🚘

أصول الإيمان

عبدالقاهر التميمي الشافعي

أصول الإيمان

المؤلف:

عبدالقاهر التميمي الشافعي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار ومكتبة الهلال للطباعة والنشر
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

ترجمة المؤلف (١)

هو عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله التميمي أبو منصور الفقيه الشافعي. ولد ببغداد ونشأ بها وسافر مع أبيه إلى خراسان وسكنا بنيسابور إلى أن ماتا.

تفقه أبو منصور علي أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الأسفراييني. وقرأ عليه أصول الدين ، وكان ماهرا في فنون عديدة خصوصا في علم الحساب. وله تواليف نافعة منها كتاب (التكملة) وكان يدرس في سبعة وعشرين فنا ، وكان عارفا بالفرائض والنحو والشعر ، وكان ذا مال وثروة ولم يكتسب بعلمه مالا ، وأربى على أقرانه في الفنون ، وجلس بعد أستاذه أبي إسحاق للإملاء في مسجد عقيل ، فأملى سنين واختلف إليه الأئمة فقرءوا عليه مثل ناصر المروزي وزين الإسلام القشيري ، وتوفي سنة عشرين وأربعمائة ، وأكثر المصادر على أن وفاته كانت سنة ٤٢٩ بمدينة إسفرايين ودفن إلى جانب شيخه رحمهما‌الله تعالى.

ومن شعره :

طلبت من الحبيب زكاة حسن

على صغر من الحسن البهي

فقال : وهل على مثلي زكاة

على قول العراقي الزكي

فقلت : الشافعي لنا إمام

وقد فرض الزكاة على الصبي

__________________

(١) عن فوات الوفيات والذيل عليها لمحمد بن شاكر الكتبي (٧٦٤) تحقيق د. إحسان عباس ج ٢ ص ٣٧١ / ٣٧٢.

٥

وهذا مثل قول الأمير أبي الفضل الميكالي :

أقول لشاذان في الحسن فرد

يصيد بلحظة قلب الكمي

ملكت الحسن أجمع في نصاب

ناد زكاة منظرك البهي

وذاك بأن تجود لمستهام

برشف من مقبلك الشهي

فقال : أبو حنيفة لي إمام

وعندي لا زكاة على الصبي

وتممها سيدنا ومولانا قاضي القضاة تقي الدين السبكي (أدام الله أيامه) بقوله :

فقال : اذهب إذن فاقبض زكاتي

برأي الشافعي من الوليّ

فقلت فديتك من فقيه

أيطلب بالوفاء سوى المليّ

نصاب الحسن عندك ذو امتناع

بلحظك والقوام السمهري

فإن أعطيتنا طوعا وإلا

أخذناه بقول الحنبلي

ومن شعر أبي منصور :

شبابي وشيبتي دليلا رحيلي

مسمعا لذاك وذا من دليل

وقد مات من كان لي عديل

وحسبي دليلا رحيل العديل

ومنه أيضا :

يا سائلي عن قصتي

دعني أمت في غصتي

أعال في أيدي الورى

واليأس منه حصّتي

ومن تصانيفه :

١ ـ تفسير القرآن.

٢ ـ تأويل متشابه الأخبار.

٣ ـ فضائح المعتزلة.

٤ ـ الكلام في الوعد والوعيد.

٥ ـ الفاخر في الأوائل والأواخر.

٦ ـ إبطال القول بالتولد.

٧ ـ فضائح الكرامية.

٦

٨ ـ معيار النظر.

٩ ـ تغفيل الفقير الصابر على الغني الشاكر.

١٠ ـ الإيمان وأصوله.

١١ ـ الملل والنحل.

١٢ ـ التحصيل في أصول الفقه.

١٣ ـ الفرق بين الفرق.

١٤ ـ بلوغ المدى في أصول الهدى.

١٥ ـ نفي خلق القرآن.

١٦ ـ الصفات.

٧
٨

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله ذي الحكم البوالغ والنعم السوابغ والنّقم الدوامغ والصلاة والسلام على ذي الفضائل والفواضل محمد وآله الافضال.

قال الاستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي رحمة الله عليه : هذا كتاب ذكرنا فيه خمسة عشر أصلا من أصول الدين وشرحنا كل أصل منها بخمس عشرة مسألة من مسائل العدل والتوحيد والوعد والوعيد وما يليق بها من مسائل النبوّات والمعجزات وشروط الإمامة والزعامة من الأولياء وأهل الكرامة وأشرنا في كل مسألة منها إلى أصولها بالتحصيل دون التطويل ليكون مجموعها للعالم تذكرة وللمتعلم تبصرة بعون الله وتوفيقه.

