ، وروي ذلك عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقال منذر بن سعيد وغيره : كان الناس يوم عرفة مفترقين إذ كانت الحمس تقف بالمزدلفة وكان الجمع يوم النحر بمنى ، فلذلك كانوا يسمونه الحج الأكبر أي من الأصغر الذي هم فيه مفترقون.

قال القاضي أبو محمد : وهذا زال في حجة أبي بكر لأنه لم يقف أحد بالمزدلفة ، وقد ذكر المهدوي أن الحمس ومن اتبعها وقفوا بالمزدلفة في حجة أبي بكر ، والذي تظاهرت به الأحاديث في هذا المعنى أن عليا رضي الله عنه أذن بتلك الآية يوم عرفة إثر خطبة أبي بكر ، ثم رأى أنه لم يعلم الناس بالإسماع فتتبعهم بالأذان بها يوم النحر ، وفي ذلك اليوم بعث معه أبو بكر من يعينه بالأذان بها كأبي هريرة وغيره ، وتتبعوا بها أيضا أسواق العرب كذي المجاز وغيره ، فمن هنا يترجح قول سفيان إن (يَوْمَ) في هذه الآية بمعنى أيام ، بسبب ذلك قالت طائفة (يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) عرفة حيث وقع أول الأذان وقالت طائفة أخرى : هو يوم النحر حيث وقع إكمال الأذان ، واحتجوا أيضا بأنه من فاته الوقوف يوم عرفة فإنه يجزيه الوقوف ليلة النحر ، فليس يوم عرفة على هذا يوم الحج الأكبر.

قال القاضي أبو محمد : ولا حجة في هذا ، وقال سفيان بن عيينة : المراد أيام الحج كلها كما تقول يوم صفين ويوم الجمل يريد جميع أيامه ، وقال مجاهد (يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) أيام منى كلها ، ومجامع المشركين حيث كانوا بذي المجاز وعكاظ حين نودي فيهم ألا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا.

قال القاضي أبو محمد : وهذا كما قال عثمان لعمر حين عرض عليه زواج حفصة : إني قد رأيت ألا

٥

أتزوج يومي هذا ، وكما ذكر سيبويه : تقول لرجل : ما شغلك اليوم؟ وأنت تريد في أيامك هذه ، واختلف لم وصف بالأكبر؟ فقال الحسن بن أبي الحسن وعبد الله بن الحارث بن نوفل لأنه حج ذلك العام المسلمون والمشركون وصادف أيضا عيد اليهود والنصارى.

قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف أن يصفه الله في كتابه بالكبر لهذا ، وقال الحسن أيضا : إنما سمي أكبر لأنه حج فيه أبو بكر ونبذت فيه العهود.

قال القاضي أبو محمد : وهذا هو القول الذي يشبه نظر الحسن ، وبيانه أن ذلك اليوم كان المفتتح بالحق وإمارة الإسلام بتقديم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ونبذت فيه العهود وعز فيه الدين وذل الشرك ، ولم يكن ذلك في عام ثمان حين ولى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الحج عتاب بن أسيد كان أمر العرب على أوله ، فكل حج بعد حج أبي بكر فمتركب عليه فحقه لهذا أن يسمى أكبر ، وقال عطاء بن أبي رباح وغيره : الحج أكبر بالإضافة إلى الحج الأصغر وهي العمرة ، وقال الشعبي : بالإضافة إلى العمرة في رمضان فإنها الحج الأصغر ، وقال مجاهد : الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد ، وهذا ليس من هذه الآية في شيء ، وقد تقدم ما ذكره منذر بن سعيد ، ويتجه أن يوصف بالأكبر على جهة المدح لا بإضافة إلى أصغر معين ، بل يكون المعنى الأكبر من سائر الأيام فتأمله ، واختصار ما تحتاج إليه هذه الآية على ما ذكر مجاهد وغيره من صورة تلك الحال ، أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم افتتح مكة سنة ثمان ، فاستعمل عليها عتاب بن أسيد وقضى أمر حنين والطائف وانصرف إلى المدينة فأقام بها حتى خرج إلى تبوك ، ثم انصرف من تبوك في رمضان سنة تسع فأراد الحج ثم نظر في أن المشركين يحجون في تلك السنة ويطوفون عراة فقال لا أريد أن أرى ذلك ، فأمر أبا بكر على الحج بالناس وأنفذه ، ثم أتبعه علي بن أبي طالب على ناقته العضباء ، وأمره أن يؤذن في الناس بأربعة أشياء ، وهي :

لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، وفي بعض الروايات ولا يدخل الجنة كافر ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عهد فهو له إلى مدته ، وفي بعض الروايات ، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله أربعة أشهر يسيح فيها ، فإذا انقضت ف (أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ).

قال القاضي أبو محمد : وأقول : إنهم كانوا ينادون بهذا كله ، فهذا للذين لهم عهد وتحسس منهم نقضه ، والإبقاء إلى المدة لمن لم يخبر منه نقض ، وذكر الطبري أن العرب قالت يومئذ : نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب ، فلام بعضهم بعضا وقالوا ما تصنعون وقد أسلمت قريش؟ فأسلموا كلهم ولم يسح أحد.

قال القاضي أبو محمد : وحينئذ دخل الناس في دين الله أفواجا ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أمر عليا أن يقرأ على الناس الأربعين آية صدر سورة براءة وقيل ثلاثين ، وقيل عشرين ، وفي بعض الروايات عشر آيات ، وفي بعضها تسع آيات ، ذكرها النقاش ، وقال سليمان بن موسى الشامي ثمان وعشرون آية ، فلحق علي أبا بكر في الطريق فقال له أبو بكر أمير أو مأمور ، فقال بل مأمور فنهضا حتى بلغا

