أسرار التكرار في القرآن

محمود بن حمزة الكرماني

أسرار التكرار في القرآن

المؤلف:

محمود بن حمزة الكرماني


المحقق: عبد القادر أحمد عطا
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الفضيلة
الطبعة: ٠
الصفحات: ٣٥٩

١
٢

٣
٤

تقديم الكتاب

القرآن والكتب السماوية :

لقد سمى الله تعالى كتابه الكريم بأسماء كلها تشير إلى عظمته وأهميته فى بناء شخصية الإنسان المسلم ، واستحكام أركان المجتمع الإسلامى المكلف بالزحف على الأرض لإعلاء راية القرآن.

لقد سمّاه الله تعالى : نورا ، وهدى ، وشفاء لما فى الصدور ، ومهيمنا على كل الكتب والشرائع ، ووصفه بأنه حق ، ومحكم الآيات ، وألزم العالم كله بالخضوع لأحكامه ، وقرّر (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) (١) ، وتحدى الإنس والجن أن يأتوا بمثله ، وكان له شأن بالغ فى الدعوة الإسلامية على عهد النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى فزع أساطين الفصاحة والبلاغة من كفار قريش حينما ظهرت فاعليته فى جذب عيونهم وسراتهم إلى دائرة الإسلام الحنيف ، فقالوا لأتباعهم : (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) (٢).

من أجل هذا وغيره مما خص به أهل القرآن من فضل أهاب الله بالمسلمين أن يتدبروه فقال : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) (٣)؟ وأن يجعلوه مادة عبادتهم ومناجاتهم لبارئهم فقال : (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (٤) ، وقال : (وَرَتِّلِ

__________________

(١) سورة المائدة : ٤٤.

(٢) سورة فصلت : ٢٦.

(٣) سورة النساء : ٨٢.

(٤) سورة المزمل : ٢٠.

٥

الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) (١) ، وقال : (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً) (٢).

وإذا حاولنا استجلاء عظمة القرآن وخلوده وشموله وعالميته ودلائل سلطانه وهيمنته على جميع الكتب والشرائع فى مختلف الأعصار والأزمان ، تبين لنا على ضوء الفهم الإنسان القاصر عدّة دلائل نجملها فيما يلى :

أولا : كانت المعجزات التى أيّد الله بها رسله السابقين على رسالة النبى محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم كلها مؤقتة بوقتها. وبحياة الرسل الذين جرت على أيديهم تلك المعجزات ، فلم تبق واحدة منها بعد وفاة صاحبها ، مما ينفى عنها صفة الشمول ويحدد فاعليتها بوقتها ، ومن ثم ينفى عن تلك الرسالات صفة الدوام هى الأخرى ، ويسلكها فى عداد الشرائع الممهدة لما بعدها ، والمنسوخة بالتالية لها ، لا يمارى فى هذا صاحب عقل سليم.

ثانيا : ومن ناحية الكيف لم تكن تلك المعجزات السابقة على الإسلام الذى جاء به النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم وافية بحاجات الإنسان ، ولا مثيرة لمواهبه كلها ، فقد كانت معجزة موسى من جنس السحر الذى اعتقده قومه عاملا من عوامل حمايتهم من الغوائل فى الأمور الشخصية والسياسية على السواء ، ولذلك كان سبب فزعهم : أن يخرجهم موسى من أرضهم بسحره ، ويذهب بطريقتهم المثلى التى اختاروها لإسباغ مظهر القوة والهيبة عليهم وعلى مملكتهم.

وأبطل موسى فريتهم فى اعتقادهم السحر حارسا للحدود السياسية ، ومصدرا من مصادر القوة الشخصية. وزودهم بأسفار وشرائع كانت صالحة لعصر موسى الذى بعث فيه

__________________

(١) سورة المزمل : ٤.

(٢) سورة الإسراء : ٧٨.

٦

ومكانه وجنسه لا غيره ، وكانت العنصرية المتشددة التى عامل اليهود بها شريعة موسى ، واعتقادهم فى أنفسهم أنهم الشعب المختار ، والسور الشامخ الذى أحاطوا به أنفسهم بحيث لا يعترفون بمؤمن من غير عنصرهم دليلا على صحة هذه النظرة.

