🚘

نهاية الأفكار - ج ٣

الشيخ محمد تقي البروجردي النجفي

نهاية الأفكار - ج ٣

المؤلف:

الشيخ محمد تقي البروجردي النجفي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٩٦

تقرير أبحاث آية الله الشيخ آغا ضياء العراقي قدس سره
🚘 الجزء ١ و ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ - ١
🚘 نسخة غير مصححة

١

هذا هو

الجزء الثالث من كتاب

نهاية الأفكار في مبحث القطع

والظن وبعض الأصول

العملية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريته محمد وآله الطاهرين الغر الميامين ولعنة الله على أعدائهم ومخالفيهم أجمعين إلى قيام يوم الدين « وبعد » فهذا هو الجزء الثالث من كتابنا الموسوم بنهاية الأفكار وهو يشتمل على مهمات مباحث القطع والظن وبعض الأصول العملية وهي نتيجة ما استفدناه من بحث أستاذ الفقهاء والمجتهدين شيخنا العلامة آية الله العظمى الشيخ ضياء الدين العراقي قدس‌سره فنقول وبه نستعين « اعلم » ان كل من وضع عليه قلم التكليف إذا التفت إلى حكم شرعي ، فاما ان يحصل له القطع به أو الظن أو الشك فيه ، ولا اشكال في اختلاف هذه الأقسام بحسب اللوازم والاحكام كما سنحررها في محالها ( كما لا ينبغي ) الاشكال أيضا في عموم ما يذكر لها من الاحكام لكل من المجتهد والمقلد ( إذ لا وجه ) لتخصيصها بالمجتهد بعد اطلاق أدلتها ( عدا توهم ) كونه من مقتضيات اختصاص عناوين موضوعاتها بخصوص المجتهد ، بتقريب ان حصول تلك الصفات من القطع والظن والشك انما هو فرع الالتفات التفصيلي إلى الحكم الشرعي ومثله مختص بالمجتهد ، والا فالعامي من جهة غفلته لا يكاد تحصل له تلك

٢

الصفات ، وعلى فرض حصولها له لا عبرة بظنه وشكه بعد عجزه عن تشخيص موارد الأصول والامارات ومجاريها وعدم تمكنه من فهم مضامينها والفحص التام في مواردها ، والحال ان اختصاص تلك الخطابات بالمتمكن من تشخيص مجاريها والقادر على الفحص التام في مواردها في الوضوح كالنار على المنار ، كوضوح اختصاص خطاب لا تنقض أيضا بمن أيقن الحكم الفعلي وشك في بقائه وعدم شموله لغيره ( ولكنه كما ترى ) إذ نقول انه لا مانع من فرض حصول الصفات المزبورة لغير المجتهد أيضا كما في كثير من المحصلين غير البالغين مرتبة الاجتهاد ، فإذا فرض حينئذ شمول اطلاقات أدلة الامارات والأصول لمثله يتعدى إلى العامي المحض بعدم القول بالفصل ( واما ) شبهة عدم تمكنه من الفحص عن الأدلة والبحث فيها ( فتندفع ) بقيام المجتهد مقامه بمقتضى أدلة الافتاء والاستفتاء ، فيكون فحصه عن الدليل وعن المعارض فحصه وترجيحه لاحد الخبرين ترجيحه ، بل بهذا الاعتبار يكون يقينه وشكه أيضا بمنزلة يقينه وشكه في شمول اطلاقات الأدلة ، بلا احتياج إلى اتعاب النفس في التشبث بعدم الفصل ( مع أنه ) يمكن فرض حصول اليقين والشك للعامي المحض أيضا في الشبهات الحكمية بعين فرض حصولها للمجتهد فإنه كما أن المجتهد برجوعه إلى الأدلة في حكم الماء المتغير بالنجاسة مثلا يحصل له اليقين بنجاسته وبعد زوال تغيره من قبل نفسه وعدم ظفره بدليل يقتضي طهارته أو نجاسته حينئذ يشك في بقاء نجاسته السابقة ، كذلك العامي فإنه برجوعه إلى الفقيه في حكم الماء المتغير بالنجاسة وافتائه إياه بالنجاسة يحصل له اليقين بنجاسته لان فتوى الفقيه بالنسبة إليه بعينه كالامارة القائمة لدى المجتهد على النجاسة في الحجية بمقتضى أدلة الافتاء والاستفتاء ( وحينئذ ) لو زال تغيره من قبل نفسه يشك قهرا في بقاء ذلك الحكم الكلي أعني النجاسة ، وبعد رجوعه ثانيا إلى الفقيه في حكم المسألة وعدم افتائه بالنجاسة الواقعية بل واعلامه بعدم ظفره في هذا الحال بدليل يقتضى طهارته أو نجاسته ، يستقر شكه قهرا ، فيتوجه إليه حينئذ خطاب لا تنقض من جهة تحقق كلا ركنية بالنسبة إليه وهما اليقين السابق والشك اللاحق ، غير أنه لما كان غير عارف بمضمون هذا الخطاب وما يقتضيه من الوظيفة الفعلية ينوب عنه المجتهد بمقتضى أدلة الافتاء والاستفتاء كنيابته عنه في التكاليف الواقعية

٣

فيفتيه حينئذ بنفس الاستصحاب الذي هو مفاد لا تنقض كافتائه إياه بالحكم الواقعي ( ونتيجة ذلك ) هو تخير المجتهد عند رجوع العامي إليه بين الافتاء بالواقع بمقتضى الاستصحاب الجاري في حق نفسه ، وبين اقراره على شكه وافتائه بالأخذ باليقين السابق وعدم نقضه بالشك بالخلاف ( وهذا ) بخلاف مبنى تخصيص تلك الخطابات بالمجتهد ، فإنه يتعين عليه الافتاء بنفس الواقع حسب الاستصحاب الجاري بالنسبة إليه وليس له الافتاء بالاستصحاب والاخذ باليقين السابق هذا ( وقد ) يتوهم منافاة ما ذكرناه من التعميم لما هو المعهود من ديدن أرباب الفتاوى قديما وحديثا على الافتاء بالحكم الواقعي عند رجوع العامي إليهم حيث لم يعهد منهم ولو في مورد ما الافتاء في الاحكام الكلية بالحكم الأصولي فيقال انه يستكشف من بنائهم المزبور فهمهم تخصيص تلك الخطابات بخصوص المجتهد وعدم شمولها للعامي ( ولكنه مندفع ) أولاً بمنع استقرار ديدن الأصحاب على ذلك ( وثانيا ) بمنع كشف مثله عن فهم اختصاص المجتهد بتلك الاحكام ، كيف ومن المحتمل قويا كون الوجه في بنائهم المزبور هو التسهيل على العامي ومع هذا الاحتمال كيف يبقى المجال للكشف المزبور.

