🚘

مغني الأديب - ج ٢

جماعة من أساتذة الأدب العربي في الحوزة العلميّة بقم المقدّسة

مغني الأديب - ج ٢

المؤلف:

جماعة من أساتذة الأدب العربي في الحوزة العلميّة بقم المقدّسة


الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: انتشارات نهاوندي
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

الباب الثاني

في تفسير الجملة ، وذ كر أقسامها وأحكامها

شرح الجملة وبيان أن الكلام أخص منها لا مرادف لها

الكلام : هو القول المفيد بالقصد. والمراد بالمفيد ما دلّ على معنى يحسن السكوت عليه.

والجملة : عبارة عن الفعل وفاعله ، كـ «قام زيد» والمبتدأ وخبره ، كـ «زيد قائم» ، وما كان بمنزلة أحدهما ، نحو : «ضُرب اللص» و «أقائم الزيدان».

وبهذا يظهر لك أنهما ليسامتر ادفين كما يتوهمه كثير من الناس ، وهو ظاهر قول صاحب المفصل ; فإنه بعد أن فرغ من حد الكلام قال : ويسمى جملة. والصواب : أنها أعم منه ; إذ شرطه الإفادة ، بخلافها ، ولهذا تسمعهم يقولون : جملة الشرط ، جملة الجواب ، جملة الصلة ، وكل ذلك ليس مفيداً ، فليس كلاما.

٣

انقسام الجملة إلى اسمية وفعلية وظرفية

فالاسمية : هي التي صدرها اسم ، كـ «زيد قائم ، وهيهات العقيق (١) ، وقائم الزيدان» عند من جوزه وهو الأخفش والكوفيون.

والفعلية : هي التي صدرها فعل ، كـ «قام زيد ، وكان زيد قائماً».

والظرفية : هي المصدرة بظرف أو مجرور ، نحو : «أعندك زيد» و «أفي الدار زيد» إذا قدرت «زيداً» فاعلاً بالظرف والجار والمجرور ، لابالاستقرار المحذوف ، ولامبتدأ مخبراً عنه بهما ، ومثل الزمخشري لذلك بـ «في الدار» من قولك : «زيد في الدار» وهو مبني على أن الاستقرار المقدر فعل لا اسم ، وعلى أنه حذف وحده وانتقل الضمير إلى الظرف بعد أن عمل فيه.

وزاد الزمخشري وغيره الجملة الشرطية ، والصواب : أنها من قبيل الفعلية ; لما سيأتى.

تنبيه

مرادنا بصدر الجملة المسند أو المسند إليه ، فلاعبرة بما تقدم عليهما من الحروف ، فالجملة من نحو : «أقائم الزيدان ، ولعل أباك منطلق» اسمية ، ومن نحو : «أقام زيد ، وإن قام زيد» فعلية.

__________________

١ ـ قال المحقق الرضي : ثم اعلم : أن بعضهم يدعي أن أسماء الأفعال مرفوعة المحل ، على أنها مبتدأة لا خبر لها ، كما في «أقائم الزيدان؟» ، وليس بشيء ; لأن معنى «قائم» معنى الاسم وان شابه الفعل ، أي ذو قيام ، فصح أن يكون مبتدأ بخلاف اسم الفعل فإنه لامعنى للاسمية فيه ولا اعتبار باللفظ. فاسم الفعل كان له في الأصل محل من الإعراب فلما انتقل إلى معنى الفعلية والفعل لا محل له من الإعراب في الأصل ، لم يبق له أيضاً محل من الإعراب. انتهى ملخصا ، شرح الكافية : ٢ / ٦٧.

٤

والمعتبر أيضا ما هو صدر في الأصل ، فالجملة من نحو قوله تعالى : (خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ) (القمر / ٧) وقول الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) : «كيف يسأل محتاج محتاجاً؟ وأنّى يرغب مُعدم إلى معدم؟!» (١) ، فعلية ; لأن هذه الأسماء في نية التأخير ، وكذا الجملة في نحو : «يا عبدالله» ونحو قوله تعالى : (وَالأَنْعامَ خَلَقَها) (النّحل / ٥) ونحو قول خزيمة بن ثابت :

٣٢٩ ـ إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا

أبو حسن مما نخاف من الفتن (٢)

لأن صدورها في الأصل أفعال ، والتقدير : أدعو عبدالله ، وخلق الأنعام ، وإذا بايعنا.

ما يجب على المسؤول أن يفصل فيه

لاحتماله الاسمية والفعلية ; لاختلاف التقدير ، أو لاختلاف النحويين ولذلك أمثلة :

منها : نحو : (أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا) (التغابن / ٦) ; فالأرجح تقدير «بشر» فاعلاً بـ «يهدي» محذوفاً والجملة فعلية ، ويجوز تقديره مبتدأ.