وكانت معجزة المسيح من جنس الطب الذى يعنى بصحة الأجسام وحدها ، ولم يرثه فيها وارث من بعده ، لا من حوارييه ولا من بنى إسرائيل فى أى مكان ، بل إنها توارت مع رفع المسيح ، وبطلت فاعليتها ، واستمسك بنو إسرائيل بعالم الوهم فأسبغوا على أحبارهم ورهبانهم خصائص الله تعالى محاولين أن يتشبثوا بأذيال البقاء تحت لواء شريعة منسوخة ، ومن هنا فقدوا سمة الصيانة لوحى الله عن أهواء النفس ، وشطط العقل ، فلم تعد شريعتهم صالحة لقيادة العالم ولا لإصلاح الخلل المتمكّن فى قلوبهم.

ثالثا : اتجه القرآن الكريم إلى بناء شخصية جديدة لإنسان حضارة الإسلام تتميز بالعمل والفدائية والقوامة على الأجيال.

لم يكن القرآن معجزة تهيئ لأتباع محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يعملوا فى الدنيا على مقتضى الخوارق دون عمل إيجابى من جانبهم كما صنع الله لنبيه موسى حين شق البحر له ولقومه ، وأغرق لهم عدوهم ـ فرعون وملأه ـ بل كان القرآن يعمل على بعث القوة المعنوية فى داخل الإنسان المسلم ، ويزود المجتمع بالتشريعات التى تجعل منه قوة لا يقهرها غالب من بنى الإنسان إن هو أحكم سلوكه على هداه. وأعلن الله تعالى أنه لو شاء لانتصر للمسلمين من عدوهم : (وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) (١). أى : أن الإسلام والقرآن جاءا ليؤكدا القيمة

__________________

(١) سورة محمد : ٤.

٧

العملية للبشر الموصول بحبل الله المتين ، من حيث كان الإنسان المؤمن مسيرا بمحض الإرادة الإلهية فى الشرائع السابقة على الإسلام فى موضوع الجهاد فى سبيل الله.

ولهذا لم يكن القرآن علاجا للجسد فحسب ، بل كان حياة للنفوس وكاشفا عن مواهب المؤمنين ، وسجلّا جامعا للشرائع النابعة من فطرة الله فى الإنسان حيثما كان وأينما وجد ، ودام القرآن بعد النبى محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم بنفس القوة والفاعلية والصيانة من العبث ، وغزا جوانب الفكر العالمى كله ، وخضعت له الهامات الشامخة متصاغرة أمام جلاله وعظمته وسيادته الروحية والفكرية جميعا ، فكان شاملا ، وكان باقيا ، وكان حياة للروح من حيث يبلى الجسد ، لا سيما وأن وعد الله بحفظ القرآن من عبث الهوى وشطط العقل قد تحقق بطريقة منهجية عجيبة على يد أبى بكر ، إذ كوّن لجنة من كبار الحفّاظ حقّقت النص المخطوط الذى دوّنه كتّاب الوحى فى حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم للقرآن ، ثم أعيد تحقيق المخطوطات القرآنية المتداولة فى الأمصار مرة أخرى على عهد عثمان ، واتفقت الكلمة على تدوينه بلهجة قريش ، وإلغاء ما دوّن منه بلهجات أخرى ، لئلا يختلف المسلمون فى المعانى لاختلاف اللهجة فى مستقبل الزمان البعيد.

رابعا : ومن وجهة المنزلة الخاصة للأنبياء والتى تتبع رسالاتهم ومعجزاتهم فقد كانت منزلة النبى محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم فوق كل المنازل. فلئن كان موسى كليما فقد صعق حين تجلّى ربه للجبل ، وقرب الله رسوله محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم للنجوى ليلة المعراج دون أن يصعق ، ولئن كان المسيح أحيا الأجساد فقد أحيا النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالقرآن موات النفوس. وهدى حائر العقول ، ولئن سخر الله الريح لسليمان فقد اخترق محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم السبع الطباق ، ولئن

٨

انشق البحر لموسى فقد عبر القرآن المحيطات ، واجتاز الوعر والسهل.

