🚘

مقتل الحسين للخوارزمي - ج ١

أبي المؤيّد بن أحمد المكّي أخطب خوارزم [ خوارزمي ]

مقتل الحسين للخوارزمي - ج ١

المؤلف:

أبي المؤيّد بن أحمد المكّي أخطب خوارزم [ خوارزمي ]


المحقق: الشيخ محمّد السماوي
الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: أنوار الهدى
المطبعة: مهر
ISBN: 964-6223-01-X
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

مقدمة الناشر

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله خير الخلق أجمعين وعلى آله الطيبين الطاهرين.

إن مأساة الامام الحسين عليه‌السلام هزّت الوجدان الانساني ، وتوهجت في أحاسيس المسلمين ووعيهم الجماعي ، وأحرقت ضمائرهم وأدمت قلوبهم ، وجرحت مشاعرهم النبيلة ، وأسالت قنوات دموعهم المتدفقة بغزارة وحرقة ، وأقضّت مضاجع آل بيت الوحي والرسالة وأثارت هواجسهم ، وأرقت محبيهم من كل الطوائف الاسلامية من مختلف الملل والنحل ، المؤمنة برسالة جدهم المصطفى خاتم الأنبياء والمرسلين صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وقد أحدثت هذه الواقعة الشجية ـ ولا زالت ـ جروحا في النفوس النقية لا تندمل ، وكلما تجدد سقف الزمن تزداد مساحة هذه المأساة أسى ولوعة ، وآفاقها سموا وفخرا. وسبق لجده طه الأمين صلى‌الله‌عليه‌وآله منقذ البشرية وقائد الأمّة الاسلامية الأعلى ان قلّده وسام استحقاق النسب الشريف والجهاد المقدس حينما قال : «حسين مني وأنا من حسين» وهذا الحديث شهادة البداية

٣

والديمومة للدين الاسلامي الحنيف ، حيث بدايته بالرسالة المحمدية المقدّسة وديمومته بالشهادة الحسينية المباركة ومآسيها والتي بعثت بتضحيته بكيانه الانساني المقدس عليه‌السلام وأهل بيته وخيرة أصحابه سر حياة الاسلام وبقائه. ولسان حاله يردد مع دورة الزمن (إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي إلا بقتلي فيا سيوف خذيني) لأن الحسين عليه‌السلام حمل هموم أمنه وأوجاع الناس ومعاناتهم في قلبه ووجدانه وأحلامه وآماله الناظرة الى واقعهم السيئ ، والمتطلعة الى مستقبل الاسلام المشرق وإقامة حكومة العدل الإلهي ، حيث عبّر عن ذلك أصدق تعبير عند ما قال : (إنّي لم أخرج أشرا ولا بطرا ، وإنّما خرجت لطلب الاصلاح في أمّة جدّي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله). وكانت تجربة الطف الرائدة تحمل حرارة صدق الجهاد ووضوح رؤيته النضالية فكان لهذه التجربة صداها الواسع على امتداد مراحل التاريخ والتي التصقت بالحدود العالمية للجهاد الصادق واستحقت أن تتصدر عناوينه العالمية أيضا.

إنّ كتاب مقتل الامام الحسين عليه‌السلام لمؤلفه الموفق محمد بن أحمد المؤيد أبي سعيد اسحاق المكي الحنفي الخوارزمي يعتبر بحق وثيقة تأريخية ترصد أحداث الرزيّة الكربلائية وتؤرخ وقائعها المفجعة بموضوعية متميزة ، لا سيما وقد سجلت بقلم مؤرخ قدير ولغوي بارع ، وان القدر المتيقن في التراجم التي ترجمت له من قبل رجال الحديث المشهورين ، تشهد بنزاهته وإنصافه بهذا الصدد.

وقد تضمن هذا الكتاب مآثر أهل البيت الأطهار عليهم‌السلام وفضائلهم في قسمه الأول وتفاصيل موجزة عن سيرتهم العطرة ، وتضمن القسم الآخر صور مروّعة من مقتل السبط الشهيد وأنصاره ، والذي رافق مسيرته التأريخية وخروجه من مدينة الوحي المنورة الى ساعة استشهاده على رمضاء

٤

الألم الكربلائي التي تعبق بأريج الشهادة الفواح ، والمطرزة بدماء الأحرار الأبرار ، والندبة بفيض دموع الولاء والانتماء ، والتي تقبع تحت خيمة الحزن السرمدي حتى قيام الساعة.

