🚘

اللّباب في علوم الكتاب - ج ٣

أبي حفص عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

اللّباب في علوم الكتاب - ج ٣

المؤلف:

أبي حفص عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي


المحقق: عادل أحمد عبد الموجود و علي محمّد معوّض
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتب العلميّة
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بسم الله الرّحمن الرّحيم

(سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)(١٤٢)

قوله : (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ) فيه قولان :

أحدهما : وهو اختيار القفال أن هذا اللفظ وإن كان للمستقبل ظاهرا ، لكنه قد يستعمل في الماضي أيضا كالرجل يعمل عملا ، فيطعن فيه بعض أعدائه ، فيقول : أنا أعلم أنهم [سيطعنون عليّ فيما فعلت ، ومجاز هذا أن يكون القول فيما يكرر ويعاد](١) ، فإذا ذكروه مرّة ، فسيذكرونه بعد ذلك مرات ، فصحّ على هذا التأويل أن يقال : سيقول السّفهاء من الناس ذلك ، وقد وردت الأخبار أنهم لما قالوا ذلك [نزلت الآية](٢).

[قال القرطبي : «سيقول» بمعنى : قال ؛ جعل المستقبل موضع الماضي ، دلالة على استدامة ذلك](٣) وأنهم يستمرون على ذلك القول.

و «السفهاء» جمع ، واحده سفيه ، وهو الخفيف العقل ، من قولهم : ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج وقد تقدم.

والنساء سفائه. وقال المؤرج : السّفيه : البهات الكاذب المعتمد خلاف ما يعلم.

وقال قطرب : الظلوم الجهول.

القول الثاني : أن الله تعالى أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه وفيه فوائد.

أحدها : أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ إذا أخبر عن ذلك قبل وقوعه ، كان هذا إخبارا عن الغيب فيكون معجزا.

وثانيها : أنه ـ تعالى ـ إذا أخبر عن ذلك أولا ، ثم سمعه منهم ، فإنه يكون تأذيه من هذا الكلام أقلّ مما إذا سمعه فيهم أولا.

وثالثها : أن الله ـ تعالى ـ إذا أسمعه ذلك أولا ، ثم ذكر جوابه معه ، فحين يسمعه النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ منهم يكون الجواب حاضرا ، كان ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضرا.

__________________

(١) سقط في أ.

(٢) سقط في أ.

(٣) سقط في أ.

٣

فصل في الكلام على السفيه

تقدم الكلام على السّفه في قوله : (كَما آمَنَ السُّفَهاءُ) وبالجملة فإن السفيه من لا يميّز ما له وما عليه ، فيعدل عن طريق ما ينفعه إلى ما يضره ، يوصف بالخفّة والسفه ، ولا شك أن الخطأ في باب الدين أعظم معرّة منه في باب الدنيا ، [فإذا كان العادل عن الرأي واضحا في أمر دنياه يعدّ سفيها ، فمن يكون كذلك في أمر دينه كان أولى بهذا الاسم فلا كافر إلا وهو سفيه ، فهذا اللفظ](١) يمكن حمله على اليهود ، وعلى المشركين ، وعلى المنافقين وعلى جملتهم ، وذهب إلى كلّ واحد من هذه الوجوه قوم من المفسرين.

قال ابن عباس ومجاهد : هم اليهود (٢) ، وذلك لأنهم كانوا يأتسون بموافقة الرسول لهم في القبلة ، وكانوا يظنون أن موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يصير موافقا لهم بالكلية ، فلما تحول عن ترك القبلة اغتمّوا وقالوا : قد عاد إلى طريقة آبائه ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة ، فنزلت هذه الآية.

قال ابن عباس والبراء بن عازب والحسن والأصم رضي الله عنهم : إنهم مشركو العرب (٣) ، [وذلك لأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان متوجها إلى «بيت المقدس» حين كان ب «بمكة» والمشركون](٤) كانوا يتأذون منه بسبب ذلك ، فلما جاء إلى «المدينة» وتحول إلى الكعبة قالوا : رجع إلى موافقتنا ، ولو ثبت عليه لكان أولى به.

وقال السدي : هم المنافقون إنما ذكروا ذلك استهزاء من حيث لا يتميز بعض الجهات عن بعض بخاصية معقولة تقتضي تحويل القبلة إليها ، فكان هذا التحويل مجرد العبث ، والعمل بالرأي والشهوة ، وإنما حملنا لفظ السفهاء على المنافقين ، لأن هذا الاسم مختص بهم ، قال الله تعالى : (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ) [البقرة : ١٣].

وقيل : يدخل فيه الكل ؛ لأن لفظ السفهاء لفظ عموم ، ودخل فيه الألف واللام ، وقد بيّنا صلاحيته لكلّ الكفار بحسب الدليل العقلي ، والنص أيضا يدلّ عليه ، وهو قوله : (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) [البقرة : ١٣٠].

[فإن قيل : المقصود من الآية بيان وقوع هذا الكلام منهم في الجملة ، وإن كان كذلك لم يكن ادعاء العموم فيه بعيدا.

__________________

(١) في أ : فيكون أولى بهذا الاسم وهذا اللفظ.

(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣ / ١٣٠) عن مجاهد وابن عباس.

(٣) ما روي عن البراء أنهم اليهود وليسوا مشركي العرب فأخرجه الطبري (٣ / ١٣٠) عنه أنهم اليهود.

وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١ / ٢٦٢) عن البراء بن عازب وعزاه لوكيع وعبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٤) سقط في أ.

٤

قلنا : هذا القدر لا ينافي العموم ، ولا يقتضي تخصيصه ؛ بل الأقرب أن يكون الكل قد قالوا ذلك ؛ لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن ، فإذا وجدوا مجالا لم يتركوا مقالا](١).

قوله تعالى : (مِنَ النَّاسِ) في محلّ نصب على الحال من «السفهاء» والعامل فيها «سيقول» ، وهي حال مبينة ، فإن السّفه كما يوصف به الناس يوصف به غيرهم من الجماد والحيوان ، وكما ينسب القول إليهم حقيقة ينسب لغيرهم مجازا ، فرفع المجاز بقوله : «من النّاس» ذكره ابن عطية وغيره.

قوله : (ما وَلَّاهُمْ) «ما» مبتدأ ، وهي استفهامية على وجه الاستهزاء والتعجب ، والجملة بعدها خبر عنها و «عن قبلتهم» متعلّق ب «ولّاهم» ، ولا بد من حذف مضاف في قوله : «عليها» أي : على توجهها ، أو اعتقادها ، وجملة الاستفهام في محلّ نصب بالقول والاستعلاء في قوله : «عليها» مجاز ، نزّل مواظبتهم على المحافظة عليها منزلة من استعلى على الشيء ، والله أعلم.