( ثم اعلم ) ان تثليث الأقسام في المقام انما هو بلحاظ ما للأقسام المذكورة من الخصوصيات الموجبة للطريقية والحجية من حيث الوجوب والامكان والامتناع لا بلحاظ مرحلة الحجية الفعلية ، حيث إن القطع من جهة تماميته في الكشف عن الواقع مما وجب حجيته عقلا ولا يعقل المنع عنه ، والظن من جهة نقصه في الكاشفية مما أمكن حجيته شرعا ، واما الشك فحيث انه لا كشف فيه أصلا لكونه عبارة عن نفس الترديد بين الاحتمالين الذي هو عين خفاء الواقع كان مما يمتنع حجيته ويستحيل اعتباره حجة في متعلقه ، لان اعتبار الحجية والطريقية انما يكون فيما من شأنه الكشف عن الواقع ولو ناقصا لا فيما لا يكون كذلك ، نعم أحد طرفي الشك وهو الاحتمال فيه جهة كشف ضعيف عن الواقع كالوهم المقابل للظن فأمكن اعتباره شرعا حجة في متعلقه بتتميم كشفه ، ولكنه خارج عن الفرض إذ الكلام في نفس الشك بما هو شك وترديد بين الاحتمالين والى ذلك نظر الشيخ قدس‌سره في تثليث الأقسام في المقام كما صرح به في أول البراءة بقوله القطع حجة في نقسه

٤

لا يجعل جاعل الخ فراجع ( وحينئذ ) فلا يتوجه عليه ما أفيد من الاشكال ( تارة ) بأنه لا وجه لتخصيص العلم في التقسيم المزبور بخصوص ما تعلق بالحكم الواقعي بعد كون موضوع الآثار المرغوبة هو العلم بمطلق الحكم الفعلي ولو ظاهريا ، وعليه فلابد وأن يكون التقسيم ثنائيا لدخول الشك الموضوع للوظائف الشرعية في اقسام العلم بمطلق الحكم ( وأخرى ) بأنه لا مقابلة حقيقية بين الظن والشك فيما هو الغرض المهم ، إذ ليس الظن بما هو ظن مانعا من اجراء ، الأصول كي تصح لأجله المقابلة المزبورة ، وانما المانع من اجرائها هو وجود الحجة ومانعية الظن أيضا كانت بهذا الاعتبار لا بما هو ظن وعليه فلا يستقيم المقابلة بين الظن والشك ، إذ يلزم تداخل القسمين في الحكم بحسب المصداق ، فإنه رب ظن يكون ملحقا بالشك كالظن الغير المعتبر ، وبالعكس رب شك يكون ملحقا في الحكم بالظن ( وثالثة ) بأنه لا يصح بل ولا يعقل جعل الشك الموضوع للوظائف الفعلية عبارة عن الشك بالحكم الفعلي لاستحالة وقوع الشك بالحكم الفعلي موضوعا للوظائف الفعلية فلابد حينئذ من جعل متعلقه أعم من الحكم الفعلي والشأني ولازمه بمقتضى المقابلة جعل متعلق العلم أيضا عبارة عما يعم الفعلي والشأني ( وانما قلنا لا يتوجه ) لابتناء ذلك كله على كون التقسيم بلحاظ الحجة الفعلية ، والا فعلى ما ذكرنا من كونه بلحاظ خصوصيات الأقسام من حيث الاقتضاء لوجوب الحجية أو الامكان أو الامتناع لا يتوجه تلك المحاذير ، ضرورة صحة المقابلة حينئذ بين الظن والشك وبينهما وبين القطع ولا يتوجه أيضا محذور تداخل الأقسام ، ومجرد عدم اختصاص الآثار المرغوبة في القطع بخصوص القطع بالحكم الواقعي حينئذ كما ذكر في الاشكال الأول لا يقتضي تثنية الأقسام بعد فرض تعلق الغرض باستيفاء مباحث الأقسام الثلاثة ، إذ حينئذ لابد من جعل متعلق العلم عبارة عن خصوص الحكم الواقعي كي به يصح تثليث الأقسام توطئة لبيان موضوع المسائل الآتية ( والا ) فعلى فرض تثنية الأقسام لا يناسب التقسيم للتوطئة المزبورة خصوصا مع ما يلزمه أيضا من لزوم كون البحث عن حجية الظن والاستصحاب ومبحث التراجيح من مبادي القطع بالحكم لان نتيجتها مما تورث القطع بالحكم الظاهري مع أنه كما ترى لا داعي للمصير إليه ( ومن ذلك ) ظهر النظر أيضا فيما أفيد من التقسيم الاخر

٥

بقوله ان المكلف اما ان يحصل له القطع أو لا وعلى الثاني فاما ان يقوم عنده طريق معتبر أو لا ، إذ ذلك أيضا مضافا إلى عدم مناسبته لتوطئة بيان موضوع المباحث الآتية يلزمه كون البحث عن حجية الظن بحثا عن ثبوت الشيء لا عن ثبوت شيء لشئ ( واما الاشكال ) الأخير الناشئ عن عدم امكان جعل الشك الموضوع الوظائف الشرعية عبارة عن الشك بالحكم الفعلي ، فهو أيضا مبني على عدم امكان الجمع بين فعلية الاحكام الواقعية والظاهرية ( والا ) فبناء على امكانه على ما سيجيء توضيحه بما لا مزيد عليه فلا وقع لهذا الاشكال أيضا وحاصله هو ان ما لا يجامع الترخيص الشرعي انما هو الفعلي بقول مطلق بنحو يقتضي عدم قناعة الشارع بصرف خطابه الواقعي المتعلق بذات العمل في ظرف جهل المكلف به ولزوم صيرورته بصدد تحصيل مقصوده في مرتبة الجهل بخطابه بايجاد الداعي للمكلف ولو بانشاء آخر من ايجاب احتياط ونحوه لكي يرفع به عذره العقلي على المخالفة ، ولكن مثل هذه المرتبة من الفعلية ، كما لا يجامع الترخيص الشرعي على الخلاف ، لا يجامع أيضا العذر العقلي فلابد من المصير إلى نفي فعليته حتى في مورد الترخيص العقلي ( واما الفعلي ) من قبل المولى الراجع إلى كونه بصدد تحصيل مقصوده من ناحية خصوص خطابه الواقعي المتعلق بذات العمل لا من جميع الجهات حتى من ناحية المقدمات المتأخرة من خطابه الواقعي ( فمثله ) مما لا شبهة في اجتماعه مع الترخيص الشرعي كاجتماعه مع العذر العقلي لأجل الجهل ، ولا نعني من الحكم الفعلي المشترك بين العالم والجاهل الا هذا فتدبر ( وكيف كان ) فبعد ان عرفت تثليث الأقسام فلنرجع إلى بيان ما يخص كل واحد منها من اللوازم والاحكام ( فنقول ) ان اشباع الكلام فيها يقع في طي مقاصد.