ذكر الأصول الخمسة عشر

الأصل الأول : في بيان الحقائق والعلوم على الخصوص والعموم.

الأصل الثاني : في حدوث العالم على أقسامه من أعراضه وأجسامه.

الأصل الثالث : في معرفة صانع العالم ونعوته في ذاته.

الأصل الرابع : في معرفة صفاته القائمة بذاته.

الأصل الخامس : في معرفة أسمائه وأوصافه.

الأصل السادس : في معرفة عدله وحكمه.

الأصل السابع : في معرفة رسله وأنبيائه.

٩

الأصل الثامن : في معرفة معجزات أنبيائه وكرامات أوليائه.

الأصل التاسع : في معرفة أركان شريعة الإسلام.

الأصل العاشر : في معرفة أحكام التكليف في الأمر والنهي والخبر.

الأصل الحادي عشر : في معرفة أحكام العباد في المعاد.

الأصل الثاني عشر : في بيان أصول الإيمان.

الأصل الثالث عشر : في بيان أحكام الإمامة وشروط الزعامة.

الأصل الرابع عشر : في معرفة أحكام العلماء والأئمة.

الأصل الخامس عشر : في بيان أحكام الكفر وأهل الأهواء الفجرة.

فهذه جملة أصول الدين على قواعد فريقي الرّأي والحديث دون من يشتري لهو الحديث ، وقد جاءت في الشريعة أحكام مرتبة على خمسة عشر من العدد. وأجمعت الأمة على بعضها واختلفوا في بعضها. فمنها على اختلاف سنّ البلوغ لأنها عند الشافعيّ في الذكور والإناث خمس عشرة سنة بسني العرب دون سني الروم والعجم. ومنها مدة أكثر الحيض عند الشافعي وفقهاء المدينة خمسة عشر يوما بلياليها. ومنها أول الطهر الفاصل بين الحيضتين فإنه عند أكثر الأئمة خمسة عشر وهذا كله على أصل الشافعي وموافقيه. فأما على أصل أبي حنيفة رحمه‌الله وأتباعه فإن كلمات الأذان عندهم خمس عشرة. ومقدار مدة الإقامة التي توجب عنده إتمام الصلاة خمسة عشر يوما وعند الشافعي أربعة أيام. وأجمعوا على وجوب خمسة عشر درهما في زكاة ستمائة درهم وخمسة عشر دينارا في زكاة ستمائة دينار. فإذا بلغت الإبل السائمة ستمائة وجب فيها خمس عشرة بنت لبون أو اثنا عشر من الحقاق. وإذا بلغت البقر السائمة ستمائة وجب فيها خمس عشرة مسنّة أو عشرون تبيعا أو تبيعة. فإن كانت أربعمائة وخمسين بقرة وجب خمسة عشر تبيعا أو تبيعة. وأجمعوا على أن الواجب في منقّلة الرجل الحرّ خمس عشرة من

١٠

الإبل وفي ثلاثة من أسنان الرجل الحر خمسة عشر بعيرا وفي ستة من أسنان المرأة خمسة عشر بعيرا وفي ثلاث أصابع المرأة الحرّة خمسة عشر بعيرا. ومثل هذا كثير من أحكام الشريعة ولأجلها لم يكره تقسيم قواعد الدين على خمسة عشر أصلا وتقسيم كل منها خمس عشرة مسألة. فاشتمل الكتاب لأجل ذلك على مائتين وخمس وعشرين مسألة في كل مسألة منها المذهب والخلاف. وأشرنا فيها إلى نصرة الحق بدليل يكشف عنه على الإيجاز من غير تطويل بحمد الله ومنته.

