تراثنا ـ العددان [ 50 و 51 ] - ج ٥٠ - ٥١

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العددان [ 50 و 51 ] - ج ٥٠ - ٥١

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٧٨
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤   الجزء ٥   الجزء ٦ الجزء ٧-٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠ الجزء ٢١ الجزء ٢٢ الجزء ٢٣ الجزء ٢٤ الجزء ٢٥ الجزء ٢٦ الجزء ٢٧ الجزء ٢٨ الجزء ٢٩ الجزء ٣٠-٣١   الجزء ٣٤ الجزء ٣٥-٣٦ الجزء ٣٧ الجزء ٣٨-٣٩ الجزء ٤١ ـ ٤٢ الجزء ٤٣-٤٤ الجزء ٤٥ - ٤٦ الجزء ٤٧ - ٤٨ الجزء ٤٩ الجزء ٥٠ - ٥١ الجزء ٥٢ الجزء ٥٣ و ٥٤ الجزء ٥٥ و ٥٦ الجزء ٥٧ الجزء ٥٨ الجزء ٥٩ و ٦٠ الجزء ٦١ الجزء ٦٢ الجزء ٦٣ و ٦٤ الجزء ٦٥ الجزء ٦٦ و ٦٧ الجزء ٦٨ الجزء ٦٩ و ٧٠ الجزء ٧١ و ٧٢ الجزء ٧٣ و ٧٤ الجزء ٧٥ و ٧٦ الجزء ٧٧ و ٧٨ الجزء ٧٩ و ٨٠ الجزء ٨١ و ٨٢ الجزء ٨٣ و ٨٤ الجزء ٨٥ و ٨٦ الجزء ٨٧ و ٨٨

١

محتويات العدد

*تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات (٩).

................................................... السيّد علي الحسيني الميلاني ٧

*الحديث المرسل بين الردّ والقبول.

.................................................. السيّد ثامر هاشم العميدي ١٠٧

*النصال الخارقة لنحور المارقة.

................................. السيّد حسن الحسيني آل المجدّد الشيرازي ١٩١

*معجم شواهد التفسير(١).

............................................................... أسعد الطيّب ٢٥٤

٢

*فهرس مخطوطات مكتبة القائيني (٢).

.......................................... الشيخ علي الفاضل القائيني النجفي ٣١٤

*مصطلحات نحوية (٨).

...................................................... السيّد علي حسن مطر ٣٧٧

*من ذخائر التراث :

*وصيّة الامام الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم.

............................................... تحقيق : فارس حسّون كريم ٣٩٥

*من أنباء التراث.

................................................................ هيئة التحرير ٤٥٧

*صورة الغلاف : نموذج من مخطوطة نقد الرجال للسيّد مير مصطفى بن الحسين الحسيني التفريشي (كان حياً سنة ١٠٤٤ هـ) وهي بخطّ المصنّف رحمه الله ، والذي تقوم مؤسسّة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث بتحقيقه.

٣
٤

٥
٦

تشييد المراجعات

وتفنيد المكابرات

(٩)

السيد علي الحسيني الميلاني

قال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) (١).

قال السيد رحمه‌الله :

«والصادقين الذين قال : (وكونوا مع الصادقين)».

فقال في الهامش :

«والصادقون هنا : رسول الله والأئمة من عترته الطاهرة ، بحكم صحاحنا المتواترة ، وهو الذي أخرجه الحافظ أبو نعيم ، وموفق بن أحمد ، ونقله ابن حجر في تفسير الآية الخامسة من الباب ١١ من صواعقه ، ص ٩٠ ، عن الإمام زين العابدين ، في كلام له ، أوردناه في أواخر المراجعة ٦».

__________________

(١) سورة التوبة ٩ : ١١٩.

٧

فقيل :

«هذه الآية نزلت في كعب بن مالك ، والثلاثة الذين خلفوا ، حينما طلب منه أن يعتذر ويكذب ، كما فعل المنافقون ، لكنه صدق الله ورسوله ، فتاب الله عليه ببركة الصدق.

وهذا ثابت في الصحيح.