تلك عظمة القرآن ، وتلك مكانته العالمية التابعة لمكانته عند الله ، ومن ثم تكون مكانة العالمين على خدمته ، الدائبين على الكشف عن أسراره ودلائل إعجازه ، وكنوز عظمته ، فمن هذا الكشف يكون استمساك اتباع القرآن به ، ويكون إصرارهم على العمل بمقتضاه ، ويكون لهم من قوة الإيمان ما يؤهلهم للمهمة التى كلفهم الله تعالى به : أن يكونوا خير أمة أخرجت للناس ، وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر على المستوى المحلى والعالمى على السواء.

فالقرآن هو الذى بقى من الكتب السماوية منضبطا فى صورته ، واضحا فى معالمه ، غالبا كل الغلبة على محاولات التزييف فى الشكل أو المعنى رغم الجهود المضنية التى بذلت فى هذا السبيل ، أثيرا عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه الذين أخذوه مأخذ الحفظ والعلم والعمل ، فأحاطوه بقلوبهم وجدانا ، وبعقولهم فهما ودرسا ، وأقاموا على صراطه أنفسهم ، ودعوا الناس جميعا إلى الله وإلى سبيل الله على بصيرة وعلم وهدى.

ولقد أراد الله تعالى أن يبقى القرآن وثيقا كل الوثاقة فى نصوصه ، وسلوك الصحابة على صراطه ، لأنه منهاج دعوة ودستور حياة للفرد والدولة جميعا. فهو منهاج دعوة من حيث نزوله على مدى عشرين عاما من الزمان على مقتضى الظروف والأحوال التى يقتضيها بناء أمة قرآنية مجاهدة مظفرة ، ترتفع من حضيض الشرك والفوضى والإثم إلى قمة الإيمان والنظام وطهارة القلب واليد والجسد ، ولم يكن بناء هذه الأمة على هذه الصورة إلّا ثمرة للقدوة السلوكية والدعوة مجتمعين.

٩

وذلك أن العبادة قد فرضت على الجميع بما فيها من فعل وترك لإبقاء الإيمان فى القلوب على درجة من القوة والفاعلية ترفع طلائع الإسلام إلى الدعوة بالقول والعمل. فالعبادة فى الحقيقة وسيلة تربية وإعداد وبناء لإنسان الحضارة القرآنية ، فمن أقام عليها دون أن يدعو إلى الله وإلى سبيله فمثله كمثل من أعد أرضا للزرع ، وهيأها للإنتاج ، ثم نام على ثراها لا يفيد نفسه ولا غيره من ثمارها ، وهو انحراف عن السنن المشروع الذى علّمه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأصحابه فى صدر الدعوة ، ثم بدت نذر (التقوقع) والانزواء فى عصر التابعين وفى حياة المعمرين من الصحابة أنفسهم. ومن أمثلة ذلك ما روى الشعبى : «أن رجالا خرجوا من الكوفة ، ونزلوا قريبا يتعبدون ، فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود ، فأتاهم ، ففرحوا بمجيئه إليهم ، فقال لهم : ما حملكم على ما صنعتم؟ فقالوا : أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد ، فقال عبد الله : لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم ، فمن كان يقاتل العدو؟! وما أنا ببارح حتى ترجعوا».

هذا هو فقه القرآن كما علمه ابن مسعود من تعاليم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومن تجربة مماثلة حاول القيام بها عثمان بن مظعون الصحابى هو وجماعة من أصحابه فنهاهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأنار لهم طريق القرآن الحق.

لن يكون الإنسان المسلم التابع للقرآن عاملا بأمر ربه إلّا إذا عبده ، ودعا إليه وإلى دينه وكتابه. هكذا أرسل الله رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً) (١) ، وهكذا أثنى القرآن على الدعاة (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ) (٢) ، بل إن الإمام الشاطبى لم يجعل من قاعدة فرض الكفاية فى

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٤٦.

(٢) سورة فصلت : ٣٣.