ومنها : قولهم : «ما جاءت حاجتك؟» فإنه يروى برفع «حاجتك» فالجملة فعلية ، وبنصبها فالجلمة اسمية ، وذلك لأن «جاء» بمعنى «صار» فعلى الأول «ما» خبرهاو «حاجتك» اسمها. وعلى الثاني «ما» مبتدأ واسمها ضمير «ما» واُنث حملاً على معنى «ما» ، و «حاجتك» خبرها.

ومنها : نحو : «يومان» في نحو : «ما رأيته منذيومان». فإن تقديره عند الأخفش والزجاج : بيني وبين لقائه يومان ، وعند أبي بكر وأبي علي : أمد انتفاء

__________________

١ ـ الصحيفة الكاملة السجادية ، الدعاء الثالث عشر : ١٠٢.

٢ ـ المستدرك على الصحيحين في الحديث : ٣ / ١١٤.

٥

الرؤية يومان ، وعليهما فالجملة اسمية لا محل لها ، و «منذ» خبر على الأول ومبتدأ على الثاني ، وقال الكسائي وجماعة : المعنى منذ كان يومان ، فـ «منذ» ظرف لما قبلها ، وما بعدها جملة فعلية فعلها ماض حذف فعلها ، وهي في محل خفض ، وقال آخرون : المعنى من الزمن الذي هو يومان ، و «منذ» مركبة من حرف الابتداء و «ذو» الطائية واقعة على الزمن ، وما بعدها جملة اسمية حذف مبتدؤها ، ولا محل لها ; لأنها صلة.

ومنها : جملة البسملة ، فإن قدر : ابتدائي باسم الله فاسمية وهو قول البصريين ، أو أبداُ باسم الله ففعلية وهو قول الكوفيين وهو المشهور في التفاسير والأعاريب ، ولم يذكر الزمخشري غيره ، إلا أنه يقدر الفعل مؤخراً ومناسباً لما جعلت البسملة مبدأ له ، فيقدر : باسم الله أقراُ ، باسم الله أحلّ ، باسم الله أرتحل ، ويؤيده الحديث عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) : «باسم الله وضعت جنبي لله (١)».

انقسام الجملة إلى صغرى وكبرى

الكبرى : هي الاسمية التي خبرها جملة ، نحو قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي (عليه السلام) : «وإنه لهو الصدّيق الأكبر ،» (٢) وقول أميرالمؤمنين (عليه السلام) : «الدنيا تغرّو تضرّ وتمرّ» (٣)

والصغرى : هي المبنية على المبتدأ ، كالجملة المخبر بها في المثالين.

وقد تكون الجملة صغرى وكبرى باعتبارين ، نحو : «زيد أبوه غلامه

__________________

١ ـ المصباح : ٤٦.

٢ ـ معاني الأخبار : ٤٠٢.

٣ ـ نهج البلاغة : ٤٠٧ / ١٢٧٩.

٦

منطلق» فمجموع هذا الكلام جملة كبرى لا غير ، و «غلامه منطلق» صغرى لا غير ; لأنها خبر ، و «أبوه غلامه منطلق» كبرى باعتبار «غلامه منطلق» ، صغرى باعتبار جملة الكلام ، ومثله : (لكِنّا هُوَ اللهُ رَبّي) (الكهف / ٣٨) ، إذ الأصل : لكن أنا هو الله ربي ، ففيها أيضاً ثلاثة مبتدآت إذا لم يقدر «هو» ضميراً له سبحانه ولفظ الجلالة بدل منه أو عطف بيان عليه كما جزم به ابن الحاجب ، بل قدر ضمير الشأن وهو الظاهر ، ثم حذفت همزة «أنا» حذفاً اعتباطياً.

تنبيهان

الأول : ما فُسرت به الجملة الكبرى هو مقتضى كلامهم ، وقد يقال : كما تكون مصدرة بالمبتدأ تكون مصدرة بالفعل ، نحو : «ظننت زيداً يقوم أبوه».

الثاني : إنما قلنا : صغرى وكبرى موافقة لهم ، وإنما الوجه استعمال «فُعلى أفعل» بـ «أل» أو بالإضافة ، ولكن ربما استعمل أفعل التفضيل الذي لم يرد به المفاضلة مطابقاً مع كونه مجرداً.