ونظرا لفضاعة المأساة وشموليتها ، وأهمية هذا المقتل الجليل وإلحاح جمهور من محبي سيد الشهداء عليه‌السلام والمتلهفين الى طلب الاستزادة من الاغتراف من مصادر تأريخ الحدث الحسيني الجلل ليكون لهم عبرة وعبرة وذكرى ، وينهلوا من معين الواقعة الفارحة معاني التضحية والبطولة والفداء والاصلاح الاجتماعي والوقوف بوجه الطغاة ومقارعة الظالمين في كل زمان ومكان كل هذه العوامل وغيرها وندرة المطبوع من نسخة السابقة في المكتبات ، وبغية إظهاره بحلّة قشيبة تتناسب وأهمية هذا الكتاب التأريخية وتيسيره للدارسين والخطباء وعشاق المنبر الحسيني المقدس ، فقد بادرت دار (أنوار الهدى) الى طبعه بعد بذل الجهود الفنية في خبط نصوصه ومقابلتها مع النسخ المطبوعة سابقا وتصحيح الأخطاء اللغوية والتأريخية قدر المستطاع وطباعته بحروف جديدة ، وقد أخذت على عاتقها طبع هذا الكتاب ، والذي يعتبر إضافة نوعية جديدة الى مكتبة أهل البيت عليهم‌السلام ، والتي ما انفكت هذه الدار عن نشر كل ما يتعلّق بتأريخهم وفضائلهم وعلومهم وآدابهم ، أفراحهم وأتراحهم.

وستبقى هذه المأساة المؤلمة حلمنا الآتي ليوم الخلاص العظيم والآمال المتجددة للتحرير من الظلم تحت راية صاحب الأمر والزمان (عج) ، والله من وراء القصد وهو المستعان في كل الأمور إنّه أرحم الراحمين.

دار

أنوار الهدى

رمضان المبارك ١٤١٨ ه‍ ق

٥
٦

مقدمة المحقق

بقلم : العلامة الجليل والمحقق الكبير

الشيخ محمد الشيخ طاهر السماوي

أما نفس الكتاب فهو غني عن التعريف لشهرته ، نقل عنه جماعة منهم ابن حجر في لسان الميزان ، وابن الوزير اليماني في الروض الباسم ، وقال فيه : وهو عندي في جزءين ، واستقصى السيد العلامة صاحب العبقات في المجلد السادس ذكر حاله ومن نقل عنه ، وكل هذه الكتب مطبوعة في حيدرآباد ومصر والهند.

وأمّا نسخته فإني استجلبتها من تبريز للاستنساخ عليها وكان كتبها السيد الفاضل السيد محمد المهدي بن علي بن يوسف الحسني الطباطبائي سنة ست وثلاثمائة وألف من الهجرة على نسخة بخط السيد العالم الفاضل محمد بن الحسين العميدي النجفي ، كتبها سنة ست وثمانين وتسعمائة في قزوين وكانت هذه النسخة التي بخط محمد المهدي الطباطبائي سمعت بها قبل عشر سنين وأنّها موجودة في تبريز ، فكلفت جملة من الأفاضل باستنساخها لقلّة وجودها أو لعدمه في العراق فلم يتهيأ لي ذلك فبقيت

٧

مشغوفا بها حتى هيأ الله تعالى لي العلامة الفاضل الجليل الشيخ عبد الحسين ابن الشيخ أحمد الأميني التبريزي صاحب شهداء الفضيلة والغدير وغيرهما سلّمه الله ، فذاكرته بهذا الكتاب فوعدني أن يكلّف من يستنسخه على يد والده الفاضل الشيخ أحمد الأميني سلّمه الله ، ولتقاه وحبه آل بيت الله كتب إلى أبيه وأكد فما هو إلا أن استعاره أبوه للاستنساخ ثم عزم على زيارة النجف فاستأذن من صاحبه أن يصحبه ذهابا وإيابا وضمن له سلامته فأتى به وتفضل علي بأن استنسخه بيدي ويبقى مدة الاستنساخ ثم يعود به إلى صاحبه.