فصل في الكلام على التولّي

ولّاه عنه : صرفه عنه ، وولى إليه بخلاف ولّى عنه ، ومنه قوله تعالى : (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) [الأنفال : ١٦] وفي هذا التولّي قولان :

المشهور عند المفسرين : أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة عاب الكفار المسلمين ، فقالوا : (ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ) فالضّمير في قوله : «ما ولّاهم» للرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ والمؤمنين والقبلة التي كانوا عليها هي «بيت المقدس».

واختلفوا في تاريخ تحويل القبلة بعد ذهابه إلى «المدينة» فقال أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر (٢) وقال معاذ : بعد ثلاثة عشر شهرا (٣) ، وقال قتادة : بعد ستة عشر شهرا (٤).

وعن ابن عباس والبراء بن عازب بعد سبعة عشر شهرا (٥) ، [وهذا القول أثبت عندنا من سائر الأقوال.

__________________

(١) سقط في ب.

(٢) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١ / ٢٦٣) عن أنس وعزاه للبزار. وأخرجه الطبري (٣ / ١٣٥).

والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢ / ١٣) وقال : رواه البزار وفيه عثمان بن سعد ضعفه يحيى القطان وابن معين وأبو زرعة ووثقه أبو نعيم الحافظ وقال أبو حاتم : شيخ.

(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣ / ١٣٦) عن معاذ بن جبل.

(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣ / ١٣٩ ـ ١٤٠) عن قتادة وذكره السيوطي في «الدر المنثور».

(٥) أخرجه البخاري (٨ / ١٣٢) ومسلم (١ / ١٤٨) والطبري (٣ / ١٣٣ ـ ١٣٤) وأخرجه الطبري (٣ / ١٣٣) وابن ماجه (١٠١٠) من طريق آخر عن البراء بن عازب أيضا.

٥

وعن بعضهم ثمانية عشر شهرا](١) من مقدمه.

وقال الواقدي : صرفت القبلة يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا.

وقال آخرون : بل سنتان.

القول الثاني : قول أبي مسلم وهو أنه لما صح الخبر بأن الله ـ تعالى ـ حوّلها إلى الكعبة وجب القول به ، ولو لا ذلك لاحتمل لفظ الآية أن يراد بقوله : (كانُوا عَلَيْها) ، أي : السفهاء كانوا عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلا قبلة اليهود والنصارى ، فقبلة اليهود إلى العرب ؛ لأن النداء لموسى عليه الصلاة والسلام جاء فيه وهو قوله تعالى : (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِ) [القصص : ٤٤] ، ولأنه مكان غروب الشمس والكواكب ، وذلك شبه الخروج من الدنيا والعبور إلى الآخرة ، وهو وقت همود الناس الذي هو الموت الأصغر ، واستقبلوا المغرب لشبهه بوقت القدوم على الله تعالى ، والنّصارى إلى المشرق ؛ لأن جبريل ـ عليه الصلاة والسلام ـ إنما ذهب إلى مريم في جانب المشرق ، لقوله تعالى : (إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا) [مريم : ١٦] ؛ لأن المشرق مكان إشراق الأنوار ، ومنه تشرق الكواكب بأنوارها ، فهو مشتبه بحياة العالم فاستقبلوه ؛ لأن منه مبتدأ حياة العالم ، والعرب ما جرت عادتهم بالصلاة حتى يتوجّهوا إلى شيء من الجهات ، فلما رأوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم متوجها إلى الكعبة استنكروا ذلك ، فقالوا : كيف يتوجه أحد إلى غير هاتين الجهتين المعروفتين ، فقال تبارك وتعالى ردا عليهم : (قُلْ : لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ).

قال ابن الخطيب (٢) : «ولو لا الروايات الظاهرة لكان هذا القول محتملا والله أعلم».

فصل في تحرير معنى القبلة

القبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان ، وهي من المقابلة ، وإنما سميت القبلة قبلة ؛ لأن المصلي يقابلها وتقابله.

وقال قطرب : يقولون في كلامهم : ليس لفلان قبلة أي : ليس له جهة يأوي إليها ، وهو أيضا مأخوذ من الاستقبال.

وقال غيره : إذ تقابل الرجلان ، فكلّ واحد منهما قبلة للآخر. [قال القرطبي : وجمع القبلة في التكسير قبل ، وفي التسليم قبلات ، ويجوز أن يبدل من الكسرة فتحة ، وتقول : قبلات ، ويجوز أن تحذف الكسرة ، وتسكن الباء](٣).

فصل في بعض شبه اليهود والنصارى

قال ابن الخطيب : هذه شبهة من شبه اليهود والنصارى التي طعنوا بها في الإسلام ،

__________________

(١) سقط في أ.

(٢) ينظر الفخر الرازي : ٤ / ٨٤.

(٣) سقط في ب.

٦

فقالوا : النسخ يقتضي : إما الجهل أو التجهيل ، وكلاهما لا يليق بالحكيم ، وذلك لأن الأمر إما أن يكون خاليا عن القيد ، وإما أن يكون مقيدا بلا دوام (١) [وإما أن يكون مقيدا بقيد الدوام ، فإن كان خاليا عن القيد لم يقتض الفعل إلا مرة واحدة ، فلا يكون ورود الأمر بعد ذلك على خلافه ناسخا ، وإن كان مقيدا بقيد اللادوام ، فهاهنا ظاهر أن الوارد بعده على خلافه لا يكون ناسخا له ، وإن كان مقيدا بقيد الدوام ، فإن كان الأمر يعتقد فيه أن يبقى دائما مع أنه ذكر لفظا يدلّ على](٢) أنه يبقى دائما ، ثم إنه رفعه بعد ذلك ، فهاهنا كان جاهلا ، ثم بدا له ذلك ، [وإن كان عالما بأنه لا يبقى دائما مع أنه ذكر لفظا يدلّ على أن يبقى دائما كان ذلك تجهيلا](٣) فثبت أن النسخ يقتضي : إما الجهل أو التجهيل ، وهما محالان على الله تعالى ، فكان النسخ منه محالا ، [فالآتي بالنّسخ في أحكام الله ـ تعالى ـ يجب أن يكون مبطلا](٤) ، فبهذا الطريق توصّلوا بالقدح في نسخ القبلة إلى الطعن في الإسلام ، ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة ، فقالوا : إنا إذا جوزنا النسخ إنما نجوزه عند اختلاف المصالح ، وهنا الجهات متساوية في أنها لله ـ تعالى ـ ومخلوقة له وتغيير القبلة من [جانب إلى] جانب فعل خال عن المصلحة فيكون عبثا ، والعبث لا يليق بالحكيم ، فدل هذا على أن هذا التغيير ليس من الله تعالى ، وقد أجاب الله ـ تعالى ـ على هذه الشبهة بقوله تعالى : (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ).

وتقديره : أن الجهات كلها لله ـ عزوجل ـ ملكا وملكا ، فلا يستحق منها شيء لذاته أن يكون قبلة ، بل إنما تصير قبلة ؛ لأن الله عزوجل جعلها قبلة ، وإذا كان كذلك فلا اعتراض عليه بالتّحويل من جهة إلى جهة ؛ لأنه لا يجب تعليل أحكام الله تعالى وأفعاله على قول أهل السّنة.