١١
١٢

ذكر الأصل الأول

في بيان الحقائق والعلوم على الخصوص والعلوم

هذا الأصل مشتمل على خمس عشرة مسألة هذه ترجمتها :

مسألة في بيان حد العلم وحقيقته. مسألة في إثبات العلوم والحقائق. مسألة في أن لعلوم معان [قائمة بالعلماء] غير العلماء. مسألة في أقسام العلوم وأنواعها [وأساميها]. مسألة في بيان أقسام الحواس. مسألة في إثبات النظر والاستدلال. مسألة في أن الخبر المتواتر يوجب العلم. مسألة في أقسام الأخبار على التفصيل. مسألة في أقسام العلوم النظرية. مسألة في بيان مأخذ العلوم الشرعية [الشريفة]. مسألة في شروط الأخبار. مسألة في بيان ما يعلم بالعقل قبل الشرع وما لا يعلم إلا بالشرع. مسألة في شروط العلوم والإدراكات. مسألة في بيان ما يصح تعلق العلم به. مسألة في صحة ورود التكليف بالعلوم والمعارف.

فهذه مسائل الأصل من الأول من اصول هذا الكتاب وسنذكر في كل مسألة منها مقتضاها إن شاء الله تعالى.

المسألة الأولى من الأصل الأول

في حد العلم وحقيقته

اختلفوا في حد العلم وحقيقته : فمن أصحابنا من قال : العلم صفة يصير الحي بها عالما خلاف قول من أجاز وجود العلم في الأموات والجمادات كما ذهب إليه الصالحيّ والكرامية وخلاف قول القدرية في دعواها أن الله عالم بلا علم وخلاف قول من يزعم أن العلم وكلّ موجد أجسام لا صفات. ومن أصحابنا من

١٣

قال : إن العلم صفة تصح بها من الحي القادر إحكام الفعل وإتقانه. وفائدة هذا القول إبطال قول القدرية في دعواها أن كثيرا من الأفعال المحكمة المتقنة يقع ممن لا علم له بها على سبيل التولّد. واختلفت القدرية في حد العلم : فزعم الكعبي إنه اعتقاد الشيء على ما هو به وزعم الجبائيّ أنه اعتقاد الشيء على ما هو به عن ضرورة أو دلالة وزعم ابنه أبو هاشم أنه اعتقاد الشيء على ما هو به مع سكون النفس إليه. وهذه الحدود الثلاثة منتقضة بالعلم باستحالة المحالات فإن العلم بها ليس هو علم بشيء لأن المحال ليس بشيء ومع ذلك يتعلق العلم بكون المحال محالا وإن كان ليس بشيء بالاتفاق لأن المعدوم عندهم إنما يكون شيئا إذا كان جائز الوجود مثل الجوهر والعرض فأما ما يستحيل وجوده فلا يكون شيئا مثل الزوجة والأولاد والشريك لله تعالى. وقيل لهم أيضا لو كان العلم اعتقادا على وجه مخصوص لوجب أن يكون كلّ عالم معتقدا والله سبحانه وتعالى عالم وليس بمعتقد فبطل تحديد العلم بالاعتقاد. وزعم النظّام أن العلم حركة من حركات القلب والإرادة عنده من حركات القلب أيضا. فقد خلط العلم بالإرادة مع اختلاف جنسهما.

المسألة الثانية من هذا الأصل

في إثبات العلم والحقائق

والخلاف في هذه المسألة مع السوفسطائية. وهم فرق :

ـ فرقة زعمت أنه لا حقيقة لشيء ولا علم بشيء وهؤلاء معاندون وينبغي أن يعاملوا بالضرب والتأديب وأخذ الأموال منهم فإذا اشتكوا من ألم الضرب وطالبوا أموالهم قيل لهم إن لم يكن لكم ولا لأموالكم حقيقة لما تشتكون من الألم فما هذا الضّجر ولم تطلبون ما لا حقيقة له؟ وقيل لهم : هل لنفي الحقائق حقيقة؟ فإن قالوا : نعم ، أثبتوا بعض الحقائق وإن قالوا لا قيل لهم إذا لم يكن لنفي الحقائق حقيقة ولم يصحّ نفيها فقد صح ثبوتها وقيل لهم هل تعلمون أنه لا علم فإن قالوا

١٤

نعم فقد أثبتوا علما وعالما ومعلوما وإن قالوا : لا نعلم أنه لا علم قيل لم حكمتم بأن لا علم وأنتم لا تعلمون أنه لا علم له.

ـ والفرقة الثانية منهم : أهل شك قالوا : لا نعلم هل للأشياء والعلوم حقائق أم لا حقائق. وهؤلاء إن شكّوا في وجود أنفسهم لحقوا بالفرقة الأولى منهم وإن علموا وجود أنفسهم فقد أثبتوا بعض الحقائق.

