🚘

الشّفاء ـ طبيعيّات

أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا [ شيخ الرئيس ابن سينا ]

الشّفاء ـ طبيعيّات

المؤلف:

أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا [ شيخ الرئيس ابن سينا ]


المحقق: الدكتور عبدالحليم منتصر و سعيد زايد و عبدالله إسماعيل
الموضوع : العلوم الطبيعيّة
الناشر: منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي
🚘 نسخة غير مصححة

بسم الله الرّحمن الرّحيم (١)

وبه نستعين (٢)

الفن الثامن (٣) من جملة (٤) الطبيعيّات

وهو (٥) في طبائع الحيوان (٦)

المقالة الأولى (٧)

الفصل الأول

(١) فصل (٨)

فى اختلاف الحيوان جملة (٩) من جهة الماوى والمطعم (١٠)

والأخلاق والأفعال والأعضاء

ولنتكلم الآن في الحيوان محتذين في جميع هذا الكتاب حذو التعليم الأول ، إلا في تشريح أعضاء الإنسان ، فإنا نؤثر أن نجمع التشريح والمنفعة في موضع واحد وفي أشياء قليلة. ونقص (١١) من الأخبار ما أفيض (١٢) فيه ، ونورد من الكلام النظرى ما يليق برأينا وجمعنا لهذه الفنون.

__________________

(١) بسم الله الرّحمن الرّحيم : ساقطة من سا ، م.

(٢) وبه نستعين : ساقطة من ب ، سا ، م ؛ توكل تكف د.

(٣) الثامن : + فى الحيوان ط

(٤) جملة : ساقطة من ب ، م.

(٥) وهو : ساقطة من سا

(٦) الحيوان : + إحدى عشر مقالة د ؛ + تسعة عشر مقالة سا ؛ + وهو تسعة عشر مقالات ط.

(٧) الأولى : + ثلاثة فصول د [ثم تذكر هذه النسخة عناوين الفصول الثلاثة] ؛ + ثلاثة فصول سا ؛ + من الفن الثامن ثلاثة فصول ط ؛ + فى الحيوان م.

(٨) فصل : فصل ب ؛ الفصل الأول د ، ط.

(٩) جملة : ساقطة من ط

(١٠) والمطعم : والمطاعم د ، سا ، ط ، م.

(١١) ونقص : ونقتص د ، سا ، ط ؛ ونفيض م

(١٢) أفيض : اقتص ط ؛ أقلص م.

١

ولنبدأ بالكلام في اختلاف الحيوان ، وأول ذلك في الاختلاف الكلى الكائن (١) بسبب الأعضاء. وقد علمت أن الأعضاء منها بسيطة وهو الذي (٢) للجزء المحسوس منها حد الكل ، كالعصب والعظام ؛ ومنها مركبة آلية ليس للجزء منها ذلك ، مثل اليد والرجل. وهي مركبة من الأولى. فنقول : إن الحيوان قد يشترك في أعضاء ، وقد يتباين بأعضاء.

أما الشركة ، فمثل اشتراك الإنسان والفرس في أن لهما لحما وعصبا وعظما ، وإن كان المشترك فيه واحدا بالجنس لا بالنوع.

وأما التباين فعلى وجهين : لأنه إما أن يكون التباين في نفس العضو ، وإما أن يكون في حال العضو. والتباين في نفس العضو ، إما أن يكون من حيث هو مركب آلى ، وإما أن يكون من حيث هو بسيط أيضا. مثال (٣) الأول افتراق الإنسان والفرس فى أن للفرس ذنبا وليس للإنسان ، وإن (٤) كان أجزاء الذنب البسيطة التي (٥) للفرس وهي العظم والعصب والجلد واللحم والشعر موجودة له (٦) بالجنس. ومثال الثاني افتراق الإنسان والسلحفاة في أن للسلحفاة صدفا يحيط بها (٧) وليس للإنسان. وكذلك للسمك فلوس ، وللقنفذ شوك ، وليسا لأشياء كثيرة (٨).

وأما التباين في حال العضو ، فإما أن يكون من باب الكم ، وإما أن يكون من باب الكيف ، وإما أن يكون من باب الوضع ، وإما أن يكون من باب الفعل ، وإما أن يكون من باب الانفعال.

أما الذي من باب الكم ، فإما أن يتعلق بالعظم ، مثل كون عين البوم كبيرة ، وعين العقاب (٩) صغيرة ، أو يتعلق بالعدد ، مثل ما أن أرجل ضرب من العناكب ستة ، وأرجل ضرب آخر ثمانية أو عشرة.

__________________

(١) الكائن : ساقطة من م.

(٢) وهو الذي : وهي التي ط ، م.

(٣) مثال : ومثال ط.

(٤) وإن : فإن م

(٥) التي : الذي ب ، د.

(٦) له : ساقطة من د ، سا ، م.

(٧) بها : به د ، سا ، ط ، م.

(٨) وليسا لأشياء كثيرة : ساقطة من م.

(٩) العقاب : الغراب ط.

٢

والذي (١) من باب الكيف فكاختلافهما (٢) في اللون ، أو في الشكل والصلابة واللين. وأما الاختلاف في الوضع فمثل (٣) اختلاف وضع ثدى الفيل والفرس (٤) ، فإن ثدى الفيل عند قرب الصدر ، وثدى الفرس عند السرة. وأما الاختلاف في الفعل ، فمثل كون أذن الفيل صالحة (٥) للذب ، مع كونها (٦) آلة للسمع ، وليس كذلك للإنسان (٧) ؛ وكون أنفه آلة للقبض دون أنف غيره. وأما الاختلاف في الانفعال ، فمثل كون عين الخشّاف (٨) سريعة التحير (٩) في الضوء ، وكون (١٠) عين الخطاف بالضد.