المقصد الأول في القطع

وفيه جهات من البحث ( الجهة الأولى ) لا شبهة في وجوب متابعة القطع عقلا والوجه فيه ظاهر فان القطع من جهة كونه بذاته وحقيقته عين انكشاف الواقع بالكشف التام والوصول إليه بحيث يرى القاطع نفسه واصلا إلى الواقع إذا فرض

٦

تعلقه بحكم من الاحكام يكون له السببية التامة لحكم العقل تنجيزا بوجوب المتابعة ( على معنى ) حكمه بلزوم صرف الغرض والإرادة نحو امتثال امر المولى الراجع إليه أيضا حكمه بحسن الإطاعة وقبح المخالفة « لا بمعنى » حصول الحالة الانقداحية والمحرك العقلاني للجري إلى العمل على وفقه « لان » مثل هذا المعنى عند انكشاف الواقع وتعلق فعلية الغرض بالحركة نحو المقصود امر قهري الحصول والتحقق بمقتضى الجبلة والفطرة ، ومثله غير مرتبط بمرحلة التحسين والتقبيح العقلين ولذا ترى جريانه بالنسبة إلى غير الانسان من أصناف الحيوانات أيضا ، وبالجملة محل الكلام في المقام انما هو المرتبة الأولى أعني سببية القطع لحكم العقل تنجيزا بتحسين صرف الإرادة نحو امتثال امر المولى ( والا ) فالمرتبة الأخيرة تابعة لفعلية غرض المكلف بصرف ارادته نحو الطاعة والامتثال فان تعلق غرضه الفعلي بذلك يتحقق قهرا بمقتضى الجبلة تلك الحالة الباعثة للجري العملي نحو المقصود ، والا فلا ( وعلى كل حال ) فبعد ان عرفت الجهة الكاشفية والطريقية الذاتية للقطع وسببيته التامة لحكم العقل التنجيزي بلزوم المتابعة وحسن الطاعة في المرحلة الأولى ولتحقق الحركة نحو المقصود في ظرف تعلق الغرض الفعلي بتحصيله في المرحلة الأخيرة ( نقول ) انه من المستحيل حينئذ قابلية مثله لتعلق الردع به ( لان الردع ) عنه اما ان يرجع إلى سلب طريقيته تكوينا واما ان يرجع إلى المنع عن متابعته والعمل على وفقه تشريعا ( والأول ) واضح الاستحالة لبداهة امتناع سلب ما هو ذاتي الشيء عن الشيء أو اثباته له ، بل ولا يظن أيضا توهمه من أحد ( واما الثاني ) فعدم امكانه أيضا بالنسبة إلى المرحلة الأخيرة واضح لما عرفت من أن في ظرف انكشاف الواقع وتعلق الغرض الفعلي بتحصيل المقصود تكون الحركة على وفق المقصود قهرية بحيث لا يمكن الردع عنها الا بسلب جهة كشفه ، واما بالنسبة إلى المرحلة الأولى أعني حكم العقل بتحسين صرف الإرادة نحو الطاعة ، فعدم امكانه انما هو من جهة منافاته لحكم العقل التنجيزي بوجوب المتابعة وحسن الطاعة ، لان مرجع ردعه حينئذ إلى ترخيصه في معصيته وترك طاعته ومثله كما ترى مما يأبى عنه الوجدان ولا يكاد يصدقه بعد تصديقه بالخلاف لكونه من التناقض في نظر القاطع وان لم يكن كذلك بحسب الواقع ( ولا يقاس ) المقام بالنهي عن الظن القياسي عند

٧

الانسداد على الحكومة ، فإنه لو قيل بصحة النهي المزبور حينئذ ، فإنما هو من جهة دعوى تعليقية حكم العقل هناك بعدم ورود منع شرعي على الخلاف الناشئ ذلك من جهة قصور الظن ونقصه في الكاشفية ، إذ حينئذ بنهي الشارع عن القياس لا يبقى حكم للعقل بلزوم الاخذ بالظن كي يتحقق بينهما التنافي والتضاد ، وهذا بخلاف المقام المفروض فيه تنجيزية حكم العقل بحسن الطاعة وقبح المخالفة حيث إن في مثله يتحقق بينهما التنافي والتضاد فيأبى العقل حينئذ عن امكان مجيء الردع عن قطعه لما يرى من كونه ترخيصا في معصيته وترك طاعته ، كما أنه على التنجيزية هناك أيضا نلتزم بعدم امكان الردع عن الظن القياسي ( نعم لو قيل ) في المقام أيضا بتعليقية حكم العقل بوجوب المتابعة كما قيل به في العلم الاجمالي ، كان لدعوى صحة الردع عن متابعة القطع مجال واسع ( ولكن ) عهدة اثباتها على مدعيها ( ولكن ) على هذا المبني لا مجال للمنع عن صحة الردع بما أفيد من برهان المناقضة ومحذور التسلسل الناشئ من جهة ذاتية الطريقية للعلم ( إذ نقول ) ان المقصود من برهان المناقضة ان كان مناقضة ترخيصه مع الحكم الشرعي المحفوظ في الرتبة السابقة على القطع ( ففيه ) انه لا مناقضة ولا تضاد بينهما بعد كون مرجع ردعه إلى الترخيص في الرتبة اللاحقة عن القطع ، كيف وانه بذلك يختلف الرتبة بين الحكمين فيرتفع المناقضة والتضاد من البين ( وان كان ) المقصود مناقضته مع الحكم العقلي في الرتبة المتأخرة عن القطع ( ففيه ) انه مبني على ثبوت تنجيزية حكم العقل بوجوب المتابعة لأنه من مبادي المناقضة المزبورة والا فعلى فرض تعليقيته لا يكاد يبقى مع الردع عنه حكم للعقل بوجوب المتابعة كي ينتهى الامر بينهما إلى مقام المضادة والمناقضة ( واما ) محذور التسلسل ، فهو أيضا مما ينقطع بانقطاع الردع لما هو المفروض من حكم العقل بدونه بلزوم المتابعة ( وحينئذ ) فالعمدة في المنع عن امكان مجيء الردع هو اثبات تنجيزية حكم العقل ويكفي في اثباته ما ذكرناه من الوجدان وابائه بحسب الارتكاز عن امكان مجيء ردع عن العمل بقطعه لكونه ترخيصا من الشارع في المعصية وترك الطاعة.

