🚘

أنوار التنزيل وأسرار التأويل - ج ٣

عبدالله بن عمر بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل - ج ٣

المؤلف:

عبدالله بن عمر بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

(٧) سورة الأعراف

مكية غير ثمان آيات من قوله : (وَسْئَلْهُمْ) إلى قوله : (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ)

محكمة كلها. وقيل إلا قوله تعالى : (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) وآيها مائتان وخمس أو ست آيات.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ)(٢)

(المص) سبق الكلام في مثله.

(كِتابٌ) خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب ، أو خبر (المص) والمراد به السورة أو القرآن. (أُنْزِلَ إِلَيْكَ) صفته. (فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) أي شك ، فإن الشاك حرج الصدر أو ضيق قلب من تبليغه مخافة أن تكذب فيه ، أو تقصر في القيام بحقه ، وتوجيه النهي إليه للمبالغة كقولهم : لا أرينك ها هنا. والفاء تحتمل العطف والجواب فكأنه قيل : إذا أنزل إليك لتنذر به فلا يحرج صدرك. (لِتُنْذِرَ بِهِ) متعلق بأنزل أو بلا يكن لأنه إذا أيقن أنه من عند الله جسر على الإنذار ، وكذا إذا لم يخفهم أو علم أنه موفق للقيام بتبليغه. (وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) يحتمل النصب بإضمار فعلها أي : لتنذر به وتذكر ذكرى فإنها بمعنى التذكير ، والجر عطفا على محل تنذر والرفع عطفا على (كِتابٌ) أو خبر المحذوف.

(اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ)(٣)

(اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) يعم القرآن والسنة لقوله سبحانه وتعالى : (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى). (وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) يضلونكم من الجن والإنس. وقيل الضمير في (مِنْ دُونِهِ) ل (ما أُنْزِلَ) أي : ولا تتبعوا من دون دين الله أولياء. وقرئ «ولا تبتغوا». (قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ) أي تذكرا قليلا أو زمانا قليلا تذكرون حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره ، و «ما» مزيدة لتأكيد القلة وإن جعلت مصدرية لم ينتصب (قَلِيلاً) ب (تَذَكَّرُونَ). وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (تَذَكَّرُونَ) بحذف التاء ، وابن عامر «يتذكرون» على أن الخطاب بعد مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) (٥)

(وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ) كثيرا من القرى. (أَهْلَكْناها) أردنا إهلاك أهلها ، أو أهلكناها بالخذلان. (فَجاءَها) فجاء أهلها. (بَأْسُنا) عذابنا. (بَياتاً) بائتين كقوم لوط ، مصدر وقع موقع الحال. (أَوْ هُمْ قائِلُونَ) عطف عليه أي : قائلين نصف النهار كقوم شعيب ، وإنما حذفت واو الحال استثقالا لاجتماع حرفي عطف ، فإنها واو عطف استعيرت للوصل لا اكتفاء بالضمير فإنه غير فصيح. وفي التعبيرين مبالغة في غفلتهم وأمنهم من العذاب ، ولذلك خص الوقتين ولأنهما وقت دعة واستراحة فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع.

٥

(فَما كانَ دَعْواهُمْ) أي دعاؤهم واستغاثتهم ، أو ما كانوا يدّعونه من دينهم. (إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) إلا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه وبطلانه تحسرا عليهم.

(فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ)(٧)

(فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ) عن قبول الرسالة وإجابتهم الرسل. (وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) عما أجيبوا به ، والمراد من هذا السؤال توبيخ للكفرة وتقريعهم ، والمنفي في قوله : (وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) سؤال استعلام. أو الأول في موقف الحساب وهذا عند حصولهم على العقوبة.

(فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ) على الرسل حين يقولون (لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) ، أو على الرسل والمرسل إليهم ما كانوا عليه. (بِعِلْمٍ) عالمين بظواهرهم وبواطنهم ، أو بمعلومنا منهم. (وَما كُنَّا غائِبِينَ) عنهم فيخفى علينا شيء من أحوالهم.

(وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ)(٩)

(وَالْوَزْنُ) أي القضاء ، أو وزن الأعمال وهو مقابلتها بالجزاء. والجمهور على أن صحائف الأعمال توزن بميزان له لسان وكفتان ، ينظر إليه الخلائق إظهارا للمعدلة وقطعا للمعذرة ، كما يسألهم عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتهم وتشهد بها جوارحهم. ويؤيده ما روي : أن الرجل يؤتى به إلى الميزان فينشر عليه تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر ، فيخرج له بطاقة فيها كلمتا الشهادة فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة. وقيل توزن الأشخاص لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : «إنه ليأتي العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة». (يَوْمَئِذٍ) خبر المبتدأ الذي هو الوزن. (الْحَقُ) صفته ، أو خبر محذوف ومعناه العدل السوي. (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ) حسناته ، أو ما يوزن به حسناته فهو جمع موزون أو ميزان وجمعه باعتبار اختلاف الموزونات وتعدد الوزن. (فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الفائزون بالنجاة والثواب.

(وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) بتضييع الفطرة السليمة التي فطرت عليها ، واقتراف ما عرضها للعذاب. (بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ) فيكذبون بدل التصديق.

(وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (١٠) وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ)(١١)

(وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ) أي مكناكم من سكناها وزرعها والتصرف فيها. (وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ) أسبابا تعيشون بها ، جمع معيشة. وعن نافع أنه همزة تشبيها بما الياء فيه زائدة كصحائف. (قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ) فيما صنعت إليكم.

(وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ) أي خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور ثم صورناه. نزل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويره ، أو ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا آدم ثم صورناه. (ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) وقيل ثم لتأخير الأخبار. (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) ممن سجد لآدم.

(قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما

٦

يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)(١٣)

(قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) أي أن تسجد ولا صلة مثلها في (لِئَلَّا يَعْلَمَ) ، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه ، ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود. وقيل الممنوع عن الشيء مضطر إلى خلافه فكأنه قيل : ما اضطرك إلى ألا تسجد. (إِذْ أَمَرْتُكَ) دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور. (قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) جواب من حيث المعنى استأنف به استبعادا لأن يكون مثله مأمورا بالسجود لمثله كأنه قال : المانع أني خير منه ، ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول ، فكيف يحسن أن يؤمر به. فهو الذي سن التكبر وقال بالحسن والقبح العقليين أولا. (خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) تعليل لفضله عليه ، وقد غلط في ذلك بأن رأى الفضل كله باعتبار العنصر وغفل عما يكون باعتبار الفاعل كما أشار إليه بقوله تعالى : (ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ) أي بغير واسطة ، وباعتبار الصورة كما نبه عليه بقوله : (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ) وباعتبار الغاية وهو ملاكه ولذلك أمر الملائكة بسجوده لما بين لهم أنه أعلم منهم ، وأن له خواص ليست لغيره ، والآية دليل الكون والفساد وأن الشياطين أجسام كائنة ، ولعل إضافة خلق الإنسان إلى الطين والشيطان إلى النار باعتبار الجزء الغالب.

(قالَ فَاهْبِطْ مِنْها) من السماء أو الجنة. (فَما يَكُونُ لَكَ) فما يصح. (أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها) وتعصي فإنها مكان الخاشع والمطيع. وفيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة وأنه سبحانه وتعالى إنما طرده وأهبطه لتكبره لا لمجرد عصيانه. (فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) ممن أهانه الله لتكبره ، قال عليه الصلاة والسلام «من تواضع رفعه الله ومن تكبر وضعه الله».

(قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ)(١٥)

(قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أمهلني إلى يوم القيامة فلا تمتني ، أو لا تعجل عقوبتي.

(قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) يقتضي الإجابة إلى ما سأله ظاهرا لكنه محمول على ما جاء مقيدا بقوله تعالى : (إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) وهو النفخة الأولى ، أو وقت يعلم الله انتهاء أجله فيه ، وفي إسعافه إليه ابتلاء العباد وتعريضهم للثواب بمخالفته.

(قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ)(١٧)

(قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي) أي بعد أن أمهلتني لأجتهدن في إغوائهم بأي طريق يمكنني بسبب إغوائك إياي بواسطتهم تسمية ، أو حملا على الغي ، أو تكليفا بما غويت لأجله والباء متعلقة بفعل القسم المحذوف لا بأقعدن فإن اللام تصد عنه وقيل الباء للقسم : (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ) ترصدا بهم كما يقعد القطاع للسابلة (صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) طريق الإسلام ونصبه على الظرف كقوله :

لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه

فيه كما عسل الطّريق الثّعلب

وقيل تقديره على صراطك كقولهم : ضرب زيد الظهر والبطن.

(ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ) أي من جميع الجهات الأربع. مثل قصده إياهم بالتسويل والإضلال من أي وجه يمكنه بإتيان العدو من الجهات الأربع ، ولذلك لم يقل من فوقهم ومن تحت أرجلهم. وقيل لم يقل من فوقهم لأن الرحمة تنزل منه ولم يقل من تحتهم لأن الإتيان منه يوحش الناس. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : من بين أيديهم من قبل الآخرة ، ومن خلفهم من قبل

٧

الدنيا ، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من جهة حسناتهم وسيئاتهم. ويحتمل أن يقال من بين أيديهم من حيث يعلمون ويقدرون على التحرز عنه ، ومن خلفهم من حيث لا يعلمون ولا يقدرون ، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من حيث يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزوا ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم واحتياطهم. وإنما عدى الفعل إلى الأولين بحرف الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم وإلى الأخيرين بحرف المجاوزة فإن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم ، ونظيره قولهم جلست عن يمينه. (وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ) مطيعين ، وإنما قاله ظنا لقوله تعالى : (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) لما رأى فيهم مبدأ الشر متعددا ومبدأ الخير واحدا ، وقيل سمعه من الملائكة.

(قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ)(١٩)

(قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً) مذءوما من ذأمه إذا ذمه. وقرئ «مذوما» كمسول في مسؤول أو كمكول في مكيل ، من ذامه يذيمه ذيما. (مَدْحُوراً) مطرودا. (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ) اللام فيه لتوطئة القسم وجوابه : (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) وهو ساد مسد جواب الشرط. وقرئ «لمن» بكسر اللام على أنه خبر لأملأن على معنى : لمن تبعك هذا الوعيد ، أو علة لأخرج ولأملأن جواب قسم محذوف ومعنى منكم منك ومنهم فغلب المخاطب.

(وَيا آدَمُ) أي وقلنا يا آدم. (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ) وقرئ «هذي» وهو الأصل لتصغيره على ذيا والهاء بدل من الياء. (فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ) فتصيرا من الذين ظلموا أنفسهم ، وتكونا يحتمل الجزم على العطف والنصب على الجواب.

(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ)(٢٠)

(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ) أي فعل الوسوسة لأجلهما ، وهي في الأصل الصوت الخفي كالهينمة والخشخشة ومنه وسوس الحلي. وقد سبق في سورة «البقرة» كيفية وسوسته. (لِيُبْدِيَ لَهُما) ليظهر لهما ، واللام للعاقبة أو للغرض على أنه أراد أيضا بوسوسته أن يسوءهما بانكشاف عورتيهما ، ولذلك عبر عنهما بالسوأة. وفيه دليل على أن كشف العورة في الخلوة وعند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع. (ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما) ما غطي عنهما من عوراتهما ، وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر ، وإنما لم تقلب الواو المضمومة همزة في المشهور كما قلبت في أويصل تصغير واصل لأن الثانية مدة وقرئ «سوءاتهما» بحذف الهزة وإلقاء حركتها على الواو و «سوءاتهما» بقلبها واوا وإدغام الواو الساكنة فيها. (وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا) إلّا كراهة أن تكونا. (مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ) الذين لا يموتون أو يخلدون في الجنة ، واستدل به على فضل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وجوابه : أنه كان من المعلوم أن الحقائق لا تنقلب وإنما كانت رغبتهما في أن يحصل لهما أيضا ما للملائكة من الكمالات الفطرية ، والاستغناء عن الأطعمة والأشربة ، وذلك لا يدل على فضلهم مطلقا.

(وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ)(٢٢)

٨

(وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) أي أقسم لهما على ذلك ، وأخرجه على زنة المفاعلة للمبالغة. وقيل أقسما له بالقبول. وقيل أقسما عليه بالله أنه لمن الناصحين فأقسم لهما فجعل ذلك مقاسمة.