١٠

الدعوة ذريعة إلى قعود الباقين عنها إذا أقامها البعض حين قال فى موافقاته : «القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة ، فهم مطالبون بسدها على الجملة ، فبعضهم قادر عليها مباشرة ، وذلك من كان أهلا لها ، والباقون وإن لم يقدروا عليها قادرون على إقامة القادرين ، فمن كان قادرا على الولاية فهو مطلوب بإقامتها ، ومن لا يقدر عليها مطلوب بإقامة القادر وإجباره على القيام بها ، إذ لا يتوصل إلى القيام إلّا بالإقامة ، من باب «ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب».

وإذا كانت تجزئة القرآن فى النزول على أكثر من عشرين عاما كافية لدراسة منهج الدعوة القرآنية من خلال هذا المنهج النزولى لإنشاء أمة مؤمنة لم تكن مؤمنة من قبل ، فإن جمع القرآن فى المصحف على ترتيب آخر غير ترتيب النزول بأمر الوحى هو دستور حياة الأمة التى استجابت وآمنت بالفعل ، ومنهاج دعوة فى أوساط تلك الأمة التى قامت دعائمها بالفعل على أساس من الإسلام. ومن تأمل فى ترتيب النزول وترتيب المصحف أذهله العجب من تلك الدقة البالغة فى كلا المنهجين ، وهو الأمر الذى سوف نحاوله إن شاء الله فى الدراسة المقدمة لكتاب (أسرار ترتيب القرآن).

ولكن هذه الإشارة العابرة ، وما سوف نكتبه إن شاء الله ، ما هو إلّا ضوء قليل على الطريق ، نرجو أن يواصله القادرون من المؤمنين ، ويتعهدوه بالدرس والبحث والنشر لخدمة القرآن الذى لم تكشف كل أسراره بعد.

الدراسات القرآنية وأهميتها :

لقد أجاد الباحثون فى أرجاء القرآن فيما عدا الباحثين عن إعجازه فإنهم لم يصلوا إلى مقطع الصواب فى هذا المضمار.

لقد أجاد اللغويون بحث القرآن من وجوه العربية إجادة

١١

ممثلة فى تفسير أبى السعود العمادى ، وأثير الدين أبى حيان ، وجار الله الزمخشرى ، وأجاد الباحثون فى الأحكام إجادة ممثّلة فى تفسير القرطبى وشيخه ابن عطية ، والمتخصصون فى أحكام القرآن كابن العربى والجصاص والكيا الهراسى (ولا زال كتابه مخطوطا). وأجاد الباحثون فى أخبار القرآن وسننه النبوية ، وكان رائدهم فى هذا الباب ابن جرير الطبرى فى تفسيره وحيدر بن على القاشى فى المعتمد (ولا زال مخطوطا) كما أسهم علماء الفلسفة والكلام فى فهم القرآن من وجهة نظرهم فهما ممثلا فى تفسير فخر الدين الرازى ، وأدلى الصوفية بدلائهم أيضا ، فكان تفسير القشيرى وحقائق التفسير للسلمى. وروح البيان للشيخ إسماعيل حقى وإعجاز البيان للقونوى ، وتفسير النخجوانى.

وهكذا الشأن فى جميع العلوم والفنون ما عدا إعجاز القرآن. فإن العلماء قصّروا فيه ، وإن كانوا قد بذلوا كل جهودهم للكشف عنه.

ولقد حاول أبو السعود العمّادى ، وأثير الدين أبو حيان ، وجار الله الزمخشرى الكشف عن بعض جوانب الإعجاز فى القرآن المناسبة لمن نزل عليهم القرآن من فصحاء العرب ـ إذ هم المقصودون أولا بالإعجاز ـ فوفّقوا فى حالات معدودة ، ثم تكلموا عن عظمة الأساليب القرآنية من وجوه غير وجوه الإعجاز فى باقيها ، وإنما من وجوه البلاغة التقليدية. ومع ذلك فإننا نرى بريقا من نور الفهم لدى أبى السعود العمادى دون أن يطبقه على تفسيره كله وذلك حين يقول : «إن جميع المقالات المنقولة فى القرآن الكريم إنما تحكى بكيفيات واعتبارات لا يكاد يقدر على مراعاتها من تكلم بها حتما ،

١٢

وإلّا لأمكن صدور الكلام المعجز عن البشر».