وقد يحتمل الكلام الكبرى وغيرها. ولهذا النوع أمثلة :

أحدها : نحو : (أَنَا آتِيكَ بِهِ) (النّمل / ٤٠) إذ يحتمل (آتِيكَ) أن يكون فعلاً مضارعاً ومفعولاً ، وأن يكون اسم فاعل ومضافاً إليه مثل (وَإنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ) (هود / ٧٦) (وَكُلُّهُمْ آتِيه يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً) (مريم / ٩٥) ويؤيده أن أصل الخبر الإفراد ، وأن حمزة يميل الألف من (آتِيكَ) وذلك ممتنع على تقدير انقلابها من الهمزة.

الثاني : نحو قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) : «أنت في الجنة» (١) ; إذ يحتمل

__________________

١ ـ تذكرة الخواص : ٤٩٨.

٧

تقدير «تستقر» وتقدير «مستقر».

الثالث : نحو : «إنما أنت سيراً» ; إذ يحتمل تقدير «تسير» وتقدير «سائر» وينبغي أن يجري هنا الخلاف الذي في المسألة قبلها.

الرابع : «زيد قائم أبوه». إذ يحتمل أن يقدر «أبوه» مبتدأ ، وأن يقدر فاعلاً بـ «قائم».

انقسام الكبرى إلى ذات وجه ، وذات وجهين

ذات الوجهين : هي اسمية الصدر فعلية العجز ، نحو قول أميرالمؤمنين (عليه السلام) : «العلم يحرسك وأنت تحرس المال» (١) كذا قالوا ، وينبغي أن يزاد عكس ذلك في نحو : «ظننت زيداً أبوه قائم» بناء على ما قدمنا.

وذات الوجه : نحو : «زيد أبوه قائم» ومثله على ما قدمنا : نحو : «ظننت زيداً يقوم أبوه».

الجمل التي لامحل لها من الإعراب

وهي سبع ، وبدأنا بها. لأنها لم تحل محل مفرد ، وذلك هو الأصل في الجمل.

فالاُولى : المستأنفة ، وهي نوعان :

أحدهما : الجملة المفتتح بها النطق ، كقولك ابتداء : «زيد قائم» ومنه الجمل المفتتح بها السور.

والثاني : الجملة المنقطعة عما قبلها ، نحو قوله تعالى : (قُلْ سَأَتْلُو عَلَيكُم مِّنْهُ

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ح ١٣٩ / ١١٥٥.

٨

ذِكْراً إنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الأرْضِ) (الكهف / ٨٣ و ٨٤) وقول أميرالمؤمنين (عليه السلام) : «تجهزوا ، رحمكم الله» (١) ومنه جملة العامل الملغى ; لتأخره ، نحو : «زيد قائم أظن» فأما العامل الملغى لتوسطه نحو : «زيد أظن قائم» فجملته أيضاً لامحل لها ، إلا أنها من باب جمل الاعتراض.

ويخص البيانيون الاستئناف بما كان جواباً لسؤال مقدر نحو قوله تعالى : (هَلْ أَتاك حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقْالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ) (الكهف / ٢٤ و ٢٥) فإن جملة القول الثانية جواب لسؤال مقدر تقديره : فماذا قال لهم؟ ولهذا فصلت عن الاُولى فلم تعطف عليها.

تنبيهات

الأول : من الاستئناف ما قد يخفى ، وله أمثلة كثيرة منها : (لايَسَّمَّعُونَ) من قوله تعالى : (وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطان مارِد لايَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإ الاَعْلى) (الصافات / ٧ و ٨) فإن الذي يتبادر إلى الذهن أنه صفة لـ «كل شيطان» أو حال منه ، وكلاهما باطل ; إذ لامعنى للحفظ من شيطان لايسمع ، وإنما هي للاستئناف النحوي ، ولايكون استئنافاً بيانياً لفساد المعنى أيضاً.

فإن قلت : اجعلها حالاً مقدرة ، أي : وحفظاً من كل شيطان مارد مقدراً عدم سماعه ، أي : بعد الحفظ.

قلنا : الذي يقدر وجود معنى الحال هو صاحبها ، كالممرور به في قولك : «مررت برجل معه صقر صائداً به غداً» أي : مقدراً حال المرور به أن يصيد به غداً ، والشياطين لايقدرون عدم السماع ولايريدونه.

__________________

١ ـ وبعده : «فقج نودي فيكم بالرحيل ...» نهج البلاغة : ط١٩٥ / ٦٥٤.

٩

ومنها : (إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرّونَ وَما يُعْلِنُونَ) (يس / ٧٦) بعد قوله تعالى : (فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ) (يس / ٧٦) فإنه ربما يتبادر الذهن إلى أنه محكي بالقول وليس كذلك ; لأن ذلك ليس مقولاً لهم.

