🚘

إعراب القراءات الشّواذ - ج ١

محبّ الدين عبدالله بن الحسين البغدادي [ أبي البقاء العكبري ]

إعراب القراءات الشّواذ - ج ١

المؤلف:

محبّ الدين عبدالله بن الحسين البغدادي [ أبي البقاء العكبري ]


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: المكتبة الأزهريّة للتراث
ISBN: 977-315-069-0
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله ربّ العالمين (الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ) والصلاة والسلام على سيّد الخلق ، وأشرف المرسلين ، والنور ، والرحمة للعالمين : سيدنا محمد ، وعلى آله ، وصحبه أجمعين.

(وبعد)

فإن القرآن العظيم نور ، وكتاب مبين ، أنزله رب العزة بلسان عربى مبين ، نزل به الروح الأمين على قلب الرسول الأمين ، وجعله المهيمن على جميع الكتب المتقدمة ، والمصدق لها ؛ ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور ، وجعله كتاب الحياة ، والأحياء من أخذ به أفلح ، ومن تمسك به هدى إلى التى هى أقوم ، وسلك الطريق المستقيم ، المؤدى إلى ساحل الأمان ، وشاطئ النجاة ، والمؤدى إلى سعادة الدنيا ، وهناءة الحياة ، والمفضى إلى رحمات الله تعالى فى جنات النعيم.

نزل به الروح الأمين : جبريل (عليه الصلاة والسلام) على سيدنا ، ومولانا محمد الرسول الكريم ؛ ليكون من المنذرين ، وليكون البشير لأهل الطاعة أجمعين ، وليطبقه الرسول الكريم على نفسه ، ويكون لأمته القدوة الطيبة ، والأسوة الحسنة ، والمنهج الذى يأخذ به سعداء الدنيا والآخرة.

وقد أمده الله تعالى الوهاب بفطرة النبوة ، وأعطاه قمة فطنتها ؛ ففصّل مجمله ، ووضح متشابهه ، وأتّمت سنته المطهرة كل شىء يتعلق بتمام العبودية المخبتة. للربوبية العظيمة ، ووضّحت منهج السلوك مع الله الواحد ، الأحد ، الفرد الصمد ، الذى لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، كما أرست قواعد السلوك للفرد ، والأسرة ، والجماعة ، والأمة ، والخلق أجمعين. كما أقامت قواعد الإسلام ، وأعماله من : صلاة ، وزكاة ، وصوم ، وحج ، وغير ذلك ، كما وضعت دساتير قويمة لعلاقة الفرد بأبويه ، وأسرته ، وأولى

٣

أرحامه ، وجيرانه ، وجميع المجتمعات ، وكما أبانت الحلال ، والحرام ، والمتشابهات ... وغير ذلك : مما يتطلب الاجتماع البشرى : صغر ، أم كبر ...

وكل ذلك : يرتقى بالإنسان إلى مرتبة الملائكة الكرام ، ويحقق معنى خلافة البشر في الأرض لإقامة الحق ، والعدل ، والتعاون ، والتناصر في الحق ، والسلام الاجتماعى العام.

والقرآن العظيم لم يفرط فى شىء من أمرى الدنيا ، والآخرة ، وهو من حكيم عليم بخلقه ، وهو ممّن خلق ، ويعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ... والسنة النبوية المطهرة لم تترك شيئا إلا وقالت فيه فصل الخطاب.

وعبر عن ذلك الصادق الأمين بقوله الكريم : «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى أبدا : كتاب الله وسنتى ..».

وقد تناول العظماء من عهد النبوة ، وما بعده كتاب الله تعالى بالحفظ ، والرواية ، والعمل ، والنقط ، والتشكيل ، والضبط ، والتفسير ، والتأويل ، ونشأت علوم القرآن المنوّعة ، واستنبطت الأحكام ، وغير ذلك من الجهد المشكور ، الذى ترك لنا تراثا ضخما منوّعا : فمنهم من ظهر نبوغه فى تفسيره اللغوى ، والنحوى ، والبلاغى ، ومنهم من عنى بالأحكام الفقهية إلى جانب المعنى العام ، ومنهم من عنى بمذهبه الكلامى ، وغير ذلك (فجزاهم عنا خير الجزاء).

ومثل ذلك : علوم السنة النبوية الشريفة.

وقد كان أملا ، وحلما ، وخاطرا يتردد فى قلبي ، وآمل فى ربى (عزوجل) أن يحقق لى ما أمّلت من عمل ، يتصل بكتابه الكريم ، ألقاء به (عزوجل) وأرجوه أن يضعه فى ميزان حسناتى يوم الدين ، ووجدت العلماء السابقين من المفسرين فعلوا ما لم يطمع فى فعل مثله غيرهم ، وحملوا المئونة عن كثيرين.