فالدقة فى مراعاة تلك الكيفيات والاعتبارات بحيث لا يشذ منها اعتبار واحد ، ولا كيفية واحدة هو مقطع الحق فى مسألة الإعجاز دون مراء.

وتلك الاعتبارات والكيفيات قد تكون ذات جوانب مختلفة : أسلوبية وهى موسيقى اللغة ووقعها المتهادى على مناط الذوق من كل نفس ، فيكون منه حبور وارتياح لا نجد له نظيرا فى أسلوب آخر لا تراعى فيه تلك الكيفيات وقد تكون نفسيّة تتصل بحركات النفس وانفعالاتها ، وقد تكون من باب التشريع والتقنين وغير ذلك من الاعتبارات ولكن المهم هو استقصاء القرآن لإثبات أنه أسلوب لم يشذ مرة واحدة عن مراعاة أدق الكيفيات والاعتبارات ، ومن هنا يخرج عن نطاق الكلام البشرى ، وذلك الكلام الذى لا يوجد منه أنموذج واحد فيه هنات من إغفال اعتبار ، أو إهمال كيفية.

وهذا المقياس من مقاييس الإعجاز هو المقياس الذى لا تختلف فيه الطوائف. فمقياس علم البيان مما تختلف فيه الأذواق ، ومقياس التشريع مما تختلف فيه الأجناس بالطواعية والعناد ، اللهم إلّا هذا المقياس الذى أشرنا إليه والذى يستبطن مقياس الموسيقى اللغوية ، فهو ما تتفق فيه الآراء ولا تقوى أعتى الطبائع عنادا على إنكاره وعدم الاستجابة لجمال البيان فى أطوائه.

لقد أنكر كفار مكة مميزات القرآن ، ولكن أثره فى الذوق هو الذى جعل الوليد يعلن على الملأ : «إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمونق ، وإن أسفله لمغدق ، وما هو بقول البشر».

١٣

فهل كان إحساس الوليد هذا نابعا من عظمة التشريع أو من جودة التشبيه أو نضرة الاستعارة؟ لم يكن شىء من هذا هو مصدر إعجاب العرب ممثلا فى الوليد ، بل هو الذوق الذى لا ينتشى إلّا من مراعاة الملابسات والكيفيات والاعتبارات التى سنتحدث عنها عند الحديث عن كتاب البرهان أو أسرار التكرار فى القرآن «كما أطلقنا عليه».

على أن هذا الباب ليس هو الباب الوحيد الذى يلوح منه إعجاز القرآن ، فهناك إعجاز الترتيب الذى يجده القارئ مفصلا إن شاء الله فى الدراسة المقدمة لكتاب «أسرار ترتيب القرآن» للسيوطى ، وهناك إعجاز العقول البشرية كلها فى تاريخها الغابر واللاحق بصلاحية القرآن وحده للقيادة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فى جميع البيئات ، وضلال الفكر الإنسانى المجرد فى هذا الصدد ، وهناك إعجاز القرآن من حيث هو الفطرة التى لا تتبدل ، والتى يقاس بها الفكر البشرى للتعرف على الخطأ والصواب ، إلى غير ذلك من نواحى الإعجاز التى يصعب حصرها فى هذه العجالة.

وإذا تفجرت القوة من مظنة الضعف كان ذلك أدخل فى باب الإعجاز ، وأعلى كعبا فى باب البلاغة والتحدى ، ولا نعلم مظنة للضعف أظهر من التكرار وهو الباب الذى حاوله الكرمانى تاج القراء فى «كتابه البرهان» فأجاد بحق وأفاد.

أقول : إن العصر بحمد الله عصر قد أقبل فيه الإيمان وأدبرت فلول إلحاد كانت قد تسللت كما تتسلل الجرذان بين الخرائب وأكداس القمامة لا يحلو لها إلّا أن تسكن العفن من العقول وتستمكن إلّا من دنس الطباع ، وقد أراد الله تعالى أن يتفجر نور الإيمان من جديد فى أرجاء أرض الإسلام ، ولكن

١٤

شبابنا لا زالوا فى حيرة بين نداءات الإيمان الرزينة العميقة ، وبين عويل تلك الفلول المندحرة من قنافذ الإلحاد وقد لجأت إلى استثارة الرحمة واصطناع خلائق اللؤم وتوسلات الضعف.