وأجزاء بدن الحيوان إما رطبة ، وإما يابسة. ومن الرطبة الدم والشحم والثرب (١١) والمخ والمنى وباقى الأخلاط والفضول. ومن اليابسة العصب والجلد والعرق والشعر والعظم والغضروف والظلف والقرن ، وما يجرى مجراه ، فضرب من الاختلاف الحيوانى فى الأعضاء.

وقد يختلف الحيوان من جهة المأوى ؛ فبعضها مائية ، وبعضها يبسية برية. والمائية على أضرب : منها ما مكانه وغذاؤه وتنفسه (١٢) مائى ، فله (١٣) بدل التنفس (١٤) النسيمى تنشق مائى ، فهو يقبل الماء إلى باطنه (١٥) ثم يرده ، ولا يعيش (١٦) إذا فارقه. ومنه ما مكانه وغذاؤه مائى ، لكنه مع ذلك يتنفس من الهواء فقط ، وسواء كان معدنه في الماء فلا يبرز ، أو كان له أن يبرز ويفارق الماء مثل السلحفاة المائية. ومنه ما مكانه وغذاؤه مائى ، وليس يتنفس ولا يستنشق ، مثل أصناف من الصدف والحلازين التي لا تظهر للهواء ولا تستدخل الماء إلى باطنها إلا على سبيل استنفاذ (١٧) الغذاء لا على سبيل التنفس. وسبيل التنفس أن يستنشقه ثم يرده ليروح الحار الباطن ، وليدفع الفضول الحارة ، التي إذا احتبست

__________________

(١) والذي : وأما الذي سا

(٢) فكاختلافهما : كاختلافهما م.

(٣) فمثل : مثل ب ، ط ، م

(٤) وضع ثدى الفيل والفرس : ثدى الفيل والفرس في الوضع ب.

(٥) صالحة : صالحا ب ، د ، سا ، ط ، م

(٦) كونها : كونه د ، سا ، ط ، م

(٧) للإنسان : فى الإنسان د ، سا ، ط ، م.

(٨) الخشاف : الخفاش ط ، م.

(٩) التحير : التحفز سا

(١٠) وكون : وكان ط.

(١١) والثرب : والسرب ط.

(١٢) وتنفسه : ونفسه ب ، د ، سا ، م

(١٣) فله : وله ب

(١٤) التنفس : النفس ب.

(١٥) باطنه : بطنه ب

(١٦) ولا يعيش : فلا يعيش م.

(١٧) استنفاذ : استنقاذ ط ، م.

٣

فى الحار الغريزى فسد لها (١) الحار الغريزى. فإنما (٢) يكون الحيوان مائيا ، لأن مكانه الطبيعى ماء ، وليس يكون مائيا لأنه لا يغتذى (٣) إلا من الماء فقط ، ولا يتنفس إلا من الماء فقط. كما أن الحيوان البرى ليس يكون بريا إلا لأن مكانه الطبيعى بر ، وليس لأنه لا يغتذى من الماء وما فيه. ومعلوم أن الحيوان الذي لا يستنشق إلا من الماء فليس مكانه الطبيعى إلا الماء ، ولا غذاؤه إلا في الماء ؛ وأن الحيوان الذي لا يغتذى (٤) إلا في الماء ، فإن مكانه الطبيعى الماء ؛ ولا ينعكس. والحيوانات المائية أيضا (٥) تختلف ، فبعضها مأواها الذي تنسب (٦) إليه مياه الأنهار الجارية ؛ وبعضها مأواها مياه البطائح ، مثل الضفادع ؛ وبعضها مأواها ماء (٧) البحر.

والحيوان البرى (٨) منه ما يتنفس من طريق واحد كالفم والخيشوم ، ومنه ما لا يتنفس كذلك ، بل على نحو آخر من مسامه مثل المخرزات ، كالزنبور والنحل. ومن الحيوانات (٩) ما تكون مائية ثم تستحيل برية ، مثل حيوان يسمى باليونانية ما دام مائيا أسيداس (١٠) وهو يعيش في الأنهار ، ثم أنه تستحيل صورته ويصير أسطوس ويبرز إلى البر. والحيوانات المائية منها لجية ، ومنها شطية ، ومنها طينية ، ومنها صخرية. والحيوانات المائية منها ذات ملاصق تلزمها كأصناف من الأصداف ، ومنها متبرية الأجساد مثل السمك والضفادع. واللاصقة منها ما لا يزال يلتصق (١١) ولا يبرح ملصقا (١٢) مثل أصناف من الصدف ، والإسفنج ؛ ومنه ما يلصق ثم يتبرأ (١٣) ، ويبين الملصق لطلب الغذاء ، إذ لا يكون غذاؤه الكافى ما يؤديه إليه الماء ، أو يتصل به. ومن الذي يتبرأ (١٤) ما يبرز ويرعى ، مثل حيوان يسمى باليونانية ماواليقى (١٥). والحيوان المائى المتنقل في الماء منه ما يعتمد

__________________

(١) لها : بها م

(٢) فإنما : وإنما د ، سا ، ط ، م.