ومع هذا الإصرار منّى على عمل شىء فى القرآن الكريم هدانى ربى (عزوجل) إلى هذا العمل ، الذى أفرغت فيه الجهد ، والتّعب ، والسهر فى

٤

تحقيقه ، وكان هذا العمل لصيقا بتخصصى الدقيق [اللغويات : النحو ، والصرف ، والعروض ...].

وإنى لأشكر ربى أولا أن وفقنى لهذا العمل الجليل ، ولعل التأخير فى التوقيت لحكمة بالغة للحكيم العليم ، وهو أن أعمله بعد أن حققت ، وألّفت عشرات الكتب فى النحو ، والصرف ، والعروض ، واللغة ، والكتاب يحتاج فى تحقيقه إلى كل ذلك.

كما أرجوه (عزوجل) أن يتقبل العمل ، وأن يجعله خالصا لوجهه ، وأن ينفع به المسلمين فى وقت من الزمان لا يضعهم فى مكانهم الصحيح تحت الشمس إلا العودة إلى كتاب الله الكريم. وسنة الرسول الأمين (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).

د. عبد الحميد السيد محمد عبد الحميد

كلية الآداب ، جامعة جنوب الوادى

عميد معهد إعداد الدعاة (الأسبق)

دكتوراه من كلية اللغة العربية بالقاهرة ـ جامعة

الأزهر مع مرتبة الشرف الأولى

٥

تأليف الكتاب (١)

١ ـ ألف العلامة أبو البقاء : كتابا فى إعراب القرآن سمّى :

«التبيان فى إعراب القرآن»

وقد حققه الأستاذ : على محمد البجاوى ، تحقيقا طيبا (جزاه الله خير الجزاء).

٢ ـ ووصفه (رحمه‌الله) بما خلاصته :

أ ـ أعرب المؤلف جميع آيات القرآن الكريم ، وذكر آيات السّور على ترتيبها فى المصحف ، ثم سجل إعراب الآيات ، آية ، آية ، ولم يترك إلا النادر لسبق إعراب مثله ...

ب ـ أورد المؤلف أهم وجوه القراءات ، وبين أوجه إعرابها مما جعل الكتاب أهم مرجع للقراءات.

ج ـ قد يشير إلى المعنى فى القراءة بعد أن يستوفى الإعراب ، والتوجيه ..

د ـ كان يكثر من الاستشهاد بكلام العرب : شعرا ، ونثرا ، مما يدل على إحاطة ، وسعة أفق ، وحضور ذهن و ، وكثرة محفوظ ..

ه ـ كان يسجل القواعد النحوية العامة ، ويذكر أئمة النحو والتفسير ؛ ليرجع الباحث إلى كتبهم ، ويعى آراءهم.

و ـ سجل أبحاثا هامة ، يحتاج إليها العلماء فى الحروف ، التى افتتحت بها بعض السور ، وغير ذلك ممّا يحتاج إليه العالم ، والمتعلم ، والبادئ ، والمنتهى.

وبهذا صار الكتاب : مرجعا للإعراب ، والنحو ، والقراءات ، والتفسير ، وعدّ من أهم المراجع فى أبوابه المنوعة (١) ...

__________________

(١) ص (د ، ه) ج ١ من كتاب التبيان فى إعراب القرآن.

٦

كتاب إعراب القراءات الشّواذ

قال أبو البقاء : فى سبب تأليف الكتاب بعد حمد الله تعالى ، والثناء عليه ، والصلاة ، والسلام على سيدنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم :

(أما بعد)

فإنه التمس منى أن أملى كتابا ، يشتمل على تعليل القراءات الشاذة ، الخارجة عن قراءات العشرة ، المشهورين ، خاصّة ؛ لأن القراءات المشهورة قد اشتمل على تعليقها كتابنا فى إعراب القرآن ، فأجبته إلى ذلك ، واجتهدتّ فى تتبع ملتمسه ، واقتصرت على حكاية ألفاظها ، دون من عزيت إليه. وذكرت وجوهها على الإستيفاء ، والإختصار.

«والله الموقف لبلوغ البغية منه ، والانتفاع به» (١).

* * *

كتاب إعراب القراءات الشواذ

مخطوطاته

هديت إلى مخطوطات هذا الكتاب الجليل ، ووفّقت فى نفض غبار المكتبات عنها ، وعقدت العزم على تحقيقها ، وإلى تسجيل ما يحتاج إليه الباحث ، والقارئ. ولصدق العزيمة وجدت العون ، والتوفيق من ربى (عزوجل) فالفضل منه ، وإليه ، والتوفيق بيديه ...