وأما على قول المعتزلة فلهم طريقان :

الأول : لا يمتنع اختلاف المصالح لحسب اختلاف الجهات ، وبيانه من وجوه :

أحدها : أنه إذا رسخ في أوهام بعض الناس أن هذه الجهة أشرف من غيرها بسبب أن هذا البيت بناه الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعظّمه ، كان هذا الإنسان عند استقباله أشد تعظيما وخشوعا ، وذلك مصلحة مطلوبة.

وثانيها : أن الكعبة منشأ محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فتعظيم الكعبة يقتضي تعظيم محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ وذلك أمر مطلوب [لأنه متى رسخ في قلوبهم تعظيمه كان قبولهم لأوامره ونواهيه أسهل وأسرع ، والمفضي إلى المطلوب مطلوب](٥).

__________________

(١) في أ : بقيد.

(٢) سقط في أ.

(٣) سقط في أ.

(٤) سقط في أ.

(٥) سقط في ب.

٧

وثالثها : أن الله ـ تعالى ـ بين ذلك في قوله : (وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ) [البقرة : ١٤٣] فأمرهم الله ـ تعالى ـ حين كانوا ب «مكة» أن يتجهوا إلى «بيت المقدس» ليتميزوا عن المشركين ، فلما هاجروا إلى «المدينة» وبها اليهود أمروا بالتوجه إلى الكعبة ليتميزوا عن اليهود.

[ورابعها : أن في أفعاله حكما ، ثم إنها تارة تكون ظاهرة لنا ، وتارة تكون مستورة خفية عنا ، وتحويل القبلة يمكن أن يكون لمصالح خفية ، وإذا كان كذلك استحال الطعن بهذا التحويل في الإسلام](١).

فصل في استقبال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بيت المقدس هل كان عن رأي واجتهاد أم لا؟

اختلفوا هل كان استقباله بيت المقدس عن رأي واجتهاد أم لا؟

فقال الحسن : كان عن رأي واجتهاد ، وهو قول عكرمة وأبي العالية.

وقال القرطبي : كان مخيرا بينه وبين الكعبة ، فاختار بيت المقدس طمعا في إيمان اليهود واستمالتهم.

وقال الزجاج : امتحانا للمشركين ، لأنهم ألغوا الكعبة.

وقال ابن عباس : وجب عليه استقباله بأمر الله ـ تعالى ـ ووحيه لا محالة ، ثم نسخ الله ذلك ، وهو قول جمهور العلماء نقله القرطبي.

فصل

اختلفوا أيضا حين فرضت عليه الصّلاة أولا ب «مكة» ، هل كانت إلى بيت المقدس أو إلى مكة؟ على قولين :

فقالت طائفة : إلى بيت المقدس وب «المدينة» سبعة عشر شهرا ، ثم صرفه الله ـ تعالى ـ إلى الكعبة ، قاله ابن عباس.

وقال آخرون : أول ما افترضت الصلاة إلى الكعبة ، ولم يزل يصلّي إليها طول مقامه ب «مكة» على ما كان عليه صلاة إبراهيم وإسماعيل ، فلما قدم «المدينة» صلى إلى «بيت المقدس» ستة عشر شهرا ، أو سبعة عشر شهرا على الخلاف ، ثم صرفه الله إلى «الكعبة».

قال ابن عمر : وهذا أصح القولين عندي.

قوله تعالى : (يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) تقدم الكلام على الهداية ، قالت المعتزلة : إنما هي الدلالة الموصلة ، والمعنى : أنه ـ تعالى ـ يدلّ على ما هو للعبادة أصلح ، والصراط المستقيم هو الذي يؤديهم ـ إذ تمسّكوا به ـ إلى الجنة.

__________________

(١) سقط في ب.

٨

قال أصحابنا : هذه الهداية : إما أن يكون المراد منها الدعوة ، أو الدلالة ، أو تحصيل العلم فيه ، والأولان باطلان ؛ لأنهما عامّان لجميع المكلفين ، فوجب حمله على الوجه الثالث ، وذلك يقتضي بأن الهداية والإضلال من الله تعالى.

قوله تعال : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ)(١٤٣)

الكاف في قوله تعالى : (وَكَذلِكَ) فيها الوجهان المشهوران كما تقدم ذلك غير مرّة : إما النصب على النعت ، أو على الحال من المصدر المحذوف.

والتقدير : وكذلك جعلناكم أمّة وسطا جعلا مثل ذلك ، ولكن المشار إليه ب «ذلك» غير مذكور فيما تقدم ، وإنما تقدم ما يدلّ عليه. واختلفوا في «ذلك» على خمسة أوجه :

أحدها : أن المشار إليه هو الهدى المدلول عليه بقوله : (يَهْدِي مَنْ يَشاءُ).

والتقدير : جعلناكم أمة وسطا مثل ما هديناكم.

الثاني : أنه الجعل ، والتقدير : جعلناكم أمة وسطا مثل ذلك الجعل القريب الذي فيه اختصاصكم بالهداية.

الثالث : قيل : المعنى كما جعلنا قبلتكم متوسّطة جعلناكم أمة وسطا.

الرابع : قيل : المعنى كما جعلنا القبلة وسط الأرض جعلناكم أمة وسطا.

الخامس ـ وهو أبعدها ـ أن المشار إليه قوله : (وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا) [البقرة : ١٣٠] أي : مثل ذلك الاصطفاء جعلناكم أمة وسطا.

[قال ابن الخطيب : ويحتمل عندي أن يكون التقدير : ولله المشرق والمغرب ، فهذه الجهات بعد استوائها لكونها ملكا لله تعالى ، خصّ بعضها بمزيد الشرف والتكريم ، بأن جعله قبلة فضلا منه ، وإحسانا ؛ فكذا العباد كلهم يشتركون في العبودية إلا أنه خص هذه الأمة بمزيد الفضل والعبادة ، فضلا منه وإحسانا لا وجوبا.

وفيه وجه آخر : وهو أنه قد يذكر ضمير الشيء ، وإن لم يكن المضمر مذكورا إذا كان المضمر مشهورا معروفا ، كقوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر : ١] لأن المعروف عند كل أحد أنه ـ سبحانه وتعالى ـ هو القادر على إعزاز من يشاء من خلقه ، وإذلال من يشاء ، فقوله تعالى : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) أي : ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد سواه جعلناكم أمة وسطا](١).

__________________

(١) سقط في ب.

٩

و «جعل» بمعنى صير ، فيتعدّى لاثنين ، فالضمير مفعول أول ، و «أمة» مفعول ثان ووسطا نعته.