ثم إن لفظ الآية عام وليس هناك دليل على تخصيصه.

وفي تفسير ابن كثير ٢ / ٣٩٩ : ... وعن عبد الله بن عمر في قوله : (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).

قال : مع محمد وأصحابه.

وقال الضحاك : مع أبي بكر وعمر وأصحابهما.

وقال الحسن البصري : إن أردت أن تكون مع الصادقين فعليك بالزهد في الدنيا والكف عن أهل الملة.

وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية على قول من قال : إنها نزلت في علي ، بجواب ضاف من أحد عشر وجها ، فارجع إليه في منهاج السنة ٤ / ٧٢».

أقول :

إن مجمل الكلام في وجه الاستدلال بالآية المباركة هو : إن كون المراد من (الصادقين) هنا : رسول الله والأئمة الطاهرون من عترته ، هو القول المروي عند الفريقين ، ولا ريب في أن المجمع عليه أولى بالقبول والاتباع من القول المتفرد به ، فإن قول عبد الله بن عمر ، أو الضحاك ، أو

٨

غيرهما ، لو ثبت عنهم ، لا يكون حجة علينا ، كما سيأتي قول هذا المتقول في آية الذكر ، في الجواب عما رواه العلامة البحراني : «فإنه ليس بحجة علينا».

على أن استشهاده بأقوال هؤلاء ـ نقلا عن ابن كثير ـ يناقض قوله : «إن لفظ الآية عام ، وليس هناك دليل على تخصيصه».

وأما ذكره نزول الآية في كعب بن مالك وغيره ، فلا فائدة فيه ، لأن سبب النزول لا يكون مخصصا ، كما تقرر عند الجميع ، مضافا إلى ذكره أقوال المفسرين بتفسير الآية المباركة.

وكذلك ، لا فائدة في الإحالة إلى منهاج السنة ، لأن المفروض أنه بصدد الرد على استدلال السيد ، فكان عليه أن يناقش في سند أو دلالة ما استند إليه السيد في هذا المقام ، وهذا ما لم يفعله ، وإنما اكتفى بالإحالة إلى منهاج السنة ، وبنقل ما ظنه مفيدا له مما جاء في تفسير ابن كثير ، فكان في الحقيقة عاجزا عن الجواب.

هذا مجمل الكلام.

وأما تفصيله بما يسعه المقام فهو في فصول :

٩

الفصل الأول

إن رواة نزول الآية الكريمة في النبي وأهل بيته الطاهرين ، من أئمة أهل السنة المشهورين ، كثيرون ، نكتفي هنا بذكر أسماء جماعة منهم :

١ ـ مالك بن أنس ، إمام المالكية ، المتوفى سنة ١٧٩ ، وقع في طريق رواية الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ، وكذا في طريق غيره.

٢ ـ الحسين بن الحكم الحبري ، المتوفى سنة ٢٨٦ ، رواه في تفسيره : ٢٧٥.

٣ ـ أبو يوسف يعقوب بن يوسف الفسوي ، المتوفى سنة ٢٧٧ ، رواه في تاريخه.

٤ ـ أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد ، ابن عقدة الكوفي ، المتوفى سنة ٣٣٢ ، وقع في طريق رواية ابن عساكر.

٥ ـ أبو بكر محمد بن عمر ، ابن الجعابي ، البغدادي ، المتوفى سنة ٣٥٥ ، وقع في طريق رواية الحاكم الحسكاني ، في شواهد التنزيل.

٦ ـ أبو عمر عبد الواحد بن محمد ، ابن مهدي ، الفارسي ، البغدادي ، المتوفى سنة ٤١٠ ، وقع في طريق رواية ابن عساكر.

٧ ـ أبو بكر أحمد بن موسى ، ابن مردويه ، الأصفهاني ، المتوفى سنة ٤١٠ ، رواه عنه غير واحد ، منهم السيوطي في الدر المنثور.

٨ ـ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم ، الثعلبي ، النيسابوري ، المتوفى سنة ٤٢٧ ، وقع في طريق رواية الحمويني في فرائد السمطين.