وكان لزاما على كل مخلص لدينه ، مكين الإيمان برسوله وبكتابه المبين : أن يسهم بقبس من نور القرآن يشعله أعقاب تلك الفتنة المدمرة التى أرادت بالمسلمين السوء ، ليكون نورها قبس إيمان فى قلوب الشباب. وبصيرة يقين فى أفئدة الشيوخ ، ونار هلاك لتلك الطفيليات التافهة ، وهو الأمر الذى اعتزمته بحول الله وقوته فى مجموعة من الدراسات القرآنية الواعية أبدأها بكتاب البرهان ، وأثنيها إن شاء الله بكتاب «تناسق الدرر» لجلال الدين السيوطى ، وبما شاء الله مما نعثر عليه بين خزائن المخطوطات.

تاج القراء الكرمانى وكتابه «البرهان» :

الكرمانى هذا ليس هو الكرمانى شارح صحيح البخارى ، وإنما هو تاج القراء محمود بن حمزة بن نصر أبو القاسم برهان الدين الكرمانى ، ولم يترجم له سوى ياقوت فى معجم الأدباء (١٩ / ١٢٥) وقال عنه : أحد العلماء الفهماء النبلاء ، صاحب التصانيف والفضل ، كان عجبا فى دقة الفهم وحسن الاستنباط ، لم يفارق وطنه ولم يرحل ، وكان فى حدود الخمسمائة ، وتوفى بعدها ، صنف لباب التفسير وعجائب التأويل (وقد أشار إليه السيوطى ناقلا عنه رأيا فى تناسق توالى الحواميم وذلك فى كتابه تناسق الدرر) ، والإعجاز فى النحو ، والنظامى فى النحو ، والإشارة والعنوان فى النحو ، وغير ذلك : ثم ساق له نموذجا من شعره فى النحو على غرار ألفية ابن مالك.

١٥

وقد نقل هذه الترجمة بحروفها صاحب بغية الوعاة ، وأنباء الرواة ، والجزرى فى طبقات القراء والذهبى فى طبقات القراء أيضا ، والداوديّ فى طبقات المفسرين وشيخه السيوطى فى طبقات المفسرين أيضا ، ولم يزيدوا عليها شيئا ، وهو مظهر غريب بالنسبة لرجل له مؤلفات فى النحو والتفسير ، وله مشاركة فى علوم أخرى تبدو من كتابه «البرهان».

ويبدو أن ملازمته لوطنه «كرمان» وعدم رحلته فى طلب العلم لم يدع له شهرة بين مؤلفى الطبقات حتى جهلت سنة ميلاده وسنة وفاته ، وكل ما عرف عن حياته أنه كان فى حدود الخمسمائة وتوفى بعدها (وأرخ الزركلى صاحب الأعلام تاريخ وفاته نحو ٥٠٥ ه‍ الموافق ١١١٠ م) (١) ، ولا نجد فى كتابه إشارة إلى شيخ من شيوخه يمكن استنباط عمره منها ، والظاهر أنه كان عصاميّا فى العلم ، تتلمذ على ما وصله من الكتب ، واعتمد على ذكائه الذى وصفه ياقوت بأنه كان عجبا ، فربما لقيه ياقوت وربما لم يلقه ، ولكن مؤلفاته تنم حقّا عن ذكائه.

والمؤكد أن تاج القراء كان يعيش فى آخر القرن الخامس وأول السادس ، وإن كنا نرجح أنه عاش فى النصف الثانى من القرن السادس.

وهو زمن كانت قد تدهورت فيه دولة بنى العباس ، فلم يبق لها إلّا صورة هزيلة احتوتها الخلافة الفاطمية بمصر والشام والمغرب ، وكان هناك فى ذلك الزمان نشاط واسع النطاق للقرامطة والمغول والباطنية وغيرهم من أرباب النحل الهدامة ، وكان استمساك هذا الرجل بتقاليد الدراسة الإسلامية الخالية من الانحراف ، والتى تهدف إلى البناء بين معاول الهدم دليلا

__________________

(١) من إضافات المراجع.