والوسط بالتحريك : اسم لما بين الطرفين ، ويطلق على خيار الشيء ؛ لأن الأوساط محميّة بالأطراف ؛ قال حبيب : [البسيط]

٨٢١ ـ كانت هي الوسط المحميّ فاكتنفت

بها الحوادث حتّى أصبحت طرفا (١)

ووسط الوادي خير موضع فيه ؛ قال زهير : [الطويل]

٨٢٢ ـ هم وسط ترضى الأنام بحكمهم

إذا نزلت إحدى البلايا بمفضل (٢)

[وقال آخر : [الرجز]

٨٢٣ ـ كن من النّاس جميعا وسطا (٣)(٤)

وقال تعالى : (قالَ أَوْسَطُهُمْ) [القلم : ٢٨] أي أعدلهم.

[وروى القفال عن الثورى عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وشرف وبجل وعظم وكرم «أمّة وسطا» ؛ قال : «عدلا» (٥).

وقال عليه صلوات الله وسلامه : «خير الأمور أوسطها» (٦) ؛ أي : أعدلها. وقيل : كان النبي ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أوسط قريش نسبا.

وقال عليه أفضل الصلاة والسلام : «عليكم بالنّمط الأوسط» (٧).

قال الجوهري في الصحاح : «أمة وسطا» أي : عدلا ، وهو الذي قاله الأخفش ، والخليل ، وقطرب ، فالقرآن والحديث والشعر يدلون على أن الوسط : خيار الشيء](٨).

وأما المعنى فمن وجوه :

__________________

(١) ينظر ديوانه : (١٩٢) ، الكشاف : ١ / ٣١٧ ، الدر المصون : ١ / ٣٩٢.

(٢) البيت ليس في ديوان زهير. ينظر البحر المحيط : ١ / ٥٩١ ، الطبري : ٣ / ١٤٢ ، القرطبي : ٢ / ١٠٤ ، الدر المصون : ١ / ٣٩٣.

(٣) ينظر القرطبي : ٢ / ١٠٤ ، البحر المحيط : ١ / ٥٩١ ، والدر المصون : ١ / ٣٩٣.

(٤) سقط في ب.

(٥) أخرجه البخاري (٣٣٣٩) باب قول الله عزوجل : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ) * ، وفي «الاعتصام» (٧٣٤٩) باب (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) ، وأحمد (٣ / ٣٢ ، ٥٨) والترمذي (٢٩٦٥) وابن ماجه (٤٢٨٤) والطبري في «التفسير» (٣ / ١٤٣) وابن حبان (١٧١٩ ـ موارد) وأبو يعلى (٢ / ٣٩٧) رقم (٣٩٧) والبيهقي في «الأسماء والصفات» ص ٢١٦.

(٦) أخرجه البيهقي (٣ / ٢٧٣) وانظر كشف الخفا للعجلوني (١ / ٤٦٩).

(٧) ذكره الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (١ / ٨١) وقال : أخرجه أبو عبيد في «غريب الحديث» موقوفا على علي بن أبي طالب ولم أجده مرفوعا.

(٨) سقط في ب.

١٠

أحدها : أن الوسط حقيقة في البعد عن الطرفين ، ولا شك أن طرفي الإفراط والتفريط رذيلتان ، فالمتوسّط في الأخلاق يكون بعيدا عن الطرفين ، فكان معتدلا فاضلا.

وثانيها : إنما سمي العدل وسطا ؛ لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين ، [والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين](١).

وثالثها : أن المراد بقوله : (جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) طريقة المدح لهم ؛ لأنه لا يجوز أن يذكر الله ـ تعالى ـ وصفا ، ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهودا له ثم عطف على ذلك شهادة الرسول ، وذلك مدح ، فثبت أن المراد بقوله : «وسطا» ما يتعلّق بالمدح في باب الدين ، ولا يجوز أن يمدح الله الشّهود حال حكمه عليهم بكونهم شهودا لا بكونهم عدولا ؛ فوجب أن يكون المراد من الوسط العدالة.

ورابعها : أن الأوساط محمية بالأطراف ، وحكمها مع الأطراف على حدّ سواء ، والأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد ، والوسط عبارة عن المعتدل الذي لا يميل إلى جهة دون جهة.

وقال بعضهم : تفسير الوسط بأنه خيار الشيء [أولى من تفسيره بالعدالة ؛ لأن العدالة لا تطلق على الجمادات ، فكان أولى ، والمراد من الآية : أنهم لم يغلوا ؛ كما غلت النصارى ، فجعلوه ابنا وإلها ، ولا قصّروا ؛ كتقصير اليهود في قتل الأنبياء ، وتبديل الكتب وغير ذلك](٢). وفرق بعضهم بين «وسط» بالفتح و «وسط» بالتسكين.

فقال : كلّ موضع صلح فيه لفظ «بين» يقال بالسكون ، وإلا فالبتحريك.

فتقول : جلست وسط القوم ، بالسكون.

وقال الراغب : وسط الشيء ما له طرفان متساويا القدر ، ويقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد ، فتقول : وسطه صلب ، ووسط بالسكون يقال في الكميّة المنفصلة ؛ كشيء يفصل بين جسمين نحو : «وسط القوم» كذا.

وتحرير القول فيه هو أن المفتوح في الأصل مصدر ، ولذلك استوى في الوصف به الواحد وغيره ، والمؤنّث والمذكّر ، والسّاكن ظرف ، والغالب فيه عدم التصرّف ، وقد جاء متمكّنا في قول الفرزدق : [الطويل]

٨٢٤ ـ أتته بمجلوم كأنّ جبينه

صلاءة ورس وسطها قد تفلّقا (٣)

روي برفع الطّاء ، والضمير ل «صلاءة» ، وبفتحها والضمير للجائية.

__________________

(١) سقط في أ.

(٢) سقط في ب.

(٣) ينظر خزانة الأدب : ٣ / ٩٢ ، ٩٦ ، ولسان العرب (وسط) (جلم) ، والخصائص : ٢ / ٣٦٩ ، والدرر : ٣ / ٢٨٨ ، ونوادر أبي زيد : ص ١٦٣ ، وهمع الهوامع : ١ / ٢٠١ ، والدر المصون : ١ / ٢٩٣.

١١

فصل في الاستدلال بالآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى

احتج الأصحاب بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ؛ لأن هذه الآية دالة على أن عدالة هذه الأمة وخيرتيهم بجعل الله وخلقه ، وهذا صريح في المذهب.

وقالت المعتزلة : المراد من هذا الجعل فعل الألطاف.

أجيب عنه بوجوه :

الأول : أن هذا ترك للظاهر ، وذلك محال لا يصار إليه إلا عند عدم إمكان حمل الآية على ظاهرها ، أقصى ما للمعتزلة في هذا الباب التمسّك بفصل المدح والذم والثواب والعقاب ، وقد بيّنا أن هذه الطريقة منتقضة على أصولهم بمسألة العلم ومسألة الداعي.

والثاني : أنه تعالى ـ قال قبل هذه الآية (يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) [البقرة: ١٤٢].