والمخطوطات ما يلى :

١ ـ نسخة موجودة بدار الكتب ، وهى أصل للنسختين الأخريين :

رقم ١٢٥٧ تفسير ، مصورة عام ١٣٥٣ ه‍ (١٩٣٤ م).

__________________

(١) مقدمة الكتاب [أى كتاب : إعراب القراءات الشواذ].

٧

الجزء الأول منها : من الأول إلى آخر سورة إبراهيم ١٧٢ لوحة.

والجزء الثانى منها : من سورة الحجر إلى آخر سورة الناس ٢٦١ لوحة. ٤٣٣

٢ ـ نسخة ثانية بالدار ـ أيضا ـ تحت رقم ١١٩٩ تفسير ٢١٤ ورقة.

٣ ـ أما النسخة الثالثة ففى معهد إحياء المخطوطات العربية بالقاهرة ، وهى مصورة من النسخة الأولى ، ولذلك فلم نحتج إليها فى التحقيق.

وقد رمزت فى التحقيق للنسخة الأولى بالرمز (أ).

ورمزت للنسخة الثانية بالرمز (ب).

* * *

تعاملى مع المخطوطتين

وجهت عنايتى ، وبذلت ما أطيق ووفقت إلى الأعمال الآتية :

١ ـ قابلت النسختين : المخطوطة (أ) والمخطوطة (ب) مقابلة دقيقة : الكلمة بالكلمة ، والحرف بنظيره ، والنقط بما يماثله ، لأن الأمر يتعلق بكتاب الله (عزوجل) ، وسجلت فى التحقيق التخالف ، أو النقص ، أو الزيادة ، ولم أفرط فى شىء من ذلك.

٢ ـ وجهت العناية كل العناية لآراء المؤلف ، التى سجلها الكتاب ، وأعملت الجهد فى توثيقها ، وذلك : بالرجوع إلى أمهات كتب التفسير ، التى عنى جهابذتها باللغة ، والنحو ، والتصريف ، واللغات ، واللهجات ، ووجدت بها كنوزا من العلم ، وبحارا من التحقيق ، والتدقيق ، فأخذت منها ما يوثق آراء المؤلف ، ومذاهبه ، وما يفتح الطريق واسعا معبدا لمن ألقى السمع ، وهو شهيد ، وللتنافس على العلم ، والنبوغ.

٣ ـ نهجت نهج المؤلف فى عدم الجرى وراء صاحب القراءة ، حتى لا أطيل ، وسجلت من ذلك ما سجله جهابذة المفسرين ، وحفلت به كتبهم ، أو ما دعت إليه حاجة.

٨

٤ ـ وضعت المراجع أمامى ، ورأيت فيها التشابه فى الرأى ، ونقل المتأخر عمن سبقه من المتقدمين ..

عندئذ : كنت أكتفى بتسجيل الرأى الأوفى ، والمذهب الأسبق ، ولا أهمل الإشارة إلى كتب الآخرين ، مع بيان الجزء ، والصفحة ، لسهولة الرجوع للمستزيد.

وقد سلكت مسلك الاختصار ، ما لم تدع الحاجة إلى ذكر النص كاملا ، ووضعت نقطا عند إرادة الاختصار ؛ ليكمل البحث من أعطاه الله تعالى علما ، وشرح صدره للمزيد من المعرفة.

٥ ـ ضبطت ما تدعو حاجة ملحة إلى ضبطه ، وإن تركت شيئا فإنما تركته لفطنة القارئ ، وإعمال ذهنه ، واجتهاده ، حتى يكمل له أجر الثقافة ، والاجتهاد.

٦ ـ وإن وجد فى التحقيق شىء لم ينل حظه من التعليق عليه ، فإنما ترك ذلك لظهور وجهته ، ويسر فهمه.

ولما كان الأمر متعلقا بكتاب الله (عزوجل) الذى يأتى ربه بكرا يوم القيامة ، ولن يبلغ أحد ما يريد فى الوصول إلى معانيه ، وحكمه ، فلم آل جهدا ولم أدخر وسعا للوصول إلى المبتغى حسب الطاقة البشرية ، ونقول : «آمنا به كل من عند ربنا».

وإنى إذ أقدم ذلك إرضاء لربى ، ونفعا للمسلمين أقول : (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).

كما أقول : إن الكريم إذا رأى عيبا ستر ...