فاستنسخته في شهر بحمد الله ومنه فجاءت هذه النسخة صحيحة كاملة وذلك لأن الكاتب الثاني السيد محمد المهدي كان حسن الخط والمعرفة فزاد فيها بعض أخبار نقلها من كتب ولكن كان يكتب على الخبر المزيد في أوله : قال الكاتب ، ويذكر الزيادة ثم يقول انتهى ، ويذكر الأصل بسنده ، على أنه لو لم ينبه هذا التنبيه لعلم ، فإنّه يروي عن كتب معلومة لم يكن فيها سند ، والمقتل مذكور بأخبار أسندها الموفق ، فمن حصل له هذا الكتاب فهو مدين بالفضل لمن جاء به من تبريز والله يجزيه الجزاء الأوفى عن سعيه وما ذلك على الله بعزيز.

وأمّا التعريف بمصنف هذا الكتاب فهو أبو المؤيد الملقب بصدر الأئمة ، وبأخطب خوارزم ، وبخليفة الزمخشري ، الموفق محمّد بن أحمد المؤيد بن أبي سعيد إسحاق المؤيد المكي الخوارزمي ، كما ذكر صاحب كتاب الفوائد البهية في طبقات الحنفية وصاحب التعليقات عليها المطبوعين بمطبعة الخانجي في مصر قالا فيهما : ولد سنة أربع وثمانين وأربعمائة ، وقرأ على ابيه وغيره وطاف في طلب الحديث بلاد فارس والعراق والحجاز ومصر والشام وكاتب

٨

العلماء فأجازوه وأجازهم ـ كما ستطلع عليه من سند حديثه ـ وخطب في خوارزم ، وتلمذ على الزمخشري في العربية ، وتضلّع فيها فكان يقال له خليفة الزمخشري ، وتلمذ عليه جماعة منهم : ولده أحمد المؤيد ، ومنهم ناصر الدين المطرزي صاحب المغرب في اللغة المطبوع في حيدرآباد ، وشرح مقامات الحريري المطبوع في إيران ، وذكر في الثاني في ترجمة أويس رواية عنه مفخما له غاية التفخيم ، وكما ذكره السيوطي في البلغة المطبوعة في مطبعة الخانجي بمصر باسم الموفق.

ونقل عن القفطي والصفدي له مديحا وإعجابا بفضله.

ونقل عن كتابه هذا صاحب الروض الباسم ، وصاحب كفاية الطالب ، وصاحب الفصول المهمة ، وصاحب الصواعق ، وكل مطبوع متلقى بالقبول وصاحب لسان الميزان في ضمن بعض مشايخه مضعفا له ، ومن الغريب أنه يضعف مثل راوي حديث الطير ، والتشبيه بالأنبياء ، وباب مدينة العلم ، وهذه الأحاديث يرويها كثير بطرق متعدّدة ، وأغرب من هذا أنه يجعل سبب التضعيف الرواية نفسها.

وللموفق من المصنفات :

١ ـ كتاب الأربعين في أحوال سيد المرسلين صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ذكر في هذا الكتاب.

٢ ـ مناقب علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، مطبوع في إيران.

٣ ـ مناقب أبي حنيفة ، مطبوع في الهند في جزءين.

٤ ـ مقتل الحسين عليه‌السلام في جزءين ، وهو هذا الكتاب الذي بين يديك.

٥ ـ مسانيد على البخاري وغيره ، ذكرت ولم أقف عليها.