٦

الموسم ، فلما خطب أبو بكر بعرفة : قال : قم يا علي ، فأدّ رسالة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقام علي ففعل ، قال ثم وقع في نفسي أن جميع الناس لم يشاهدوا خطبة أبي بكر ، فجعلت أتتبع الفساطيط يوم النحر ، وقرأ جمهور الناس «أن الله بريء» بفتح الألف على تقدير بأن الله ، وقرأ الحسن والأعرج : «إن الله» بكسر الألف على القطع ، إذ الأذان في معنى القول ، وقرأ جمهور الناس «ورسوله» بالرفع على الابتداء وحذف الخبر «ورسوله بريء منهم» ، هذا هو عند شيخنا الفقيه الأستاذ أبي الحسن بن الباذش رحمه‌الله معنى العطف على الموضع ، أي تؤنس بالجملة الأولى التي هي من ابتداء وخبر فعطفت عليها هذه الجملة ، وقيل هو معطوف على موضع المكتوبة قبل دخول «أن» التي لا تغير معنى الابتداء بل تؤكده وإذ قد قرئت بالكسر لأنه لا يعطف على موضع «أن» بالفتح ، وانظره فإنه مختلف في جوازه ، لأن حكم «أن» رفع حكم الابتداء إلا في هذا الموضع وما أشبهه ، وهذا قول أبي العباس وأبي علي رحمهما‌الله ، ومذهب الأستاذ على مقتضى كلام سيبويه أن لا موضع لما دخلت عليه «أن» إذ هو معرب قد ظهر فيه عمل العامل ولأنه لا فرق بين «أن» وبين ليت ولعل ، والإجماع أن لا موضع لما دخلت عليه هذه وقيل عطف على الضمير المرفوع الذي في «بريء» ، وحسن ذلك أن المجرور قام مقام التوكيد ، كما قامت «لا» في قوله تعالى : (ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا) [الأنعام : ١٤٨] وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر «رسوله» بالنصب عطفا على لفظ المكتوبة ، وبهذه الآية امتحن معاوية أبا الأسود حتى وضع النحو إذ جعل قارئا يقرأ بخفض «ورسوله» ، والمعنى في هذه الآية بريء من عهودهم وأديانهم براءة عامة تقتضي المحارجة وإعمال السيف ، وقوله (فَإِنْ تُبْتُمْ) أي عن الكفر ووعدهم مع شرط التوبة وتوعدهم مع شرط التولي ، وجاز أن تدخل البشارة في المكروه لما جاء مصرحا به مرفوع الاشكال.

قوله عزوجل :

(إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(٥)

هذا هو الاستثناء الذي تقدم ذكره في المشركين الذين بقي من عهدهم تسعة أشهر وكانوا قد وفوا بالعهد على ما يجب ، وقال قتادة : هم قريش الذين عوهدوا زمن الحديبية.

قال القاضي أبو محمد : وهذا مردود بإسلام قريش في الفتح قبل الأذان بهذا كله ، وقال ابن عباس : قوله (إِلى مُدَّتِهِمْ) إلى الأربعة الأشهر التي في الآية ، وقرأ الجمهور «ينقصوكم» بالصاد غير منقوطة ، وقرأ عطاء بن يسار وعكرمة وابن السميفع «ينقضوكم» بالضاد من النقض وهي متمكنة مع العهد ولكنها قلقة في تعديها إلى الضمير ، ويحسن ذلك أن النقض نقض وفاء وحق للمعاهد ، وكذلك تعدى «أتموا» ب «إلى» لما

٧

كان العهد في معنى ما يؤدى ويبرأ به وكأنهم يقتضون العهد ، و (يُظاهِرُوا) معناه يعاونوا ، والضمير المعين ، وأصله من الظهر كان هذا يسند ظهره إلى الآخر والآخر كذلك وقوله (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) تنبيه على أن الوفاء بالعهد من التقوى ، وقوله تعالى : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ) الآية ، الانسلاخ خروج الشيء عن الشيء المتلبس به كانسلاخ الشاة عن الجلد والرجل عن الثياب ، ومنه قوله تعالى : (نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ) [يس : ٣٧] فشبه انصرام الأشهر أسمائها وأحكامها من الزمن بذلك ، وقد تقدم القول فيمن جعل له انقضاء الأشهر الحرم أجلا وما المعنى ب (الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ) بما أغنى عن إعادته ، وقوله (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) ، أمر بقتال المشركين فخرج الأمر بذلك بلفظ اقتلوا على جهة التشجيع وتقوية النفس ، أي هكذا يكون أمركم معهم ، وهذه الآية نسخت كل موادعة في القرآن أو مهادنة وما جرى مجرى ذلك وهي على ما ذكر مائة آية وأربع عشرة آية ، وقال الضحاك والسدي وعطاء : هذه الآية منسوخة بقوله (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً) [محمد : ٤٧] وقالوا لا يجوز قتل أسير البتة صبرا إما أن يمن عليه وإما أن يفادى ، وقال قتادة ومجاهد وغيرهما : قوله (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً) [محمد : ٤٧] منسوخ بهذه الآية ، وقالوا لا يجوز المن على أسير ولا مفاداته ، ولا شيء إلا القتل ، وقال ابن زيد : هما محكمتان.

قال القاضي أبو محمد : ولم يفسر أكثر من هذا ، وقوله هو الصواب ، والآيتان لا يشبه معنى واحدة ، معنى الأخرى ، وذلك أن هذه الآية قوله (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ) أفعال إنما تمتثل مع المحارب المرسل المناضل ، وليس للأسير فيها ذكر ولا حكم وإذا أخذ الكافر خرج عن درجات هذه الآية وانتقل إلى حكم الآية الأخرى ، وتلك الآية لا مدخل فيها لغير الأسير ، فقول ابن زيد هو الصواب ، وقوله (خُذُوهُمْ) معناه الأسر ، وقوله (كُلَّ مَرْصَدٍ) معناه في مواضع الغرة حيث يرصدون ، وقال النابغة : [الطويل]

أعاذل إن الجهل من لذة الفتى

وإن المنايا للنفوس بمرصد

ونصب (كُلَ) على الظرف ، وهو اختيار الزجّاج ، أو بإسقاط الخافض التقدير في كل مرصد ، أو على كل مرصد ، وحكى سيبوية ضرب الظهر والبطن ، وقوله تعالى : (فَإِنْ تابُوا) يريد من الكفر فهي متضمنة الإيمان ، ثم قرن بها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تنبيها على مكان الصلاة والزكاة من الشرع ، وقوله (فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) تأمين ، وقال أنس بن مالك : هذا هو دين الله الذي جاءت به الرسل وهو من آخر ما نزل قبل اختلاف الأهواء ، وفيه قال النبيء صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من فارق الدنيا مخلصا لله تعالى مطيعا له لقي الله وهو عنه راض» ، ثم وعد بالمغفرة في صيغة الخبر عن أوصافه تعالى.