(٣) لا يغتذى : لا يتغذى طا.

(٤) لا يغتذى : لا يتغذى ط.

(٥) أيضا : ساقطة من ط.

(٦) تنسب : تنبث سا.

(٧) ماء : ساقطة من ب.

(٨) البرى : البحرى سا.

(٩) الحيوانات : الحيوان م.

(١٠) أسيداس : أونيداس ب ؛ أو سداس بخ ؛ أسداس د ، س ؛ أو سداس م.

(١١) يلتصق : يلصق د ، ط ، م ؛ ساقطة من سا.

(١٢) ملصقا : ملتصقا ط.

(١٣) يتبرأ : يبرأ م.

(١٤) يتبرأ : ساقطة من سا.

(١٥) ما واليقى : واليقى ب ، د ؛ فاكيقى سا.

٤

فى (١) غوصه على رأسه ، وفي السباحة على أجنحته ، كالسمك ؛ ومنه ما يعتمد في السباحة على أرجله ، كالضفدع ؛ ومنه ما يمشى في قعر الماء ، كالسرطان ؛ ومنه ما يرجف (٢) ، مثل ضرب من السمك لا جناح له ، وكالدود (٣). وأما الحيوان البرى وكل طائر منه ذو (٤) جناح فإنه يمشى برجليه. ومن جملة ذلك ما مشيه صعب عليه ، كالخطاف الكبير (٥) الأسود ، والخفاش (٦).

وأقول : قد رأيت طائرا يشبه الباشق ، أضعف وأصغر منه ، إذا وقع على الأرض وقع منبسط الجناحين غير مستقل ، كأنه لا رجل له ، ويمشى بتكلف. وذكر في التعليم الأول صنفا من الخطاف يسمى (٧) دريانيس ، لا يظهر إلا بعد المطر في آخر الصيف ، وهو قليل جدا. وأما الذي جناحه جلد أو غشاء ، فقد يكون منه ما لا رجل له ، كضرب من الحيات بالحبشة يطير.

والطير (٨) يختلف ، فبعضها يتعايش معا كالكركى ، وبعضها يؤثر التفرد كالعقاب ، وجميع الجوارح التي تتنازع على الطعم لاحتياجها إلى الاحتيال لتصيد (٩) ، ومناقشتها (١٠) فيه. ومنها (١١) ما يتعايش زوجا ، يكونان (١٢) معا كالقطا ؛ ومنها ما ينفرد تارة ويجتمع أخرى. والحيوانات المنفردة قد تكون مدنية ، وقد تكون برية صرفة (١٣) ، وقد تكون بستانية وقروية. والإنسان من بين الحيوان هو الذي لا يمكنه أن يعيش وحده ؛ فإن أسباب حياته ومعيشته تلتئم بالمشاركة المدنية. والنحل والنمل وبعض الغرانيق ، تشارك الإنسان في ذلك. لكن النحل والكركى يطيع رئيسا واحدا ، والنمل له اجتماع ولا رئيس له. وقد يختلف الحيوان من جهة الطعم.

__________________

(١) فى : على م.

(٢) ما يرجف : ما يزحق د ؛ ما يزحف ط ، م.

(٣) وكالدود : كالدود ط.

(٤) ذو. ذى ط.

(٥) الكبير : والطير ب ، م

(٦) والخفاش : والخشاف ب ، د ، سا.

(٧) يسمى : ويسمى ب ، ط ، م.

(٨) والطير : الطير ط.

(٩) لتصيد ومناقشتها : لتصيد مناقشتها ط

(١٠) ومناقشتها : [انتقش الشىء اختاره لنفسه (اللسان)].

(١١) ومنها ما (الأولى) : وما م

(١٢) يكونان : يكون ب ، د ، سا.

(١٣) صرفة : ساقطة من سا.

٥

ونقول : إن الطير منه آكل لحم ومنه لا قط حب ، ومنه آكل عشب. وقد يكون لبعض الطير طعم معين كما للنحل ، فإن غذاءه زهرى ؛ والعنكبوت فإن غذاءه الذباب ؛ وقد يكون (١) بعضه متقن الطعم.

والحيوان (٢) قد يختلف بأن منه أوابد ، ومنه قواطع. ومن الحيوان ما له مأوى معلوم ، ومنه ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد ، فيقيم للحضانة. واللواتى لها مأوى فبعضها مأواه شق ، وبعضها مأواه حفر ، وبعضها مأواه قلة رابية ، وبعضها مأواه وجه الأرض.

وأيضا من الحيوان ما يتمحل قوته ليلا كالضبع والبوم ، ومنه ما يتمحل قوته نهارا كالبازى ، وبعضه في الوقتين كالهرة. ومن الحيوان ما هو إنسى (٣) بالطبع كالإنسان ، وما هو إنسى (٤) بالمولد كالهرة والعرس ، ومنه ما هو إنسى بالقسر كالفهد ، ومنه ما لا يأنس كالنمر. والمستأنس بالقسر منه ما يسرع استئناسه ويبقى مستأنسا كالفيل ، ومنه ما يبطئ كالأسد ، ويشبه أن يكون من كل نوع صنف إنسى (٥) ، وصنف وحشى حتى من الناس. وأيضا فإن الحيوان منه ما هو مصوت ؛ ومنه ما لا صوت له ، وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتا إلا الإنسان. وأيضا بعض الحيوان شبق (٦) يسفد (٧) في كل وقت كالديك ، ومنه عفيف له وقت معين يهيج فيه. ومن ذلك ما يكون عند الهيج قليل الجماع أيضا مثل الحيوان المسمى قراقر (٨) سلدون ، وأيضا فإن (٩) من الحيوان ما يكون مستعدا للهراش (١٠) دائما إما مع جنسه ، وإما مع كل جنس ؛ ومنه وقور زمّيت.