وكل من ذكر الموفق ذكره بالشعر ، وأنا أذكر لك من شعره الذي ذكره هو في المناقب الأولى والثانية في مديح أمير المؤمنين عليه‌السلام وفي مديح أبي

٩

حنيفة النعمان بن ثابت ، وما ذكره ياقوت الحموي في ترجمة بعض مشايخه منتخبا أبياتا تستدل بها على منهجه ، فمن ذلك قوله في مدح أمير المؤمنين عليه‌السلام ذكره في آخر مناقبه من قصيدة طويلة :

هل أبصرت عيناك في المحراب

كأبي تراب من فتى محراب

لله در أبي تراب أنه

أسد الحراب وزينة المحراب

هو ضارب وسيوفه كثواقب

هو مطعم وجفانه كجواب

لو لا علي ما اهتدى في مشكل

عمر ولا أبدى صواب جواب

وقوله في مديحه عليه‌السلام أيضا من قصيدة طويلة :

ألا هل من فتى كأبي تراب

إمام طاهر فوق التراب

إذا ما مقلتي رمدت فكحلي

تراب مس نعل أبي تراب

هو البكاء في المحراب لكن

هو الضحاك في يوم الحراب

هو المولى المفرق في الموالي

خزائن قد حواها بالحراب

ونازع صهره الطير المهادي

وكاد يرد منه عند باب

وقال في مديحه عليه‌السلام من قصيدة طويلة أيضا :

لقد تجمع في الهادي أبي حسن

ما قد تفرق في الأصحاب من حسن

ولم يكن في جميع الناس من حسن

ما كان في المرتضى الهادي أبي الحسن

هل سابق مثله في السابقين فقد

جلى إماما وما صلى إلى وثن

وقال في مديح أبي حنيفة النعمان بن ثابت من قصيدة طويلة ، ذكرها في مناقبه :

١٠

ما لنعمان في الأنام نظير

دوح فتيه ذو ثمار نضير

كل ذي إمرة أسير هواه

وهواه له أسير اسير

علم فتواه والهجد منه

في لياليه روضة وغدير

وقال في مديح أستاذه الحسن بن أحمد الهمداني من قصيدة ذكرها ياقوت الحموي في ترجمة الحسن المذكور :

حفظ الإمام أبي العلاء الحافظ

بالرجل ينكت هام حفظ الجاحظ

ما أن رأينا قبل بحر الشيخ من

بحر طفوح باللئالئ لامظ

كم واعظ لي أن أجاوز مدحه

لو كان ينفع في وعظ الواعظ

وله شعر كثير ، وتوفي في خوارزم سنة ثمان وستين وخمسمائة أو تسع كما نقله صاحب التعليقات ، ومن أراد استقصاء حاله فعليه بالعبقات فإنّها استغرقت من صفحة (٢٧٨ إلى ٣١٢). أو بكتاب الغدير فإن العلامة الأميني في آخر المجلد الرابع قد ترجمه هنالك بما لا مزيد عليه فذكره وذكر مشايخه وتلامذته ، وفصل في ذلك تفصيلا لا يستغنى عنه ، فليراجعه من شاء يجد ترجمته مذكورة من صفحة (٣٤٠ إلى ٣٤٩).

وأمّا ناشره بالطبع فجماعة مقدمهم الشريف الفاضل الذكي الزكي المحامي السيد محمد رضا آل السيد سلمان النجفي العريق نسبا وحسبا فإنّه من ذريّة السيد العلامة المقدّس السيد هاشم الشهير بالحطاب من سلالة السيد النقيب فخار بن معد العلوي ، والشيخ الفاضل الشيخ هادي نجل العالم الشيخ عباس من سلالة الشيخ أسد الله صاحب المقاييس ، وصاحب مطبعة الزهراء النجفيّة الفاضل ميرزا الخليلي من سلالة الميرزا خليل الرازي النجفي المشتهرة بعلمي الأديان والأبدان ، فجزاهم الله عن مودّة القربى خير جزاء المحسنين وجعل ذلك العمل الصالح ذخيرة لهم في العقبى يوم الدين

١١

وحق لهم أن ينشروا مثل هذا المقتل المفصّل فإنّ المقاتل القديمة المفصلة كمقتل أبي مخنف لم يبق منها شيء إلا ما نقله الطبري والجزري وأمثالهما في ضمن كتبهم ، فأمّا أعيانها فلم يبق منها لأن مقتل أبي مخنف لم يوجد منذ خمسة أو ستة قرون وكذلك أمثاله.