قوله عزوجل :

(وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (٧)

أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في هذه الآية بعد الأمر بقتال المشركين بأن يكون متى طلب

٨

مشرك عهدا يأمن به يسمع القرآن ويرى حال الإسلام أن يعطيه ذلك ، وهي الإجارة وهو من الجوار ، ثم أمر بتبليغه المأمن إذا لم يرض الإسلام ولم يهد إليه ، قال الحسن : هي محكمة سنة إلى يوم القيامة ، وقال مجاهد وقال الضحاك والسدي : هذا منسوخ بقوله (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) [التوبة : ٥] ، وقال غيرهما : هذه الآية إنما كان حكمها مدة الأربعة الأشهر التي ضربت لهم أجلا ، وقوله سبحانه : (حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ) يعني القرآن وهي إضافة صفة إلى موصوف لا إضافة خلق إلى خالق ، والمعنى ويفهم أحكامه وأوامره ونواهيه ، فذكر السماع بالأذان إذ هو الطريق إلى الفهم وقد يجيء السماع في كلام العرب مستعملا بمعنى الفهم كما تقول لمن خاطبته فلم يقبل منك أنت لم تسمع قولي تريد لم تفهمه ، وذلك في كتاب الله تعالى في عدة مواضع ، و (أَحَدٌ) في هذه الآية مرتفع بفعل يفسره قوله (اسْتَجارَكَ) ويضعف فيه الابتداء لولاية الفعل ، لأن قوله تعالى : (ذلِكَ) إشارة إلى هذا اللطف في الإجارة والإسماع وتبليغ المأمن ولا يعلمون نفي علمهم بمراشدهم في اتباع محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقوله تعالى (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ).

الآية لفظ استفهام وهو على جهة التعجب والاستبعاد ، أي على أي وجه يكون للمشركين عهد وهم قد نقضوا وجاهروا بالتعدي ثم استثنى من عموم المشركين القوم الذين عوهدوا عند المسجد الحرام أي في ناحيته وجهته ، وقال ابن عباس فيما روي عنه : المعني بهذا قريش ، وقال السدي : المعني بنو خزيمة بن الديل ، وقال ابن إسحاق : هي قبائل بني بكر كانوا دخلوا وقت الحديبية في المدة التي كانت بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبين قريش فلم يكن نقض إلا قريش وبنو الديل من بني بكر فأمر المسلمون بإتمام العهد لمن لم يكن نقض ، وقال قوم : المعني خزاعة قاله مجاهد وهو مردود بإسلام خزاعة عام الفتح ، وقال بعض من قال إنهم قريش إن هذه الآية نزلت فلم يستقيموا بل نقضوا فنزل تأجيلهم أربعة أشهر بعد ذلك ، وحكى الطبري هذا القول عن ابن زيد وهو ضعيف متناقض ، لأن قريشا وقت الأذان بالأربعة الأشهر لم يكن منهم إلا مسلم ، وذلك بعد فتح مكة بسنة وكذلك خزاعة ، قاله الطبري وغيره ، وقوله (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) يريد به الموفين بالعهد من المؤمنين ، فلذلك جاء بلفظ مغترق الوفاء بالعهد متضمن الإيمان.

قوله عزوجل :

(كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ)(١٠)

بعد (كَيْفَ) في هذه الآية فعل مقدر ولا بد ، يدل عليه ما تقدم ، فيحسن أن يقدر كيف يكون لهم عهد ونحوه قول الشاعر : [الطويل]

وخير تماني إنما الموت في القرى

فكيف وهاتا هضبة وكثيب

وفي (كَيْفَ) هنا تأكيد للاستبعاد الذي في الأولى ، و (لا يَرْقُبُوا) معناه لا يراعوا ولا يحافظوا وأصل

٩

الارتقاب بالبصر ، ومنه الرقيب في الميسر وغيره ، ثم قيل لكل من حافظ على شيء وراعاه راقبه وارتقبه ، وقرأ جمهور الناس «إلّا» وقرأ عكرمة مولى ابن عباس بياء بعد الهمزة خفيفة اللام «إيلا» ، وقرأت فرقة «ألا» بفتح الهمزة ، فأما من قرأ «إلا» فيجوز أن يراد به الله عزوجل قاله مجاهد وأبو مجلز ، وهو اسمه بالسريانية ، ومن ذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سمع كلام مسيلمة فقال هذا كلام لم يخرج من إل ، ويجوز أن يراد به العهد والعرب تقول للعهد والخلق والجوار ونحو هذه المعاني إلا ، ومنه قول أبي جهل : [الطويل]

لإل علينا واجب لا نضيعه

متين فواه غير منتكث الحبل

ويجوز أن يراد به القرابة ، فإن القرابة في لغة العرب يقال له إل ، ومنه قول ابن مقبل : [الرمل]

أفسد الناس خلوف خلّفوا

قطعوا الإل وأعراق الرحم

أنشده أبو عبيدة على القرابة ، وظاهره أنه في العهود ، ومنه قول حسان : [الوافر]

لعمرك أن إلّك في قريش

كإل السقب من رال النعام

وأما من قرأ «ألا» بفتح الهمزة فهو مصدر من فعل للإل الذي هو العهد ، ومن قرأ «إيلا» فيجوز أن يراد به الله عزوجل ، فإنه يقال أل وأيل ، وفي البخاري قال جبر ، وميك ، وسراف : عبد بالسريانية ، وأيل الله عزوجل ، ويجوز أن يريد (إِلًّا) المتقدم فأبدل من أحد المثلين ياء كما فعلوا ذلك في قولهم أما وأيما ، ومنه قول سعد بن قرط يهجو أمه : [البسيط]

يا ليت أمنا شالت نعامتها

أيما إلى جنة أيما إلى نار

ومنه قول عمر بن أبي ربيعة : [الطويل]

رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت

فيضحي وأما بالعشي فيخصر

وقال آخر : [الرجز]

لا تفسدوا آبا لكم

أيما لنا أيما لكم

قال أبو الفتح ويجوز أن يكون مأخوذا من آل يؤول إذا ساس.

قال القاضي أبو محمد : كما قال عمر بن الخطاب : قد ألنا وإيل علينا فكان المعنى على هذا لا يرقبون فيكم سياسة ولا مداراة ولا ذمة ، وقلبت الواو ياء لسكونها والكسرة قبلها ، و «الذمة» أيضا بمعنى المتات والحلف والجوار ، ونحوه قول الأصمعي الذمة كل ما يجب أن يحفظ ويحمى ، ومن رأى الإل أنه العهد جعلها لفظتين مختلفتين لمعنى واحد أو متقارب ، ومن رأى الإل لغير ذلك فهما لفظان لمعنيين ، (وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ) معناه تأبى أن تذعن لما يقولونه بالألسنة ، وأبى يأبى شاذ لا يحفظ فعل يفعل بفتح العين في الماضي والمستقبل ، وقد حكي ركن يركن ، وقوله (وَأَكْثَرُهُمْ) يريد به الكل أو يريد استثناء من قضى له بالإيمان كل ذلك محتمل ، وقوله تعالى : (اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ) الآية اللازم من ألفاظ هذه الآية أن هذه

١٠

الطائفة الكافرة الموصوفة بما تقدم لما تركت آيات الله ودينه وآثرت الكفر وحالها في بلادها كل ذلك كالشراء والبيع ، لما كان ترك قد مكنوا منه وأخذ لما يمكن نبذه ، وهذه نزعة مالك رحمه‌الله في منع اختيار المشتري فيما تختلف آحاد جنسه ولا يجوز التفاضل فيه ، وقد تقدم ذكر ذلك في سورة البقرة وقوله (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ) يريد صدوا أنفسهم وغيرهم ، ثم حكم عليهم بأن عملهم سيء ، و (ساءَ) في هذه الآية إذ لم يذكر مفعولها يحتمل أن تكون مضمنة كبئس ، فأما إذا قلت ساءني فعل زيد فليس تضمين بوجه ، وإن قدرت في هذه الآية مفعولا زال التضمين ، وروي أن أبا سفيان بن حرب جمع بعض العرب على طعام وندبهم إلى وجه من وجوه النقض فأجابوا إلى ذلك فنزلت الآية ، وقال بعض الناس : هذه في اليهود.