ـ والفرقة الثالثة منهم : قالوا للأشياء حقائق تابعة للاعتقادات وزعموا أن كل من اعتقد شيئا فمعتقده على ما اعتقده وهؤلاء يلزمهم أن يكون العالم قديما محدثا لأن قوما اعتقدوا حدوثه وآخرين اعتقدوا قدمه ويلزمهم أن يكون قولهم باطلا لاعتقادنا بطلان قولهم إن كانت الاعتقادات كلها صحيحة بزعمهم. ويسألون عن اعتقاد المعاندين من السوفسطائية فإن زعموا أن اعتقادهم لنفي الحقائق اعتقاد صحيح لحقوا بهم وإن أبطلوا اعتقادهم نقضوا قولهم بتصحيح الاعتقادات كلها.

المسألة الثالثة من هذا الأصل الأول

في أن العلوم معان [قائمة بالعلماء]

والخلاف في هذه المسألة مع نفاة الأعراض من الدهرية ومع الأصمّ من جملة القدرية فإنه وافق الأعراض في نفي الأعراض. وهؤلاء كلّهم ينفون العلم ويثبتون كلّ عالم بلا علم وكلّ متحرك ومتلون متحركا ومتلونا بلا حركة ولا لون. ودليلنا عليهم أنّا وجدنا العالم منّا عالما مرة وغير عالم مرة ولا يجوز أن يكون عالما بنفسه لوجود نفسه في أحوال لا يكون فيها عالما فوجب لذلك أن يكون إنما صار عالما لمعنى سواه وذلك المعنى هو المراد بقولنا علم فمن أثبته ونازعنا في اسمه فالخلاف معه في العبارة. فبهذا الدليل أثبتنا سائر الأعراض.

المسألة الرابعة من الأصل الأول

في بيان أقسام العلوم وأسمائها

العلوم عندنا قسمان : أحدهما علم الله تعالى وهو علم قديم ليس بضروري

١٥

ولا مكتسب ولا واقع عن حسّ ولا عن فكر ونظر وهو مع ذلك محيط بجميع المعلومات على التفصيل والله عالم بكل ما كان وكل ما يكون وكل ما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون بعلم واحد أزليّ غير حادث. والقسم الثاني من قسمي العلوم : علوم الناس وسائر الحيوانات وهي ضربان : ضروري ومكتسب. والفرق بينهما من جهة قدرة العالم على علمه المكتسب واستدلاله عليه ووقوع الضروري فيه من غير استدلال منه ولا قدرة له عليه.

والعلم الضروري قسمان : أحدهما علم بديهيّ والثاني علم حسيّ. والبديهيّ قسمان : أحدهما علم بديهيّ في الإثبات كعلم العالم منا بوجود نفسه وبما يجد في نفسه من ألم ولذة وجوع وعطش وحرّ وبرد وغمّ وفرح ونحو ذلك. والثاني : علم بديهيّ في النفي كعلم العالم منا باستحالة المحالات وذلك كعلمه بأنّ شيئا واحدا لا يكون قديما ومحدثا وأن الشخص لا يكون حيا وميتا في حال واحدة وإن العالم بالشيء لا يكون جاهلا به من الوجه الذي علمه في حال واحدة.

وأما العلوم الحسية فمدركة من جهة الحواس الخمس كما نبيّنها بعد هذا. والعلوم النظرية نوعان : عقليّ وشرعيّ. وكل واحد منهما مكتسب للعالم به واقع له باستدلال منه عليه وبعضها أجلى من بعض كما نثبته بعد هذا إن شاء الله تعالى.

المسألة الخامسة من الأصل الأول

في أقسام الحواس وفوائدها

الحواس عند أصحابنا وأكثر العقلاء خمس يدرك بها العلوم الحسية.

أولاها : حاسّة البصر ويدرك بها الأجسام والألوان وحسن التركيب في الصّور ويجوز عندنا إدراك كل موجود بها خلاف قول من قال من المعتزلة أنه لا يدرك بها الا الأجسام والألوان كما ذهب إليه أبو هاشم بن الجبائي [و] خلاف قول الجبائي أنه لا يدرك بها إلا الأجسام والألوان والأكوان وخلاف قول من زعم من الفلاسفة أن البصر لا يدرك به شيء غير اللون.

١٦

والحاسة الثانية : حاسة السمع ويدرك بها الكلام والأصوات كلها.

والثالثة : حاسة الذوق ويدرك بها الطعوم.