وأمّا هذا المقتل القديم ، المفصل المروي بالإسناد المعنعن عن الأفضل فالأفضل ، فلم يوجد بالأيدي مثله ، فهو الكنز الدفين أثاروه ، والكوكب الخفي أظهروه وأناروه ، وهذه يد لهم على كل من احب النبي المصطفى وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين) ، ونعمة أسدوها على محبي الحسين عليه‌السلام ، والمتعطشين إلى ذكره على الكمال والتمام ، فلنشكر يدهم البيضاء ، وليدع محب الحسين لهم بأحسن الجزاء ، على إسداء هذه النعماء ، وقد قلت في تاريخ طبع هذا الكتاب الثمين ، وأسماء ناشريه للمحبين :

أبهج قلب المصطفى والمرتضى

وفاطم الزهراء محمد الرضا

بطبع تأليف الموفق الذي

حاز به الفضل وأدرك الرضا

في مقتل الحسين سبط المصطفى

ومهجة الزهراء وقلب المرتضى

واشترك الهادي وميرزا معه

فنهضا بما له قد نهضا

فقل لمن يسأل عن تاريخه

(طبعه ميرزا وهاد ورضا)

سنة ١٣٦٧ ه‍. ق

النجف الأشرف

الشيخ محمد السماوي

١٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

مقدمة المؤلف

الحمد لله ، وسلام على عباده الّذين اصطفى ، وأخصّ بالصّلاة والسّلام نبيّه المصطفى ، واوجّه الرّضوان إلى ذريّته أولاد فاطمة البتول ، وعليّ المجالد الصؤول ، يوم نطاح الكباش والوعول ، الّذين لحمهم لحم الرّسول ، قد جعل الله سيرهم حججه على كافه الأنام ، وصيّرهم أسنمة أئمّة الإسلام ، الداعين الى دار السّلام ، ورحض عنهم الدّنس ووقّرهم توقيرا ، وأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا ، وافترض مودّتهم على الخلق وجعلها من جملة الإيمان ، وأمرنا بها من تأرج بقدمه الحرمان ، ونزلت الملائكة لنصرته يوم التقى الجمعان ، كما في سورة «الشورى» من القرآن على ما قال عزّ من قائل حكاية عنهم : (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) الشورى / ٢٣.

روي : أنّه لمّا نزلت هذه الآية ، قيل : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجب علينا مودّتهم؟ فقال عليه‌السلام : «عليّ وفاطمة وابناهما».

١٣

وحديث «المباهلة» يؤكدها ويعضدها ويؤيدها ، وهو ما أخبرنا الشيخ الصالح العالم الأوحد عبد الملك بن أبي القاسم بن أبي سهل الكروخي الهروي ـ ببغداد ـ منصرفي من السفرة الحجازية على شط دجلة ، عن مشايخه الثلاثة : القاضي أبي عامر محمود بن القاسم الأزدي ؛ وأبي نصر عبد العزيز بن محمّد الترياقي ؛ وأبي بكر أحمد بن عبد الصمد الغورجي (رحمهم‌الله) ثلاثتهم ، عن أبي محمّد عبد الجبار بن محمّد الجراحي ، عن أبي العبّاس محمّد بن أحمد المحبوبي ، عن الإمام الحافظ أبي عيسى محمّد ابن عيسى الترمذي ، قال : أخبرنا قتيبة ، قال : أخبرنا حاتم بن إسماعيل ، عن بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص ، عن أبيه ، قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا (١) فقال : ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟

قال : أما ما ذكرت ثلاثا قالهن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فلن أسبّه لئن يكون لي واحدة منهن أحبّ إليّ من حمر النعم ، سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لعليّ وخلفه في بعض مغازيه ، فقال له عليّ عليه‌السلام : «يا رسول الله! أتخلفني مع النساء والصبيان»؟ فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبوة بعدي» ، وسمعته يوم خيبر يقول : «لاعطين الراية رجلا يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله» فتطاولنا لها فقال: «ادعوا لي عليّا» فأتى وبه رمد ، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه ، وانزلت هذه الآية : (فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ) آل عمران / ٦١ ، فدعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّا وفاطمة وحسنا وحسينا (عليهم الصلاة والسّلام)

__________________

(١) هكذا في جامع الترمذي وفيه اجمال وتفصيله أمر معاوية بسبّ علي فامتنع سعد فقال له ، الخ.