وقد بيّنا دلالة هذه الآية على قولنا في أنه ـ تعالى ـ يخص البعض بالهداية دون البعض ، فهذه الآية يجب أن تكون محمولة على ذلك لتكون كل واحدة منهما مؤكدة لمضمون الأخرى.

والثالث : أن كلّ ما في مقدور الله ـ تعالى ـ من الألطاف في حقّ الكل فقد فعله ، وإذا كان كذلك لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذا المعنى فائدة.

والرابع : أن الله ـ تعالى ـ ذكر ذلك في معرض الامتنان.

فصل في الاستدلال بالآية على أن الإجماع حجّة (١)

احتج الجمهور بهذه الآية على أن الإجماع حجة فقالوا : أخبر الله ـ تعالى ـ عن

__________________

(١) إن إثبات حجيّة الإجماع يرتكز على دعائم ثلاث : إمكانه في نفسه ؛ وإمكان العلم به ، وإمكان نقله إلى من يحتجّ به ، ولقد أراد منكرو حجيته أن يأتوا البنيان من قواعده فأنكروها ، وقالوا على وجه الإجمال : يمتنع ثبوت الإجماع ، ولو ثبت ، يمتنع العلم به ، ولو علم يمتنع نقله إلى المجتهد ، فقد أسندوا كلامهم إلى ثلاث جهات ، فلا بد لهذا من مقامات : الأوّل : في بيان إمكان الإجماع.

ذهب جمهور العلماء إلى أنّه ممكن ، وادّعى بعض النّظّاميّة والرّوافض استحالته ، وتحرير محل النزاع : أنه لا خلاف لأحد في إمكان الإجماع عقلا ؛ لأن العقل لا يمنع من تصوّر اتّفاق المجتهدين في عصر على حكم من الأحكام ؛ ولأن أدلتهم الآتية إنّما تنتج استحالته في حكم العادة ، لا في جوازه في ضروريّات الأحكام ، وإنما النزاع في إمكانه عادة في الأحكام التي لا تكون معلومة بالضّرورة ، ونسب «ابن الحاجب» هذا القول إلى «النّظام» ووافقه الكمال ، وذكر «السّبكيّ» أنّ هذا قول بعض أصحابه ، وأمّا رأي «النّظّام» نفسه مع بعض أصحابه : فهو أنّه يتصوّر ، ولكن لا حجية فيه ، كذا نقله القاضي ، وأبو إسحاق الشيرازيّ ، وابن السمعانيّ وهي طريقة الإمام الرازي وأتباعه في النقل عنه.

شبه المخالفين في إمكان الإجماع. ـ

١٢

عدالة هذه الأمة ، وعن خيريتهم ، فلو أقدموا على شيء من المحظورات لما اتّصفوا بالخيرية وإذا ثبت أنهم لا يقدمون على شيء من المحظورات وجب أن يكون قولهم حجّة ، فإن قيل : الآية متروكة الظاهر ؛ لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتّصاف كل واحد منهم بها ، وخلاف ذلك معلوم بالضرورة ، فلا بد من حملها على البعض ، فنحن نحملها على الأئمة المعصومين.

فالجواب : أنها ليست متروكة الظاهر ، لكن لا نسلم أن الوسط من كل شيء خياره ، والوجوه التي ذكرتموها معارضة بوجهين :

الأول : أن عدالة الرجل عبارة عن أداء الواجبات ، واجتناب المحرمات ، وهذا من فعل العبد ، وقد أخبر الله ـ تعالى ـ أنه جعلهم وسطا ، وذلك يقتضي أن يكون كونهم وسطا غير كونهم عدولا ، وإلا لزم وقوع مقدور واحد بقادرين وهو محال.

الثاني : أن الوسط اسم لما يكون متوسطا بين شيئين ، فجعله حقيقة في العدالة والخيرية يقتضي الاشتراك ، وهو خلاف الأصل.

__________________

ـ في هذا الصّدد لم يلجأ معظم المصنّفين إلى أدلّة لإثبات دعوى الجمهور وهي إمكان الإجماع ، بل اكتفوا بإيراد شبه الخصوم ثم هدمها ، وفي ذلك إشعار بأن دعواهم بلغت من البداهة إلى حدّ لا تحتاج فيه إلى دليل أو تنبيه ، وربّ سكوت أفصح من كلام.

قالوا : أولا لو أمكن أتّفاقهم ، لأمكن نقل الحكم إليهم جميعا ؛ لأنّ اتفاقهم فرع تساؤلهم من نقل الحكم إليهم ، فلا يتحقّق إلّا بعد تحقّقه ، ونقل الحكم إليهم جميعا باطل ؛ لأن انتشارهم في الأقطار يمنع منه عادة ، فبطل المقدّم وثبت نقيضه ، وهو عدم إمكانه.

والجواب : قولكم «انتشارهم في الأقطار» يمنع من نقل الحكم إليهم ممنوع ؛ فإنّه لا منع في المتواتر ؛ كالكتاب فهو لشهرته لا يخفى على أحد ، ولا في أوائل الإسلام ؛ لأنّ المجتهدين كانوا قليلين ، فيتيسّر نقل الحكم إليهم ، ولا بعد جدّهم في الطّلب والبحث ، فإن المطلوب لا يخفى على الطّالب الجادّ وجدّهم في طلب العلم لا ينكره أحد ، فمنهم من رحل من أصفهان ببلاد الفرس إلى «معرّة النّعمان» ب «الشام» على بعد ما بين البلدين ، ولم يكن له من غرض سوى تحقيق بعض مسائل العلم ، وأمثال هذا من طلّاب العلم من المسلمين كثير ، تقرأ تاريخ حياتهم فتجدهم تحملوا المشاقّ ، واقتحموا العقبات ، وساحوا في أرجاء الدّنيا من «الفرس» ، و «العراق» ، و «الشام» ، و «مصر» ، و «الأندلس» ؛ ليدرسوا على مشاهير العلماء ، وليطفئوا نيران ظمئهم إلى العلوم بالريّ من مناهله ؛ وبالجملة ؛ لم نجد أمة بذلت في هذا المضمار مثل ما بذلت هذه الأمة.

قالوا ثانيا : لو أمكن اتفاقهم ، فإمّا أن يكون عن قاطع ، أو ظنّي ؛ إذ لا بد للإجماع من مستند ، وليس وراءهما مستند يستند إليه ، والتالي بشقيه باطل ، أمّا القاطع : فلأن العادة تحيل عدم الاطلاع عليه ؛ لتوفّر الدّواعي على نقله ، ولو اطلع عليه لنقل ، لكنه لم ينقل ، فلم يطلع عليه ، فليس الإجماع عن قطعي ، والظنيّ تحيل العادة الاتفاق عليه ؛ لاختلاف القرائح ، وتباين الأنظار.