والرابعة : حاسة الشمّ ويدرك بها الروائح.

والخامسة : حاسة اللمس ويدرك بها الجسم والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة واللين والخشونة. وادّعى قوم أن الذوق من جملة حاسة اللمس. وزاد النظّام حاسة أخرى يدرك بها لذة النكاح وقوله في هذا كقول من يدعي حاسة سابعة يدرك بها الم الضرب والجراح (١).

واختلف أصحابنا في الفاضل من العلوم الحسية والنظرية : فقدّم أبو العباس القلانسي العلوم النظرية على الحسية وقدّم أبو الحسن الأشعري العلوم الحسية على العلوم النظرية لأنها أصول لها. واختلفوا في الفاضل من حاسّتي السمع والبصر : فزعمت الفلاسفة أن السمع أفضل من البصر لأنه يدرك بالسمع من الجهات الست وفي الضوء والظلمة ولا يدرك بالبصر عندهم إلا من جهة المقابلة وبواسطة من ضياء شعاع. وقال أكثر المتكلمين بتفضيل البصر على السمع لأن السمع لا يدرك به إلا الصوت والكلام والبصر يدرك به الأجسام والألوان والهيئات كلها. ويجوز عندنا إدراك جميع الموجودات بالبصر وأجاز أصحابنا الإدراك بالبصر من الجهات الست كما نثبته بعد هذا إن شاء الله تعالى

المسألة السادسة من هذا الأصل الأول

في إثبات العلوم النظرية

والخلاف في هذه المسألة مع السّمنيّة الذين زعموا أنه لا يعلم شيء إلا من طريق الحواس الخمس وأبطلوا العلوم النظرية وزعموا أن المذاهب كلها باطلة ، ويلزمهم على هذا القول إبطال مذهبهم لأن القول بإبطال المذهب مذهب. وقلنا لهم : بما ذا عرفتم صحة مذهبكم؟ فإن قالوا : بالنظر والاستدلال لزمهم إثبات النظر

__________________

(١) [وكلا القولين فاسد.].

١٧

والاستدلال طريقا إلى العلم بصحة شيء ما ، وهذا خلاف قولهم ، وإن قالوا : بالحس قيل لهم : إن العلوم بالحس يشترك في معرفته أهل الحواس السليمة فما بالنا لا نعرف صحة قولكم بحواسنا؟ فإن قالوا : إنكم قد عرفتم صحة قولنا بالحس ولكنكم جحدتم ما عرفتموه لم ينفصلوا (١) ممن عكس عليهم هذه الدعوى وقال لهم بل أنتم عارفون بصحة قول مخالفيكم وفساد قولكم بالضرورة الحسية لكنكم جحدتم ما عرفتموه حسّا وإذا تعارض القولان بطلا وصح أن الطريق إلى العلم بصحة الأديان إنما هو النظر والاستدلال.

المسألة السابعة من الأصل الأول

في إثبات الخبر المتواتر طريقا إلى العلم

والخلاف في هذه المسألة من وجهين : أحدهما مع البراهمة والسّمنيّة في إنكارهما وقوع العلم من جهة الأخبار المتواترة ويكذّبهم في ذلك علمهم بالبلدان التي لم يدخلوها والأمم والملوك الماضية وبظهور المدّعين للنبوات (٢) فإنهم وإن نازعوا في صدقهم عالمون بظهورهم وظهور دعاويهم وعلمهم بذلك كله ضروري لا شك لهم فيه ولا طريق لهم إليه إلا من جهة الخبر المتواتر الذي لا يصح التواطي عليه. والخلاف الثاني : مع قوم أثبتوا وقوع العلم من جهة التواتر لكنهم زعموا أن العلم الواقع عنه يكون مكتسبا لا ضروريا. ودليل كونه ضروريا امتناع وقوع الشك في المعلوم به كما يمتنع ذلك في المعلوم بالحواس والبداءة.

المسألة الثامنة من هذا الأصل

في بيان أقسام الأخبار

والأخبار عندنا على ثلاثة أقسام : تواتر وآحاد ومتوسط بينهما مستفيض جار مجرى التواتر في بعض أحكامه.

__________________

(١) [لم يتفصوا].

(٢) [ومع النظامية حيث قالوا يجوز ان يجتمع الأمة على الخطباء فإن الأخبار المتواترة لا حجة فيها لأنها يجوز ان يكون وقوعها كذبا فطعنوا في الصحابة وابطلوا القياس في الشريعة].