١٦

على سلامة عقيدته وقوته فى دينه ، واستقامة سبيله.

وقد نقل قليلا من مسائل كتابه عن أبى مسلم محمد بن على بن الحسين بن مهرايزد النحوى الأصبهانى الأديب الذى ألف تفسيرا فى عشرين مجلدا ، والذى نقله بدوره عن الخطيب الإسكافى وكان له تفسير فى مجلد يبحث فى نفس الموضوع ، ولكن الكرمانى لم يقف عليه إلّا من خلال أبى مسلم. وتفسير أبى مسلم مع تفسير الكرمانى الذى سماه «لباب التفسير وعجائب التأويل» (المخطوط فى شستربتى تحت رقم (٤١٤٧) وطبع تحت عنوان : «العجائب والغرائب» فى عشر مجلدات) (١) كما نقل رأيا واحدا لنحوى آخر فى التفسير هو قاسم بن حبيب ، ومعلوماتنا عنه قليلة جدّا ، إذا لم يترجم له إلا فى أنباء الرواة فى سطر واحد ، ونقل رأيا أخر لعلى بن عيسى الرمانى النحوى المعروف ، وهذا كل ما ذكره عن العلماء الذين استفاد منهم فى كتابه هذا ... ورغم أن مسائله عن غيره لا تعدو بضع مسائل فقد عقب عليها برأيه الشخصى ولم يكتف بها ، ولم يقف على كتاب أبى جعفر بن الزبير فى الموضوع ، والذى توجد منه نسخة خطية بمعهد إحياء المخطوطات العربية بجامعة الدول العربية بالقاهرة.

(وإحقاقا للحق فإن هذا الرجل محمود بن حمزة الكرمانى عالم جليل بالقراءات ، ولكنه نقل فى التفسير آراء مستنكرة ، فى معرض التحذير منها كان الأولى إهمالها ، وذلك فى كتابه «لباب التفسير» وهو الكتاب المعروف ب «العجائب والغرائب» قال السيوطى عن هذه الآراء : «لا يحل الاعتماد عليها ولا ذكرها إلّا للتحذير منها» (٢) من ذلك أنه نقل قول

__________________

(١) حيث إن المحقق ذكر أن الكتاب مفقود ولم يجده ولكن إحقاقا للعلم أثبتنا أنه منشور (المراجع).

(٢) الإتقان فى علوم القرآن ، السيوطى ٢ / ٢٢١.

١٧

«أبى مسلم» فى «حم عسق» : إن ، الحاء حرب على ومعاوية. والميم : ولاية المروانية ، والعين : ولاية العباسية ، والسين : ولاية السفيانية ، والقاف : قدرة مهدى.

وقال الكرمانى معقّبا على ذلك : «أردت بذلك أن يعلم أن فيمن يدّعى العلم حمقى»!

ومن هذه الآراء المستنكرة نقله قول من قال فى «الم» : «معنى ألف : ألف الله محمدا فبعثه نبيّا ، ومعنى لام : لامه الجاحدون وأنكروه ، ومعنى ميم : الجاحدون المنكرون ، من الموم ، وهو البرسام (١)» ، وثمة ترهات أخرى فى تفسير نقل السيوطى بعضها ، ونقل طاشكبرى (٢) بعضا آخر ، واستنكرا إيراده لها) (٣).

كتب للمؤلف «محمود بن حمزة الكرمانى» (٤) :

١ ـ لباب التفسير وعجائب التأويل «مخطوط» فى شستربتى برقم ٤١٤٧ وهو المعروف بكتاب «العجائب والغرائب» فى عشر مجلدات.

٢ ـ خط المصاحف.

٣ ـ لباب التأويل.

٤ ـ البرهان فى توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان «وهو الكتاب الذى بين يديك الآن» بعنوان : (أسرار التكرار فى القرآن).

__________________

(١) البرسام : ذات الجنب ، وهو التهاب فى الغشاء المحيط بالرئة.

(٢) مفتاح السعادة ، طاشكبرى زاده ١ / ٤٢١.

(٣) هذه الفقرات من إضافات المراجع بداية من قوله : وإحقاقا للحق. وذلك لإعلام القارئ بما فى الكتاب (المراجع).