والحيوان (١١) قد يختلف بالأخلاق ، كما تختلف سائر الأشياء. فبعض الحيوانات (١٢)

__________________

(١) وقد يكون : ويكون ب ، د ، م.

(٢) الحيوان : الحيوانات د.

(٣) إنسى : آنس ب.

(٤) إنسى (الأولى والثانية) : آنس ب.

(٥) إنسى : آنس ب.

(٦) شبق : يشبق م

(٧) يسفد في كل : يسفد كل د ، سا ، ط ؛ أن يسفد كل م.

(٨) قراقرسلدون : موانوسدوث ب ؛ فرافوسدون م

(٩) فأن : ساقطة من م.

(١٠) للهراش : للهرايس م.

(١١) والحيوان : فإن الحيوان د ، سا ؛ فالحيوان ط ؛ وإن الحيوان م

(١٢) الحيوانات : الحيوان م.

٦

هادئ الطبع (١) ، قليل الغضب والخرق (٢) ، مثل البقرة ؛ وبعضها شديد الجهل حاد الغضب ، كالخنزير البرى ؛ وبعضها حليم وجزوع (٣) ، مثل البعير ؛ وبعضها (٤) ردئ الحركات مغتال ، كالحية ؛ وبعضها (٥) جريء قوى شهم ، ومع ذلك كبير النفس كريم كالأسد ؛ ومنه قوى مغتال وحشى ، كالذئب ؛ وبعضه محتال ما كر (٦) ردىء الحركات ، كالثعلب ؛ وبعضه (٧) غضوب شديد الغضب سفيه إلا أنه ملق متودد ، كالكلب ؛ وبعضه شديد الكيس مستأنس ، كالفيل والقرد ؛ وبعضه يرجع إلى حياء وحفاظ ، كالأوز ؛ وبعضه حسود منافر مباه بحماله ، كالطاوس. ومن الحيوان ما هو شديد الحفظ ، مثل الجمل والحمار ، وأما تذكر المنسى فللإنسان وحده.

لما كان كل حيوان رطب الجوهر ، وكان فيه جوهر حار يحلل (٨) رطوبته ، ويحيط به أيضا هواء محلل ، احتاج ضرورة إلى الغذاء وهو بدل ما يتحلل ، واحتاج لذلك إلى أعضاء للتغذى. ولما كان الغذاء لا يستحيل كله ، بل يفضل لا محالة عنه فضل ، انقسم أعضاء الغذاء إلى مؤد وإلى قابل وإلى دافع. والحيوانات (٩) كلها تشترك في هذه الأعضاء ، فإن تباينت تباينت (١٠) بإحدى الوجوه المذكورة. والمقبول منه يابس ، وهو الغذاء بالحقيقة ، لأنه يستحيل إلى أن يكون بدل ما يتحلل ؛ ومنه رطب. وليس كل رطب غذاء ، بل ما فيه مزاج (١١) ما مع اليبس. وأما الماء وحده فلا يستحيل إلى هيئة مزاجية ، بل الحاجة إليه لترقيق الغذاء وتنفيذه ، وليكون أيضا جزءا من الشىء المستحيل غذاء لانفس المستحيل غذاء. والرطب واليابس يجتمعان في قابل واحد ، وإلا لم يختلطا. وأما مدافعهما فربما كانت واحدة كما في الطير ، وربما كانا (١٢) اثنين كما في الناس وذوات الأربع ، فإن لها أمعاء ، ولها مثانة. وكل (١٣) ما له مثانة لدفع فضلة الرطب ، فله معى (١٤) لدفع الفضل اليابس ، ولا ينعكس (١٥). ولما كان بعض الحيوان إنما يبقى نوعه بالتناسل ، احتاج ضرورة إلى آلة

__________________

(١) الطبع : بالطبع ب

(٢) والخرق : والخوف د ، سا.

(٣) وجزوع : جزوع ط

(٤) وبعضها : وبعضه ب ، د ، سا ، م.

(٥) وبعضها : وبعضه ب ، د ، م.

(٦) ماكر : مكر ب ؛ متكرم

(٧) وبعضه : وبعضها م.

(٨) يحلل : يتحلل ط.

(٩) والحيوانات : وأن الحيوانات م.

(١٠) تباينت تباينت : تبايفت ط.

(١١) مزاج : مزج ط.

(١٢) كانا : كانت د ، سا.

(١٣) وكل : فكل ط

(١٤) معى : معاء ط.

(١٥) ولا ينعكس : وليس ينعكس د ، سا ، ط ، م.

٧

يدفع بها (١) الزرع إلى آلة من آخر تقبل الزرع ؛ فيكون في أعضاء نوعه زارق للزرع ومستودع للزرع فيه (٢) يتكون الولد (٣) ، إما رحم وإما كالرحم ، مثل ما للطير. ولكل حيوان عضو خلق لحفظ (٤) رطوبته الأصلية وتولدها ، كانت الرطوبة دما فيما له دم ، أو شيئا مكان الدم فيما ليس له دم. وجميع الحيوان فإن قواه الطبيعية وقوة اللمس من بين الإحساس تتم بعضو بسيط كما في الإنسان للمس لحم أو عصب ، وفي غيره شىء آخر. وأما سائر أفعال الحس والحركة ، فتتم بالأعضاء الآلية دون عضو بسيط.