قال القاضي أبو محمد : وهذا القول وإن كانت ألفاظ هذه الآية تقتضيه فما قبلها وما بعدها يرده ويتبرأ منه ، ويختل أسلوب القول به ، وقوله تعالى : (لا يَرْقُبُونَ) الآية ، وصف لهذه الطائفة المشترية يضعف ما ذهب إليه من قال إن قوله (اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ) هو في اليهود ، وقوله تعالى : (فِي مُؤْمِنٍ) إعلام بأن عداوتهم إنما هي بحسب الإيمان فقط ، وقوله أولا (فِيكُمْ) كان يحتمل أن يظن ظان أن ذلك للإحن التي وقعت فزال هذا الاحتمال بقوله (فِي مُؤْمِنٍ) ، ثم وصفهم تعالى بالاعتداء والبداءة بالنقض للعهود والتعمق في الباطل.

قوله عزوجل :

(فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ)(١٢)

(تابُوا) رجعوا عن حالهم ، والتوبة منهم تتضمن الإيمان ، ثم قرن تعالى بإيمانهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، قال ابن عباس : حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة ، وقال ابن زيد : قرن الله الصلاة بالزكاة ولم يرض بإحداهما دون الأخرى.

قال القاضي أبو محمد : وعلى هذا مر أبو بكر رضي الله عنه وقت الردة ، و «الأخوة في الدين» هي أخوة الإسلام وجمع الأخ منها إخوان وجمعه من النسب إخوة قاله بعض اللغويين ، وقد قيل إن الأخ من النسب يجمع على إخوان أيضا وذلك ظاهر من قوله تعالى (وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ) [النور : ٦١] ويبين ذلك قوله تعالى في آخر الآية (أَوْ صَدِيقِكُمْ) [النور : ٦١] وكذلك قوله في هذه السورة (قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ) [التوبة : ٢٤] ، فأما الأخ من التوادّ ففي كتاب الله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات : ١٠] ، وقال أبو هريرة في البخاري كان إخوتي من المهاجرين يشغلهم صفق بالأسواق فيصح من هذا كله أن الأخ يجمع إخوة وإخوانا سواء كان من نسب أو مودة ، وتفصيل الآية بيانها وإيضاحها ، وقوله تعالى : (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ) الآية ؛ النكث النقض وأصله في كل ما قبل ثم حل ، فهي في الأيمان والعهود مستعارة ، وقوله

١١

(وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ) أي بالاستنقاص والحرب وغير ذلك مما يفعله المشرك ، وهذه استعارة ومنه قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم حين أمر أسامة : إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل ، الحديث.

قال القاضي أبو محمد : ويليق هنا ذكر شيء من طعن الذمي في الدين فالمشهور من مذهب مالك رحمه أنه : إذا فعل شيئا من ذلك مثل تكذيب الشريعة وسب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ونحوه قتل ، وقيل إذا كفر وأعلن بما هو معهود من معتقده وكفره أدّب على الإعلان وترك ، وإذا كفر بما ليس من معهود كفره كالسب ونحوه قتل ، وقال أبو حنيفة في هذا : إنه يستتاب ، واختلف إذا سب الذمي النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم أسلم تقية القتل فالمشهور من المذهب أن يترك ، وقد قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم «الإسلام يجب ما قبله» ، وفي العتبية أنه يقتل ولا يكون أحسن حالا من المسلم ، وقوله تعالى (فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) أي رؤوسهم وأعيانهم الذين يقودون الناس إليه ، وقال قتادة : المراد بهذا أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وغيرهما.

قال القاضي أبو محمد : وهذا إن لم يتأول أنه ذكرهم على جهة المثال ضعيف لأن الآية نزلت بعد بدر بكثير ، وروي عن حذيفة أنه قال : لم يجىء هؤلاء بعد.

قال القاضي أبو محمد : يريد أن ينقرضوا فهم يحيون أبدا ويقتلون ، وأصوب ما في هذا أن يقال إنه لا يعنى بها معين ، وإنما وقع الأمر بقتال أئمة الناكثين بالعهود من الكفرة إلى يوم القيامة دون تعيين ، واقتضت حال كفار العرب ومحاربي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن تكون الإشارة إليهم أولا بقوله (أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) وهم حصلوا حينئذ تحت اللفظة إذ الذي يتولى قتال النبي والدفع في صدر شريعته هو إمام كل من يكفر بذلك الشرع إلى يوم القيامة ، ثم تأتي في كل جيل من الكفار أئمة خاصة بجيل جيل ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «أيمة» بهمزة واحدة وبعدها ياء مكسورة ، وقد روي عن نافع مد الهمزة ، وروى عنه ابن أبي أويس «أأمة» بهمزتين وأصلها «أأمة» وزنها أفعلة جمع إمام كعماد وأعمدة ، نقلت حركة الميم إلى الهمزة التي هي فاء الفعل وأدغمت الميم الأخرى وقلبت الهمزة ياء لانكسارها ولاجتماع همزتين من كلمة واحدة ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «أأمة» والتعليل واحد ، إلا أنهم لم يقلبوا الهمزة ياء ، وقرأ المسيبي عن نافع «آئمة» بهمزة ممدودة ، وقرأ هشام عن أبي عامر بمدة بين الهمزتين ، وقرأ الناس الجم الغفير لا «أيمان لهم» على جمع يمين ، وليس المراد نفي الأيمان جملة ، وإنما المعنى لا أيمان لهم يوفى بها ويبر ، وهذا المعنى يشبه الآية ، وقرأ الحسن وعطاء وابن عامر وحده من السبعة «لا إيمان لهم» ، وهذا يحتمل وجهين أحدهما لا تصديق ، قال أبو علي وهذا غير قوي لأنه تكرير وذلك أنه وصف أئمة الكفر بأنهم «لا إيمان لهم» فالوجه في كسر الألف أنه مصدر من آمنه إيمانا ، ومنه قوله تعالى : (آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) [قريش : ٤] فالمعنى أنهم لا يؤمنون كما يؤمن أهل الذمة الكتابيون ، إذ المشركون لم يكن لهم إلا الإسلام أو السيف ، قال أبو حاتم فسر الحسن قراءته لا إسلام لهم.