ومنها : (إنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً) (يونس / ٦٥) بعد (وَلايَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ) (يونس / ٦٥) وهي كالتي قبلها.

الثاني

قد يحتمل اللفظ الاستئناف وغيره ، وهو نوعان

أحدهما : ما إذا حمل على الاستئناف احتيج إلى تقدير جزء يكون معه كلاماً ، نحو «الله» من قول أميرالمؤمنين (عليه السلام) «نِعمَ الحَكَم الله» (١).

والثاني : مالايحتاج فيه إلى ذلك. لكونه جملة تامة ، وذلك كثير جداً ، نحو الجملة المنفية وما بعدها في قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاتَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ ، لا يَأْلُونَكُمْ خَبْالاً ، وَدّو ما عَنِتُّمْ ، قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْبَيَّنّا لَكُمُ الاياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (آل عمران / ١١٨). قال الزمخشري : الأحسن والأبلغ أن تكون مستأنفات على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة من دون المسلمين ، ويجوز أن يكون (لايَألُونَكُمْ) و (قَدْ بَدَتْ) صفتين ، أي : بطانة غير مانعتكم فساداً بادية بغضاؤهم.

الثالث

من الجمل ما جرى فيه خلاف ، أمستأنف أم لا؟ وله أمثلة :

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ك ٤٥ / ٩٦٧.

١٠

أحدها : «أقوم» من نحو قولك : «إن قام زيد أقوم» وذلك لأن المبرد يرى أنه على إضمار الفاء ، وسيبويه يرى أنه مؤخر من تقديم ، وأن الأصل : أقوم إن قام زيد ، وأن جواب الشرط محذوف ، ويؤيده التزامهم في مثل ذلك ، كون الشرط ماضياً.

ويبتنى على هذا مسألتان :

إحداهما : أنه هل يجوز «زيداً إن أتاني اُكرمه» بنصب «زيداً»؟ فسيبويه يجيزه كما يجيز «زيداً اُكرمه إن أتاني» والقياس أن المبرد يمنعه ; لأنه في سياق أداة الشرط فلايعمل فيما تقدم على الشرط ، فلا يفسر عاملاً فيه.

والثانية : أنه إذا جيء بعد هذا الفعل المرفوع بفعل معطوف ، هل يجزم أم لا؟ فعلى قول سيبويه لايجوز الجزم ، وعلى قول المبرد ينبغي أن يجوز الرفع بالعطف على لفظ الفعل والجزم بالعطف على محل الفاء المقدرة وما بعدها.

الثاني : «مذ» و «منذ» وما بعد هما في نحو : «ما رأيته مذ يومان» فقال السيرافي : في موضع نصب على الحال ، وليس بشيء ; لعدم الرابط ، وقال الجمهور : مستأنفة جواباً لسؤال تقديره عند من قدّر «مذ» مبتدأ : ما أمد ذلك؟ وعند من قدّرها خبراً : ما بينك وبين لقائه؟

الثالث : جملة أفعال الاستثناء «ليس ولايكون وخلا وعدا وحاشا» فقال السيرافي : حال ; إذ المعنى : قام القوم خالين عن زيد ، وجوّز الاستئناف ، وأوجبه ابن عصفور ، فإن قلت : «جاءني رجالٌ ليسوا زيداً» فالجملة صفة ، ولايمتنع أن يقال : «جاؤوني ليسوا زيداً» على الحال.

الجملة الثانية : المعترضة بين شيئين لإفادة الكلام تقوية وتسديداً أو تحسيناً ، وقد وقعت فى مواضع :

١١

أحدها : بين الفعل ومرفوعه كقوله (١) :

٣٣٠ ـ شجاك ـ أظن ـ ربعُ الظاعنينا

ولم تَعبأ بعذل العاذلينا

وروي بنصب «ربع» على أنه مفعول أول ، و «شجاك» مفعوله الثاني ، وفيه ضمير مستتر راجع إليه ، وقوله (٢) :

٣٣١ ـ فقد أدركتنيـ والحوادث جَمَّة ـ

أسِنَّةُ قوم لاضِعاف ولاعُزل

والثاني : بينه وبين مفعوله كقول الإمام على بن الحسين (عليهما السلام) : «بل ملكت ـ يا إلهي ـ أمرهم قبل أن يملكوا عبادتك» (٣) وقول أبي النجم العجلي :

٣٣٢ ـ وبُدِّلت ـ والدهر ذو تبدّل ـ

هيفاً دبوراً بالصبا والشَّمأَل (٤)

والثالث : بين المبتدأ وخبره كقول مَعْن بن أوس :

٣٣٣ ـ وفيهن ـ والأيام يعثرن بالفتى ـ

نوادب لا يمللنه ونوائح (٥)

ومنه : الاعتراض بجملة الفعل الملغى في نحو : «زيدٌ ـ أظن ـ قائم» وبجملة الاختصاص في نحو قول أميرالمؤمنين (عليه السلام) : «وعندنا ـ أهل البيت ـ أبواب الحكم وضياء الأمر» (٦)

__________________

١ ـ قال البغدادي : «لم أقف على قائل الشعر» شرح أبيات مني اللبيب : ٦ / ١٨٣.