والحيوان (٥) منه ما تناسله بأن تلد أنثاه حيوانا ؛ وبعضه ما تناسله بأن تلد أنثاه دودا ، كالنحل والعنكبوت فإنها تلد دودا ، ثم إن أعضاءه تستكمل بعد ؛ ومنه ما تناسله بأن تبيض أنثاه بيضا. كل عظيم من الحيوان البحرى كالدّلفين والسّلاسى ، وكل ما له شعر أو شوك ، فإنه كالشعر وإن كان وقاية وسلاحا أيضا كما للشيهم (٦) ، فإنه يلد حيوانا مثله. ومنه ما يبيض في بطنه ثم يصير (٧) ذلك دودا ، مثل البحرى المعروف بسلاسى ، وربما كان بيضا ثم صار (٨) قبل أن يباض (٩) حيوانا ، كأكثر الأفاعى. وما كان من البيض يحيط به قشر صلب ففى باطنه لونان : بياض ومح ، مثل بيض الطير. وما كان لين الجلد ففى باطنه لون واحد ، مثل بيض سلاسى ما دام بيضا.

وأيضا من الحيوان ماله رجل ، ومنه ما ليس له رجل ؛ ومن الحيوان ذى الرجل ما له رجلان فقط ، ومنه ما له أربعة أرجل ، ومنه ما له أرجل كثيرة مثل العنكبوت والحيوان المعروف بأربعة وأربعين الذي يسمى دخّال الأذن (١٠). وعدد أرجل جميع (١١) الحيوانات زوج ليتعادل الحمل والثقل.

وكذلك من السمك ما له أجنحة ، ومنه ما ليس له أجنحة ، مثل نوع من السمك

__________________

(١) بها : بهذا ط.

(٢) فيه : + ما د ، سا ، ط ، م

(٣) الولد : ساقطة من م.

(٤) لحفظ : ليحفظ د.

(٥) والحيوان : الحيوان ب ، د ، سا ، م.

(٦) للشيهم : للشهيم ط.

(٧) يصير : + بعد ب ، م.

(٨) صار : صلب د

(٩) يباض : يبيض د ، ط ؛ يبيض يباض م.

(١٠) الأذن : الآذان د ، ط

(١١) جميع الحيوانات : الحيوان كلها م.

٨

المعروف بسلاسى ، الذي يكون عريض الذنب ، ويسمى بساطونيس (١) ، ويعتمد في سباحته على أقطار جلده المستعرض. ولبعض الضفادع أيضا أجنحة ، وهو الضفدع البحرى (٢) الذي (٣) لا يستدق مؤخره (٤) ، وهو الجنس الذي ربما أوى إلى الأشجار. وأما السمك ذو الجناح فمنه ما له أربعة أجنحة موضوعة على جنبيه ، ومنه ما له جناحان إلى بطنه وجناحان إلى ظهره. ومن السمك ما له مع الأجنحة أرجل ، فيستعين بها مع الأجنحة كالمعروف بما لاقيا ؛ فإن لم يكن له (٥) أرجل استعان بالذنب وهو (٦) جملة السمك الجاسئ الجلد. وأما التمساح فيسبح بذنبه وأرجله. وكل (٧) حيوان محزز (٨) فلا جلد له ، وكل طائر جناحه ذو ريش فهو ذو دم. وأما ما جناحه جلد أو صفاق فقد يكون له دم كالخفاش ، وقد لا يكون له دم ، مثل النحل (٩).

والحيوان (١٠) الذي له جناح صفاقى ولا دم له ، فمنه ما له جناحان ، ومنه ماله أربعة أجنحة ، ومنه ما له إبرة يلسع بها ؛ وما كان (١١) له منها جناحان فصغير ؛ ومنه (١٢) ما يلسع بخرطومه كالبعوض وكالذباب (١٣). وربما كان الجناح الصفاقى في غلاف كما للجعلان (١٤) وليس لشىء منها حمة. والحيوانات العديمة الدم أصغر من ذوات الدم ، ما خلا أصنافا من الحيوان البحرى قليلة ، ومنها السمك الذي يسمى ما لاقيا ، فإنه يكون عظيم الجثة جدا إذا كانت في المأوى الحار (١٥) ، وفي اللجة دون الشط ، ودون المكان البارد. وجميع الحيوان الذي له دم وهو متنقل ، فيستعين لا بأقل من أربعة أعضاء ، رجلين (١٦) ويدين ، أو رجلين وجناحين ، أو أربعة أجنحة كالسمك (١٧). والجنس من الجرجس (١٨) الذي يقال إن نشوءه (١٩) وموته في يوم واحد ، يتحرك (٢٠) بجناحين وأربعة أرجل. وللسرطان ثمانية أرجل.

__________________

(١) بساطونيس : بساطونس ط. (٢) البحرى : البرى سا

(٣) الذي : ساقطة من ط. (٤) مؤخره : بمؤخره ط.

(٥) له : ساقطة من ط (٦) وهو : هو م.

(٧) وكل (الأولى والثانية) : كل ط

(٨) محزز : محرز ب ، د ، سا ، م.

(٩) مثل النحل : كالنحل ط.