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

المحقق

٩

مؤلف الكتاب

عبد الله بن الحسين بن عبد الله ، أبو البقاء

النحوى الضرير (١)

العكبرىّ الأصل ، البغدادى المولد ، والدار.

كان نحويّا ، فقيها ، مرضيا ، تفقه على مذهب أحمد بن حنبل ، وأخذ النحو عن أبى محمد بن الخشاب ، وغيره ، وروى عن مشايخ زمانه ، وكان جمّاعة لفنون من العلم ، والمصنفات (٢).

مولده :

ولد سنة ثمان ، وثلاثين ، وخمسائة ببغداد.

شيوخه :

قرأ القراءات على ابن عساكر البطايحى ، وتأدب على ابن الخشّاب ، وتفقه على أبى يعلى الصغير ، وروى عن ابن البطىّ ، وطائفة ، وحاز قصب السبق فى العربية (٣).

تلاميذه :

يقول الإمام السيوطى : «وقصده الناس من الأقطار ، وأقرأ النحو ، واللغة ، والمذهب ، والخلاف ، والفرائض ، والحساب ، ...» (٤).

ضره ، وإنعام الله عليه :

يقول ابن العماد الحنبلى :

__________________

(١) ترجمته فى الكتب التى سجلها القفطى ٢ / ١١٦ إنباه الرواة ، على أنباه النحاة.

(٢) ٢ / ١١٦ إنباه الرواة ...

(٣) ٢ / ١١٦ إنباه الرواة ...

(٤) ٢ / ٣٨ ، ٣٩ بغية الوعاة.

١٠

«.. ذهب بصره فى صغره بالجدرىّ. (١)»

ولما كان البصر المقدّم من الحواس ، التى هى منافذ على العالم الخارجى ، وكان فقده أليما ، فقد عوّضه الله (عزوجل) البصيرة النافذة ، والعقل الرصين ، والحكمة ، وفصل الخطاب ، وشرح صدره ؛ ليتسع للعلوم ، والمعارف ، ويعيها ، ويقدمها لمن بعده ، فكان كالنحل يجمع الرّحيق ، ويحوله إلى شراب ، مختلف ألوانه فيه شفاء للناس وكان مظهرا من مظاهر القدرة لرب يهب ما يشاء لمن يشاء.

أخلاقه ، وأجل صفاته ، وثناء العلماء عليه :

يقول الإمام السيوطى :

«وكان ثقة ، صدوقا ، غزير الفضل ، كامل الأوصاف ، كثير المحفوظ ، ديّنا ، حسن الأخلاق ، متواضعا ، وله تردّد إلى الرؤساء ؛ لتعليم الأدب ..» (٢).

ويقول ابن العماد الحنبلى :

«وكان متدينا ، قرأت عليه كتاب الفصيح لثعلب من حفظى ...

وكان حسن الأخلاق ، متواضعا ، كثير المحفوظ ، محبّا للاشتغال ، والإشغال ليلا ، ونهارا ، ما تمضى عليه ساعة بلا اشتغال ، أو إشغال ، حتى إن زوجته تقرأ له بالليل كتب الأدب ، وغيرها ...» (٣).

طريقته فى التحصيل ، والتأليف :

يقول القفطىّ :

«وكان (رحمه‌الله) إذا أراد التصنيف أحضرت له المصنفات فى هذا الفنّ ، وقرئ عليه منها ، فإذا حصله فى خاطره أملاه ، فكان يخل بكثير من المحتاج إليه. وما أحسن ما وصفه بعض الأدباء! فقال : أبو البقاء تلميذ تلاميذه ،

__________________

(١) ٣ / ٦٧ شذرات الذهب ...

(٢) ٢ / ٣٩ بغية الوعاة ..

(٣) ٣ / ٦٨ شذرات الذهب ...

١١

أى : هو تبع لهم فيما يلقونه عليه من القراءة عند الجمع من كلام المتقدمين ...» (١).

والقصد :

أنه كان يتلقى ألوان العلوم ، والمعارف : قراءة عليه من تلاميذه ، وزوجته ، وأنه كان يعى ذلك ، ويختزنه حيث يخرج علما مستنيرا ، وفنا مرتّبا ، وعبقرية منقطعة النظير فى كل ما جمع ، وسائر ما ألّف ، وصنّف.

وتظهر ميزته عند الإملاء من محفوظه ، فقد كان مجتمع القلب ، حادّا الذهن ، ثاقب البصيرة ، والنظرة ، لم يشتت فكره بنظر إلى صوارف حوله وإنما يكون تام العقل ، حديد الوجدان.