قال القاضي أبو محمد : والتكرير الذي فر أبو علي منه متجه لأنه بيان المهم الذي يوجب قتلهم لا إسلام لهم.

١٢

قوله عزوجل :

(أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(١٥)

قوله (أَلا تُقاتِلُونَ) عرض وتحضيض ، وقوله (وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) ، قال الحسن بن أبي الحسن : المراد من المدينة ، وهذا مستقيم كغزوة أحد والأحزاب وغيرهما ، وقال السدي : المراد من مكة فهذا على أن يكون المعنى هموا وفعلوا ، أو على أن يقال هموا بإخراجه بأيديهم فلم يصلوا إلى ذلك بل خرج بأمر الله عزوجل ، وهذا يجري مع إنكار النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم على أبي سفيان بن الحارث قوله : [الطويل]

وردني إلى الله من

طردته كل مطرد

ولا ينسب الإخراج إليهم إلا إذا كان الكلام في طريق تذنيبهم كما قال تعالى : (وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ) [البقرة : ١٢٧] وقوله : (مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ) [محمد : ١٣] والأول هو على أن ما فعلوا به من أسباب الإخراج هو الإخراج ، وقوله (أَوَّلَ مَرَّةٍ) قيل يراد أفعالهم بمكة بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبالمؤمنين ، وقال مجاهد : يراد به ما بدأت به قريش من معونة بني بكر حلفائهم على خزاعة حلفاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكان هذا بدء النقض ، وقال الطبري : يعني فعلهم يوم بدر ، وقوله (أَتَخْشَوْنَهُمْ) استفهام على معنى التقرير والتوبيخ ، وقوله (فَاللهُ) مرتفع بالابتداء و (أَحَقُ) خبره ، و (أَنْ تَخْشَوْهُ) بدل من اسم الله بدل اشتمال أو في موضع نصب على إسقاط خافض تقديره بأن تخشوه ، ويجوز أن يكون «الله» ابتداء و (أَحَقُ) ابتداء ثان و (أَنْ تَخْشَوْهُ) خبر الثاني والجملة خبر الأول ، وقوله (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) كما تقول افعل كذا إن كنت رجلا أي رجلا كاملا ، فهذا معناه إن كنتم مؤمنين كاملي الإيمان ، لأن إيمانهم قد كان استقر ، وقوله (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ) الآية ، قررت الآيات قبلها أفعال الكفرة ثم حضض على القتال مقترنا بذنوبهم لتنبعث الحمية مع ذلك ، ثم جزم الأمر بقتالهم في هذه الآية مقترنا بوعد وكيد يتضمن النصرة عليهم والظفر بهم ، وقوله (يُعَذِّبْهُمُ) معناه بالقتل والأسر وذلك كله عذاب ، (وَيُخْزِهِمْ) معناه يذلهم على ذنوبهم يقال خزي الرجل يخزى خزيا إذا ذل من حيث وقع في عار ، وأخزاه غيره وخزي خزاية إذا استحيا ، وأما قوله (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) فإن الكلام يحتمل أن يريد جماعة المؤمنين لأن كل ما يهد من الكفر هو شفاء من هم صدور المؤمنين ، ويحتمل أن يريد تخصيص قوم من المؤمنين ، وروي أنهم خزاعة قاله مجاهد والسدي ووجه تخصيصهم أنهم الذين نقض فيهم العهد ونالتهم الحرب وكان يومئذ في خزاعة مؤمنون كثير ، ويقتضي ذلك قول الخزاعي عن المستنصر بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : [الرجز]

ثمّت أسلمنا فلم تنزع يدا

١٣

وفي آخر الرجز :

وقتلونا ركّعا وسجّدا

وقرأ جمهور الناس «ويذهب غيظ قلوبهم» على إسناد الفعل إلى الله عزوجل ، وقرأت فرقة «ويذهب غيظ قلوبهم» على إسناد الفعل إلى الغيظ ، وقرأ جمهور الناس «يتوب» بالرفع على القطع مما قبله ، والمعنى أن الآية استأنفت الخبر بأنه قد يتوب على بعض هؤلاء الكفرة الذين أمر بقتالهم ، قال أبو الفتح : وهذا أمر موجود سواء قوتلوا أو لم يقاتلوا ، فلا وجه لإدخال التوبة في جواب الشرط الذي في (قاتِلُوهُمْ) على قراءة النصب ، وإنما الوجه الرفع على الاستئناف والقطع ، وقرأ الأعرج وابن أبي إسحاق وعيسى الثقفي وعمرو بن عبيد وأبو عمرو فيما روي عنه «ويتوب» بالنصب على تقدير وأن يتوب ، ويتوجه ذلك عندي إذا ذهبت إلى أن التوبة إنما يراد بها هنا أن قتل الكافرين والجهاد في سبيل الله هو توبة لكم أيها المؤمنون وكمال لإيمانكم ، فتدخل التوبة على هذا في شرط القتال ، و (عَلِيمٌ حَكِيمٌ) صفتان نسبتهما إلى الآية واضحة.

قوله عزوجل :

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦) ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ)(١٧)

(أَمْ) في هذه الآية ليست المعادلة ، وإنما هي المتوسطة في الكلام ، وهي عند سيبويه التي تتضمن إضرابا عن اللفظ لا عن معناه ، واستفهاما فهي تسد مسد بل وألف الاستفهام ، وهي التي في قولهم : «إنها لإبل أم شاء» التقدير بل أهي شاء ، وقوله (أَنْ تُتْرَكُوا) يسد عند سيبويه مسد مفعولي «حسب» ، وقال المبرد : «أن» وما بعدها مفعول أول والثاني محذوف.