٩ ـ أبو نعيم أحمد بن عبد الله ، الأصفهاني ، المتوفى سنة ٤٤٣ ، وقع

١٠

في طريق غير واحد ، منهم الخوارزمي في المناقب.

١٠ ـ عبيد الله بن عبد الله بن أحمد ، الحاكم الحسكاني ، الحنفي ، النيسابوري ، المتوفى بعد سنة ٤٧٠ ، في كتابه : شواهد التنزيل لقواعد التفضيل ١ / ٣٤١ فما بعد ، بطرق عديدة.

١١ ـ أبو القاسم إسماعيل بن أحمد ، ابن السمرقندي ، البغدادي ، المتوفى سنة ٥٣٦ ، وقع في طريق رواية ابن عساكر.

١٢ ـ الموفق بن أحمد ، الخطيب الخوارزمي ، المكي ، المتوفى سنة ٥٦٨ ، رواه في كتابه : مناقب علي بن أبي طالب : ١٩٨.

١٣ ـ أبو العلاء ، الحسن بن أحمد ، العطار الهمداني ، المتوفى سنة ٥٦٩ ، وقع في طريق رواية الخوارزمي.

١٤ ـ أبو القاسم علي بن الحسن ، ابن عساكر ، الدمشقي ، المتوفى سنة ٥٧٣ ، رواه في : تاريخه ، بترجمة أمير المؤمنين عليه‌السلام ٢ / ٤٢١.

١٥ ـ يوسف بن قزغلي البغدادي ، سبط ابن الجوزي ، المتوفى سنة ٦٥٤ ، رواه في كتابه : تذكرة خواص الأمة : ١٦ ، قال : «قال علماء السير : معناه : كونوا مع علي وأهل بيته ، قال ابن عباس : علي سيد الصادقين».

١٦ ـ أبو عبد الله ، محمد بن يوسف القرشي ، الكنجي ، المقتول سنة ٦٥٨ ، رواه في كتابه : كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب : ٢٣٦.

١٧ ـ إبراهيم بن محمد ، الحمويني ، الخراساني ، المتوفى سنة ٧٣٠ ، رواه في كتابه : فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين ١ / ٣٧٠.

١٨ ـ أبو الحجاج جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن المزي المتوفى سنة ٧٤٢ ، رواه في كتابه : تهذيب الكمال في أسماء

١١

الرجال ٥ / ٨٤.

١٩ ـ جمال الدين ، محمد بن يوسف ، الحنفي ، الزرندي ، المدني ، المتوفى سنة ٧٥٠ ، رواه في كتابه : نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين : ٩١.

٢٠ ـ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ، المتوفى سنة ٩١١ ، رواه في تفسيره : الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٣ / ٣٩٠.

٢١ ـ شهاب الدين أحمد بن حجر ، المكي ، المتوفى سنة ٩٧٣ ، رواه في كتابه : الصواعق المحرقة : ١٥١ ، باب الآيات النازلة فيهم.

٢٢ ـ القاضي محمد بن علي الشوكاني ، المتوفى سنة ١٢٥٠ ، رواه في تفسيره : فتح القدير ٢ / ٤١٤.

٢٣ ـ شهاب الدين محمود الآلوسي ، البغدادي ، المتوفى سنة ١٢٧٠ ، رواه في تفسيره : روح المعاني ١١ / ٤٥.

٢٤ ـ الشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزي ، الحنفي ، المتوفى سنة ١٢٩٤ رواه في كتابه : ينابيع المودة : ١١٦ ، ١١٩.

ونتيجة هذا الفصل ، إن القول بنزول الآية في رسول الله وعلي والأئمة من أهل البيت عليهم‌السلام هو القول المتفق عليه ، وإن قول هؤلاء وروايتهم حجة على أهل السنة بلا ريب.