٢ ـ قال السيوطي : «وقال ابن حبيب أسر حنظلة بن العجلي ، جويرية بن زيد فأنشأ ، يتغنى وذكر أبياتاً أربعة ، (منها البيت) فأطلقوه». شرح شواهد المغني : ٢ / ٨٠٧.

٣ ـ الصحيفة الكاملة السجادية ، الدعاء السابع والثلاثون : ٢٤٦.

٤ ـ شرح شواهد المغني : ١ / ٤٥٠.

٥ ـ شرح شواهد المغني : ٢ / ٨٠٨.

٦ ـ نهج البلاغة : ط١١٩ / ٣٧٠.

١٢

والرابع : بين ما أصله المبتدأ والخبر كقول محمّد بن بشير الخارجي :

٣٣٤ ـ لعلك ـ والموعودحق لقاؤه ـ

بدالك في تلك القَلوص بداء (١)

وقوله :

٣٣٥ ـ ياليت شعريـ والمنى لاتنفع ـ

هل أغْدُوَنْ يوماً وأمري مُجمَع (٢)

إذا قيل بأن جملة الاستفهام خبر ، على تأويل «شعري» بـ «مشعوري» لتكون الجملة نفس المبتدأ فلاتحتاج إلى رابط ، وأما إذا قيل : بأن الخبر محذوف أي : موجود ، أو أن «ليت» لاخبر لها هنا ، إذ المعنى : ليتني أشعر ، فالاعتراض بين الشعر ومعموله الذي علق عنه بالاستفهام. ومثله : قول أميرالمؤمنين (عليه السلام) : «وليت شعري ـ يا سيدي وإلهي ومولاي ـ أتسلط النار على وجوه خرت لعظمتك ساجدة؟» (٣).

مسألة

كثيراً ما تشتبه المعترضة بالحالية ، ويميزها منها اُمور :

أحدها : أنها تكون غير خبرية كالدعائية في قول عوف بن مُحَلِّم :

٣٣٦ ـ إن الثمانين ـ وبُلِّغْتَها ـ

قد أحوجت سمعي إلى ترجمان (٤)

والحالية لا تكون إلا خبرية ، وذلك بالإجماع.

__________________

١ ـ شرح أبيات مغني اللبيب : ٦ / ١٩٣.

٢ ـ شرح شواهد المغني : ٢ / ٨١١ ، شرح أبيات مغني اللبيب : ٦ / ١٩٦ ، لم يسم قائله.

٣ ـ المصباح : ٥٥٧.

٤ ـ شرح شواهد المغني : ٢ / ٨٢١.

١٣

والثاني : أنه يجوز تصديرها بدليل استقبال كالتنفيس في قول زهير بن أبي سلمى :

٣٣٧ ـ وماأدري ـ وسوف إخال أدري ـ

أقوم آل حصن أم نساء؟ (١)

وأما قول الحوفي في (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الصافات / ٩٩) : إن الجملة حالية فمردود ، وكـ «لن» في (فَإِنْ لَّمْ تَفْعَلُواْ ، وَلَن تَفْعَلُواْ ، فَاتَّقُواْ النَّارَ) (البقرة / ٢٤) ، وكالشرط في (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الاَرْضِ) (محمّد / ٢٢) ، وإنما جاز «لأضربنه إن ذهب وإن مكث» ; لأن المعنى لأضربنه على كل حال ; إذ لايصح أن يشترط وجود الشيء وعدمه لشيء واحد.

والثالث : أنه يجوز اقترانها بالفاء كقوله : (٢)

٣٣٨ ـ واعلم ـ فعلم المرء ينفعه ـ

أن سوف يأتي كل ما قدرا

وكجملة (فَبِأَىِّ آلآءِ رَبِّكُما تُكَذّبانِ) (الرحمن / ٣٨) الفاصلة بين (فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَآءُفَكَانَت وَرْدَةً) (الرحمن / ٣٧) وبين الجواب وهو (فَيَوْمَئِذ لاّيُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ إِنسٌ ، وَلا جآنٌّ) (الرحمن / ٣٩).