( ايقاظ ) لا يخفى ان الآثار المترتبة على القطع من نحو وجوب الطاعة عقلا أو الجري عملا انما كانت آثارا لنفس القطع بحيث كان القطع بما هو طريق إلى

٨

الواقع تمام الموضوع للآثار المزبورة ( لا انها ) من آثار المقطوع والمرئي بوجوده الواقعي كما توهم ، كيف وفى ملاحظة موارد الجهل المركب شهادة على خلافه كما في القاطع بالتكليف بالقطع المخالف للواقع حيث إنه بمجرد قطعه يترتب عليه حكم العقل بلزوم الامتثال وحسن الإطاعة ولذا لم يشك أحد في حسن الانقياد وكالعطشان القاطع بكون السراب ماء والجبان القاطع بكون الشبح أسدا ( حيث ) يرى بالوجدان انقداح تلك الحالة الباعثة للتوجه نحو السراب والفرار عن الشبح ، مع أنه لا واقع لمقطوعه في الخارج ، وبالعكس في القاطع بكون الخمر ماء والماء سرابا والأسد شبحا ، حيث لا حكم للعقل في الأول بوجوب الاجتناب ولا ينقدح في النفس تلك الحالة الباعثة للتوجه نحو الماء ( فإنه ) يكشف ذلك كله عن ما ذكرناه من كون تلك الآثار من اثار العلم والكاشف ومن لوازم المرئي بوجوده الزعمي الملحوظ كونه في لحاظه مرآة للخارج بنحو لا يلتفت بهذا اللحاظ إلى ذهنيته لا من آثاره بوجوده الواقعي ( ولعل ) منشأ التوهم المزبور أيضا هو ما يقتضيه العلم وغيره من الصفات من التعلق أولاً وبالذات بالصور الذهنية الملحوظ كونها مرآة للخارج بنحو لا يلتفت إلى ذهنيتها الا بلحاظ اخر ثانوي ، فان هذه الجهة من المرأتية للخارج صار منشأ لتخيل كون تلك الآثار آثارا للمرئي بوجوده الخارجي الذي هو المعلوم بالعرض ، مع كونها بحسب الدقة والحقيقة بالنظر الثانوي من اثار المرئي بوجوده الذهني ومن لوازم نفس العلم من حيث منوريته وكاشفيته ( ثم إن ذلك ) بالنسبة إلى الأعمال المترتبة على القطع ، واما الآثار الشرعية كحرمة الشرب مثلا في الخمر فلا ريب في كونها مترتبة على نفس عناوين موضوعاتها بوجودها ، الواقعي بلا مدخلية فيها للقطع أصلا.

الجهة الثانية

لا ريب في أن مرجع القطع بكل شيء انما هو إلى تعلقه بالنسبة بين الشيء ووجوده أو وصفه العنواني كخمرية الموجود أو بالنسبة بين المعنون بالوصف العنواني والمحمول المترتب عليه ، وبهذه الجهة قيل إن القطع بكل قضية هو عين اثبات النسبة فيها على معنى الحكم بالثبوت المساوق للتصديق بثبوتها الذي هو أحد

٩

اجزاء القضية على القول بالتربيع في اجزائها ، وبذلك يكون القطع بكل شيء من شؤون النسبة بين المنتسبين وفى رتبة متأخرة عنها ، ولازمه هو امتناع اخذ عنوانه في أحد طرفيها من الموضوع أو المحمول بلحاظ تأخر رتبته عن النسبة المتأخرة عنهما ( وبذلك ) لابد من تجريد كل من المنتسبين من مثل هذا الشأن بحيث لو تشكل القضية يقال هذا موجود أو خمر أو حرام من دون اخذ عنوانه جزءا للموضوع أو المحمول بان يقال هذا مقطوع الخمرية أو مقطوع الحرمة ونحو ذلك ، كيف وان عنوان الموضوع امر واقعي يدور مدار واقعه وكذا المحمول المترتب عليه يدور ترتبه مدار واقع عنوان الموضوع من غير أن يكون لعنوان القطع به دخل في ترتبه على موضوعه ( ومن هذه الجهة ) نقول أيضا بعدم صحة اطلاق الحجة بمعناها المصطلح على القطع على نحو اطلاقها على غيره وان صح اطلاقها عليه بمعنى آخر وهو القاطعية للعذر ، فان الحجة بالمعنى المصطلح في فن الميزان عبارة عن الوسط الذي به يحتج لثبوت الأكبر للأصغر لما بينه وبين الأكبر الذي أريد اثباته للأصغر من نحو علقة وربط ثبوتي بنحو العلية أو المعلولية أو التلازم كما في التغير في قولك العالم متغير وكل متغير حادث « ومن المعلوم » بداهة عدم تصور ذلك بالنسبة إلى القطع الطريقي الذي شانه مجرد التصديق بثبوت النسبة بين المنتسبين ، إذ لا يكاد يطلق عليه الحجة بالمعنى المزبور ولا يصح اخذ عنوانه في أحد المنتسبين من الموضوع أو المحمول في مقام تأليف القياس بمثل ان هذا مقطوع الخمرية وكل مقطوع الخمرية خمر أو حرام لما عرفت ان عنوان الموضوع امر واقعي يدور مدار واقعه وان ترتب الحرمة انما كان على نفس عنوان موضوعه وهو الخمر من دون ان يكون للقطع دخل في ترتبه عليه بل ولا له علاقة ثبوتية أيضا مع الأكبر ولو بنحو التلازم كما هو واضح ( ومن التأمل ) فيما ذكرنا ظهر لك عدم صحة اطلاق الحجة في باب الأدلة عليه أيضا ، لان الحجة في باب الأدلة عبارة عن الطرق والامارات الواقعة وسطا لاثبات احكام متعلقاتها بحسب الجعل الشرعي ومثله لا يكاد يصدق على القطع ، فإنه من جهة ذاتية طريقيته وتماميته كشفه يكون بنفسه عين اثبات الشيء لا واسطة له فمجرد تعلقه بالنسبة بين الشيء ووجوده أو وصفه العنواني كخمرية الموجود بعد احراز أصل الكبرى من الأدلة الخارجية

١٠

وهو وجوب الاجتناب عن الخمر يقطع بالنتيجة بحيث يقال في مقام تأليف القياس هذا خمر وكل خمر يجب الاجتناب عنه ، بلا احتياج إلى اخذ عنوانه وسطا في القياس المؤلف ولا إلى توسيط جعل شرعي في البين في مثبتيته ( وهذا ) بخلاف الظن فإنه وان كان كالعلم في كونه من شؤون النسبة ، الا انه من جهة نقصه في الكاشفية لاحتمال الخلاف وجدانا لم يكن للعقل حكم في مورده ، بل يحتاج الحكم الجزمي بكون المظنون خمرا أو واجب الاجتناب إلى عناية اثبات من الشارع تتميم جهة كشفه وجعله بهذه العناية من مصاديق العلم والاحراز ، وبهذا الاعتبار يقع وسطا في القياس لاثبات حكم متعلقه فيقال هذا مظنون الخمرية وكل مظنون الخمرية خمر أو يحرم شربه.