١٤

فقال : «اللهمّ! هؤلاء أهلي».

وأخبرنا الشيخ الثقة العدل الحافظ أبو بكر محمّد بن عبد الله بن نصر الزاغوني ـ بمدينة السّلام ـ ، قال : أخبرنا أبو الحسين محمّد بن إسحاق بن إبراهيم بن مخلف الباقرحي ، قال : أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن عليّ بندار ، قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمّد بن شاذان ، قال : أخبرنا : أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي ، قال : أخبرني أبي أحمد بن عامر بن سليمان ، قال : حدّثني أبو الحسن عليّ بن موسى الرّضا عليه‌السلام قال : «حدّثني أبي موسى بن جعفر ، قال : حدّثني أبي جعفر بن محمّد ، قال : حدّثني أبي محمّد بن عليّ ، قال : حدّثني أبي عليّ ابن الحسين ، قال : حدّثني أبي الحسين بن عليّ ، قال : حدّثني أبي علي بن أبي طالب ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا علي! إنّ الله قد غفر لك ولأهلك وشيعتك ، ومحبّي شيعتك ومحبّي محبّي شيعتك ، فابشر فإنّك الأنزع البطين ، منزوع من الشرك ، بطين من العلم».

وأخبرنا الإمام الأجل الكبير أخي سراج الدين ركن الإسلام شمس الأئمة إمام الحرمين أبو الفرج محمّد بن أحمد المكي (رحمة الله عليه) ، قال : أخبرنا الإمام الزاهد أبو محمّد إسماعيل بن عليّ بن إسماعيل ، قال : أخبرنا السيّد الإمام الأجل المرشد بالله أبو الحسين يحيى بن الموفق بالله ، قال : أخبرنا أبو طاهر محمّد بن علي بن محمّد بن يوسف الواعظ ، قال : أخبرنا أبو جعفر محمّد بن أحمد بن محمّد بن حمّاد المعروف ب ـ ابن ميثم ـ ، قال : أخبرنا أبو محمّد القاسم بن جعفر بن عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب ، قال : حدّثني أبي جعفر بن محمّد بن عبد الله بن محمّد ، عن أبيه محمّد ، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد ، عن أبيه محمّد بن عليّ

١٥

الباقر ، عن أبيه عليّ بن الحسين زين العابدين ، عن أبيه الحسين بن عليّ الشهيدعليهم‌السلام ، قال : «سمعت جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : من أحبّ أن يحيى حياتي ، ويموت ميتتي ، ويدخل الجنّة التي وعدني ربّي ، فليتولّ عليّ بن أبي طالب وذرّيته الطّاهرين ، أئمة الهدى ومصابيح الدجى من بعده ، فإنّهم لن يخرجوك من باب الهدى الى باب الضلالة».

وأخبرنا العلّامة فخر خوارزم محمود بن عمر الزمخشري ، قال : أخبرني الأستاذ الأمين عليّ بن مردك الرّازي ، قال : أخبرنا الشيخ الزّاهد الحافظ أبو سعد احمد بن محمّد المالني ـ بقراءتي عليه ـ ، قال : أخبرنا أبو بكر محمّد بن حيان الديرعاقولي ، قال : أخبرنا محمّد بن الحسين بن حفص الأشناني ، قال : أخبرنا محمّد بن يحيى الفارسي ، عن سليمان بن حرب ، عن يونس بن سليمان التيمي ، عن أبيه ، عن زيد بن يثيع ، قال : سمعت أبا بكر الصدّيق قال : رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خيّم خيمة ، وهو يتّكئ على قوس عربية ، وفي الخيمة عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام ، فقال : «معشر المسلمين! أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة ، وحرب لمن حاربهم ، ولي لمن والاهم ، لا يحبّهم إلّا سعيد الجد طيب المولد ، ولا يبغضهم إلّا شقي الجد رديء الولادة».

فقال رجل : يا زيد! أأنت سمعت منه؟ قال : إي ، وربّ الكعبة.