والجواب بالمنع فيهما ، أمّا القاطع : فلأنه لا يجب نقله عادة ؛ إذ قد يستغنى عن نقله بحصول الإجماع الذي هو أقوى منه ؛ لعدم احتمال النسخ ، بخلاف القاطع ، وأمّا الظنيّ : فلأنه قد يكون جليّا فتقبله القرائح فتتّفق عليه ، واختلاف القرائح والأنظار إنّما يمنع الاتّفاق في الظنّ الخفيّ ، دون الجليّ.

١٣

سلّمنا اتصافهم بالخيرية ، وذلك لا يكفي في حصول هذا الوصف الاجتناب عن الكبائر فقط ، وإذا كان كذلك احتمل أن الذي اجتمعوا عليه وإن كان خطأ ، لكنه من الصّغائر ، فلا يقدح ذلك في خيريتهم ، ومما يؤكّد ذلك الاحتمال أنه ـ تعالى ـ حكم بكونهم عدولا ليكونوا شهداء على الناس ، وفعل الصغائر لا يمنع الشهادة.

سلمنا اجتنابهم عن الصغائر والكبائر ، ولكن الله ـ تعالى ـ بيّن وصفهم بذلك لكونهم شهداء على النّاس ، ومعلوم أن هذه الشهادة إنما تتحقق في الآخرة ، فيلزم وجوب تحقق عدالتهم هناك ، لأن عدالة الشهود إنما تعتبر حالة الأداء لا حالة التحمّل ، وذلك لا نزاع فيه ؛ لأن الأمة تصير معصومة في الآخرة.

فلم قلت : إنهم في الدنيا كذلك؟

سلمنا وجوب كونهم عدولا في الدنيا ، لكن المخاطبين بهذا الخطاب [هم الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية ، لأن الخطاب](١) مع من لم يوجد محال ، وإذا كان كذلك ، فهذه الآية تقتضي عدالة أولئك الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت لا عدالة غيرهم ، فدلّت الآية على أن إجماع [أولئك](٢) حق ، فيجب ألّا نتمسّك بالإجماع إلا إذا علمنا حصول قول كل أولئك فيه.

لكن ذلك لا يمكن [إلا إذا علمنا كل واحد من أولئك الأقوام بأعيانهم ، وعلمنا بقاء كل واحد](٣) منهم إلى ما بعد وفاة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلمنا حصول أقوالهم بأسرهم في ذلك الإجماع ، ولما كان ذلك كالمتعذّر امتنع التمسّك بالإجماع.

والجواب عن قولهم : الآية متروكة الظاهر.

قلنا : لا نسلّم فإن قوله : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) يقتضي أنه ـ تعالى ـ جعل كلّ واحد منهم عند اجتماعه مع غيره بهذه الصفة.

وعندنا أنهم في كل أمر اجتمعوا عليه ، فإنّ كل واحد منهم يكون عدلا في ذلك الأمر ، بل إذا اختلفوا ، فعند ذلك قد يفعلون القبيح ، وإنما قلنا : إن هذا الخطاب معهم حال الاجتماع ؛ لأن قوله : (جَعَلْناكُمْ) خطاب لمجموعهم لا لكلّ واحد منهم وحده ، على أنا وإن سلمنا أن هذا يقتضي كون كل واحد فيهم عدلا ، لكنا نقول ترك العمل به في حقّ البعض لدليل قام عليه ، فوجب أن يبقى معمولا به في حقّ الباقي ، وهذا معنى ما قاله العلماء : ليس المراد من الآية أن كلهم كذلك ، بل المراد أنه لا بد وأن يوجد فيما بينهم من يكون بهذه الصفة ، فإذا كنّا لا نعلمهم بأعيانهم افتقرنا إلى إجماع جماعتهم على القول والفعل لكي يدخل المعتبرون في جملتهم.

مثاله : أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ إذا قال : إن واحدا من أولاد فلان لا بد

__________________

(١) سقط في أ.

(٢) في أ : القوم.

(٣) سقط في أ.

١٤

وأن يكون مصيبا في الرأي ، فإذا لم نعلمه بعينه ، ووجدنا أولاده مجتمعين على رأي علمناه حقّا ؛ لأنه لا بد وأن يوجد فيهم ذلك المحق.

فأما إذا اجتمعوا سوى الواحد على رأي لم نحكم بكونه حقّا ، لتجويز أن يكون الصواب مع ذلك الواحد المخالف.

ولهذا قال العلماء : إنا لو ميزنا في الأمة من كان مصيبا عمن كان مخطئا كانت الحجة قائمة في قول المصيب ولم نعتبر ألبتة [بقول المخطىء.

قوله : لو كان المراد من كونهم وسطا هو عدالتهم لزم أن يكون فعل العبد خلقا لله تعالى.

قلنا : هذا مذهبنا. فإن قيل](١) قولهم : لم قلتم : إن إخبار الله ـ تعالى ـ عن عدالتهم وخيريّتهم اجتنابهم عن الصغائر؟

قلنا : خبر الله ـ تعالى ـ صدق ، والخبر الصدق يقتضي حصول المخبر عنه ، وفعل الصغيرة ليس بخبر ، فالجمع بينهما متناقض.

ولقائل أن يقول : الإخبار عن الشّخص بأنه خير أهم من [الإخبار عنه بأنه خير في جميع الأمور ، أو في بعض الأمور ، ولذلك فإنه يصحّ تقسيمه إلى](٢) هذين القسمين ، فيقال : الخير إما أن يكون خيرا في بعض الأمور دون البعض ، أو في كل الأمور ، ومورد التقسيم مشترك بين القسمين ، فمن كان خيرا من بعض الوجود دون البعض يصدق عليه أنه خير ، فإذن إخبار الله ـ تعالى ـ عن خيرية الأمة لا يقتضي إخباره ـ تعالى ـ عن خيريتهم في كل الأمور ، فثبت أن هذا لا ينافي إقدامهم على الكبائر فضلا عن الصغائر ، [وكنا قد نصرنا هذه الدلالة في أصول الفقه إلّا أن هذا السؤال وارد عليهم ، أما السؤال الآخر فقد أجيب عنه بأن قوله : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)](٣) خطاب لجميع الأمة أولها وآخرها ، من كان منهم موجودا وقت نزول هذه الآية ، ومن جاء بعدهم إلى [قيام الساعة](٤) ، كما أن قوله : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ) [البقرة : ١٧٨] ، (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) [البقرة : ١٨٣] يتناول الكل ، ولا يختص بالموجودين في ذلك الوقت ، [وكذلك سائر تكاليف الله ـ تعالى ـ وأوامره وزواجره خطاب لجميع الأمة](٥) فإن قيل : لو كان الأمر كذلك لكان هذا خطابا لجميع من يوجد إلى قيام الساعة ، فإنما حكم لجماعتهم بالعدالة ، فمن أين حكمت لأهل كل عصر بالعدالة حتى جعلتهم حجّة على من بعدهم؟

قلنا : لأنه ـ تعالى ـ لما جعلهم شهداء على الناس ، فلو اعتبرنا أول الأمة وآخرها

__________________

(١) سقط في أ.