(١٠) الحيوان : فى الحيوان د.

(١١) وما كان : وأما ما كان د ، سا

(١٢) ومنه : ومنها د ، ط.

(١٣) وكالذباب : والذباب سا ، م

(١٤) للجعلان : فى الجعلان ط.

(١٥) الحار : الحارة ط.

(١٦) رجلين : برجلين د ، سا ، ط ، م.

(١٧) كالسمك : للسمك د ، سا ، م

(١٨) الجرجس : (البق وقيل البعوض ... وكره بعضهم الجرجس وقال إنما هو القرقس [لسان العرب].).

(١٩) نشوءه : نشأه ط

(٢٠) يتحرك : فتحرك ط.

٩

الفصل الثاني

(ب) فصل (١)

فى الأعضاء الكلية

الأعضاء أجسام متولدة من (٢) مزاج الأخلاط ، كما أن (٣) الأخلاط أجسام متولدة من (٤) مزاج الأركان. والأعضاء منها ما هي مفردة ، ومنها ما هي مركبة. والمفردة هي التي أى جزء محسوس أخذت منها كان مشاركا للكل في الاسم والحد ، مثل اللحم فى أجزائه ، والعظم في أجزائه ، والعصب في أجزائه ، وما أشبه ذلك ؛ ولذلك تسمى (٥) متشابهة الأجزاء. والمركبة (٦) هي التي إذا أخذت منها جزءا ، أى جزء كان ، لم يكن مشاركا للكل لا في الاسم ولا في الحد مثل الوجه واليد ، فإن جزء الوجه ليس بوجه ، وجزء اليد ليس بيد. وتسمى أعضاء آلية ، لأنها هي (٧) آلات النفس في إتمام (٨) الحركات والأفعال. وأول الأعضاء المتشابهة الأجزاء ، العظم ؛ وقد خلق صلبا ، لأنه أساس البدن ، ودعامة الحركات ؛ ثم الغضروف وهو ألين من العظم فينعطف ؛ وأصلب من سائر الأعضاء ، والمنفعة في خلقه أن يحسن به اتصال العظام (٩) بالأعضاء اللينة ، فلا يكون الصلب واللين قد (١٠) تركبا (١١) بلا متوسط ، فيتأذى اللين بالصلب ، وخصوصا عند الضربة والضغطة ؛ بل يكون التركيب مدرّجا (١٢) ، مثل ما في عظم الكتف ، والشراسيف (١٣) ، فى أضلاع (١٤) الخلف ، والغضروف (١٥) الخنجرى تحت القص. وأيضا ليحسن به مجاورة المفاصل المتحاكة ،

__________________

(١) فصل : فصل ب نسخة ب ؛ الفصل الثاني د ، ط.

(٢) أول د ، سا ، ط ، م

(٣) أن : ساقطة من ب ؛ + الأجسام م.

(٤) من+ أول د ، سا ، ط ، م.

(٥) ولذلك تسمى : وتسمى ب.

(٦) والمركبة : والمركب م.

(٧) هى : + من م

(٨) إتمام : تمام د ، سا ، ط ، م.

(٩) العظام : العظم ط.

(١٠) قد : ساقطة من د

(١١) قد تركبا : مركبا ط.

(١٢) مدرجا : متدرجا ط

(١٣) والشراسيف : ومثل الشراسيف ط

(١٤) فى أضلاع : وأضلاع ب.

(١٥) والغضروف : ومثل الغضروف ط ، م.

١٠

فلا ترض (١) لصلابتها. وأيضا إذا كان بعض العضل يمتد إلى عضو غير ذى عظم يستند إليه ويقوى به (٢) ، مثل عضلات الأجفان ، كأن هناك دعاما وعمادا لأوتارها. وأيضا فى مواضع أخرى تمس الحاجة فيها إلى اعتماد يتأتى (٣) على شىء (٤) قوى ليس بغاية الصلابة ، كما في الحنجرة.

ثم العصب وهي أجسام دماغية المنبت ، أو نخاعية المنبت ، بيض لدنة ، لينة (٥) فى الانعطاف ، صلبة في الانفصال ، خلقت ليتم بها (٦) للأعضاء (٧) الإحساس والحركة.

ثم الأوتار ، وهي أجسام تنبت من أطراف العضل ، شبيهة بالعصب ، فتلاقى الأعضاء المتحركة ، فتارة تجذبها بانجذابها لتشنج العضلة واجتماعها ورجوعها إلى ورائها ؛ وتارة ترخيها باسترخائها لانبساط العضلة ، عائدة إلى وضعها ، أو زائدة فيه ، على مقدارها فى طولها ، حال كونها على وضعها المطبوع لها ، على ما نراه نحن في بعض العضل. وهي مؤلفة في الأكثر من العصب النافذ في العضلة البارز (٨) منها في الجهة الأخرى.

ومن الأجسام التي (٩) يتلو ذكرها ذكر الأوتار (١٠) ، وهي التي نسميها (١١) رباطات وهي أيضا عصبانية المرأى (١٢) والملمس (١٣) تأتى من الأعضاء (١٤) إلى جهة العضل فتتشظى هي والأوتار (١٥) ليفا ، فما ولى العضلة منها احتشى لحما ، وما فارقها إلى المفصل أو العضو المحرك اجتمع إلى ذاته وانفتل وترا. ثم الرباطات التي ذكرناها ، (١٦) وهي أيضا أجسام شبيهة بالعصب ، بعضها يسمى رباطا مطلقا ، وبعضها يخص أيضا باسم العقب ، فما امتد إلى العضلة لم يسم إلا رباطا ،

__________________

(١) ترض : يترض ب ، د ، سا ، م.