وأنبأني مهذب الأئمة أبو المظفر عبد الملك بن عليّ الهمداني ـ نزيل بغداد ـ ، قال : أنبأنا محمّد بن الحسين بن عليّ المقري ، قال : أخبرنا محمّد ابن محمّد بن أحمد الشّاهد ، قال : أخبرنا هلال بن محمّد بن جعفر ، قال : أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الحلواني ، قال : أخبرنا محمّد بن إسحاق المقري ، قال : أخبرنا عليّ بن حمّاد الخشّاب ، قال : أخبرنا عليّ بن المديني ،

١٦

قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح ، قال : أخبرنا سليمان بن مهران ، قال : أخبرنا جابر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لمّا عرج بي الى السّماء رأيت على باب الجنّة : لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، عليّ حبيب الله ، الحسن والحسين صفوة الله ، فاطمة أمة الله ، على مبغضهم لعنة الله».

وممّا قلته في أهل البيت عليهم‌السلام :

يزيد لظى (١) قد رام أن يتسفلوا

وأن يتردوا في مهاوي المعاطب

وقد رشح العدل المهيمن حالهم

بمنزلة قعساء فوق الكواكب

فضائلهم ليست تعد فتنتهي

وإن عددت يوما قطار السحائب

ومن خذلان مبغضيهم المستحكم القواعد ، وادبارهم المستحصف المقاعد ، وغوايتهم التي حشرتهم الى دار البوار ، وشقاوتهم التي كبّتهم على مناخرهم في دركات النار ، أن حملهم بغض أحباء الله وأحباء رسول الله ، على أن أنكروا أولاد عليّ من فاطمة أولاد الرّسول ، فمن أولئك الحجاج المحجوج ، الحقود اللجوج ، على ما أخبرنا الشيخ الإمام الزّاهد الحافظ زين الدّين والأئمّة عليّ بن أحمد العاصمي ، قال : أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل ابن أحمد ، قال : أخبرنا والدي ـ شيخ السنّة ـ أحمد بن الحسين البيهقي ، قال : أخبرنا أبو الحسين ابن بشران العدل ـ ببغداد ـ ، قال : أخبرنا أبو عمرو ابن السماك ، قال : أخبرنا حنبل بن إسحاق ، قال : أخبرنا داود بن عمرو ، قال : أخبرنا صالح بن موسى ، قال : أخبرنا عاصم بن بهدلة ، عن يحيى ابن يعمر العامري ، قال : بعث إليّ الحجاج فقال : يا يحيى! أنت الّذي تزعم أنّ ولد عليّ من فاطمة ولد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟ قلت له : إن أمنتني تكلّمت،

__________________

(١) بالاضافة أي يزيد النار.

١٧

قال : فأنت آمن.

قلت : أقرأ عليك كتاب الله عزوجل إنّ الله يقول : (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا) إلى قوله : (وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ) الأنعام / ٨٤ ـ ٨٥ ؛ وعيسى كلمة الله وروحه ألقاها إلى البتول العذراء ، وقد نسبه الله تعالى إلى إبراهيم ، قال : ما دعاك إلى نشر هذا وذكره؟ قلت : ما أوجب الله تعالى على أهل العلم في علمهم : (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً) آل عمران / ١٨٧.

قال : صدقت ، لا تعودن لذكر هذا ولا نشره.

وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، يقول : «كل بني أم ينتمون إلى عصبتهم إلّا ولد فاطمة فإنّي أنا أبوهم وعصبتهم» ، والأخبار في أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يسمي ـ الحسن والحسين ـ ابنيه ، كالحصا لا تعد ولا تحصى ، وقد ابتلي المكابر الحجاج ، بالمحجاج ـ يحيى بن يعمر ـ المؤيّد من الله بالجواب الصواب ، الّذي اوتي عند سؤاله فصل الخطاب ، ومن ثقابة فهمه ، وغزارة علمه ، أن أخذ بكظمه ، حين تلا عليه آية فيها : أنّ عيسى من ذرية إبراهيم ، وهو يدلي إليه بامّه ، فألقمه جندلة حجته ، فدمت (١) مجرى أنفاسه ، وأوضح له الحجة مثل موضحة رأسه ، وتركه يهيم في وادي وسواسه ، لعن الله الحجاج وكل ملعون من نسله ، وكل من انضوى الى حفله ، واحتطب في حبله ، من مبغضي أهل البيت ، ولعن الله من لم يلعن مبغضيهم ، وقاتليهم ، وسافكي دمائهم ، والّذين أعانوا على قتلهم ، وأشاروا إليه ، ودلّوا عليه ، أليس قد عرف من دين الإسلام ، أنّ من دلّ على قتل صيد الحرام ، كمن قتل صيد الحرم في الأحكام فهذا حكم الله في الدّال على صيد الحرم ، فكيف يكون

__________________

(١) لعله فكظمت.