١٢

الفصل الثاني

إن أقوال الإمام أبي جعفر الباقر والإمام جعفر الصادق ، عليهما السلام ، من أئمة أهل البيت ، وابن عباس وغيره من الصحابة ، وكذا غير واحد من التابعين وأعلام المفسرين .. بكون المراد من (الصادقين) في الآية هم النبي وأهل بيته الطاهرون .. مشهورة جدا ، وقد رواها كبار العلماء من الفريقين في كتبهم في التفسير والحديث والفضائل بأسانيد وطرق جمة ، ولو أردنا إيرادها لطال بنا المقام ... ونحن ننتقي في هذا الفصل جملة من عيون تلك الأسانيد النظيفة ، وبذلك نكتفي :

١ ـ الإمام الصادق عليه‌السلام :

قال الحافظ المزي : «وقال محمد بن الصلت الأسدي ، عن أبيه ، عن جعفر بن محمد ، في قوله تعالى : (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) قال : محمد وعلي» (١).

وهذا ما رواه الحافظ المزي ، ولم يتكلم عليه بشئ.

وأسنده الحافظ الحاكم الحسكاني قال : «أخبرنا أبو الحسن الفارسي ، قال : أخبرنا أبو بكر ابن الجعابي ، قال : حدثنا محمد بن الحرث ، قال : حدثنا أحمد بن حجاج ، قال : حدثنا محمد بن الصلت ، قال : حدثني أبي ، عن جعفر بن محمد ، في قوله : (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) قال : محمد وعلي» (٢).

__________________

(١) تهذيب الكمال ٥ / ٨٤.

(٢) شواهد التنزيل ١ / ٣٤١.

١٣

أقول :

محمد بن الصلت بن الحجاج الأسدي ، أبو جعفر الكوفي ، الأصم ، ثقة ، من كبار العاشرة ، مات في حدود العشرين. قاله الحافظ ، وعلم عليه علامة رواية البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة ، عنه (١).

وأبوه : الصلت بن الحجاج ، روى عنه يحيى بن سعيد القطان ، قاله ابن أبي حاتم عن أبيه (٢) وذكره ابن حبان في الثقات فقال : كوفي يروي عن جماعة من التابعين ، روى عنه أهل الكوفة ، كما ذكر الحافظ (٣).

٢ ـ ابن عباس :

قال الحبري : «حدثنا حسن بن حسين ، قال : حدثنا حبان ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، في قوله : (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) ، نزلت في علي بن أبي طالب خاصة» (٤).

وقد بينا صحة هذا السند في بحوثنا السابقة فليراجع.

٣ ـ عبد الله بن عمر :

قال الحافظ ابن شهرآشوب السروي (٥) : «تفسير (٦) أبي يوسف

__________________

(١) تقريب التهذيب ٢ / ١٧١.

(٢) الجرح والتعديل ٤ / ٤٤٠.

(٣) لسان الميزان ٣ / ١٩٤.

(٤) تفسير الحبري : ٢٧٥.

(٥) توجد ترجمته في : الوافي بالوفيات ٤ / ١٦٤ ، بغية الوعاة : ٧٧ ، البلغة في علماء النحو واللغة ـ للفيروز آبادي ـ ، وغيرها من مصادر أهل السنة.

(٦) كذا ، والصحيح أنه «تاريخ» واسم الكتاب «المعرفة والتاريخ» ، وقد ذكر

١٤

يعقوب بن سفيان : حدثنا مالك بن أنس ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) أمر الله الصحابة أن يخافوا الله.

ثم قال : (وكونوا مع الصادقين) يعني : مع محمد وأهل بيته» (١).

وهذا السند صحيح بلا كلام.

وقد أسنده الحافظ الحاكم الحسكاني ، قال : «أخبرنا عقيل ، قال : أخبرنا علي ، قال : أخبرنا محمد ، قال : حدثنا أبو علي الحسن بن عثمان الفسوي بالبصرة ، قال : حدثنا يعقوب بن سفيان الفسوي ، قال : حدثنا ابن قعنب ، عن مالك بن أنس ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، في قوله تعالى : (اتقوا الله) قال : أمر الله أصحاب محمد بأجمعهم أن يخافوا الله.

ثم قال لهم : (وكونوا مع الصادقين) يعني : محمدا وأهل بيته " (٢).