(٢) به : ساقطة من ب.

(٣) يتأتى : ساقطة من ط.

(٤) وأيضا ... شىء : وأيضا فإنه قد تمس الحاجة في مواضع كثيرة إلى اعتماد يتأتى على شىء سا ، م ؛ وأيضا فإنه قد تمس الحاجة في مواضع كثيرة إلى اعتماد على شىء د.

(٥) لينة : لبنية ط.

(٦) بها : به م

(٧) للأعضاء : الأعضاء م.

(٨) البارز : البارزة م.

(٩) التي يتلو ذكرها ذكر : ساقطة من ب ، ط

(١٠) الأوتار وهى : ساقطة من ب ، ط

(١١) نسميها : تسمى سا ، طا.

(١٢) المرأى : ساقطة من ب

(١٣) والملمس : ساقطة من ب ؛ + نتلو ذكرها ذكر الأوتار ط

(١٤) الأعضاء : العظام ط

(١٥) والأوتار : وللاوتار م.

(١٦) التي ذكرناها : ساقطة من ب.

١١

وما لم يمتد إليها ولكن وصل بين طرفى عظم المفصل أو بين أعضاء أخرى وأحكم شد شىء إلى شىء فإنه مع ما يسمى رباطا قد يخص أيضا (١) باسم العقب. وليس لشىء من الروابط حس (٢) لئلا تتأذى بكثرة ما يلزمه من (٣) الحركة والحك. ومنفعة الرباط معلومة مما (٤) سلف.

ثم الشريانات وهي أجسام نابتة من القلب ، ممتدة ، مجوفة طولا ، عصبانية ، رباطية الجوهر ، لها حركات منبسطة ومنقبضة ، تنفصل بسكونات ، خلقت لترويح القلب ، ونفض البخار الدخانى عنه ، وتوزيع الروح على أعضاء البدن.

ثم الأوردة ، وهي شبيهة بالشريانات ، ولكنها (٥) من الكبد ، وساكنة ، ولتوزع الدم على أعضاء البدن.

ثم الأغشية وهي أجسام منتسجة من ليف عصبانى غير محسوس (٦) ، رقيقة (٧) الثخن مستعرضة ، تغشى سطوح أجسام أخرى ، وتجرى عليها لمنافع : منها ، لتحفظ جملتها على شكلها وهيئتها ؛ ومنها ، لتعلقها من أعضاء أخرى فتربطها (٨) بها بوساطة (٩) العصب ، والرباط الذي (١٠) يشظى إلى ليفها فانتسجت منه كالكلية من الصلب ، ومنها حتى يكون للأعضاء العديمة الحس في جوهرها (١١) سطح حساس بالذات لما تلاقيه ، وحساس لما يحدث فى الجسم (١٢) الملفوف فيه بالعرض. وهذه الأعضاء مثل : الرئة والكبد والطحال والكليتين ، فإنها لا تحس بجواهرها البتة ، لكن إنما تحس الأمور المصادمة لها ما عليها من الأغشية ، وإذا (١٣) حدث فيها ريح أو ورم أحس. أما الريح فيحسه الغشاء بالعرض (١٤) ، للتمدد الذي يحدث فيه. وأما الورم فيحسه مبدأ الغشاء ومعلقه بالعرض ، لا رجحنان العضو لثقل الورم.

__________________

(١) يخص أيضا : يسمى ط.

(٢) حس : + وذلك سا ، م

(٣) من (الثانية) : ساقطة من م.

(٤) مما : فيما ب.

(٥) ولكنها : + نابتة ط.

(٦) محسوس : المحسوس م

(٧) رقيقة : دقيقة د ، سا ، م.

(٨) فتربطها : وتربطها د ، سا ، ط ، م

(٩) بوساطة : بواسطة ط.

(١٠) الذي : التي ط.

(١١) جوهرها : جواهرها د ، سا ، ط ، م.

(١٢) الجسم : الحس د.

(١٣) وإذا : فإذا ط ، م.

(١٤) بالعرض (الثانية) : بالعضو سا.

١٢

ثم اللحم ، وهو حشو خلل وضع هذه الأعضاء في البدن وقوتها التي تندعم به. وكل عضو فله في نفسه قوة غريزية ، بها يتم له أمر (١) التغذى ، وذلك هو جذب الغذاء ، وإمساكه ، وتشبيهه ، وإلصاقه ، ودفع الفضل.