ولهذا : جاءت مؤلفاته على الطريق الأقوم ، والنهج الأوفى ...

مؤلفاته

يقول القفطى :

«وله مصنفات حسان فى إعراب القرآن ، والقراءات ، وإعراب الحديث ، والنحو ، واللغة العربية ، وشرح «المقامات الحريرية» ، وشعر أبى الطيب المتنبى ، وغير ذلك ، (٢) (٣).

ويفصل القفطى بعض التفصيل ، فيقول :

ومن تصانيفه «كتاب إعراب القرآن والقراءات» ، كتاب «شرح الإيضاح» كتاب «شرح اللمع» كتاب «اللّباب» فى علل النحو ، كتاب «شرح المفصل» لطيف ، كتاب «إعراب شعر الحماسة» ، كتاب «شرح المتنبى» كتاب «إعراب الحديث» لطيف (٤).

__________________

(١) ٢ / ١١٨ إنباه الرواة ... ، وانظر ٢ / ٣٩ بغية الوعاة ...

(٢) ٢ / ١١٧ إنباه الرواة ...

(٣) سجلت مؤلفات أبى البقاء فى ذيل ص ١١٧ ج ٢ إنباه الرواة ...

(٤) ٢ / ١١٧ إنباه الرواة ...

١٢

وقال ابن رجب :

«من تصانيفه «تفسير القرآن» و «إعراب القرآن» فى مجلدين ، «وإعراب الشواذ» ، و «متشابه القرآن ، وإعراب الحديث» ، وكتاب «التعليق فى مسائل الخلاف فى الفقه» ، و «شرح الهداية» لأبى الخطاب فى الفقه ، وكتاب «الحرام فى نهاية الإحكام فى المذهب» ، وكتاب «مذاهب الفقهاء» ، وكتاب «الناهض فى علم الفرائض» ، وكتاب «بلغة الرايض فى علم الفرائض» ، و «المنقح من الخطل فى علم الجدل» ، «والاعتراض على دليل التلازم» ، و «الاستيعاب فى أنواع اللمع» ، و «شرح خطب ابن نباتة» ، و «شرح المقامات الحريرية» ، وشرح «الحماسة» ، وشرح «ديوان المتنبى» ، وغير ذلك» (١).

ونلحظ تكريرا ، وزيادة على ما سجله القفطى.

ويقول السيوطى عن مؤلفاته :

«صنف إعراب القرآن ، وإعراب الحديث ، وإعراب الشواذ ، التفسير ، التعليق فى الخلاف ، الملقح فى الجدل ، الناهض ، البلغة ، التخليص ، والثلاثة فى الفرائض ، شرح الفصيح ، وشرح الحماسة ، وشرح المقامات ، وشرح خطب ابن نباتة ، وشرح الإيضاح ، والتكملة ، شرح اللمع ، لباب الكتاب ، شرح أبيات الكتاب ، إيضاح المفصّل ، اللباب فى علل البناء ، والإعراب ، الترصيف فى التصريف ، الإشارة ، التلقين ، التهذيب ، والأربعة فى النحو ، ترتيب إصلاح المنطق على حروف المعجم ، الاستيعاب فى الحساب ، وأشياء كثيرة ...» (٢).

ونقول :

إن النقول الثلاثة المتقدمة فى مؤلفات أبى البقاء ، يظاهر بعضها بعضا ، ويؤكد بعضها بعضا ، وما سجل له من مؤلفات بأسفل ص ١١٧ ج ٢ ، إنباه الرواة ... وبالمقارنة الجادة ، والوقوف على المكرر فى كل نقل منها ، وزيادة

__________________

(١) ٣ / ٦٨ شذرات الذهب ...

(٢) ٢ / ٣٩ بغية الوعاة ...

١٣

بعضها على بعض تصل إلى جلّ مؤلفاته ، وهى غزيرة ، ومنوعة ، وقد تناولت مختلف المعارف ، والثقافات فى عصره .. وامتدت إلى ما قبله ..

ونقل ابن العماد عن ابن أبى الجيش ، أن أبا البقاء :

«كان يفتى فى تسعة علوم ، وكان أوحد زمانه فى النحو ، واللغة والحساب ، والفرائض والجبر ، والمقابلة ، والفقه ، وإعراب القرآن ، والقراءات الشاذة ...

وذكر أنه قرأ عليه كثيرا ، وقال ابن البخارى : قرأت عليه كثيرا من مصنفاته ، وصحبته مدة ...» (١) ، وقد ورد لأبى البقاء ذكر فى تاريخ الأدب العربى .. (٢).