(فَدَلَّاهُما) فنزلهما إلى الأكل من الشجرة ، نبه به على أنه أهبطهما بذلك من درجة عالية إلى رتبة سافلة ، فإن التدلية والإدلاء إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل. (بِغُرُورٍ) بما غرهما به من القسم فإنهما ظنا أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا ، أو ملتبسين بغرور. (فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما) أي فلما وجدا طعمها آخذين في الأكل منها أخذتهما العقوبة وشؤم المعصية ، فتهافت عنهما لباسهما وظهرت لهما عوراتهما. واختلف في أن الشجرة كانت السنبلة أو الكرم أو غيرهما ، وأن اللباس كان نورا أو حلة أو ظفرا. (وَطَفِقا يَخْصِفانِ) أخذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة. (عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) قيل كان ورق التين ، وقرئ «يخصفان» من أخصف أي يخصفان أنفسهما ويخصفان من خصف ويخصفان وأصله يختصفان. (وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ) عتاب على مخالفة النهي ، وتوبيخ على الاغترار بقول العدو. وفيه دليل على أن مطلق النهي للتحريم.

(قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) (٢٤)

(قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) أضررناها بالمعصية والتعريض للإخراج من الجنة. (وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) دليل على أن الصغائر معاقب عليها إن لم تغفر. وقالت المعتزلة لا تجوز المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر ولذلك قالوا : إنما قالا ذلك على عادة المقربين في استعظام الصغير من السيئات واستحقار العظيم من الحسنات.

(قالَ اهْبِطُوا) الخطاب لآدم وحواء وذريتهما ، أو لهما ولإبليس. كرر الأمر له تبعا ليعلم أنهم قرناء أبدا وأخبر عما قال لهم متفرقا. (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) في موضع الحال أي معتادين. (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ) استقرار أي موضع استقرار. (وَمَتاعٌ) وتمتع. (إِلى حِينٍ) إلى أن تقضى آجالكم.

(قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥) يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)(٢٦)

(قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ) للجزاء وقرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان (وَمِنْها تُخْرَجُونَ) ، وفي «الزخرف» (كَذلِكَ تُخْرَجُونَ) بفتح التاء وضم الراء.

(يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً) أي خلقناه لكم بتدبيرات سماوية وأسباب نازلة ، ونظيره قوله تعالى : (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ) وقوله تعالى : (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ). (يُوارِي سَوْآتِكُمْ) التي قصد الشيطان إبداءها ، ويغنيكم عن خصف الورق. روي : أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها ، فنزلت. ولعله ذكر قصة آدم مقدمة لذلك حتى يعلم أن انكشاف العورة أول سوء أصاب الإنسان من الشيطان ، وأنه أغواهم في ذلك كما أغوى أبويهم. (وَرِيشاً) ولباسا تتجملون به ، والريش الجمال. وقيل مالا ومنه تريش الرجل إذا تموّل. وقرئ «رياشا» وهو جمع ريش كشعب وشعاب. (وَلِباسُ التَّقْوى) خشية الله. وقيل الإيمان. وقيل السمت الحسن. وقيل لباس الحرب ورفعه بالابتداء وخبره : (ذلِكَ خَيْرٌ) أو خير وذلك صفته كأنه قيل : ولباس التقوى المشار إليه خير. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي (وَلِباسُ التَّقْوى) بالنصب عطفا على (لِباساً). (ذلِكَ) أي إنزال اللباس. (مِنْ آياتِ اللهِ) الدالة على فضله ورحمته. (لَعَلَّهُمْ

٩

يَذَّكَّرُونَ) فيعرفون نعمته أو يتعظون فيتورعون عن القبائح.

(يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)(٢٧)

(يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ) لا يمحننكم بأن يمنعكم دخول الجنة بإغوائكم. (كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) كما محن أبويكم بأن أخرجهما منها ، والنهي في اللفظ للشيطان ، والمعنى نهيهم عن اتباعه والافتتان به. (يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما) حال من (أَبَوَيْكُمْ) أو من فاعل (أَخْرَجَ) وإسناد النزع إليه للتسبب. (إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ) تعليل للنهي وتأكيد للتحذير من فتنته ، وقبيله جنوده ورؤيتهم إيانا من حيث لا نراهم في الجملة لا تقتضي امتناع رؤيتهم وتمثلهم لنا. (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) بما أوجدنا بينهم من التناسب ، أو بإرسالهم عليهم وتمكينهم من خذلانهم وحملهم على ما سولوا لهم. والآية مقصود القصة وفذلكة الحكاية.

(وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ)(٢٨)

(وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً) فعلة متناهية في القبح كعبادة الصنم وكشف العورة في الطواف. (قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها) اعتذروا واحتجوا بأمرين تقليد الآباء والافتراء على الله سبحانه وتعالى ، فأعرض عن الأول لظهور فساده ورد الثاني بقوله : (قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ) لأن عادته سبحانه وتعالى جرت على الأمر بمحاسن الأفعال ، والحث على مكارم الخصال. ولا دلالة عليه على أن قبح الفعل بمعنى ترتب الذم عليه آجلا عقلي ، فإن المراد بالفاحشة ما ينفر عنه الطبع السليم ويستنقصه العقل المستقيم. وقيل هما جوابا سؤالين مترتبين كأنه قيل لهم لما فعلوها : لم فعلتم؟ فقالوا : وجدنا عليها آباءنا. فقيل ومن أين أخذ آباؤكم؟ فقالوا : الله أمرنا بها. وعلى الوجهين يمتنع التقليد إذا قام الدليل على خلافه لا مطلقا. (أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) إنكار يتضمن النهي عن الافتراء على الله تعالى.

(قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ)(٣٠)

(قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) بالعدل وهو الوسط من كل أمر المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط. (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ) وتوجهوا إلى عبادته مستقيمين غير عادلين إلى غيرها ، أو أقيموها نحو القبلة. (عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) في كل وقت سجود أو مكانه وهو الصلاة ، أو في أي مسجد حضرتكم الصلاة ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم. (وَادْعُوهُ) واعبدوه. (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي الطاعة فإن إليه مصيركم. (كَما بَدَأَكُمْ) كما أنشأكم ابتداء. (تَعُودُونَ) بإعادته فيجازيكم على أعمالكم فأخلصوا له العبادة ، وإنما شبه الإعادة بالإبداء تقريرا لإمكانها والقدرة عليها. وقيل كما بدأكم من التراب تعودون إليه. وقيل كما بدأكم حفاة عراة غرلا تعودون. وقيل كما بدأكم مؤمنا وكافرا يعيدكم.