(٢) سقط في أ.

(٣) سقط في أ.

(٤) في أ : يوم القيامة.

(٥) سقط في أ.

١٥

بمجموعها في كونها حجة على غيرها لزالت الفائدة ، إذ لم يبق بعد انقضائها من تكون الأمة حجة عليه.

فعلمنا أن المراد به أهل كلّ عصر ، ويجوز تسمية أهل العصر الواحد بالأمة ، فإن الأمة الجماعة التي تؤمّ جهة واحدة ، ولا شك أن أهل كل عصر كذلك ، ولأنه ـ تعالى ـ قال : (أُمَّةً وَسَطاً) فعبر عنهم بلفظ النكرة ، ولا شك أن هذا يتناول أهل كل عصر.

[قال النووي ـ رحمه‌الله تعالى ـ في «التهذيب» : الأمّة تطلق على معان :

منها من صدق النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وآمن بما جاءه ، واتبعه فيه ، وهذا هو الذي جاء مدحه في الكتاب والسّنة كقوله تعالى : (كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) و (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).

وقوله صلوات الله وسلامه عليه : «شفاعتي لأمّتي» و «تأتي أمّتي يوم القيامة غرّا محجّلين» وغير ذلك.

ومنها من بعث إليهم النبي ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ من مسلم وكافر.

ومنه قوله عليه أفضل الصلاة والسلام : «والّذي نفس محمّد بيده لا يسمع بي من هذه الأمّة يهوديّ ولا نصرانيّ ثم يموت ولم يؤمن بالّذي أرسلت به إلّا كان من أصحاب النّار» (١) رواه مسلم.

ويأتي باقي الكلام عن الأمة في آخر «النحل» إن شاء الله ـ تعالى ـ عند قوله تعالى : (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً) [النحل : ١٢٠] إلى قوله : (كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً)](٢).

فصل في الكلام على قوله : لتكونوا

قوله تعالى : (لِتَكُونُوا) يجوز في هذه اللام وجهان :

أحدهما : أن تكون لام «كي» فتفيد العلة.

والثاني : أن تكون لام الصيرورة ، وعلى كلا التقديرين فهي حرف جر ، وبعدها «أن» مضمرة ، وهي وما بعدها في محلّ جر ، وأتى ب «شهداء» جمع «شهيد» الذي يدلّ على المبالغة دون شاهدين وشهود جمعي «شاهد».

وفي «على» قولان :

أحدهما : أنها على بابها ، وهو الظاهر.

والثاني : أنها بمعنى «اللام» ، بمعنى : أنكم تنقلون إليهم ما علمتموه من الوحي

__________________

(١) أخرجه مسلم «كتاب الإيمان» باب ٧٠ رقم (٢٤٠) وأبو عوانة (١ / ١٠٤) وأحمد (٢ / ٣١٧) وأبو نعيم في «الحلية» (٤ / ٣٠٨).

(٢) سقط في ب.

١٦

والدين ، كما نقله الرسول ـ عليه‌السلام ـ وكذلك القولان في «على» الأخيرة ، بمعنى أن الشهادة لمعنى التزكية منه ـ عليه‌السلام ـ لهم.

وإنما قدم متعلّق الشهادة آخرا ، وقدم أولا لوجهين :

أحدهما : وهو ما ذكره الزمخشري أن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم ، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم.

والثاني : أن «شهيدا» أشبه بالفواصل والمقاطع من «عليكم» ، فكان قوله «شهيدا» تمام الجملة ، ومقطعها دون «عليكم» ، وهذا الوجه قاله الشيخ مختارا له رادّا على الزمخشري مذهبه من أن تقديم المفعول يشعر بالاختصاص ، وقد تقدم ذلك.

فصل في الكلام على الشهادة

اختلفوا في هذه الشهادة هل هي في الدنيا أو في الآخرة؟ فالقائل بأنها في الآخرة وهم الأكثرون لهم وجهان :

الأول : أن هذه الأمة تشهد للأنبياء على أممهم الذين يكذبونهم.

روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ فيطالب الله ـ تعالى ـ الأنبياء بالبيّنة على أنهم قد بلّغوا وهو أعلم ، فيؤتى بأمة محمد ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فيشهدون فتقول الأمم : من أين عرفتم فيقولون : علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه النّاطق على لسان نبيه الصّادق ، فيؤتى بمحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ فيسأل عن حال أمته ، فيزكيهم ويشهد بعدالتهم ، وذلك قوله : (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) [النساء : ٤١] وقد طعن القاضي رحمه‌الله تعالى في هذه الرواية من وجوه :

أحدها : أن مدار هذه الرواية على أن الأمم يكذبون أنبياءهم ، وهذا بناء على أن أهل القيامة يكذبون.

وهذا باطل عند القاضي ، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في سورة «الأنعام» عند قوله تعالى : (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) [الأنعام : ٢٣ ـ ٢٤].

وثانيها : أن شهادة الأمة ، وشهادة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ مستندة في الآخرة إلى شهادة الله ـ تعالى ـ على صدق الأنبياء ، وإذا كان كذلك ، فلم لم يشهد الله ـ تعالى ـ لهم بذلك ابتداء؟

والجواب : الحكمة في ذلك تمييز أمة محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الفضل عن سائر الأمم بالمبادرة إلى تصديق الله ـ تعالى ـ وتصديق جميع الأنبياء ، والإيمان بهم جميعا ، فهم بالنسبة إلى سائر الأمم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق.

وثالثها : أن مثل هذه الأخبار لا تسمّى شهادة ، وهذا ضعيف لقوله عليه الصلاة

١٧

والسلام : «إذا علمت مثل الشّمس فاشهد» والشيء الذي أخبر الله تعالى عنه فهو معلوم مثل الشمس ، فوجب جواز الشّهادة عليه.

والثاني : قالوا معنى الآية : لتشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحقّ فيها ، قال ابن زيد رحمه‌الله تعالى : الأشهاد الأربعة : الملائكة الموكلون بإثبات أعمال العباد ، قال تعالى : (وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ) [ق : ٢١].

وقال : (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق : ١٨] وقال : (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ) [الانفطار : ١٠ ـ ١٢].

وثانيها : شهادة الأنبياء ، وهو المراد بقوله حاكيا عن عيسى عليه الصلاة والسلام : (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المائدة : ١١٧].

وقال تعالى في حق سيدنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأمته في هذه الآية : (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً).

وقال في حق ـ محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) [النساء : ٤١].

وثالثها : شهادة أمة محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ خاصة ، قال تعالى : (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ) [الزمر : ٦٩].

وقال تعالى : (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ) [غافر : ٥١].

ورابعها : شهادة الجوارح ، وهي بمنزلة الإقرار ، بل أعجب منه.

قال تعالى : (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ) [النور : ٢٤]. الآية ، وقال : (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ) [يس : ٦٥] الآية.