و «يعقوب بن سفيان الفسوي» المتوفى سنة ٢٧٧ وصفه الذهبي ب : «الإمام الحافظ الحجة الرحال ، محدث إقليم فارس» قال : «وله تاريخ كبير جم الفوائد» (٣).

وتوجد ترجمته في : تهذيب التهذيب ١١ / ٣٨٥ ، وتذكرة الحفاظ ٢ / ٥٨٢ ، والبداية والنهاية ١١ / ٥٩ ، وشذرات الذهب ٢ / ١٧١ ، وغيرها.

__________________

إسناده في أول الكتاب ، قال : «إسناد تاريخ الفسوي : عن أبي عبد الله المالكي ، عن محمد بن الحسين بن الفضل بن القطان ، عن درستويه النحوي ، عن يعقوب بن سفيان» المناقب ١ / ٨.

و «ابن درستويه» هو عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي ، وهو راويته وخاتمة أصحابه ، كما ذكر ذلك الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٣ / ١٨١.

(١) مناقب آل أبي طالب ٣ / ٩٢.

(٢) شواهد التنزيل ١ / ٣٤٥.

(٣) سير أعلام النبلاء ١٣ / ١٨٠.

١٥

أقول :

فهذه هي الرواية المسندة عند القوم عن عبد الله بن عمر ، فليتحقق عما نسب إليه في تفسير ابن كثير ، والله العالم.

* * *

١٦

الفصل الثالث

وتدل الآية المباركة على إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام والمعصومين من عترة رسول رب العالمين ، بمقتضى الأحاديث الواردة في ذيلها ، بكتب التفسير والحديث والمناقب ، وذلك لأن «الكون مع الصادقين» ليس هو الكون الخارجي ، وإنما المراد هو الاتباع والاقتداء في القول والعمل ، وهذا الأمر مطلق ، إذ لم يقل : كونوا مع الصادقين في حال كذا ، أو في القول الفلاني ، بل الكلام مطلق غير مقيد بقيد أصلا.

فإذا ورد الأمر الكتابي بالاتباع مطلقا ، ثم جاءت السنة المعتمدة وعينت الشخص المتبوع ، كانت النتيجة وجوب اتباع هذا الشخص المعين ، وكان الشخص معصوما ، لأن الله سبحانه وتعالى لا يأمر باتباع من لا تؤمن عليه مخالفة أحكامه عن عمد أو خطأ ، وإذا كان معصوما كان إماما.

وإذا كانت الآية دالة على العصمة بطل حمل (الصادقين) فيها على مطلق المهاجرين والأنصار ، أو خصوص الثلاثة الذين تخلفوا ، أو خصوص أبي بكر وعمر ، لعدم عصمة هؤلاء بالإجماع.

ومن هنا يظهر ، أن لا علاقة للآية بالثلاثة الذين تخلفوا في غزوة تبوك ، وإنما جاءت بعد ذكر قصتهم وتوبة الله عليهم.

وقد أذعن إمام المفسرين عند القوم الفخر الرازي بدلالة الآية على

١٧

العصمة وعدم إرادة الذين تخلفوا أو غيرهم ـ مما ذكره بعض المفسرين ـ من (الصادقين) .. وهذه عبارته (١) :

«قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) :

واعلم أنه تعالى لما حكم بقبول توبة هؤلاء الثلاثة ، ذكر ما يكون كالزاجر عن فعل ما مضى ، وهو التخلف عن رسول الله في الجهاد ، فقال : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) في مخالفة أمر الرسول (وكونوا مع الصادقين) يعني مع الرسول وأصحابه في الغزوات ، ولا تكونوا متخلفين عنها وجالسين مع المنافقين في البيوت».

إذن الآية المباركة لا علاقة لها بالمتخلفين ، وليسوا المقصودين من (الصادقين).