( ثم اعلم ) ان مفاد دليل اعتبار الظن ( تارة ) يكون تتميم الكشف بعناية اعتبار كونه من العلم والاحراز ، وذلك اما بنحو يكون المجعول البدوي هو الطريقية والكاشفية ، واما بنحو يكون المجعول البدوي هو التكليف أعني وجوب المعاملة مع الظن معاملة العلم بحيث يكون عناية اعتبار الظن من مصاديق العلم والاحراز من توابع ذلك الحكم التكليفي المجعول بعكس الأول ( وأخرى ) يكون مفاده مجرد تنزيل المؤدي بادعاء كونه هو الواقع بلا نظر في هذا التنزيل إلى تتميم جهة كشفه ( وثالثة ) يكون مفاده مجرد جعل الحجية للظن ( وعلى التقادير ) قد يمنع عن وقوع الظن وسطا حقيقة لاثبات حكم المتعلق في القياس المؤلف من مثل هذا مظنون الخمرية وكل مظنون الخمرية كذا ، وليس هو الا صورة قياس أشبه بالمغالطة ( واما على الأول ) فواضح لان نتيجة جعل الطريقية واعمال عناية الاثبات الحقيقي للظن انما هو وقوعه في القياس وسطا لاثبات العلم التعبدي بالواقع بحيث يقال هذا مظنون الخمرية وكل مظنون الخمرية معلوم الخمرية بالعلم التعبدي ، لا لاثبات حكم المتعلق ، نعم لازم عناية الشارع واعتباره للاثبات هو ترتيب اثار الواقع على الموضوع الذي تعلق به الظن ، ولكن ذلك من نتائج الاثبات والتصديق بثبوت النسبة فلا يرتبط بمقام وسطية الظن لاثبات حكم المتعلق ( واما على الثاني ) وهو كون جعل الاحراز بلحاظ الحكم التكليفي المجعول في البين فلازمه وان كان صحة تأليف القياس ، تارة من حيث جعل الاحراز المنتج لكون الظن

١١

بالشيء علما به ، وأخرى من حيث الحكم التكليفي المنتج لوقوع الظن وسطا في القياس لثبوت حكم المتعلق ، الا ان وسطيته حينئذ كانت بالعناية لا بالدقة والحقيقة لضرورة عدم وقوعه وسطا حينئذ لثبوت حكم المتعلق وانما هو لما يماثله كيف والمحمول الواقعي انما كان ترتبه على الموضوع الواقعي لا على ما أدى إليه الظن الا على القول بالتصويب ( وعلى الثالث ) أيضا كذلك فإنه وان وقع الظن وسطا في القياس بقوله هذا مظنون الخمرية وكل مظنون الخمرية يحرم شربه ، ولكنه لا بالنسبة إلى حكم المتعلق بل لما يماثله ، فعلى كل تقدير لا يكون الظن وسطا في القياس بالنسبة إلى حكم المتعلق ولا يصح تأليف القياس الحقيقي منه وانما هو صورة قياس ( أقول ) ولا يخفى ان روح الحكم وحقيقته الذي هو موضوع حكم العقل بحسن الإطاعة وقبح العصيان وباستحقاق الثواب والعقاب بعد أن كان عبارة عن الإرادة المبرزة بالخطاب بهذا العنوان التوليدي ، وكان انتزاع عنوان الوجوب والحرمة ونحوهما من مقام مبرزية الإرادة الجدية بالخطاب لا من نفسها بعنوانها الأولى ( فلا شبهة ) في أن مثل هذه الحقيقة لها مادة عبارة عن نفس الإرادة الجدية التي هي لب الحكم وصورة هي بروز هذه الإرادة بالخطاب ووصوله إلى المكلف ، ومن المعلوم ان هذا البروز كما يكون بالخطاب الواقعي ، كذلك قد يكون هذا البروز بالخطاب الثانوي الظاهري المتوجه إلى المكلف في ظرف جهله بالخطاب الواقعي ( إذ كما ) ان شأن الخطابات الواقعية بأي لسان كانت هي المبرزية عن الإرادة الواقعية الجدية ( كذلك ) الخطابات الظاهرية المتعلقة بعنوان الظن أو الشك فشأنها أيضا بأي لسان عبر عنها لا يكون الا المبرزية للإرادة الواقعية التي تتضمنها الخطابات الأولية كما سنحققه انشاء الله تعالى بلا ان يكون تحتها إرادة أخرى مستقلة غير الإرادة التي هي مضمون الخطابات الأولية ( وبذلك ) نقول أيضا برجوع جميع الخطابات الثانوية الظاهرية في موارد الامارات والأصول باي لسان تكون إلى كونها أحكاما طريقية راجعة في صورة المصادفة إلى كونها عين الحكم الواقعي وفي صورة عدم المصادفة إلى كونها أحكاما صورية وانشاءات محضة خالية عن الإرادة الجدية ( وحينئذ نقول ) ان الإرادة المبرزة بالخطاب الظاهري المتعلق بعنوان الظن أو الشك بعد أن كانت بمادتها واقعية وبصورتها من

١٢

توابع الظن بالواقع ( صح ) بهذه الملاحظة وقوع الظن وسطا في القياس بالنسبة إلى حكم متعلقه ، حيث إنها من جهة بروزها بالخطاب الثانوي المتعلق بعنوان الظن يكون الظن نظير التغير واسطة في الثبوت وبذلك يكون القياس المؤلف منطقيا ، ومن حيث نفس المبرز بالفتح الذي هو عين الإرادة الواقعية القائمة بنفس المتعلق كان الظن واسطة في الاثبات بلحاظ صحة إضافة الحكم بروحه حينئذ إلى المتعلق ويكون القياس المؤلف حقيقيا بلا لزوم مغالطة فيه ( نعم ) المغالطة في القياس انما يلزم على القول بكون المبرز في الخطابات الظاهرية إرادة أخرى في قبال الإرادة الواقعية ، ولكن مثل هذا المعنى أجنبي عن الاحكام الطريقية كما هو ظاهر ( وبما ) ذكرنا أيضا يمكن الجمع بين كلامي الشيخ قدس‌سره في المقام من تنظيره الظن أولاً بالتغير الذي يكون القياس فيه منطقيا وتفرقته أخيرا بين الظن والقطع الموضوعي ( بجعل ) التنظير بالتغير بلحاظ نفس الجعل وإلا نشأ الظاهري المبرز عن الإرادة الواقعية ، وتفرقته بين الظن والقطع الموضوعي بلحاظ كون المثبت في القطع الموضوعي هو الحكم المجعول المستقل المغاير لحكم المتعلق بخلافه في الظن فإنه من جهة مبرزية الخطاب الظاهري عن نفس الإرادة الواقعية القائمة بالمتعلق يكون المثبت فيه عبارة عن نفس حكم المتعلق لا حكم آخر غيره ( وعلى كل حال فما ذكرناه ) من امتناع اخذ عنوان القطع في الموضوع انما هو بالنسبة إلى حكم متعلقه ، واما بالنسبة إلى حكم آخر فلا باس بأخذه في الموضوع كما سنذكره وعليه أيضا يصح اطلاق الحجة عليه ويتألف منه القياس المنطقي من غير فرق بين كونه تمام الموضوع أو جزئه أو قيده ، غاية الامر يكون على الأول تمام الوسط وعلى الثاني جزئه ( نعم ) لابد ان يكون الحكم الذي اخذ القطع في موضوعه ملائما مع حكم المتعلق بحيث أمكن اجتماعهما ، والا ففي فرض مضادته فلا يجوز ولو بنحو تمام الموضوع فلا يمكن جعل القطع بالخمر الذي حكمه حرمة شربه موضوعا لوجوب شربه ، من جهة منافاته مع الحكم العقلي التنجيزي بوجوب الاجتناب عنه ( كما أنه ) لا يجوز ذلك في فرض المماثلة أيضا ، فإنه وان لم يلزم منه المحذور المتقدم ، الا انه يلزمه محذور اللغوية حيث إنه بعد حكم العقل بوجوب الاجتناب في المرتبة المتأخرة عن القطع وعدم قابلية الحكمين للتأكد لمكان طوليتهما يكون حكم الشارع في تلك الرتبة

١٣

بوجوب الاجتناب لغوا محضا لعدم انتهائه بوجه إلى الداعوية والمحركية كما هو ظاهر.