(٤) هذا العنوان وما تحته من إضافات المراجع (المراجع).

١٨

٥ ـ شرح اللّمع لابن جنى.

٦ ـ اختصار اللمع لابن جنى.

٧ ـ «الإيجاز» مختصر الإيضاح للفارسى.

قيمة الكتاب :

ذكر السيوطى كتاب البرهان فى كتابه الإتقان ، واستدل بما فيه على أن القرآن بترتيبه فى المصحف هو بترتيبه فى اللوح المحفوظ ، وساق بعض أدلة الكرمانى على هذا القول.

كما أن أحد العلماء المتأخرين وهو على بن عطية الأجهورى المصرى وقع على الكتاب فاستبطنه فى كتاب «إرشاد الرحمن فى أسباب النزول والناسخ والمنسوخ والمتشابه وتجويد القرآن» إذ أنه اختار من كل فن من فنون كتابه كتابا نجمه على سور القرآن ، فساق فى كل سورة منه جزءا من الكتاب الذى اختاره ، ولكنه أجل كتاب التجويد للبقرى ، فساقه مجموعا فى آخر كتابه الذى لا زال مخطوطا ، وقد اقتبسه العلامة الشيخ زكريا الأنصارى وضمّ إليه مقتطفات من الأنموذج الجليل فى غرائب التنزيل للرازى وجمعها فى كتاب سماه : «فتح الرحمن». وكلها لا زالت مخطوطة ، وقد ذكره أيضا أحد علماء الحنابلة الذين عاشوا فى مصر هو مرعى بن يوسف الحنبلى ، ونقل عن كتابه هذا رأيه فى الفرق بين العلم والفقه والعالم والفقيه ، وذلك فى كتابه المخطوط «تنوير بصائر المقلدين بمناقب الأئمة المجتهدين».

فالكتاب معروف إذن بين العلماء القدامى ، ولكنه لم يتداول فى عصرنا ولم تنهض إليه يد لإخراجه لسبب واحد فيما نرى ، هو العنوان الذى اختاره للكتاب ، إذ سماه :

١٩

«البرهان فى توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان» فأغمض المشتغلون بالنشر عنه عيونهم إذ ظنوه فى المتشابه بمعنى : الموهم ، أو الغامض ، ولم يفطنوا إلى أنه فى المتشابه بمعنى : المتماثل ، وهو مكررات القرآن كما أوضح مؤلفه فى مقدمته.

وقبل أن أعتزم إخراج الكتاب إلى النور راجعت كثيرا من كتب التفسير التى عنيت بالمقارنة والبحث كإرشاد العقل السليم لأبى السعود ، والكشاف للزمخشرى ، والبحر المحيط لأبى حيان ، والدر اللقيط لتلميذه ، وتفسير القرطبى ، وتفسير الخازن ، ومتشابه القرآن للقاضى عبد الجبار ، والعقد الجميل لآغا باشا وغيرها خشية أن يكون الكرمانى قد نقل مسألة من هنا ومسألة من هناك ولفق من نقوله كتابا كما يفعل الكثيرون ، فلم أجد ما يشير إلى هذا الظن من قريب أو من بعيد.

لقد وجدت أن بعض المفسرين كأبى السعود وأبى حيان تعرضوا فى قليل من المواضع للحديث عن المكرر ، ولكنهم عالجوه بمنهج آخر غير الذى لجأ إليه الكرمانى ، وإن كان فى قليل منها تفوق على تعليلات الكرمانى ، وقد أشرت إلى هذه الآراء فى هوامش الكتاب.

وقد تأكد لدى أن الكرمانى مستقل بكتابه ، معول على فكره واستنباطه هو ، صادق فيما قال فى مقدمته من : أن الأئمة قد اقتصروا على تصنيف المكررات ولم يشتغلوا بذكر وجوهها وعللها ، والفرق بين الآية ومثلها هو المشكل الذى لا يقوم بأعبائه إلّا من وفقه الله لأدائه.

ولا نعلم إلى الآن كتابا مطبوعا عالج هذا الباب من الدراسة القرآنية مستقصيا ومستقلّا ، إلّا كتاب الإسكافى «درة

٢٠