(فَرِيقاً هَدى) بأن وفقهم للإيمان. (وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) بمقتضى القضاء السابق. وانتصابه بفعل يفسره ما بعده أي وخذل فريقا. (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ) تعليل لخذلانهم أو تحقيق

١٠

لضلالهم. (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) يدل على أن الكافر المخطئ والمعاند سواء في استحقاق الذم ، وللفارق أن يحمله على المقصر في النظر.

(يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (٣١)

(يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ) ثيابكم لمواراة عورتكم. (عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) لطواف أو صلاة ، ومن السنة أن يأخذ الرجل أحسن هيئة للصلاة ، وفيه دليل على وجوب ستر العورة في الصلاة. (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) ما طاب لكم. روي : أن بني عامر في أيام حجهم كانوا لا يأكلون الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما يعظمون بذلك حجهم فهم المسلمون به ، فنزلت. (وَلا تُسْرِفُوا) بتحريم الحلال ، أو بالتعدي إلى الحرام ، أو بإفراط الطعام والشره عليه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : كل ما شئت ، والبس ما شئت ، ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة. وقال علي بن الحسين بن واقد : قد جمع الله الطب في نصف آية فقال : (كلوا واشربوا ولا تسرفوا). (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) أي لا يرتضي فعلهم.

(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)(٣٢)

(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ) من الثياب وسائر ما يتجمل به. (الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ) من النبات كالقطن والكتان ، والحيوان كالحرير والصوف ، والمعادن كالدروع. (وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ) المستلذات من المآكل والمشارب. وفيه دليل على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات الإباحة ، لأن الاستفهام في من للإنكار. (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) بالأصالة والكفرة وإن شاركوهم فيها فتبع. (خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ) لا يشاركهم فيها غيرهم ، وانتصابها على الحال. وقرأ نافع بالرفع على أنها خبر بعد خبر. (كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أي كتفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام لهم.

(قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)(٣٤)

(قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ) ما تزايد قبحه ، وقيل ما يتعلق بالفروج. (ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ) جهرها وسرها. (وَالْإِثْمَ) وما يوجب الإثم تعميم بعد تخصيص ، وقيل شرب الخمر. (وَالْبَغْيَ) الظلم ، أو الكبر أفرده بالذكر للمبالغة. (بِغَيْرِ الْحَقِ) متعلق بالبغي مؤكد له معنى. (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً) تهكم بالمشركين ، وتنبيه على تحريم اتباع ما لم يدل عليه برهان. (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) بالإلحاد في صفاته سبحانه وتعالى ، والافتراء عليه كقولهم (اللهُ أَمَرَنا بِها).

(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) مدة ، أو وقت لنزول العذاب بهم وهو وعيد لأهل مكة. (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ) انقرضت مدتهم ، أو حان وقتهم. (لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) أي لا يتأخرون ولا يتقدمون أقصر وقت ، أو لا يطلبون التأخر والتقدم لشدة الهول.

(يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)(٣٦)

١١

(يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي) شرط ذكره بحرف الشك للتنبيه على أن إتيان الرسل أمر جائز غير واجب كما ظنه أهل التعليم ، وضمت إليها ما لتأكيد معنى الشرط ولذلك أكد فعلها بالنون وجوابه : (فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).

(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) والمعنى فمن اتقى التكذيب وأصلح عمله منكم والذين كذبوا بآياتنا منكم ، وإدخال الفاء في الخبر الأول دون الثاني للمبالغة في الوعد والمسامحة في الوعيد.

(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ)(٣٧)

(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ) ممن تقول على الله ما لم يقله أو كذب ما قاله. (أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ) مما كتب لهم من الأرزاق والآجال. وقيل الكتاب اللوح المحفوظ أي مما أثبت لهم فيه. (حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ) أي يتوفون أرواحهم ، وهو حال من الرسل وحتى غاية لنيلهم وهي التي يبتدأ بعدها الكلام. (قالُوا) جواب إذا (أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) أي أين الآلهة التي كنتم تعبدونها ، وما وصلت بأين في خط المصحف وحقها الفصل لأنها موصولة. (قالُوا ضَلُّوا عَنَّا) غابوا عنا. (وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ) اعترفوا بأنهم كانوا ضالين فيما كانوا عليه.

(قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ)(٣٩)

(قالَ ادْخُلُوا) أي قال الله تعالى لهم يوم القيامة ، أو أحد من الملائكة. (فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي كائنين في جملة أمم مصاحبين لهم يوم القيامة. (مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) يعني كفّار الأمم الماضية عن النوعين. (فِي النَّارِ) متعلق بادخلوا. (كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ) أي في النار. (لَعَنَتْ أُخْتَها) التي ضلت بالاقتداء بها. (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً) أي تداركوا وتلاحقوا واجتمعوا في النار. (قالَتْ أُخْراهُمْ) دخولا أو منزلة وهم الأتباع. (لِأُولاهُمْ) أي لأجل أولاهم إذ الخطاب مع الله لا معهم. (رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا) سنوا لنا الضلال فاقتدينا بهم (فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ) مضاعفا لأنهم ضلوا وأضلوا. (قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ) أما القادة فبكفرهم وتضليلهم ، وأما الأتباع فبكفرهم وتقليدهم. (وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ) ما لكم أو ما لكل فريق. وقرأ عاصم بالياء على الانفصال.

(وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ) عطفوا كلامهم على جواب الله سبحانه وتعالى «لأخراهم» ورتبوه عليه أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا وإنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب. (فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) من قول القادة أو من قول الفريقين.

(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي

١٢

سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)(٤١)

(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها) أي عن الإيمان بها. (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ) لأدعيتهم وأعمالهم أو لأزواجهم ، كما تفتح لأعمال المؤمنين وأرواحهم لتتصل بالملائكة. والتاء في تفتح للتأنيث الأبواب والتشديد لكثرتها ، وقرأ أبو عمرو بالتخفيف وحمزة والكسائي به وبالياء ، لأن التأنيث غير حقيقي والفعل مقدم. وقرئ على البناء للفاعل ونصب الأبواب بالتاء على أن الفعل للآيات وبالياء لأن الفعل لله. (وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ) أي حتى يدخل ما هو مثل في عظم الجرم وهو البعير فيما هو مثل في ضيق المسلك وهو ثقبة الإبرة ، وذلك مما لا يكون فكذا ما يتوقف عليه. وقرئ «الجمل» كالقمل ، و «الجمل» كالنغر ، و «الجمل» كالقفل ، والجمل كالنصب ، و «الجمل» كالحبل وهو الحبل الغليظ من القنب ، وقيل حبل السفينة. وسم بالضم والكسر وفي سم المخيط وهو والخياط ما يخاط به كالحزام والمحزم. (وَكَذلِكَ) ومثل ذلك الجزاء الفظيع. (نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ).

(لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ) فراش. (وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ) أغطية ، والتنوين فيه للبدل عن الإعلال عند سيبويه ، وللصرف عند غيره ، وقرئ «غواش» على إلغاء المحذوف. (وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) عبر عنهم بالمجرمين تارة وبالظالمين أخرى إشعارا بأنهم بتكذيبهم الآيات اتصفوا بهذه الأوصاف الذميمة ، وذكر الجرم مع الحرمان من الجنة والظلم مع التعذيب بالنار تنبيها على أنه أعظم الإجرام.

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(٤٣)

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) على عادته سبحانه وتعالى في أن يشفع الوعيد بالوعد ، ولا نكلف نفسا إلا وسعها اعتراض بين المبتدأ وخبره للترغيب في اكتساب النعيم المقيم بما يسعه طاقتهم ويسهل عليهم. وقرئ «لا تكلف نفس». (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ) أي نخرج من قلوبهم أسباب الغل ، أو نطهرها منه حتى لا يكون بينهم إلا التواد. وعن علي كرم الله وجهه : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم. (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ) زيادة في لذتهم وسرورهم. (وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا) لما جزاؤه هذا. (وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ) لولا هداية الله وتوفيقه ، واللام لتوكيد النفي وجواب لولا محذوف دل عليه ما قبله. وقرأ ابن عامر «ما كنا» بغير واو على أنها مبينة للأولى. (لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِ) فاهتدينا بإرشادهم. يقولون ذلك اغتباطا وتبجحا بأن ما علموه يقينا في الدنيا صار لهم عين اليقين في الآخرة. (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ) إذا رأوها من بعيد ، أو بعد دخولها والمنادى له بالذات. (أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي أعطيتموها بسبب أعمالكم ، وهو حال من الجنة والعامل فيها معنى الإشارة ، أو خبر والجنة صفة تلكم وأن في المواقع الخمسة هي المخففة أو المفسرة لأن المناداة والتأذين من القول.

(وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ

١٣

فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ)(٤٥)

(وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا) إنما قالوه تبجحا بحالهم وشماتة بأصحاب النار وتحسيرا لهم ، وإنما لم يقل ما وعدكم كما قال (ما وَعَدَنا) لأن ما ساءهم من الموعود لم يكن بأسره مخصوصا وعده بهم ، كالبعث والحساب ونعيم أهل الجنة. (قالُوا نَعَمْ) وقرأ الكسائي بكسر العين وهما لغتان. (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) قيل هو صاحب الصور. (بَيْنَهُمْ) بين الفريقين. (أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) وقرأ ابن كثير في رواية للبزي وابن عامر وحمزة والكسائي (أَنْ لَعْنَةُ اللهِ) بالتشديد والنصب. وقرئ «إن» بالكسر على إرادة القول أو إجراء أذن مجرى قال.

(الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) صفة للظالمين مقررة ، أو ذم مرفوع أو منصوب. (وَيَبْغُونَها عِوَجاً) زيغا وميلا عما هو عليه ، والعوج بالكسر في المعاني والأعيان ما لم تكن منتصبة ، وبالفتح ما كان في المنتصبة ، كالحائط والرمح. (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ).

(وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)(٤٧)

(وَبَيْنَهُما حِجابٌ) أي بين الفريقين لقوله تعالى : (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ) أو بين الجنة والنار ليمنع وصول أثر إحداهما إلى الأخرى. (وَعَلَى الْأَعْرافِ) وعلى أعراف الحجاب أي أعاليه ، وهو السور المضروب بينهما جمع عرف مستعار من عرف الفرس وقيل العرف ما ارتفع من الشيء فإنه يكون لظهوره أعرف من غيره. (رِجالٌ) طائفة من الموحدين قصروا في العمل فيحبسون بين الجنة والنار حتى يقضي الله سبحانه وتعالى فيهم ما يشاء وقيل قوم علت درجاتهم كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أو الشهداء رضي الله تعالى عنهم ، أو خيار المؤمنين وعلمائهم ، أو ملائكة يرون في صورة الرجال. (يَعْرِفُونَ كُلًّا) من أهل الجنة والنار. (بِسِيماهُمْ) بعلامتهم التي أعلمهم الله بها كبياض الوجه وسواده ، فعلى من سام إبله إذا أرسلها في المرعى معلمة ، أو من وسم على القلب كالجاه من الوجه ، وإنما يعرفون ذلك بالإلهام أو تعليم الملائكة. (وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أي إذا نظروا إليهم سلموا عليهم. (لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ) حال من الواو على الوجه الأول ومن أصحاب على الوجوه الباقية.

(وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا) نعوذ بالله. (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي في النار.

(وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ)(٤٩)

(وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ) من رؤساء الكفرة. (قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ) كثرتكم أو جمعكم المال. (وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) عن الحق ، أو على الخلق. وقرئ «تستكثرون» من الكثرة. (أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ) من تتمة قولهم للرجال ، والإشارة إلى ضعفاء أهل الجنة الذين كانت الكفرة يحتقرونهم في الدنيا ويحلفون أن الله لا يدخلهم الجنة (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) أي فالتفتوا إلى أصحاب الجنة وقالوا لهم ادخلوا وهو أوفق للوجوه الأخيرة ، أو فقيل لأصحاب الأعراف ادخلوا الجنة بفضل الله سبحانه وتعالى بعد أن حبسوا حتى أبصروا الفريقين وعرفوهم وقالوا لهم ما

١٤

قالوا. قيل لما عيروا أصحاب النار أقسموا أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة فقال الله سبحانه وتعالى أو بعض الملائكة هؤلاء الذين أقسمتم. وقرئ «أدخلوا» و «دخلوا» على الاستئناف وتقديره دخلوا الجنة مقولا لهم (لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ).

(وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ)(٥١)

(وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ) أي صبوه ، وهو دليل على أن الجنة فوق النار. (أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) من سائر الأشربة ليلائم الإفاضة ، أو من الطعام كقوله : علفتها تبنا وماء باردا. (قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ) منعهما عنهم منع المحرم من المكلف.

(الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً) كتحريم البحيرة والتصدية والمكاء حول البيت واللهو صرف الهم بما لا يحسن أن يصرف به ، واللعب طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به. (وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ) نفعل بهم فعل الناسين فنتركهم في النار. (كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا) فلم يخطروه ببالهم ولم يستعدوا له. (وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ) وكما كانوا منكرين أنها من عند الله.

(وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ)(٥٣)

(وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ) بينا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ مفصلة. (عَلى عِلْمٍ) عالمين بوجه تفصيله حتى جاء حكيما ، وفيه دليل على أنه سبحانه وتعالى عالم بعلم ، أو مشتملا على علم فيكون حالا من المفعول. وقرئ «فضلناه» أي على سائر الكتب عالمين بأنه حقيق بذلك. (هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) حال من الهاء.

(هَلْ يَنْظُرُونَ) ينتظرون. (إِلَّا تَأْوِيلَهُ) إلا ما يؤول إليه أمره من تبين صدقه بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد. (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ) تركوه ترك الناسي. (قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِ) أي قد تبين أنهم جاءوا بالحق. (فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا) اليوم. (أَوْ نُرَدُّ) أو هل نرد إلى الدنيا. وقرئ بالنصب عطفا على (فَيَشْفَعُوا) ، أو لأن (أَوْ) بمعنى إلى أن ، فعلى الأول المسؤول أحد الأمرين الشفاعة أو ردهم إلى الدنيا ، وعلى الثاني أن يكون لهم شفعاء إما لأحد الأمرين أو لأمر واحد وهو الرد. (فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) جواب الاستفهام الثاني وقرئ بالرفع أي فنحن نعمل. (قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) بصرف أعمارهم في الكفر. (وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) بطل عنهم فلم ينفعهم.

(إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ)(٥٤)

(إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) أي في ستة أوقات كقوله : (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) أو في مقدار ستة أيام ، فإن المتعارف باليوم زمان طلوع الشمس إلى غروبها ولم يكن حينئذ ، وفي خلق

١٥

الأشياء مدرجا مع القدرة على إيجادها دفعة دليل للاختيار واعتبار للنظار وحث على التأني في الأمور. (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) استوى أمره أو استولى ، وعن أصحابنا أن الاستواء على العرش صفة لله بلا كيف ، والمعنى : أن له تعالى استواء على العرش على الوجه الذي عناه منزها عن الاستقرار والتمكن ، والعرش الجسم المحيط بسائر الأجسام سمي به لارتفاعه ، أو للتشبيه بسرير الملك فإن الأمور والتدابير تنزل منه وقيل الملك. (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) يغطيه به ولم يذكر عكسه للعلم به ، أو لأن اللفظ يحتملهما ولذلك قرئ (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) بنصب (اللَّيْلَ) ورفع (النَّهارَ). وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم بالتشديد فيه وفي «الرعد» للدلالة على التكرير. (يَطْلُبُهُ حَثِيثاً) يعقبه سريعا كالطالب له لا يفصل بينهما شيء ، والحثيث فعيل من الحث وهو صفة مصدر محذوف أو حال من الفاعل بمعنى حاثا ، أو المفعول بمعنى محثوثا. (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ) بقضائه وتصريفه ونصبها بالعطف على السموات ونصب مسخرات على الحال. وقرأ ابن عامر كلها بالرفع على الابتداء والخبر. (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) فإنه الموجد والمتصرف. (تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) تعالى بالوحدانية في الألوهية وتعظم بالتفرد في الربوبية. وتحقيق الآية والله سبحانه وتعالى أعلم ، أن الكفرة كانوا متخذين أربابا فبين لهم أن المستحق للربوبية واحد وهو الله سبحانه وتعالى ، لأنه الذي له الخلق والأمر فإنه سبحانه وتعالى خلق العالم على ترتيب قويم وتدبير حكيم فأبدع الأفلاك ثم زينها بالكواكب كما أشار إليه بقوله تعالى : (فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ) وعمد إلى إيجاد الأجرام السفلية فخلق جسما قابلا للصور المتبدلة والهيئات المختلفة ، ثم قسمها بصور نوعية متضادة الآثار والأفعال وأشار إليه بقوله وخلق الأرض أي ما في جهة السفل في يومين ، ثم أنشأ أنواع المواليد الثلاثة بتركيب موادها أولا وتصويرها ثانيا كما قال تعالى بعد قوله : (خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) أي مع اليومين الأولين لقوله تعالى في سورة السجدة (اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) ثم لما تم له عالم الملك عمد إلى تدبيره كالملك الجالس على عرشه لتدبير المملكة ، فدبر الأمر من السماء إلى الأرض بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب وتكوير الليالي والأيام ، ثم صرح بما هو فذلكة التقرير ونتيجته فقال : (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) ثم أمرهم بأن يدعوه متذللين مخلصين فقال :

(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)(٥٦)

(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) أي ذوي تضرع وخفية فإن الإخفاء دليل الإخلاص. (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) المجاوزين ما أمروا به في الدعاء وغيره ، نبه به على أن الداعي ينبغي أن لا يطلب ما لا يليق به كرتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والصعود إلى السماء. وقيل هو الصياح في الدعاء والإسهاب فيه. وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، «سيكون قوم يعتدون في الدعاء ، وحسب المرء أن يقول : اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ثم قرأ (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)».

(وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) بالكفر والمعاصي. (بَعْدَ إِصْلاحِها) ببعث الأنبياء وشرع الأحكام. (وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً) ذوي خوف من الرد لقصور آمالكم وعدم استحقاقكم ، وطمع في إجابته تفضلا وإحسانا لفرط رحمته (إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) ترجيح للطمع وتنبيه على ما يتوسل به إلى الإجابة ، وتذكير قريب لأن الرحمة بمعنى الرحم ، أو لأنه صفة محذوف أي أمر قريب ، أو على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول ، أو الذي هو مصدر كالنقيض ، أو الفرق بين القريب من النسب والقريب من غيره.