قال القاضي أبو محمد : كان تقديره مهملين أو سدى ونحو ذلك ، وقوله (وَلَمَّا) هي دخلت على لم وفيها مبالغة ، ومعنى الآية أظننتم أن تتركوا دون اختبار وامتحان؟ ف (لَمَّا) في هذه الآية بمنزلة قول الشاعر [الفرزدق] : [الطويل]

بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم

ولم تكثر القتلى بها حين سلّت

قال القاضي أبو محمد : والمراد بقوله (وَلَمَّا يَعْلَمِ) لما يعلم ذلك موجودا كما علمه أزلا بشرط الوجود ولما يظهر فعلكم واكتسابكم الذي يقع عليه الثواب والعقاب ففي العبارة تجوز وإلا فحتم أنه قد علم الله في الأزل الذين وصفهم بهذه الصفة مشروطا وجودهم ، وليس يحدث له علم تبارك وتعالى عن ذلك ، و (وَلِيجَةً) معناه بطانة ودخيلة ، وقال عبادة بن صفوان الغنوي : [الطويل]

ولائجهم في كل مبدى ومحضر

إلى كل من يرجى ومن يتخوف

١٤

وهو مأخوذ من الولوج ، فالمعنى أمرا باطنا مما ينكره الحق ، وهذه الآية مخاطبة للمؤمنين معناها أنه لا بد من اختبارهم فهي كقوله (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) [البقرة : ٢١٤] وكقوله (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) [العنكبوت : ١ ـ ٢] وفي هذه الآية طعن على المنافقين الذين اتخذوا الولائج لا سيما عند ما فرض القتال ، وقرأ جمهور الناس «والله خبير بما تعملون» بالتاء على المخاطبة ، وقرأ الحسن ويعقوب في رواية رويس وسلام بالياء على الحكاية عن الغائب ، وقوله تعالى (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ) الآية ، معناه ما كان للمشركين بحق الواجب أن يعمروا ، وهذا هو الذي نفى الله عزوجل وإلا فقد عمروا مساجده قديما وحديثا وتغلبا وظلما ، وقرأ حماد بن أبي سلمة عن ابن كثير والجحدري «مسجد الله» بالإفراد في الموضعين ، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والأعرج وشيبة وأبو جعفر ومجاهد وقتادة وغيرهم «مساجد» بالجمع في الموضعين ، وقرأ ابن كثير أيضا وأبو عمرو «مسجد» بالإفراد في هذا الموضع الأول و «مساجد» بالجمع في الثاني ، كأنه ذكر أولا فيه النازلة ذلك الوقت ، ثم عمت المساجد ثانيا في الحكم الثابت ما بقيت الدنيا ، ولفظ الجمع يقتضي عموم المساجد كلها ، ويحتمل أن يراد به المسجد الحرام في الموضعين وحده على أن يقدر كل موضع سجود فيه مسجدا ثم يجمع ، ولفظ الإفراد في الموضعين يقتضي خصوص المسجد الحرام وحده ، ويحتمل أن يراد به الجنس فيعم المساجد كلها ولا يمنع من ذلك إضافته كما ذهب إليه من لا بصر له ، وقال أبو علي الثاني في هذه القراءة يراد به الأول وسائر المساجد كلها حكمها حكم المسجد الحرام ، وقوله (شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) إشارة إلى حالهم إذ أقوالهم وأفعالهم تقتضي الإقرار بالكفر والتحلي به ، وقيل الإشارة إلى قولهم في التلبية إلا شريك هو لك ونحو ذلك ، وحكى الطبري عن السدي أنه قال : الإشارة إلى أن النصراني كان يقول أنا نصراني واليهودي كذلك والوثني يقول أنا مشرك.

قال القاضي أبو محمد : وهذا لم يحفظ ، ثم حكم الله تعالى عليهم بأن أعمالهم (حَبِطَتْ) أي بطلت ولا أحفظها تستعمل إلا في السعي والعمل ، ويشبه أن يكون من الحبط وهو داء قاتل يأخذ السائمة إذا رعت وبيلا وهو الذي في قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم» الحديث.

قوله عزوجل :

(إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(١٩)

المعنى في هذه الآية (إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ) بالحق لهم والواجب ، ولفظ هذه الآية الخبر وفي ضمنها أمر المؤمنين بعمارة المساجد ، وقد قال بعض السلف إذا رأيتم الرجل يعمر المسجد فحسنوا به

١٥

الظن ، وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا عليه بالإيمان» وقد تقدم القول في قراءة مسجد ، وقوله (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ) يتضمن الإيمان بالرسول إذ لا يتلقى ذلك إلا منه ، وقوله (وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ) حذفت الألف من «يخشى» للجزم ، قال سيبويه : واعلم أن الأخير إذا كان يسكن في الرفع حذف في الجزم لئلا يكون الجزم بمنزلة الرفع ، ويريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة ، وهذه المرتبة العدل بين الناس ، ولا محالة أن الإنسان يخشى غيره ويخشى المحاذير الدنياوية وينبغي أن يخشى في ذلك كله قضاء الله وتصريفه ، و «عسى» من الله واجبة حيثما وقعت في القرآن ، ولم يرج الله بالاهتداء إلا من حصل في هذه المرتبة العظيمة من العدالة ، ففي هذا حض بليغ على التقوى ، وقرأ الجمهور «أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام» وقرأ ابن الزبير وأبو حمزة ومحمد بن علي وأبو جعفر القاري «أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام» ، وقرأها كذلك ابن جبير إلا أنه نصب «المسجد» على إرادة التنوين في «عمرة» وقرأ الضحاك وأبو وجزة وأبو جعفر القاري «سقاية الحاج» بضم السين «وعمرة» ، فأما من قرأ «سقاية وعمارة» ففي الكلام عنده محذوف إما في أوله وإما في آخره فإما أن يقدر «أجعلتم أهل سقاية» وإما أن يقدر كفعل من آمن بالله. وأما من قرأ «سقاة» و «عمرة» فنمط قراءته مستو ، وأما قراءة الضحاك فجمع ساق إلا أنه ضم أوله كما قالوا عرف وعراف وظئر وظؤار ، وكان قياسه أن يقال سقاء وإن أنث كما أنث من الجموع حجارة وغيره. فكان القياس سقية من أول مرة على التأنيث قاله ابن جني ، و (سِقايَةَ الْحاجِ) كانت في بني هاشم وكان العباس يتولاها ، سقية من أول مرة على التأنيث قاله ابن جني ، و (سِقايَةَ الْحاجِ) كانت في بني هاشم وكان العباس يتولاها ، قال الحسن : ولما نزلت هذه الآية قال العباس : ما أراني إلا أترك السقاية ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أقيموا عليها فإنها لكم خير ، (وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ) قيل هي حفظه من الظلم فيه ويقال هجرا ، وكان ذلك إلى العباس ، وقيل هي السدانة خدمة البيت خاصة ، وكانت في بني عبد الدار وكان يتولاها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الدار ، وشيبة بن عثمان بن أبي طلحة المذكور هذان هما اللذان دفع إليهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مفتاح الكعبة في ثاني يوم الفتح بعد أن طلبه العباس وعلي رضي الله عنهما ، وقالصلى‌الله‌عليه‌وسلم لعثمان وشيبة : «يوم وفاء وبر خذوها خالدة تالدة لا ينازعكموها إلا ظالم».