الجملة الثالثة : التفسيرية ، وهي الفضلة الكاشفة لحقيقة ما تليه ولها أمثلة توضحها :

أحدها : (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (الأنبياء / ٣) فجملة الاستفهام مفسرة لـ «النجوى» و «هل» هنا للنفي ، ويجوز أن تكون بدلاً منها إن قلنا : إن ما فيه معنى القول يعمل في الجمل ، وهو قول الكوفيين ،

__________________

١ ـ تقدم برقم ١١٣.

٢ ـ قال السيوطي : «قال العيني : لم يسم قائله». شرح شواهد المغني : ٢ / ٨٢٨.

١٤

وأن تكون معمولة لقول محذوف هو حال مثل (وَالْمَلآئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِن كُلِّ بَاب سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ) (الرعد / ٢٣ و ٢٤).

والثاني : (إنَّ مَثَلَ عِيسى عِندَاللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُراب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (آل عمران / ٥٩) فـ «خلقه» وما بعده تفسير لـ «مثل آدم» لا باعتبار ما يعطيه ظاهر لفظ الجملة من كونه قدِّر جسداً من طين ثم كوِّن ، بل باعتبار المعنى ، أي : إن شأن عيسى كشأن آدم في الخروج عن مستمر العادة وهو التولد بين أبوين.

والثالث : (ثُمَّ بَدالَهُم مِن بَعْدِما رَأَوُا الاْياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ) (يوسف / ٣٥) فجملة «ليسجننه» قيل : هي مفسرة للضمير في «بدا» الراجع إلى البداء المفهوم منه ، والتحقيق أنها جواب لقسم مقدر ، وأن المفسر مجموع الجملتين ، ولايمنع من ذلك كون القسم إنشاء ; لأن المفسر هنا إنما هو المعنى المتحصل من الجواب ، وهو خبري لا إنشائي ، وذلك المعنى هو سجنه ـ على نبينا وآله وعليه السّلام ـ فهذا هو البداء الذي بدالهم.

ثمّ اعلم أنه لايمتنع كون الجملة الإنشائية مفسرة بنفسها ، ويقع ذلك في موضعين :

أحدهما : أن يكون المفسَّر إنشاء أيضاً ، نحو : «أحسن إلى زيد أعطه ألف دينار».

والثاني : أن يكون مفرداً مؤدياً معنى جملة ، نحو : (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) (الأنبياء / ٣).

وإنما قلنا فيما مضى : إن الاستفهام مراد به النفي ، تفسيراً لما اقتضاه المعنى وأوجبته الصناعة لأجل الاستثناء المفرغ ، لا أن التفسير أوجب ذلك ويجوز أن يكون (لَيَسْجُنُنَّهُ) جواباً لـ «بدا» لأن أفعال القلوب لإفادتها التحقيق تجاب بما

١٥

يجاب به القسم ، قال الشاعر : (١)

٣٣٩ ـ ولقد علمت لتأتينّ مَنيَّتي

إن المنايا لاتطيش سهامها

وقال الكوفيون : الجملة فاعل ، ثم قال هشام وثعلب وجماعة : يجوز ذلك في كل جملة ، نحو : «يعجبني تقوم» وقال الفراء وجماعة : جوازه مشروط بكون المسند إليها قلبياً ، وباقترانها بأداة معلقة ، نحو : «ظهر لي أقام زيد ، وعُلِم هل قعد عمرو» ، وفيه نظر ; لأن أداة التعليق بأن تكون مانعة أشبه من أن تكون مجوزة ، وكيف تعلق الفعل عما هو منه كالجزء؟! وبعدُ فالحق : أن المسألة صحيحة ، ولكن مع الاستفهام خاصة دون سائر المعلقات ، وعلى أن الإسناد إلى مضاف محذوف لا إلى الجملة ، ألا ترى أن المعنى : ظهر لي جواب أقام زيد؟ أي : جواب قول القائل ذلك. وكذلك في «علم أقعد عمرو» وذلك لابد من تقديره دفعاً للتناقض ; إذ ظهور الشيء والعلم به منافيان للاستفهام المقتضي للجهل به.

فإن قلت : ليس هذا مما تصح فيه الإضافة إلى الجمل.

قلنا : إن الجملة التي يراد بها اللفظ يحكم لها بحكم المفردات. وقيد «الفضلة» في الضابط احتراز عن الجملة المفسرة لضمير الشأن ، فإنها كاشفة لحقيقة المعنى المراد به ، ولها موضع بالإجماع ; لأنها خبر في الحال أو في الأصل ، وعن الجملة المفسرة في باب الاشتغال فقد قيل : إنها تكون ذات محل كما سيأتي ، وهذا القيد أهملوه ولابد منه.