القول الثاني : أن أداء هذه الشهادة إنما يكون في الدنيا ، وتقديره أن الشهادة والمشاهدة والشهود هو الرؤية يقال : شاهدت كذا إذا رأيته وأبصرته.

ولما كان بين الإبصار بالعين وبين المعرفة بالقلب مناسبة شديدة ، لا جرم قد تسمى المعرفة التي في القلب : مشاهدة وشهودا ، والعارف بالشيء : شاهدا ومشاهدا ، ثم سميت الدلائل على الشيء : شاهدا على الشيء ، لأنها هي التي بها صار الشاهد شاهدا ، ولما كان المخبر عن الشيء والمبيّن لحاله جاريا مجرى الدليل على ذلك سمي ذلك المخبر أيضا شاهدا ، ثم اختصّ هذا اللفظ في عرف الشرع بمن يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة. إذا ثبت هذا فنقول : إن كلّ من عرف حال شيء وكشف عنه كان شاهدا عليه ، والله سبحانه وتعالى وصف هذه الأمة بالشهادة ، فهذه الشهادة : إما أن تكون في الآخرة ، أو في الدنيا ، ولا جائز أن تكون في الآخرة ؛ لأن الله

١٨

ـ تعالى ـ جعلهم عدولا في الدنيا لأجل أن يكونوا شهداء ، وذلك يقتضي أن يكونوا شهداء في الدنيا.

وإنما قلنا : إنه ـ تعالى ـ جعلهم عدولا في الدنيا ؛ لأنه ـ تعالى ـ [قال : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) وهذا إخبار عن الماضي ، فلا أقل من حصوله في الحال ، وإنما قلنا : إن ذلك يقتضي صيرورتهم شهودا في الدنيا ؛ لأنه تعالى](١) قال : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) رتب كونهم شهداء على صيرورتهم وسطا ترتيب الجزاء على الشرط ، فإذا حصل وصف كونهم وسطا في الدنيا [وجب أن يحصل وصف كونهم شهداء في الدنيا](٢).

فإن قيل : تحمّل الشهادة لا يحصل إلا في الدنيا ، ومتحمّل الشهادة قد يسمى شاهدا ، وإن كان الأداء لا يحصل إلا في القيامة.

قلنا : الشهادة المعتبرة في الآية لا التحمل ، بدليل أنه ـ تعالى ـ اعتبر العدالة في هذه الشهادة ، والشهادة التي يعتبر فيها العدالة ، هي الأداء لا التحمّل ، فثبت أن الآية تقتضي كون الأمة مؤدّين للشهادة في الدنيا ، وذلك يقتضي أن يكون مجموع الأمة إذا أخبروا عن شيء أن يكون قولهم حجّة ، ولا معنى لقولنا : الإجماع حجة إلا هذا ، فثبت أن الآية تدلّ على أن الإجماع حجّة [من هذا الوجه أيضا](٣).

واعلم أن هذا الدليل لا ينافي كونهم شهودا في القيامة أيضا على الوجه الذي وردت الأخبار به ، ويؤيد ذلك قوله تعالى : (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) يعني مؤديا ومبينا ، ثم لا يمتنع أن تحصل مع ذلك لهم الشّهادة في الآخرة ، فيجري الواقع منهم في الدنيا مجرى التحمّل ، لأنهم إذا أثبتوا الحقّ عرفوا عنده من [القابل ومن الراد](٤) ، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة [على أن الشّاهد على العقود يعرف الذي تم ، والذي لم يتم ، ثم يشهدون بذلك عند الحاكم.

قال القرطبي رحمه‌الله : معنى قوله تعالى : (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) أي : بأعمالكم يوم القيامة.

وقيل : «عليكم» بمعنى لكم أي : يشهد لكم بالإيمان.

وقيل : يشهد عليكم بالتبليغ لكم](٥).

وقوله تعالى : (وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ...) في هذه الآية خمسة أوجه :

__________________

(١) سقط في أ.

(٢) سقط في أ.

(٣) سقط في أ.

(٤) في أ : المحق من المبطل.

(٥) سقط في ب.

١٩

أحدها : أن «القبلة» مفعول أول ، و (الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها) مفعول ثان ، فإن الجعل بمعنى التصيير ، وهذا ما جزم به الزّمخشري فإنه قال : (الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها) ليس بصفة للقبلة ، إنما هي ثاني مفعولي جعل ، يريد : وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها ، وهي الكعبة ؛ لأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يصلي ب «مكة» إلى الكعبة ، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس ، ثم حول إلى الكعبة.

الثاني : أن «القبلة» هي المفعول الثاني ، وإنما قدم ، و (الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها) هو الأول ، وهذا ما اختاره الشيخ محتجّا له بأن التصيير هو الانتقال من حال إلى حال ، فالمتلبس بالحالة الأولى هو المفعول الأول ، والمتلبس بالحالة الثانية هو المفعول الثاني ، ألا ترى أنك تقول : جعلت الطين خزفا ، وجعلت الجاهل عالما ، والمعنى هنا على هذا التقدير : وما جعلنا القبلة الكعبة التي كانت قبلة لك أولا ، ثم صرفت عنها إلى «بيت المقدس» قبلتك الآن إلا لنعلم. ونسب الزمخشري في جعله «القبلة» مفعولا أول إلى الوهم.

الثالث : أن «القبلة» مفعول أول ، و «التي كنت» صفتها ، والمفعول الثّاني محذوف تقديره : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها منسوخة.

ولما ذكر أبو البقاء هذا الوجه قدره : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة ، ولا طائل تحته.

الرابع : أن «القبلة» مفعول أول ، و «إلّا لنعلم» هو المفعول الثّاني ، وذلك على حذف مضاف تقديره : وما جعلنا صرف القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم ، نحو قولك : ضرب زيد للتأديب ، أي : كائن ، أو ثابت للتأديب.

الخامس : أن «القبلة» مفعول أول ، والثاني محذوف ، و «الّتي كنت عليها» صفة لذلك المحذوف ، والتقدير : وما جعلنا القبلة القبلة التي ، ذكره أبو البقاء ، وهو ضعيف.

وفي قوله : «كنت» وجهان :

أحدهما : أنها زائدة ، ويروى عن ابن عباس أي : أنت عليها ، وهذا منه تفسير معنى لا إعراب ، وهو كقوله تعالى : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران : ١١٠] والقبلة في الأصل اسم للحالة التي عليها المقابل نحو : الجلسة ، وفي التعارف صار اسما للمكان المقابل المتوجه إليه للصلاة.

وقال قطرب رحمه‌الله تعالى : يقولون : ليس له قبلة أي جهة يتوجه إليها.

وقال غيره : إذا تقابل رجلان فكلّ واحد قبلة للآخر.

فصل في الكلام على الآية

في هذا الكلام وجهان :

الأول : أن يكون هذا الكلام بيانا للحكمة في جعل الكعبة قبلة ، وذلك لأنه ـ عليه

٢٠