قال القاضي أبو محمد : يعني السدانة واختلف الناس في سبب نزول هذه الآية فقيل إن كفار قريش قالوا لليهود إنّا نسقي الحجيج ونعمر البيت ، أفنحن أفضل أم محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ودينه؟ فقالت لهم أحبار اليهود بل أنتم ، فنزلت الآية في ذلك ، وقيل إن الكفار افتخروا بهذه الأشياء فنزلت الآية في ذلك ، وأسند الطبري إلى النعمان بن بشير أنه قال : كنت عند منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في نفر من أصحابه ، فقال أحدهم ما أتمنى بعد الإسلام إلا أن أكون ساقي الحاج ، وقال الآخر إلا أن أكون خادم البيت وعامره ، وقال الثالث إلا أن أكون مجاهدا في سبيل الله ، فسمعهم عمر بن الخطاب فقال : اسكتوا حتى أدخل على النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأستفتيه فدخل عليه فاستفتاه فنزلت الآية في ذلك ، وقال ابن عباس والضحاك : إن المسلمين عيروا أسرى بدر بالكفر فقال العباس بل نحن سقاة الحاج وعمرة البيت فنزلت الآية في ذلك ، وقال مجاهد : أمروا بالهجرة فقال العباس أنا أسقي الحاج وقال عثمان بن طلحة أنا حاجب للكعبة فلا نهاجر

١٦

فنزلت (أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِ) إلى قوله (حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) ، وقال مجاهد وهذا كله قبل فتح مكة ، وقال محمد بن كعب : إن العباس وعليا وعثمان بن طلحة تفاخروا فقال العباس أنا ساقي الحاج وقال عثمان أنا عامر البيت ولو شئت بت فيه وقال علي أنا صاحب جهاد الكفار مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم والذي آمنت وهاجرت قديما ، فنزلت الآية في ذلك.

قوله عزوجل :

(الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(٢٣)

لما حكم الله تعالى في الآية المتقدمة بأن الصنفين لا يستوون بين ذلك في هذه الآية الأخيرة وأوضحه ، فعدد الإيمان والهجرة والجهاد بالمال والنفس ، وحكم أن أهل هذه الخصال (أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ) من جميع الخلق ، ثم حكم لهم بالفوز برحمته ورضوانه ، والفوز بلوغ البغية إما في نيل رغبته أو نجاة من مهلكة ، وينظر إلى معنى هذه الآية الحديث الذي جاء «دعوا لي أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه».

قال القاضي أبو محمد : لأن أصحاب هذه الخصال على سيوفهم انبنى الإسلام وهم ردوا الناس إلى الشرع ، وقوله تعالى : (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ) الآية ، هذه آية وعد ، وقراءة الناس «يبشّرهم» بضم الياء وكسر الشين المشددة ، وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف وحميد بن هلال «يبشرهم» بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين خفيفة ، وأسند الطبري إلى جابر بن عبد الله أنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله عزوجل أعطيتكم أفضل من هذا ، فيقولون ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ قال : رضواني» ، وفي البخاري في كتاب السنة منه «فلا أسخط عليكم أبدا» ، وقرأ الجمهور «ورضوان» بكسر الراء ، وقرأ عاصم وعمرو «ورضوان» بضم الراء وقرأ الأعمش بضم الراء والضاد جميعا ، قال أبو حاتم لا يجوز هذا وقوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ) الآية ، ظاهر هذه المخاطبة أنها لجميع المؤمنين كافة ، وهي باقية الحكم إلى يوم القيامة ، وروت فرقة أن هذه الآية إنما نزلت في الحض على الهجرة ورفض بلاد الكفر ، فالمخاطبة على هذا هي للمؤمنين الذين كانوا في مكة وغيرها من بلاد العرب خوطبوا بأن لا يوالوا الآباء والإخوة فيكونون لهم تبعا في سكنى بلاد الكفر ، ولم يذكر الأبناء في هذه الآية إذ الأغلب من البشر أن الأبناء هم التبع للآباء و «إخوان» في هذه الآية جمع أخ النسب ، وكذلك هو في قوله تعالى : (أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ) [النور : ٦١] وقرأ عيسى بن عمر «أن استحبوا» بفتح الألف من «أن» وقرأ الجمهور «إن» بكسر الألف على الشرط ، و (اسْتَحَبُّوا) متضمنة معنى فضلوا

١٧

وآثروا ولذلك تعدت ب «على» ، ثم حكم الله عزوجل بأن من والاهم واتبعهم في أغراضهم فإنه ظالم أي واضع للشيء غير موضعه ، وهذا ظلم المعصية لا ظلم الكفر.

قوله عزوجل :

(قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ)(٢٤)

هذه الآية تقوي مذهب من رأى أن هذه والتي قبلها إنما مقصودها الحض على الهجرة ، وفي ضمن قوله : (فَتَرَبَّصُوا) وعيد بين ، وقوله : (بِأَمْرِهِ) قال الحسن : الإشارة إلى عذاب أو عقوبة من الله ، وقال مجاهد : الإشارة إلى فتح مكة ، والمعنى فإذا جاء الله بأمره فلم تسلبوا ما يكون لكم أجرا ومكانة في الإسلام.

قال القاضي أبو محمد : وذكر الأبناء في الآية لما جلبت ذكرهم المحبة ، والأبناء صدر في المحبة وليسوا كذلك في أن تتبع آراؤهم كما في الآية المتقدمة ، وقرأ جمهور الناس «وعشيرتكم» ، وقرأ عاصم وحده بخلاف عنه وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن وعصمة «وعشيراتكم» ، وحسن هذا الجمع إذ لكل أحد عشيرة تختص به ، ويحسن الإفراد أن أبا الحسن الأخفش قال إنما تجمع العرب عشائر ولا تكاد تقول عشيرات ، و (اقْتَرَفْتُمُوها) معناه اكتسبتموها ، وأصل الاقتراف والمقارفة مقاربة الشيء ، (وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها) بيّن في أنواع المال ، وقال ابن المبارك : الإشارة إلى البنات اللواتي لا يتزوجن لا يوجد لهن خاطب ، (وَمَساكِنُ) جمع مسكن بفتح الكاف مفعل من السكنى ، وما كان من هذا معتل الفاء فإنما يأتي على مفعل بكسر العين كموعد وموطن ، والمساكن القصور والدور ، و (أَحَبَ) خبر كان ، وكان الحجاج بن يوسف يقرؤها «أحبّ» بالرفع وله في ذلك خبر مع يحيى بن يعمر سأله الحجاج هل تسمعني الجن قال نعم في هذا الحرف ، وذكر له رفع أحب فنفاه.

قال القاضي أبو محمد : وذلك خارج في العربية على أن يضمر في كان الأمر والشأن ولم يقرأ بذلك ، وقوله (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) عموم لفظ يراد به الخصوص فيمن يوافى على فسقه ، أو عموم مطلق على أنه لا هداية من حيث الفسق.