__________________

١ ـ قال السيوطي : «قال ابن هشام في شواهده ، هذا البيت نسب للبيد ، ولم أجده في ديوانه». شرح شواهد المغني : ٢ / ٨٢٨. واختلف في نقله صدرا وعجزا. رجع نفس المصدر وشرح أبيات مغني اللبيب : ٦ / ٢٣٢.

١٦

مسألة

قولنا : إن الجملة المفسرة لامحل لها ، خالف فيه الشلوبين ، فزعم أنها بحسب ما تفسره ، فهي في نحو : «زيداً ضربته» لامحل لها ، وفي نحو : (إِنَّا كُلَّ شَيء خَلَقْناه بِقَدَر) (القمر / ٤٩) ونحو : «زيد الخبز يأكله» بنصب «الخبز» في محل رفع ، ولهذا يظهر الرفع إذا قلت : آكله ، وقال هشام المري :

٣٤٠ ـ فمن نحن نؤمنه يَبِت وهو آمن

ومن لا نُجِره يُمسِ منّا مروَّعا (١)

فظهر الجزم ، وكأن الجملة المفسرة عنده عطف بيان أو بدل ولم يثبت الجمهور وقوع البيان والبدل جملة ، وقد تقدم أن جملة الاشتغال ليست من الجمل التي تسمى في الاصطلاح جملة مفسرة وإن حصل فيها تفسير ، ولم يثبت جواز حذف المعطوف عليه عطف البيان ، واختلف في المبدل منه ، وفي البغداديات لأبي علي أن الجزم في ذلك بأداة شرط مقدرة ، فإنه قال ما ملخصه : إن الفعل المحذوف والفعل المذكور في نحو قول النمر بن تولب :

٣٤١ ـ لا تجزعي إن مُنفِساً أهلكته

وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي (٢)

مجزومان في التقدير ، وإن انجزام الثاني ليس على البدلية ، إذ لم يثبت حذف المبدل منه ، بل على تكرير «إن» أي : إن أهلكت منفساً إن أهلكته ، وساغ إضمار «إن» وإن لم يجز إضمار لام الأمر إلا ضرورة ، (٣) لاتساعهم فيها ، بدليل إيلائهم

__________________

١ ـ شرح أبيات مغني اللبيب : ٦ / ٢٣٣.

٢ ـ شرح شواهد المغني : ١ / ٤٧٣.

٣ ـ أي : ضرورة الشعر. قال ابن هشام في بحث اللام العاملة للجزم : وقد تحذف اللام في الشعر ويبقى عملها. وفي بعض نسخ معني اللبيب : للضرورة بدون «إلا» وعليه فالمراد بها الحاجة إليه لاضرورة الشعر.

١٧

إياها الاسم ولأن تقدمها مُقوّ للدلالة عليها.

تنبيه

المفسرة ثلاثة أقسام : مجردة من حرف التفسير كما في الأمثلة السابقة ، ومقرونة بـ «أي» كقولك : اُريق رفده ، أي : مات ومقرونة بـ «أن» نحو : (فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ) (المؤمنون / ٢٧) وقولك : «كتبت إليه أن افعل» إن لم تقدر الباء قبل «أن».

الجملة الرابعة : المجاب بها القسم نحو : قول أميرالمؤمنين (عليه السلام) خطاباً للدنيا : «والله لو كنت شخصا مرئياً ، وقالباً حسياً ، لأقمت عليك حدود الله فى عباد غررتهم بالأماني» (١) ومنه (لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ) (الهمزة / ٤) يقدر لذلك ولما أشبهه القسم.

تنبيه

من أمثلة جواب القسم ما يخفى ، نحو : (اَمْ لَكُمْ أيْمانٌ عَلَيْنَا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ) (القلم / ٣٩) ، (وَإذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لاَتَعْبُدُونَ إلاّ اللهَ) (٢) (البقرة / ٨٣) وذلك لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف ، قاله كثيرون منهم الزجاج ، ويوضحه (وإذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاس) (آل عمران / ١٨٧) وقال الكسائي والفراء ومن وافقهما : التقدير : بأن لاتعبدوا إلا الله ، ثم حذف الجار ، ثم «أن» فارتفع الفعل ، وجوز الفراء أن يكون

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ك ٤٥ / ٣٧٣.

٢ ـ (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّـهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ).

١٨

الأصل النهي ، ثم اُخرج مخرج الخبر ، ويؤيده أن بعده (وَقُولُوا) ، (وأَقِيمُواْ) (وَآتُواْ).