ثم تعرض لدلالة الآية على العصمة في المسألة الأولى من مسائلها فقال : «وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : إنه تعالى أمر المؤمنين بالكون مع الصادقين ، ومتى وجب الكون مع الصادقين فلا بد من وجود الصادقين في كل وقت ، وذلك يمنع من إطباق الكل على الباطل ، ومتى امتنع إطباق الكل على الباطل ، وجب إذا أطبقوا على شئ أن يكونوا محقين. فهذا يدل على أن إجماع الأمة حجة».

فاعترف الفخر الرازي هنا بدلالة الآية على وجود الصادقين في كل وقت ، وبدلالة الآية على العصمة.

__________________

(١) التفسير الكبير ١٦ / ٢٢٠ ـ ٢٢١.

١٨

إلا أنه نزلها على الأمة ، فقال بعصمة الأمة.

قال هذا ولم يعبأ بالأحاديث الواردة في ذيلها!

ثم أورد على نفسه قائلا : «فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : المراد بقوله (كونوا مع الصادقين) أي : كونوا على طريقة الصادقين؟ كما أن الرجل إذا قال لولده : كن مع الصالحين ، لا يفيد إلا ذلك.

سلمنا ذلك ، لكن نقول : إن هذا الأمر كان موجودا في زمان الرسول فقط ، فكان هذا أمرا بالكون مع الرسول ، فلا بد على وجود صادق في سائر الأزمنة.

سلمنا ذلك ، لكن لم لا يجوز أن يكون الصادق هو المعصوم الذي يمتنع خلو زمان التكليف عنه كما تقوله الشيعة؟».

فأجاب عن السؤالين الأولين ، وأثبت دلالة الآية على وجود الصادقين في كل زمان ، فلا يختص بزمان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودلالتها على ضرورة وجود المعصوم في كل زمان قال : «فكانت الآية دالة على أن من كان جائز الخطأ وجب كونه مقتديا بمن كان واجب العصمة.

ثم تعرض للجواب عن السؤال الثالث ، فقال : «قوله : لم لا يجوز أن يكون المراد هو كون المؤمن مع المعصوم الموجود في كل زمان؟ قلنا : نحن نعترف بأنه لا بد من معصوم في كل زمان ، إلا أنا نقول : ذلك المعصوم هو مجموع الأمة ، وأنتم تقولون : ذلك المعصوم واحد منهم».

فإلى هنا حصل الوفاق في دلالة الآية على وجود المعصوم في كل زمان.

إنما الخلاف هو : أن أهل السنة ـ كما قال ـ يقولون : «ذلك المعصوم

١٩

هو مجموع الأمة» والشيعة الإمامية يقولون : «ذلك المعصوم واحد منهم».

إلا أن هذا الخلاف إنما يقع عندما ينظر إلى الآية وحدها ، لكن القرآن الكريم نفسه يأمر في مثل هذه الحالات بالرجوع إلى السنة المعتبرة ويقول : (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) (١) ويقول أيضا : (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ...) (٢).

إذن ، لا بد من الرجوع إلى قول الرسول الصادق الأمين الذي (ما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى) (٣) ... وقد وجدنا أصحابه يروون عنه أن المراد من (الصادقين) في هذه الآية هو علي عليه‌السلام ، أو هو والأئمة من أهل البيت.

فكانت السنة رافعة للخلاف ، ومعينة للقول بأن الإمام المعصوم هو «علي» والأئمة من العترة «في كل زمان» ...

أما القول الآخر فلا دليل عليه ، وإنما هو اجتهاد في مقابلة النص الصريح.

وقد حاول الفخر الرازي إبطال هذا الاستدلال بالاجتهاد كذلك ، فقال :

«هذا باطل ، لأنه تعالى أوجب على كل واحد من المؤمنين أن يكون مع الصادقين ، وإنما يمكنه ذلك لو كان عالما بأن ذلك الصادق من هو ، لا الجاهل بأنه من هو ، فلو كان مأمورا بالكون معه كان ذلك تكليف ما لا يطاق ، وإنه لا يجوز».

__________________

(١) سورة النساء ٤ : ٦٥.

(٢) سورة النساء ٤ : ٥٩.

(٣) سورة النجم ٥٣ : ٣ و ٤.

٢٠