١٨

حكم الله في من انتهك حرمة رسوله في الحرم ، وسفك من دم سبط شفيع يوم العرض ، ولم يكن حينئذ ابن بنت نبي غيره في بسيط الأرض.

وأنا لمّا عجزت لتأخير زماني عن المناضلة دونه وإراقة دمي والمثول بين يديه على قدمي ، أحببت أن أجمع مقتله بلعباب قلمي ، واطاعن دونه ودون ذريته باللسان ، إذ لم أطاعن دونهم بالسنان ، واضارب قراهم (١) بالبيان المساعد ؛ إذ لم اضارب دونهم بالبنان والساعد ، ليجدد مطالع مجموعي اللعن على قاتليهم ، ويوجه اللائمة الى خاذليهم وخاتليهم ؛ وليكون لي حظ في شفاعة جدّهم محمّد المجتبى من بريته ، مع الأولياء من ذريته ، يوم ينادي المنادي من وراء حجب العرش : «يا أهل الموقف! غضوا أبصاركم لتجوز فاطمة بنت محمّد فتمضي في عرصات القيامة متلففة بثوب مخضوب بدم الحسين ؛ فتحتوي على ساق العرش ، ثمّ تقول : أنت الجبار العدل اقض بيني وبين قتلة ولدي ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : فيقضي الله لبنتي ورب الكعبة ، ثم تقول : شفعني فيمن بكى على مصيبتي ، فيشفعها الله تعالى فيهم».

وكسرت هذا المجموع على خمسة عشر فصلا :

الفصل الأوّل : في ذكر شيء من فضائل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

الفصل الثاني : في فضائل خديجة بنت خويلد سابقة نساء العالمين إيمانا بالله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله.

الفصل الثالث : في فضائل فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف أم عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام.

الفصل الرابع : في انموذج من فضائل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام

__________________

(١) لعله عداهم.

١٩

ومن فضائل ذريته الطاهرين.

الفصل الخامس : في فضائل فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

الفصل السادس : في فضائل الحسن والحسين عليهما‌السلام.

الفصل السابع : في فضائل الحسين عليه‌السلام خاصة.

الفصل الثامن : في إخبار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عن الحسين وأحواله فكان كما أخبر صلى‌الله‌عليه‌وآله.

الفصل التاسع : في بيان ما جرى بينه وبين الوليد بن عتبة ؛ ومروان بن الحكم ، حال حياة معاوية وبعد وفاته.

الفصل العاشر : في بيان أحواله ، مدة مقامه بمكة ، وبيان ما ورد عليه من كتب أهل الكوفة ، وإرسال مسلم بن عقيل إلى الكوفة ومقتله بها.

الفصل الحادي عشر : في خروجه من مكّة إلى العراق ، وما جرى عليه في طريقه ، ونزوله بالطف من كربلاء ومقتله بها (صلى الله عليه) ورزقنا شفاعته.

الفصل الثاني عشر : في بيان عقوبة قاتليه وخاذليه (صلّى الله عليه) ولعن قاتليه.

الفصل الثالث عشر : في ذكر المصيبة به ومرثيته عليه‌السلام.

الفصل الرابع عشر : في زيارة تربته وفقنا الله لزيارته.

الفصل الخامس عشر : في انتقام المختار بن أبي عبيد الثقفي (رحمه‌الله) من قاتليه وخاذليه (صلّى الله عليه) ولعنهم لعنة يستحقونها.

وتوخيت أن اودع هذا المؤلّف المعرف ، ما لا يمجه سمع السماع ،

٢٠