مذهبه الفقهى :

أبو البقاء : حنبلى المذهب ، ويقول السيوطى : «سأله جماعة من الشافعية أن ينتقل إلى مذهب الشافعى ، ويعطوه تدريس النحو بالنظامية ، فقال : لو أقمتمونى ، وصببتم على الذهب حتى واريتمونى ما رجعت عن مذهبى ، (٣).

__________________

(١) ٣ / ٦٨ شذرات الذهب.

(٢) انظر مؤلفات أبى البقاء فى ٥ / ١٧٤ تاريخ الأدب العربى لكارل بروكلمان.

(٣) ٢ / ٣٩ بغية الوعاة ...

١٤

عصر أبى البقاء السياسى

ولد أبو البقاء فى عام ٥٣٨ ه‍ ، وتوفى سنة ٦١٦ ه‍.

وبذلك : يكون قد عاش فى العصر العباسى الثانى للدولة ، ومات قبيل غروب شمسها ، وقد عاصر الخلفاء العباسيين ، الآتية أسماؤهم :

١ ـ محمد المقتفى لأمر الله من ٥٣٠ ه‍ إلى سنة ٥٥٥ ه‍.

٢ ـ يوسف المستنجد بالله من سنة ٥٥٥ ه‍ إلى سنة ٥٦٦ ه‍.

٣ ـ حسن المستفىء بأمر الله من سنة ٥٦٦ ه‍ إلى سنة ٥٧٥ ه‍.

٤ ـ أحمد الناصر لدين الله سنة ٥٧٥ ه‍ إلى سنة ٦٢١ ه‍.

وهذه الفترة من عمر الدولة العباسية ، وفى خريف عمرها ضعف شأن الخلفاء العباسيين ، ولم يبق للخليفة العباسى ، إلا ذكر اسمه على المنابر ، وما يتصل بالعملة ، فقد لعب الأتراك دورا بارزا فى حياة الدولة ، وكذلك البويهيّون ...

أما السلاجقة فإنهم تسلطوا على الدولة ، وكانوا يحسنون معاملة الخلفاء ، لأنهم سنيون معتدلون ، أما من قبلهم فكانوا شيعيين.

وفى ظل تلك الفترة أخذ الانهيار يتسرب إلى كيان الدولة ، مما سهل على المغول اجتياحها ، وإحراق مكتبتها العامرة ببغداد ، وتحطمت أحلامهم على صخرة المقاومة ، والدفاع فى مصر ...

وقد انقسمت الدولة العظيمة إلى دويلات ، استقل حكامها الأقوياء بإدارة شئون دولتهم ، وجعل كل منهم من دولته ما يرقى إلى مكانة بغداد فى أوج عظمتها ، وقربوا العلماء ، ولانت حياتهم ، وانصرفوا إلى التأليف فى كل علم ، وفن ، وأتوا بالعجب العجاب فى كل ميدان ، وفنّ ...

١٥

على أنه لا يغيب عن الذهن : اتساع الثقافات فى كل ناحية ، وترجمة الفلسفات ، وظهور مصادر الفرق الإسلامية ، وتصارعها ، وإعمال الفكر فى كل شىء ..

وإذا كان الإنسان ابن بيئته ـ كما يقال ـ فإن محب الدين : أبا البقاء نشأ ، وترعرع ، وتربى ، وحصّل ، وألف فى هذه البيئة العلمية ، التى لا نظير لها ، وقد كان بتأليفه ، وتصنيفه مرآة انعكست عليها ثقافة عصره ، وعلم أمته (١).

* * *

عصر أبى البقاء : العلمى ، والنحوى ، ...

نشأ أبو البقاء ، وتربى ، وترعرع ، وحصّل ، ونبغ فى عصر كان من أزهى عصور اللغة ، والثقافة العربية ، والإسلامية فى شتى الميادين.

وقد أدلى أبو البقاء بدلوه فى جميع ألوان المعارف ، والثقافات ، التى نضجت. وآتت أكلها ، وجادت بشهىّ ثمارها فى تلك الحقبة من الزمان ..

ويهمنا ـ فى المقام الأول من كل ذلك : ما يتصل بالعروة الوثقى باللغة ، والنحو ، والتصريف ، وعلوم القرآن الكريم ..

والمقدم من ذلك ما يتعلق باللغة ، والنحو : لغة الكتاب الكريم ، والسنة المطهرة ...

هدى العربىّ إلى لسان قويم ، ونطق سليم ؛ لما فى علم الله (عزوجل) أزلا أن ينزل القرآن الكريم بهذا اللسان المبين ...