قوله عزوجل :

(لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ

١٨

كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(٢٧)

هذه مخاطبة لجميع المؤمنين يعد الله نعمه عليهم ، و (مَواطِنَ) جمع موطن بكسر الطاء ، والموطن موضع الإقامة أو الحلول لأنه أول الإقامة ، و «المواطن» المشار إليها بدر والخندق والنضير وقريظة ، ولم يصرف (مَواطِنَ) لأنه جمع ونهاية جمع ، (وَيَوْمَ) عطف على موضع قوله (فِي مَواطِنَ) أو على لفظة بتقدير وفي يوم ، فانحذف حرف الخفض ، و (حُنَيْنٍ) واد بين مكة والطائف قريب من ذي المجاز وصرف حين أريد به الموضع والمكان ، ولو أريد به البقعة لم يصرف كما قال الشاعر [حسان رضي الله عنه] : [الكامل]

نصروا نبيّهم وشدّوا أزره

بحنين يوم تواكل الأبطال

وقوله (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) روي أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال حين رأى حملته اثني عشر ألفا قال : لن نغلب اليوم من قلة ، وروي أن رجلا من أصحابه قالها فأراد الله إظهار العجز فظهر حين فر الناس ، ثم عطف القدر بنصره ، وقوله (وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ) أي بقدر ما هي رحبة واسعة لشدة الحال وصعوبتها ، ف «ما» مصدرية ، وقوله (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) يريد فرار الناس عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

قال القاضي أبو محمد : واختصار هذه القصة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لما فتح مكة وكان في عشرة آلاف من أصحابه وانضاف إليه ألفان من الطلقاء فصار في اثني عشر ألفا سمع بذلك كفار العرب فشق عليهم فجمعت له هوازن وألفافها وعليهم مالك بن عوف النصري وثقيف وعليهم عبد ياليل بن عمرو وانضاف إليهم أخلاط من الناس حتى كانوا ثلاثين ألفا فخرج إليهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى اجتمعوا بحنين ، فلما تصافّ الناس حمل المشركون من مجاني الوادي ، فانهزم المسلمون ، قال قتادة : ويقال إن الطلقاء من أهل مكة فروا وقصدوا إلقاء الهزيمة في المسلمين ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على بغلة شهباء ، وقال أبو عبد الرحمن الفهري : كنت مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يومئذ وكان على فرس قد اكتنفه العباس عمه وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وبين يديه أيمن بن أم أيمن ، وثم قتل رحمه‌الله ، فلما رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم شدة الحال نزل عن بغلته إلى الأرض ، قاله البراء بن عازب ، واستنصر الله عزوجل فأخذ قبضة من تراب وحصى فرمى بها وجوه الكفار ، وقال : شاهت الوجوه ، وقال عبد الرحمن : تطاول من فرسه فأخذ قبضة التراب ونزلت الملائكة لنصره ونادى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يا للأنصار ، وأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم العباس أن ينادي أين أصحاب الشجرة أين أصحاب سورة البقرة ، فرجع الناس عنقا واحدا وانهزم المشركون ، قال يعلى بن عطاء : فحدثني أبناؤهم عن آبائهم قالوا لم يبق منا أحد إلا دخل في عينيه من ذلك التراب ، واستيعاب هذه القصة في كتاب السير.

١٩

وظاهر كلام النحاس أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان في أربعة عشر ألفا ، وهذا غلط ، و (مُدْبِرِينَ) نصب على الحال المؤكدة كقوله : (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً) [البقرة : ٩١] والمؤكدة هي التي يدل ما قبلها عليها كدلالة التولي على الأدبار ، وقوله تعالى : (ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ) الآية ، (ثُمَ) هاهنا على بابها من الترتيب ، و «السكينة» النصر الذي سكنت إليه ومعه النفوس والحال ، والإشارة بالمؤمنين إلى الأنصار على ما روي ، وذلك أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نادى في ذلك اليوم يا معشر الأنصار ، فانصرفوا وهم ردوا الهزيمة ، و «الجنود» الملائكة ، و «الرعب» قال أبو حاجز يزيد بن عامر : كان في أجوافنا مثل ضربة الحجر في الطست من الرعب ، «وعذاب الذين كفروا» هو القتل الذي استحرّ فيهم والأسر الذي تمكن في ذراريهم ، وكان مالك بن عوف النصري قد أخرج الناس بالعيال والذراري ليقاتلوا عليها ، فخطأه في ذلك دريد بن الصمة ، وقال لمالك بن عوف راعي ضأن وهل يرد المنهزم شيء؟ وفي ذلك اليوم قتل دريد بن الصمة القتلة المشهورة ، قتله ربيعة بن رفيع بن أهبان السلمي ، ويقال ابن الدغنة وقوله (ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ) إعلام بأن من أسلم وتاب من الكفار الذين نجوا ذلك اليوم فإنهم مقبولون مسلمون موعودون بالغفران والرحمة.

قوله عزوجل :

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(٢٨)

قال قتادة ومعمر بن راشد وغيرهما : صفة المشرك بالنجس إنما كانت لأنه جنب إذ غسله من الجنابة ليس بغسل ، وقال ابن عباس وغيره : بل معنى الشرك هو الذي كنجاسة الخمر ، قال الحسن البصري : من صافح مشركا فليتوضأ.

قال القاضي أبو محمد : فمن قال بسبب الجنابة أوجب الغسل على من يسلم من المشركين ، ومن قال بالقول الآخر لم يوجب الغسل ، والمذهب كله على القول بإيجاب الغسل إلا ابن عبد الحكم فإنه قال : ليس بواجب ، وقرأ أبو حيوة «نجس» بكسر النون وسكون الجيم ، ونص الله تعالى في هذه الآية على المشركين وعلى المسجد الحرام ، فقاس مالك رحمه‌الله غيره جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم على المشركين ، وقاس سائر المساجد على المسجد الحرام ، ومنع من دخول الجميع في جميع المساجد وكذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله ونزع في كتابه بهذه الآية ، ويؤيد ذلك قوله تعالى : (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ) [النور : ٣٦] ، وقال الشافعي هي عامة في الكفار خاصة في المسجد الحرام ، فأباح دخول اليهود والنصارى والوثنيين في سائر المساجد ، ومن حجته حديث ربط ثمامة بن أثال ، وقال أبو حنيفة هي خاصة في عبدة الأوثان وفي المسجد الحرام ، فأباح دخول اليهود والنصارى في المسجد الحرام وغيره ، ودخول عبدة الأوثان في سائر المساجد ، وقال عطاء : وصف المسجد بالحرام ومنع القرب يقتضي منعهم من جميع الحرم.

٢٠