١٦

(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(٥٧)

(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ) وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «الريح» على الوحدة. (نَشْراً) جمع نشور بمعنى ناشر ، وقرأ ابن عامر «نشرا» بالتخفيف حيث وقع وحمزة والكسائي «نشرا» بفتح النون حيث وقع على أنه مصدر في موقع الحال بمعنى ناشرات ، أو مفعول مطلق فإن الإرسال والنشر متقاربان. وعاصم (بُشْراً) وهو تخفيف بشر جمع بشير وقد قرئ به و (بُشْراً) بفتح الباء مصدر بشره بمعنى باشرات ، أو للبشارة وبشرى. (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) قدام رحمته ، يعني المطر فإن الصبا تثير السحاب والشمال تجمعه والجنوب؟؟؟؟؟ والدبور تفرقه. (حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ) أي حملت ، واشتقاقه من القلة فإن المقل للشيء يستقله. (سَحاباً ثِقالاً) بالماء جمعه لأن السحاب جمع بمعنى السحائب. (سُقْناهُ) أي السحاب وإفراد الضمير باعتبار اللفظ. (لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) لأجله أو لإحيائه أو لسقيه. وقرئ «ميت». (فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ) بالبلد أو بالسحاب أو بالسوق أو بالريح وكذلك. (فَأَخْرَجْنا بِهِ) ويحتمل فيه عود الضمير إلى (الْماءَ) ، وإذا كان ل (لِبَلَدٍ) فالباء للإلصاق في الأول وللظرفية في الثاني ، وإذا كان لغيره فهي للسببية فيهما. (مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) من كل أنواعها. (كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى) الإشارة فيه إلى إخراج الثمرات ، أو إلى إحياء البلد الميت أي كما نحييه بإحداث القوة النامية فيه وتطريتها بأنواع النبات والثمرات ، نخرج الموتى من الأجداث ونحييها برد النفوس إلى مواد أبدانها بعد جمعها وتطريتها بالقوى والحواس. (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) فتعلمون أن من قدر على ذلك قدر على هذا.

(وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ)(٥٨)

(وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ) الأرض الكريمة التربة. (يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ) بمشيئته وتيسيره ، عبر به عن كثرة النبات وحسنه وغزارة نفعه لأنه أوقعه في مقابلة. (وَالَّذِي خَبُثَ) أي كالحرة والسبخة. (لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً) قليلا عديم النفع ، ونصبه على الحال وتقدير الكلام ، والبلد الذي خبث لا يخرج نباته إلا نكدا فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فصار مرفوعا مستترا وقرئ «يخرج» أي يخرجه البلد فيكون (إِلَّا نَكِداً) مفعولا و (نَكِداً) على المصدر أي ذا نكد و (نَكِداً) بالإسكان للتخفيف. (كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ) نرددها ونكررها. (لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) نعمة الله فيتفكرون فيها ويعتبرون بها ، والآية مثل لمن تدبر الآيات وانتفع بها ، ولمن لم يرفع إليها رأسا ولم يتأثر بها.

(لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(٦٠)

(لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ) جواب قسم محذوف ، ولا تكاد تطلق هذه اللام إلا مع قد لأنها مظنة التوقع ، فإن المخاطب إذا سمعها توقع وقوع ما صدر بها. ونوح بن لمك بن متوشلح بن إدريس أول نبي بعده ، بعث وهو ابن خمسين سنة أو أربعين. (فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ) أي اعبدوه وحده لقوله تعالى : (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) وقرأ الكسائي «غيره» بالكسر نعتا أو بدلا على اللفظ حيث وقع إذا كان قبل إله من التي تخفض. وقرئ بالنصب على الاستثناء. (إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) إن لم تؤمنوا ، وهو وعيد وبيان للداعي إلى عبادته. واليوم يوم القيامة ، أو يوم نزول الطوفان.

(قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ) أي الأشراف فإنهم يملؤون العيون رواء. (إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ) زوال عن الحق.

١٧

(مُبِينٍ) بين.

(قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ)(٦٢)

(قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ) أي شيء من الضلال ، بالغ في النفي كما بالغوا في الإثبات وعرض لهم به. (وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) استدراك باعتبار ما يلزمه ، وهو كونه على هدى كأنه قال : ولكني على هدى في الغاية لأني رسول من الله سبحانه وتعالى.

(أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) صفات لرسول أو استئناف ، ومساقها على الوجهين لبيان كونه رسولا. وقرأ أبو عمرو (أُبَلِّغُكُمْ) بالتخفيف وجمع الرسالات لاختلاف أوقاتها أو لتنوع معانيها كالعقائد والمواعظ والأحكام ، أو لأن المراد بها ما أوحي إليه وإلى الأنبياء قبله ، كصحف شيث وإدريس وزيادة اللام في لكم للدلالة على إمحاض النصح لهم ، وفي أعلم من الله تقريرا لما أوعدهم به فإن معناه أعلم من قدرته وشدة بطشه ، أو من جهته بالوحي أشياء لا علم لكم بها.

(أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ)(٦٤)

(أَوَعَجِبْتُمْ) الهمزة للإنكار والواو للعطف على محذوف أي أكذبتم وعجبتم. (أَنْ جاءَكُمْ) من أن جاءكم. (ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ) رسالة أو موعظة. (عَلى رَجُلٍ) على لسان رجل. (مِنْكُمْ) من جملتكم أو من جنسكم ، فإنهم كانوا يتعجبون من إرسال البشر ويقولون (لَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ). (لِيُنْذِرَكُمْ) عاقبة الكفر والمعاصي. (وَلِتَتَّقُوا) منهما بسبب الإنذار. (وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) بالتقوى ، وفائدة حرف الترجي التنبيه على أن التقوى غير موجب والترحم من الله سبحانه وتعالى تفضل ، وأن المتقي ينبغي أن لا يعتمد على تقواه ولا يأمن من عذاب الله تعالى.

(فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ) وهم من آمن به وكانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة. وقيل تسعة بنوه سام وحام ويافث وستة ممن آمن به. (فِي الْفُلْكِ) متعلق بمعه أو بأنجيناه ، أو حال من الموصول أو من الضمير في معه. (وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) بالطوفان. (إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ) عمي القلوب غير مستبصرين ، وأصله عميين فخفف وقرئ «عامين» والأول أبلغ لدلالته على الثبات.

(وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ)(٦٦)

(وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ) عطف على نوحا إلى قومه (هُوداً) عطف بيان لأخاهم والمراد به الواحد منهم ، كقولهم يا أخا العرب للواحد منهم ، فإنه هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وقيل هود بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح ، ابن عم أبي عاد ، وإنما جعل منهم لأنهم أفهم لقوله وأعرف بحاله وأرغب في اقتفائه. (قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) استأنف به ولم يعطف كأنه جواب سائل قال : فما قال لهم حين أرسل؟ وكذلك جوابهم. (أَفَلا تَتَّقُونَ) عذاب الله ، وكأن قومه كانوا أقرب من قوم نوح عليه الصلاة والسلام ولذلك قال أفلا تتقون (قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) إذ كان من أشرافهم من آمن به كمرثد بن سعد.

١٨

(إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ) متمكنا في خفة عقل راسخا فيها حيث فارقت دين قومك. (وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ).

(قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(٦٩)

(أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ) سبق تفسيره. وفي إجابة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا والإعراض عن مقابلتهم كمال النصح والشفقة وهضم النفس وحسن المجادلة ، وهكذا ينبغي لكل ناصح ، وفي قوله : (وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ) تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين. وقرأ أبو عمرو أبلغكم في الموضعين في هذه السورة وفي «الأحقاف» مخففا. (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) أي في مساكنهم ، أو في الأرض بأن جعلكم ملوكا فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض من رمل عالج إلى شجر عمان ، خوفهم من عقاب الله ثم ذكرهم بإنعامه. (وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً) قامة وقوة. (فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ) تعميم بعد تخصيص. (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لكي يفضي بكم ذكر النعم إلى شكرها المؤدي إلى الفلاح.

(قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) (٧١)

(قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا) استبعدوا اختصاص الله بالعبادة والإعراض عما أشرك به آباؤهم انهماكا في التقليد وحبا لما ألفوه ، ومعنى المجيء في (أَجِئْتَنا) إما المجيء من مكان اعتزل به عن قومه أو من السماء على التهكم ، أو القصد على المجاز كقولهم ذهب يسبني. (فَأْتِنا بِما تَعِدُنا) من العذاب المدلول عليه بقوله (أَفَلا تَتَّقُونَ). (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فيه.

(قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ) قد وجب وحق عليكم ، أو نزل عليكم على أن المتوقع كالواقع ، (مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ) عذاب من الارتجاس وهو الاضطراب. (وَغَضَبٌ) إرادة انتقام. (أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ) أي في أشياء سميتموها آلهة وليس فيها معنى الإلهية ، لأن المستحق للعبادة بالذات هو الموجد للكل ، وأنها لو استحقت كان استحقاقها بجعله تعالى إما بإنزال آية أو بنصب حجة ، بين أن منتهى حجتهم وسندهم أن الأصنام تسمى آلهة من غير دليل يدل على تحقق المسمى ، وإسناد الإطلاق إلى من لا يؤبه بقوله إظهارا لغاية جهالتهم وفرط غباوتهم ، واستدل به على أن الاسم هو المسمى وأن اللغات توقيفية إذ لو لم يكن كذلك لم يتوجه الذم والإبطال بأنها أسماء مخترعة لم ينزل الله بها سلطانا وضعفهما ظاهر. (فَانْتَظِرُوا) لما وضح الحق وأنتم مصرون على العناد نزول العذاب بكم. (إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ).

(فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ)(٧٢)

(فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ) في الدين. (بِرَحْمَةٍ مِنَّا) عليهم. (وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) أي استأصلناهم. (وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ) تعريض بمن آمن منهم ، وتنبيه على أن الفارق بين من نجا وبين من هلك

١٩

هو الإيمان. روي أنهم كانوا يعبدون الأصنام فبعث الله إليهم هودا فكذبوه ، وازدادوا عتوا فأمسك الله القطر عنهم ثلاث سنين حتى جهدهم ، وكان الناس حينئذ مسلمهم ومشركهم إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله الفرج ، فجهزوا إليه قيل بن عنز ومرثد بن سعد في سبعين من أعيانهم ، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة أولاد عمليق بن لاوذ بن سام وسيدهم معاوية بن بكر ، فلما قدموا عليه وهو بظاهر مكة أنزلهم وأكرمهم ، وكانوا أخواله وأصهاره ، فلبثوا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان له ، فلما رأى ذهولهم باللهو عما بعثوا له أهمه ذلك واستحيا أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم فعلم القينتين :

ألا يا قيل ويحك قم فهينم

لعلّ الله يسقينا الغماما

فيسقي أرض عاد إن عادا

قد امسوا ما يبينون الكلاما

حتى غنتا به ، فأزعجهم ذلك فقال مرثد : والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله سبحانه وتعالى سقيتم ، فقالوا لمعاوية : احبسه عنا لا يقدمن معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا ، ثم دخلوا مكة فقال قيل : اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم ، فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ، ثم ناداه مناد من السماء يا قيل : اختر لنفسك ولقومك. فقال اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء ، فخرجت على عاد من وادي المغيث فاستبشروا بها وقالوا : (هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا) فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود والمؤمنون معه ، فأتوا مكة وعبدوا الله سبحانه وتعالى فيها حتى ماتوا.

(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)(٧٣)

(وَإِلى ثَمُودَ) قبيلة أخرى من العرب سموا باسم أبيهم الأكبر ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح. وقيل سموا به لقلة مائهم من الثمد وهو الماء القليل. وقرئ مصروفا بتأويل الحي أو باعتبار الأصل ، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى. (أَخاهُمْ صالِحاً) صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. (قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي وقوله : (هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً) استئناف لبيانها ، وآية نصب على الحال والعامل فيها معنى الإشارة ، ولكم بيان لمن هي له آية ، ويجوز أن تكون (ناقَةُ اللهِ) بدلا أو عطف بيان ولكم خبرا عاملا في (آيَةً) ، وإضافة الناقة إلى الله لتعظيمها ولأنها جاءت من عنده بلا وسائط وأسباب معهودة ولذلك كانت آية. (فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ) العشب. (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ) نهى عن المس الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى مبالغة في الأمر وإزاحة للعذر. (فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) جواب للنهي.

(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ)(٧٥)

(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ) أرض الحجر. (تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً) أي تبنون في سهولها ، أو من سهولة الأرض بما تعملون منها كاللبن والآجر. (وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ

٢٠