وقد مرت اللغة العربية من لدن سام بن نوح (عليه الصلاة والسلام) بأطوار أفادت من كل طور فيها :

__________________

(١) انظر ٥ / ١٧٤ تاريخ الأدب العربى لكارل بروكلمان.

وانظر الأدب العباسى ، لأستاذنا : أحمد الشعراوى ص ١١ إلى ١٣.

وانظر الأدب العباسى ، لأستاذنا : أحمد الشعراوى ص ١٣ فى شأن الدويلات الإسلامية.

وانظر الأدب العباسى ، لأستاذنا : أحمد الشعراوى ص ١٨ ، ١٩.

١٦

فطور التباعد .. كان لغزارة اللغة ، وسعة مقرراتها ، وغزارة مادتها.

وطور التقارب : كان لغربلة اللغة ، واختيار الأخف لفظا ، والأرشق استعمالا ...

ولا ننسى فضل اجتماع الحجيج ، والأسواق الأدبية ، وتصارع اللهجات ، وبقاء الأصلح منها ..

كل ذلك : من أجل الذكر الحكيم ، الذى جبر خاطر كل لهجة ، وحوى ألفاظا معرّبة من جميع لغات الأمم الحية ؛ ليكون معجزة الله عزوجل ، الباقية ، وللدلالة على صدق الرسول الأمين ، الذى نزل عليه ، وليكون معجزته الخالدة فى كل شىء.

وحينما ظلل الإسلام بسماحته ، وعدله ودساتيره ما ظلل من عالم لا ينطق باللغة العربية ، وظهر اللحن على الألسنة هدى الله عزوجل النابهين من عظماء هذه الأمة ، وفكروا فى وضع قوانين تؤخذ من اللغة للغة ...

وأخذ نشاط الرواة يتجه إلى القبائل العربية ، الخالصة العروبة ، والتى نأت عن الاختلاط بغيرها ، ونقلوا عنها ، وأخذوا منها ، وسجلوا ما وصلوا إليه منها (١).

كان قصد الرواة الثقات فى أول الأمر أن يصلوا من الرواية إلى قوانين ، وقواعد للنحو ، ... فمنّ الله عليهم بما يلى :

١ ـ اللغة : لأنهم كانوا ينقلون ألفاظا مضبوطة ، ويذكرون معانيها ...

٢ ـ التصريف ، أو الصرف : وهو علم يتعلق بجوهر الكلمة من حيثيات كثيرة.

٣ ـ النحو : حيث تتجه عنايتهم بعد العودة من البوادى إلى الموازنة ، وتقعيد القواعد ...

__________________

(١) انظر كتابنا المهذب ، فى محاسن اللغة وخصائصها ، وما فى القرآن الكريم من المعرب ، ص ١٣ ، ... وانظر ص ٩١ ، ...

١٧

٤ ـ الأدب : وكانوا يسجلون عن القبائل الخطب ، والأشعار ، والأمثلة ، والحكم ... وغير ذلك وقد نشأت هذه العلوم الأربعة نشأة واحدة ، وضمّها تأليف واحد فى أول الأمر.

ولا نزال نرى من ذلك أشياء فى كتب هؤلاء ، مثل الكامل للمبرد ، وغيره ، ثم أخذ كل علم من هذه العلوم يشق طريقه فى انفراد ، وتم الفصل على أيدى جهابذة العلماء فى كل علم (١).

ويهمنا : أن نقدم نظرة سريعة فى ـ إيجاز ـ لعلم النحو ، فنقول :

لأبى الأسود الدؤلى الفضل فى وضع اللبنات الأولى للنحو : إذ وضع منه ما أدركه عقله ، وهداه إليه ربّه ، وارتقى إليه تفكيره ، ثم أقره الإمام على (رضى الله عنه) وأشار إليه أن يقتفيه ... ومرّ النحو ـ فى نشأته ، وتكوينه ـ بأطوار ـ شأن أى علم ينشأ ...

والأطوار : مايلى :

١ ـ الطور الأول : طور الوضع ، والتكوين ، والفضل فيه لعلماء البصرة.

٢ ـ طور النشوء ، والنمو : والفضل فيه لعلماء المدرستين : البصرة ، والكوفة.

٣ ـ طور النضوج ، والكمال : والفضل فيه لعلماء المدرستين : البصرة ، والكوفة.

٤ ـ الطور الرابع : طور الترجيح ، والبسط فى التصنيف ، والفضل فيه لعلماء الأمصار : بغداد ، والأندلس ، ومصر ، والشام.

وهذه الأطوار متداخلة ، لا يتيسر الفصل بينها ، إلا أنها أدت فى النهاية إلى علم تكامل بناؤه ، واتضحت اتجاهاته ، وبسطت علله ، وغاياته ، (فجزى الله الجميع أكرم الجزاء) (٢).