مسألة

قال ثعلب : لاتقع جملة القسم خبراً ، فقيل في تعليله : لأن نحو : «لأفعلن» لامحل له ، فإذا بني على مبتدأ فقيل : «زيد ليفعلن» صار له موضع ، وليس بشيء ; لأنه إنما منع وقوع الخبر جملة قسمية ، لا جملة هي جواب القسم ، ومراده أن القسم وجوابه لايكونان خبراً ; إذ لاتنفك إحداهما عن الاُخرى ، وجملتا القسم والجواب يمكن أن يكون لهما محل من الإعراب كقولك : «قال زيد : اُقسم لأفعلن» وإنما المانع عنده إما كون جملة القسم لاضمير فيها فلاتكون خبراً ; لأن الجملتين هاهنا ليستاكجملتي الشرط والجزاء ; لأن الجملة الثانية ليست معمولة لشيء من الجملة الاُولى ، ولهذا منع بعضهم وقوعها صلة ، وإما كون جملة القسم إنشائية ، والجملة الواقعة خبراً لابد من احتمالها للصدق والكذب ، ولهذا منع قوم من الكوفيين منهم ابن الأنباري أن يقال : «زيد اضربه ، وزيد هل جاءك؟».

وبعدُ فالصواب : أن كلاًّ من التعليلين ملغى.

أما الأول : فلأن الجملتين مر تبطتان ارتباطاً صارتا به كالجملة الواحدة وإن لم يكن بينهما عمل ، وزعم ابن عصفور أن السماع قد جاء بوصل الموصول بالجملة القسمية وجوابها ، وذلك قوله تعالى : (وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) (هود / ١١١) قال : فـ «ما» موصولة لا زائدة ، وإلا لزم دخول اللام على اللام ، انتهى. وليس بشيء ; لأن امتناع دخول اللام على اللام إنما هو لأمر لفظي وهو ثقل التكرار ، والفاصل يزيله ولو كان زائداً ، ولهذا اكتفي بالألف فاصلة بين النونات في «اذهبنان» وبين الهمزتين في (آ أَنْذَرْتَهُمْ) (البقرة / ٦) وإن كانت زائدة ، وكان الجيد أن يستدل بقوله تعالى : (وإنّ منكم لَمَن لَيُبَطِّئنَّ) (النساء / ٧٢)

١٩

فإن قيل : تحتمل «من» الموصوفية ، أي : لفريقاً ليبطئن ، قلنا : وكذا «ما» في الآية ، أي : لقوم ليوفينهم. ثم إنه لايقع صفة إلا ما يقع صلة ، فالاستدلال ثابت وإن قدرت صفة. ووجهه ـ مع كون الجملة الاُولى إنشائية ـ أنها ليست مقصودة ، وإنما المقصود جملة الجواب ، وهي خبرية ، ولم يؤت بجملة القسم إلا لمجرد التوكيد لا للتأسيس.

وأما الثاني : فلأن الخبر الذي شرطه احتمال الصدق والكذب ، الخبر الذي هو قسيم الإنشاء ، لا خبر المبتدأ ، للاتفاق على أن أصله الإفراد ، واحتمال الصدق والكذب إنما هو من صفات الكلام ، وعلى جواز «أين زيد؟ وكيف عمرو؟».

الجملة الخامسة : الواقعة جواباً لشرط غير جازم مطلقاً ، أو جازم ولم تقترن بالفاء ولا بـ «إذا» الفجائية ، فالأول جواب «لو ولولا ولمّا وكيف» قال أميرالمؤمنين (عليه السلام) : «لولم يتوعد الله على معصيته لكان يجب أن لايعصى شكراً لنعمه» (١).

والثاني نحو : «إن تقم أقم ، وإن قمت قمت» أما الأول : فلظهور الجزم في لفظ الفعل ، وأما الثاني : فلأن المحكوم لموضعه بالجزم ، الفعل لا الجملة بأسرها.

الجملة السادسة : الواقعة صلة لاسم أو حرف ، فالأول ، نحو قول حسان في علي (عليه السلام) :

٣٤٢ ـ فأنت الذي أعطيت إذأنت راكع

فدتك نفوس القوم يا خير راكع (٢)

فـ «الذي» في موضع رفع ، والصلة لامحل لها وحكي عن بعضهم : أن الموصول وصلته في موضع كذا ، محتجاً بأنهما ككلمة واحدة ، والحق ما تقدم بدليل

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ح٢٨٢ / ١٢٢٧.

٢ ـ الغدير : ٢ / ٥٨.

٢٠