الجهة الثالثة

في اقسام القطع ، اعلم أن القطع اما ان يتعلق بموضوع خارجي أو بحكم شرعي ، وعلى الأول فاما ان يكون ذلك الموضوع ذا حكم شرعي في نفسه ، أولاً بل كان لتعلق القطع به دخل في ترتب الحكم الشرعي عليه ( فعلى الأول ) لا اشكال كما عرفت في أن القطع بالنسبة إلى ذلك الموضوع وكذا بالنسبة إلى الحكم الشرعي المترتب عليه طريق محض فلا يعقل ان يكون له دخل في عنوان ذلك الموضوع ولا في الحكم الشرعي المترتب عليه ( واما على الثاني ) فبالنسبة إلى نفس عنوان الموضوع الخارجي وان كان طريقا محضا أيضا ، الا انه لا باس بأخذ عنوان القطع به موضوعا لثبوت حكم شرعي ( وهذا ) يتصور على وجوه حيث إن دخل عنوان القطع في ثبوت الحكم الشرعي ، قد يكون بنحو تمام الموضوع بحيث يدور الحكم الشرعي مدار عنوانه وجودا وعدما صادف الواقع أم خالف ، وقد يكون بنحو جزء الموضوع أو قيده بحيث كان للواقع أيضا دخل في ثبوت الحكم الشرعي ، وعلى التقديرين ، تارة يكون دخله من جهة كونه نورا في نفسه وصفة خاصة قبال سائر الصفات ، وأخرى من جهة طريقيته ومنوريته للغير ، وعلى الأخير أيضا ، تارة يكون دخله في الموضوع لخصوصية في كشفه ، وأخرى بما انه من أحد افراد الطرق بان كان الملحوظ هو مطلق الطريق وكان تخصيص القطع بالذكر لمكان انه أجلى الطريق وأتم افراد الحجة ( فهذه ) اقسام أربعة بل خمسة للقطع المأخوذ في الموضوع ولا اشكال أيضا في امكان الأقسام المذكورة في نفسها ( نعم ) يظهر من بعض الأعاظم الاشكال في أصل امكان اخذه تمام الموضوع على وجه الطريقية والكاشفية مع تسليمه جواز اخذه جزء الموضوع ( بتقريب ) ان اخذه تمام الموضوع يستدعى عدم لحاظ الواقع وذي الصورة واخذه على نحو الكاشفية والطريقية يستدعي لحاظ الواقع وذي

١٤

الطريق الملازم لعدم الالتفات في لحاظه إلى نفس العلم والكاشف وبذلك يكون لحاظه طريقا منافيا مع لحاظه تمام الموضوع ( أقول ) لا يخفى ان العلم وغيره من الصفات الوجدانية القائمة بالنفس وان كانت متعلقة بالصور الحاكية عن الخارج بنحو لا يلتفت إلى ذهنيتها في ظرف وجودها ، ولكن مع ذلك أمكن التنبه والالتفات التفصيلي للقاطع ولو بالنظر الثانوي إلى نفس العلم من حيث كشفه وتعلقه بالخارج وان الخارج غيره ومتعلقه وانه المنكشف لا الكاشف ، خصوصا بالنسبة إلى الجاعل الذي هو غير القاطع حيث أمكن له ولو بالنظر الأولى تفكيك العلم عن متعلقه ولحاظ مفهومه من حيث عروضه على الصور الحاكية عن الخارج قبال قيامه بنفس القاطع بما هو صفة من الصفات وجعله بهذا اللحاظ تمام الموضوع للحكم ولا نعنى من تصور جهة كاشفية العلم الا هذا ، كيف ولو كان لحاظه من حيث الكاشفية موجبا للغفلة عن نفسه ، لامتنع جعله بهذا اللحاظ جزء الموضوع أيضا ، إذ لا فرق بينهما في الامكان والاستحالة بعد احتياج الموضوع على كل تقدير إلى لحاظه بنفسه باجزائه وقيوده ( واما الثالث ) وهو القطع بالحكم الشرعي فلا باس بأخذ عنوانه موضوعا لحكم آخر غير ما تعلق به ويأتي فيه الأقسام الأربعة من كونه تمام الموضوع أو جزئه وكونه على نحو الصفتية أو الطريقتية.

( واما ) اخذه في نفس ذلك الحكم الذي تعلق القطع به فهو مما لا يمكن لما عرفت من استحالة تقييد الحكم أو موضوعه بنفس العلم بحكمه لاستلزامه تقدم الشيء على نفسه كاستحالة اطلاقه أيضا على نحو يشمل مرتبة العلم أو الجهل به ( نعم ) يمكن تصويره على نحو نتيجة التقيد الراجع إلى جعل الحكم لحصة من الذات في المرتبة السابقة التوأمة مع العلم بحكمه في المرتبة المتأخرة لا مقيدا به على نحو كان عنوان التوئمية مع العلم المزبور معرفا محضا لما هو الموضوع وكان الموضوع هو الحصة الخاصة بلا تعنونه بعنوان التوئمية أيضا فضلا عن عنوان العلم بحكمه ونحوه من العناوين المتأخرة ، كما هو الشأن أيضا في كل معروض بالنسبة إلى عارضه الملحوظ في المرتبة المتأخرة ، وكما في ملازمة كل علة لمعلولها من دون اقتضاء التلازم والتوئمية لاتحاد الرتبة بينهما أصلا ، إذ على هذا البيان أمكن تصوير تضيق دائرة الموضوع على نحو يساوق التقييد بحسب النتيجة وهذا