__________________

(١) انظر كتابنا «تصريف الأفعال» ص ٧ إلى ١١.

(٢) انظر كتاب «نشأة النحو ،» لأستاذنا الطنطاوى.

وانظر كتابنا النحو : مدارسه ، ومذاهبه ، والنحاة : آراؤهم .. (تحت الطبع).

١٨

مذهبه النحوى :

نشأ أبو البقاء ، وعاش تحت ظل الطور الرابع من أطوار النحو ، وهو طور يتجه فى الأعم الأغلب إلى دراسة النحو البصرى ، والكوفى ، والموازنة النابهة بين مذاهب المدرستين : البصرية والكوفية ...

ويقول أستاذنا الطنطاوى عنه :

«... لم يكن فى آخر حياته من معاصريه من يضارعه فيها ، وتصدر لتعليم الناس ، وغلب عليه اتجاهه إلى النحو ، وقد سبق أنه كوفىّ المذهب ...» (١).

ونقول :

علّه للوقوف أحيانا فى صف الكوفيين ظنّ أنه كوفى المذهب ...

ولكن الذى ينظر إلى آرائه فى كتابيه «التبيان» وإعراب الشواذ يلمس عن كثب رجاحة عقله : فإذا كان الرأى ، والاستشهاد يظاهر البصريين كان فى صفهم ، وإن وجد أن الرجحان فى جانب الكوفيين كان معهم ، أي : أنه كان مع الحق حيثما وجد الطريق إليه ، وهذا ديدن أمثاله من جهابذة العلماء.

* * *

شعر أبى البقاء

المليك الوهاب (عزوجل) يهب ما يشاء لمن يشاء ـ فى حكمة بالغة ، وعمل موزون بميزان العدل المطلق ، والقدرة القادرة.

ومن ذلك نقول :

الشعر موهبة ، وثقافة (٢) ، والنثر موهبة ، وسعة اطلاع ، ...

والموهبتان : يمنّ الله تعالى على من أراد بهما ، ولكنهما لا يجتمعان ـ فى الأعم الأغلب لإنسان واحد ، على قدر سواء ، وإنما يزيد الله (عزوجل) فى

__________________

(١) ص ١٦٤ نشأة النحو ...

(٢) انظر كتابنا «الطريق المعبد إلى علمى الخليل بن أحمد ...» ص ٢٦.

١٩

أحدهما ما ينقص من الأخرى «سنة الله» التى لا تحول ، ولا تزول ...

وأبو البقاء : منح موهبة النثر فى القمة منها ، ولم يحرم من موهبة الشعر ، لكنها لا ترقى إلى مرتبة النثر عنده وذلك : لتتكامل الإنسانية ، ويحتاج الإنسان إلى الآخرين (١).

بعد عرض ما تقدم نقول :

لقد غلبت موهبة النثر ، وقدرته على أبى البقاء ، وإنه لمن النادرين الذين نبغوا فى النثر ، وجاء عنهم قليل من الشعر.

ومن شعره :

صاد قلبى على العقيق غزال

ذو نفار ، وصله ما ينال

فاتر الطرف ، تحسب الجفن منه

ناعسا ، والنعاس منه مزال (٢)

والبيتان ، مع ما فيهما من غزل ، يعود فى المعنى إلى معانى السابقين ، إلا أنه عرضه ، مسحة جميلة ، وعرض طيب.

مع أنك تلمح من بين ثناياه لغة العلماء إلى جانب عاطفة الشعراء ...

ومع شعره فيما قاله فى الوزير : ناصر بن مهدىّ ، العلوى.

بك أضحى جيد الزمان يحلّى

بعد أن كان من حلاه مخلّى

لا يجاريك فى نجاريك خلق

أنت أعلى قدرا ، وأعلى محلا

دمت تحيى ما قد أحييت من الفض

يل ، وتنفى فقرا ، وتطرد محلا (٣)

والأبيات ، مع ما فيها من الحلى البديعية ، التى ظهرت على الشعر فى هذه الأعصر ، لم تخل من عقل العلماء ، ...

__________________

(١) انظر مقدمة ابن خلدون ص ٥٦٨ ، ٥٦٩.

(٢) ٣ / ٦٨ شذرات الذهب ، وانظر أسفل ٢ / ٣٩ بغية الوعاة.

(٣) ٢ / ١١٨ إنباه الرواة على أنباه النحاة ، وانظر ٢ / ٤٠ بغية الوعاة ...

٢٠