١٨

فالمتواتر هو الذي يستحيل التواطؤ على وضعه وهو موجب للعلم الضروري بصحة مخبره. وأخبار الآحاد متى صح إسنادها وكانت متونها غير مستحيلة في العقل كانت موجبة للعمل بها دون العلم وكانت بمنزلة شهادة العدول عند الحاكم يلزمه الحكم بها في الظاهر وإن لم يعلم صدقهم في الشهادة.

وأما المتوسط بين التواتر والآحاد فإنه شارك التواتر في إيجابه للعلم والعمل ويفارقه من حيث أن العلم الواقع عنه يكون مكتسبا والعلم الواقع عن التواتر ضروري غير مكتسب. وهذا النوع المستفيض المتوسط بين التواتر والآحاد على أقسام :

أحدهما : خبر من دلّت المعجزة على صدقه كأخبار الأنبياء عليهم‌السلام.

والثاني : خبر من أخبر عن صدقه صاحب معجزة.

والثالث : خبر رواه في الأصل قوم ثقات ثم انتشر بعدهم رواته في الأعصار حتى بلغوا حدّ التواتر (١) كالأخبار في الرؤية والشفاعة والحوض والميزان والرجم والمسح على الخفين وعذاب القبر ونحوه. والقسم الرابع منه : خبر من أخبار الآحاد في كل عصر قد أجمعت الأمّة على الحكم به كالخبر في أن لا وصية لوارث وفي أن لا ينكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها وفي أن السارق لما دون النصاب ومن غير حرز لا يقطع. ولا اعتبار في مثل هذا بخلاف أهل الأهواء من الروافض والقدرية والخوارج والجهمية والنجارية لأن أهل الأهواء لا اعتبار بخلافهم في أحكام الفقه وإن اعتبرنا خلافهم في أبواب علم الكلام (٢).

واعلموا أسعدكم الله أن الخبر في أصله منقسم إلى صدق وكذب. والصدق منه واقع على وفق مخبره والكذب ما كان بخلاف مخبره. وليس في الأخبار ما هو صدق كذب معا إلّا خبر واحد وهو إخبار من لم يكذب قطّ عن نفسه بأنه كاذب

__________________

(١) [وإن كانوا في العصر الأول محصورين ومن هذا الجنس أخبار الرؤية]

(٢) [وكل انواع هذا المستفيض موجب للعمل والعلم المكتسب]

١٩

وإن هذا الخبر كذب منه والكاذب إذا أخبر عن نفسه بأنه كاذب كان صادقا فصار هذا الخبر الواحد صدقا وكذبا وفاعله واحد. وفيه دليل على إبطال قول الثنويّة إنّ فاعل الصدق لا يجوز أن يكون فاعلا للكذب.

المسألة التاسعة من الأصل الأول

في بيان أقسام العلوم النظرية

العلوم النظرية على أربعة أقسام :

أحدها : استدلال بالعقل من جهة القياس والنظر.

الثاني : معلوم من جهة التجارب والعادات.

والثالث : معلوم من جهة الشرع.

والرابع : معلوم من جهة الإلهام في بعض الناس أو بعض الحيوانات دون بعض. فأما المعلوم بالنظر والاستدلال من جهة العقول العلم بحدوث العالم وقدم صانعه وتوحيده وصفاته وعدله وحكمته وجواز ورود التكليف منه على عباده وصحة نبوة رسله بالاستدلال عليها بمعجزاتهم ونحو ذلك من المعارف العقلية النظرية. وأما المعلوم بالتجارب والرياضات فكعلم الطبّ في الأدوية والمعالجات وكذلك العلم بالحرف والصناعات ، وقد يقع في هذا النوع ما يستدرك (١) بالقياس على المعتاد غير أن أصولها مأخوذة عن التجارب والعادات. وأما المعلوم بالشرع فكالعلم بالحلال والحرام والواجب والمسنون والمكروه (٢).

وإنما أضيف العلوم الشرعية إلى النظر لأن صحة الشريعة مبنية على صحة النبوة وصحة النبوة معلومة من طريق النظر والاستدلال ولو كانت معلومة بالضرورة من حسّ أو بديهة لما اختلف فيها أهل الحواس والبديهة ولما صار المخالف فيها

__________________

(١) [يستدل]

(٢) (وسائر أحكام الفقه]

٢٠