١٥

المقدار لا يحتاج في تصحيحه إلى متمم الجعل كما أفيد ، بل يكفيه نفس الجعل الأولى ، غاية الامر يحتاج في مقام الاثبات إلى قيام قرينة في البين يقتضي كون معروض الحكم ثبوتا في مقام الجعل والتشريع عبارة عن الحصة الخاصة الملازمة مع العناوين المتأخرة لا الذات المطلقة ( نعم الاحتياج ) إلى متمم الجعل انما يكون في فرض قيام المصلحة من الأول بالمقيد بالعناوين المتأخرة بما هو مقيد نظير قصد القربة بناء على دخله في المأمور به شرعا ، فإنه يعد عدم امكان اخذه في متعلق الامر ولو لقصور في الامر مع قيام المصلحة بالمقيد بما هو مقيد يحتاج الآمر في الوصول إلى غرضه إلى تعدد الجعل بتعلق الجعل الأولى بنفس الذات في المرتبة السابقة والجعل الاخر باتيانها بداعي الامر ( لا في مثل المقام ) المفروض خروج تلك العناوين المتأخرة طرا عن موضوع الحكم والمصلحة ، إذ مجرد عدم سعة الغرض ثبوتا عن الشمول لغير صورة العلم بالحكم لا يقتضى دخله في الغرض وفي موضوع المصلحة كما أن مجرد استحالة الاهمال في الواقع ثبوتا وامتناع التقييد بالعلم لا يقتضى المصير إلى التقييد بنحو متمم الجعل بعد امكان تصويره بنحو آخر يتكفله نفس الجعل الأولى بتعلقه بحصة من الذات في الرتبة السابقة الملازمة مع العلم بحكمها في الرتبة اللاحقة ، نعم غاية ما يكون احتياجه في مقام الاثبات إلى القرنية عليه ولكن ذلك أيضا غير مرتبط بمسألة متمم الجعل هذا كله في فرض العلم بالجعل في الرتبة المتأخرة وأما إذا لوحظ العلم بانشائه الملازم مع العلم بحقيقة الحكم فأمكن تقييد موضوع الحكم المنشأ بهذا الانشاء بالعلم بانشائه المحفوظة في الرتبة السابقة الملازمة مع العلم بنفسه في الرتبة اللاحقة أيضا بلا ورود محذور في البين ( ثم إن ) من هذا البيان يظهر امكان تصوير توسعة الحكم وكذا اطلاق موضوعه أيضا ، بفرض جعل الحكم لذات الموضوع المحفوظ في الرتبة السابقة عن العلم به الموسع في مرتبة ذاته من جهة الشمول لحالتي وجود العلم وعدمه بان يلاحظ الحالتين في مقام الجعل والتشريع بنحو كونهما من لوازم الذات في الرتبة المتأخرة قبال الحصة الخاصة المقارنة لوجود العلم لا ملحوظا في نفس الموضوع ، ومن المعلوم انه يكفي في هذا الاطلاق مجرد عدم لحاظ الإناطة والتقييد ولو من جهة استحالتهما ، إذ بمجرد عدم لحاظه في مرحلة الجعل والتشريع يكون له

١٦

سعة الانطباق بحكم العقل لحالتي وجود القيد وعدمه بلا اختصاص له بصورة امكان التقييد « ومن هذه الجهة » نقول ان جعل التقابل بين الاطلاق والتقييد مطلقا من باب تقابل التضاد أو العدم والملكة منظور فيه ، لان ما به قوام هذا الاطلاق هو عدم لحاظ التقييد ولو من جهة استحالته فيكون التقابل بينهما من باب الايجاب والسلب محضا ، قبال الاطلاق والتقييد اللحاظي الراجع فيه التقابل إلى تقابل التضاد أو العدم والملكة « نعم » مثل هذا الاطلاق يختص بصورة قابلية الحكم بذاته للسعة لحالتي فقدان القيد ووجد انه ، والا ففي صورة عدم قابليته بذاته للسعة بالنسبة إلى فقدان القيد فلا يتصور فيها الاطلاق كما في قيد التقرب بالنسبة إلى موضوع الحكم حيث إنه من جهة ضيق الحكم يطرء قهرا ضيق في موضوعه أيضا بنحو لا يتصور له اطلاق يشمل حال فقده « ولكن » ذلك لا يجرى في باب العلم ، إذ في مثله وان لم يمكن اخذه قيدا الا ان لسعة الحكم ذاتا لحال فقده كمال مجال ، ولقد عرفت كفاية مجرد عدم لحاظ الإناطة أو التقييد ثبوتا في سعة انطباقه بحكم العقل لحالتي وجود العلم وعدمه من غير احتياج أيضا في هذا المقدار إلى متمم الجعل بانشاء آخر ، نعم في مقام الاثبات يحتاج إلى قيام القرينة عليه من قاعدة اشتراك ونحوها هذا « ويمكن » أيضا تصوير الاطلاق بوجه آخر وهو لحاظ اطلاقه في المرتبة السابقة بالنسبة إلى الأزمنة التي هي في الواقع اما زمان العلم بالحكم أو الجهل به حيث إنه بمثله يثبت الحكم في كلتي حالتي وجود العلم وعدمه بلا ورود محذور في البين ولا احتياج إلى متمم الجعل أيضا غير أنه يحتاج في مقام للاثبات إلى القرينة عليه من قاعدة اشتراك ونحوها « نعم » مثل هذا التصوير لا يجرى في التقييد بزمان العلم لاحتياجه إلى لحاظ إضافة الزمان إلى العلم الذي هو في الرتبة المتأخرة الراجع بالآخرة إلى التقييد بالعلم ولحاظه في الرتبة السابقة ولو بتوسيط الزمان فتأمل « ثم انه » قد يعد مسألة الجهر والاخفات وكذا القصر والاتمام مثالا لشرطية العلم لثبوت الحكم واقعا بنحو نتيجة التقييد ، ولكنه لا يخلو عن نظر ، من جهة قوة احتمال ان عدم الإعادة في المثالين عند الجهل من باب جعل البدل المفوت لبقية المصلحة كما ربما يشهد له ما ينسب إلى ظاهر الأصحاب كما في مصباح الفقيه وغيره من الحكم باستحقاق الجاهل المقصر للعقوبة في الفرعين

١٧

المزبورين والا فبناء على التقييد بالعلم ولو بنحو متمم الجعل لا يبقى مجال لاستحقاق العقوبة لعدم تصور تقصير حينئذ في حق الجاهل فتدبر.

الجهة الرابعة

في قيام الطرق والامارات والأصول مقام القطع باقسامه ، وتنقيح المرام فيها يستدعى اشباع الكلام في مقامين « الأول » في قيام الامارات والأصول مقام القطع الطريقي « الثاني » في قيامهما مقام القطع الموضوعي « فنقول » اما المقام الأول فلا اشكال في قيام الطرق والامارات والأصول المحرزة وغيرها مقام القطع الطريقي ، كما لا ينبغي الاشكال أيضا في أن قيامهما مقام العلم انما كان من جهة وجوب الاتباع والجري العملي الذي هو من الجهات المترتبة على القطع ، وانه تشرك الامارات في هذه الجهة مع الأصول بلا اقتضاء حيثية تتميم الكشف فيها تفاوتا بينهما في جهة قيامهما مقام القطع ، « إذ على » ما هو التحقيق فيها من كونها أحكاما طريقية ناشئة عن مصلحة الواقع ومبرزة عن نفس الإرادة الواقعية التي تضمنتها الخطابات الواقعية لا عن إرادة أخرى « يكون » مأل الجميع إلى امر واحد ، وهو الامر بالبناء والجري العملي بابراز الإرادة الواقعية في ظرف الجهل بها بهذه الانشاءات المتأخرة على اختلاف ألسنتها ، من كونها بنحو تتميم الكشف أو تنزيل المؤدي ، أو الامر بالبناء والجري العملي أو غير ذلك « حيث إنه » بذلك يكون جميع هذه الانشاءات المتأخرة حتى مثل ايجاب الاحتياط الذي لا عناية فيه بوجه أصلا مبرزة عن الإرادة الواقعية وموجبة لتنجيزها بعين مبرزية الخطابات الأولية عنها ، الا ان الفرق بينهما بأوسعية دائرة هذه الانشاءات عن لب الإرادة لأنه قد لا تكون في مورد انشائها إرادة في الواقع « بخلاف » الخطابات الأولية فان دائرة انشائها دائما تكون بمقدار الإرادة لا أوسع منها « ومن هذه الجهة » قلنا بان الخطابات الظاهرية طرافي فرض عدم المصادفة للواقع انشاءات صورية خالية عن الإرادة ، وفي فرض المصادفة ووجود الحكم في الواقع احكام حقيقية وانها من حيث المبرزية التي بها حكمية الحكم وقوامه ظاهرية وفي طول الواقع ، ومن حيث المبرز بالفتح أعني الإرادة التي هي حقيقة الحكم وروحه عين الحكم الواقعي

١٨

« وبهذا الوجه أيضا » صححنا اطلاق الوسطية في الثبوت والاثبات على الظن بلا لزوم مغالطة في القياس فراجع كما أنه بهذه الجهة من المبرزية ولو في ظرف وجود لب الحكم تكون هذه الخطابات موجبة لتنجيز الواقع المنوط تنجزه بوصوله إلى المكلف بلا احتياج في منجزيتها للواقع إلى عناية أخرى في البين من نحو اثبات الاحراز وتتميم الكشف وغيره ، ولذا نجري حتى في مثل ايجاب الاحتياط الذي لا عناية فيه بوجه أصلا ، حيث كان موجبا لتنجيز الواقع في مورده ولاستحقاق العقوبة في ترك الاحتياط على مخالفته لا على مخالفة نفسه ، ولا يضر الجهل بالفرض المزبور بعد كون الحكم على تقدير وجوده مقرونا بالبيان الواصل ، لأنه بمثله يرتفع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان بلحاظ ان موضوعه هو عدم البيان على تقدير وجود الحكم لا عدم البيان بقول مطلق وسيجئ لذلك مزيد بيان في محله انشاء الله تعالى ( وبالتأمل فيما ذكرناه ) ينقدح ما في كلام بعض الأعاظم قده من التفصيل بين الامارات والأصول في جهة قيامهما مقام القطع ، بدعوى ان المجعول في الطرق والامارات حيث كان هي المحرزية والكاشفية كان موجبا لتخصيص جهة قيامها مقام العلم بالجهة الثانية من العلم أعني الطريقية والكاشفية التي كان العلم واجدا لها بذاته ، لأنه بنفس تتميم الكشف يتحقق مصداق الاحراز والعلم بالواقع وبتحققه يترتب عليه تنجيز الواقع فيترتب عليه بحكم العقل جهة البناء والجري العملي بخلاف الأصول المحرزة فان المجعول فيها عبارة عن الجهة الثالثة من العلم وهو الجري والبناء العملي على ثبوت الواقع ، ولا يمكن ان يكون المجعول فيها هي الكاشفية كالأمارات ، لان ذلك انما يكون فيما فيه جهة كشف عن الواقع ولو ناقصا ولا كشف للشك الذي اخذ موضوعا في الأصول ( إذ نقول ) ان المراد من مجعولية الاحراز والطريقية والكاشفية ، اما ان يكون احداث حقيقته التي هي منشأ انتزاع مفهومه بنحو يطبقه العقل على المورد بالوجدان ، واما ان يكون احداثه عناية وادعاء بادعاء ما ليس بمحرز حقيقة محرزا حقيقيا المستلزم لكون تطبيق عنوانه على المورد بنحو العناية والادعاء نظير جعل الحياة أو الممات لزيد بالجعل التشريعي ولا ثالث لهذين المعنيين « والأول » واضح الاستحالة لبداهة ان الجعل التشريعي انما يتعلق بالحقائق الجعلية التي يكون تشريعها عين تكوين حقيقتها في

١٩

الوعاء المناسب لها ويكون القصد والانشاء من قبيل الجزء الأخير من العلة في تحققها كالملكية والزوجية ونحوهما ، لا بالأمور التكوينية الخارجية ، وحقيقة الاحراز والكشف التام المساوق لعدم احتمال الخلاف لكونها من الأمور التكوينية والصفات الوجدانية غير قابلة للتحقق من قبل الجعل والانشاء بشهادة احتمال الخلاف بعد الجعل والتشريع أيضا ( واما الثاني ) فهو وان كان متينا جدا ، ولازمه صحة اطلاق العلم ومرادفاته على الظن بنحو الحقيقة بعد الادعاء المزبور على ما هو مذهب السكاكي ولا يكون مجازا في الكلمة ( ولكن نقول ) ان تطبيق عنوان المجعول على المورد بعد أن كان ادعائيا لا حقيقيا يحتاج في صحة الادعاء والتنزيل المزبور إلى لحاظ اثر مجعول في البين ولو في طرف المنزل يكون هو المصحح للتنزيل كما في غيره من التنزيلات الشرعية وغيرها ، والا فبدونه لا يكاد يصح التنزيل أصلا وحيث إن الأثر المصحح لمثل هذا التنزيل في المقام لا يكون الا امر الشارع بالمعاملة مع ما أدى إليه الظن معاملة الواقع لكونه هو الذي زمام امر وضعه ورفعه بيده ويصلح أيضا لتنجيز الواقع لا غيره من الآثار الأخرى ولا نفس عمل المكلفين لأنه من جهة عدم نشؤه من قبله غير صالح للمصححية لتنزيله ، فلا جرم يكون مرجع تشريع الاحراز المزبور إلى الامر بالمعاملة مع مؤدى الظن معاملة الواقع ( وبعد كفاية ) مثل هذا الامر الطريقي من جهة مبرزيته لتنجيز الواقع ، تشترك الامارات لا محالة مع الأصول في جهة المنجزية وقيامها مقام القطع من جهة البناء والجري العملي لرجوع الجميع بالآخرة إلى الامر بالمعاملة والجري العملي الراجع إلى ابراز الإرادة الواقعية بمثل هذه الانشاءات ، غاية الامر هو كون الامر بالمعاملة في الأصول مجعولا بدوا وفى الامارات مستكشفا من جعل الاحراز وتتميم الكشف بدوا أو امضاء ( والوصول ) المعتبر في تنجيز الاحكام انما هو بمعنى المبرز الجاري حتى في ايجاب الاحتياط لا بمعنى تتميم الكشف والا يلزمه عدم منجزية ما عدى الامارات الملحوظ فيها تتميم الكشف مع أنه كما ترى ( وتوهم ) كفاية هذا المقدار في الفرق بينهما في جهة القيام مقام العلم بدعوى ان التنجيز لا يكون الا بالوصول إلى الواقع واحرازه وجدانا أم جعلا ومن الواضح انه بنفس تتميم الكشف يتحقق مصداق الاحراز فيترتب عليه التنجيز قهرا ( مدفوع ) بان مجرد ادعاء كون الظن علما

٢٠