ثم بعد ذلك ، فتختلف الأعضاء فبعضها له إلى هذه القوة قوة تصير منه إلى (٢) غيره ، وبعضها ليس له ذلك ؛ ومن وجه آخر فبعضها (٣) له إلى هذه القوة قوة تصير إليه من غيره ، وبعضها ليس له (٤) تلك (٥). فإذا تركبت حدث عضو قابل معط ، وعضو معط غير قابل ، وعضو قابل غير معط ، وعضو لا قابل ولا معط. أما العضو (٦) القابل المعطى فلم يشك فى وجوده ، فإن الدماغ والكبد أجمعوا على (٧) أن كل واحد منهما يقبل قوة الحياة ، والحرارة الغريزية ، والروح من القلب ؛ وكل (٨) واحد منهما أيضا مبدأ قوة يعطيها غيره. أما الدماغ فمبدأ الحس عند قوم مطلقا ، وعند قوم لا مطلقا. والكبد مبدأ التغذية عند قوم مطلقا ، وعند قوم لا مطلقا. وأما العضو القابل الغير المعطى فالشك في وجوده أبعد ، مثل اللحم القابل قوة الحس والحياة ، وليس هو مبدأ لقوة يعطيها غيره بوجه. وأما القسمان الآخران فاختلف في أحدهما الأطباء مع الجليل (٩) من الفلاسفة ، فقال الأطباء : ليس هاهنا عضو يعطى ولا يقبل ، لا دماغ ، ولا كبد ، ولا قلب. وقال جليل (١٠) الفلاسفة : إن هذا العضو هو القلب ، وهو الأصل الأول لكل قوة وهو يعطى سائر الأعضاء كلها القوى التي تغذو بها ، والتي (١١) تحيا (١٢) ، والتي تدرك وتحرك ، وأما الأطباء وقوم من أوائل (١٣) الفلاسفة فقد فرقوا هذه القوى في الأعضاء. وقوله عند التحقيق والتدقيق أصح ، وقول الأطباء في بادى النظر أظهر. واختلف (١٤) في القسم الآخر الأطباء فيما بينهم والفلاسفة

__________________

(١) أمر : أمور ب.

(٢) منه إلى : إليه من سا.

(٣) فبعضها : وبعضها ب.

(٤) ذلك ومن ... ليس له : ساقطة من سا ، ط.

(٥) تلك : ذلك م.

(٦) أما العضو : ساقطة من د.

(٧) على : ساقطة من ب ، ط.

(٨) وكل : ولكل ط ، م.

(٩) الجليل : الكثير م.

(١٠) جليل : كثير م.

(١١) والتي (الأولى) : ساقطة من ب

(١٢) تحيا : ساقطة من ب

(١٣) أوائل : ساقطة من ب ، م.

(١٤) واختلف : ثم اختلف د ، سا.

١٣

فيما بينهم فذهبت طائفة إلى أن العظام واللحم الغير الحاس (١) وما أشبهها إنما تبقى بقوى فيها تخصها لم تأتها من مبادئ أخر ، لكنها بتلك القوى إذا وصل إليها غذاؤها كفت أنفسها ، فلا هي تفيد شيئا آخر قوة فيها ولا أيضا يفيدها عضو قوة أخرى. وذهبت طائفة إلى أن تلك القوى ليس تخصها ، لكنها فائضة إليها من الكبد والقلب (٢) في أول التكون (٣) ، ثم استقرت فيها (٤). والطبيب ليس عليه أن يتبع (٥) المخرج إلى الحق من هذين الاختلافين بالبرهان ، فليس له إليه سبيل من جهة ما هو طبيب ، ولا يضره في شىء من مباحثه وأعماله (٦) ، ولكن يجب أن يعلم ويعتقد في الاختلاف الأول أنه لا عليه ، كان القلب (٧) مبدأ في الحس (٨) والحركة للدماغ والقوة (٩) المغذية (١٠) للكبد ، أو لم يكن. فإن الدماغ إما بنفسه ، وإما بعد القلب ، مبدأ للأفاعيل النفسانية بالقياس إلى سائر الأعضاء. والكبد كذلك (١١) مبدأ للقوة (١٢) الطبيعية المغذية (١٣) ، بالقياس إلى سائر الأعضاء (١٤). ويجب أن يعلم ويعتقد في الاختلاف الثاني أنه لا عليه ، كان حصول القوة الغريزية في مثل العظم عند أول الحصول من الكبد أو استحقه بمزاجه نفسه ، أو لم يكن ، ولا واحد منهما.

ولكن الآن يجب أن يعتقد أن تلك القوة ليست فائضة إليه من الكبد ، بحيث لو انسد السبيل (١٥) بينهما ، وكان عند العظم غذاء معد ، بطل فعله ؛ كما للحس والحركة إذا انسد العصب الجائى من الدماغ ، بل تلك القوة صارت غريزية للعظم ما بقى على مزاجه ، فحينئذ تنشرح له حال القسمة ، وتفترض له أعضاء رئيسة ، وأعضاء خادمة للرئيسة ، وأعضاء مرءوسة بلا خدمة. فالأعضاء الرئيسة هي الأعضاء التي هي مبادى القوى الأول (١٦) (١٧)

__________________

(١) الحاس : الحاشى ب ؛ الحساس ط.

(٢) والقلب : أو القلب د ، سا ، م. (٣) التكون : الكون د ، سا ، ط

(٤) فيها : فيه د ، سا ، ط ، م (٥) يتبع : يتتبع د ، سا.

(٦) ولا يضره ... وأعماله : ساقطة من ب.

(٧) القلب : ساقطة من سا (٨) فى الحس : للحس سا

(٩) والقوة : وللقوة سا ، م

(١٠) المغذية : المغتذية ب ، د ، سا ، م.

(١١) كذلك : + هى م

(١٢) للقوة : القوة م ؛ + للأفعال.

(١٣) المغذية : المغتذية د.

(١٤) والكبد ... الأعضاء : ساقطة من سا.

(١٥) السبيل : سبيل م.

(١٦) مبادى القوى الأول : المبادى للقوى الأولى ط

(١٧) الأول : الأولى د ، سا.

١٤

فى البدن ، المضطر إليها في بقاء (١) الشخص أو النوع. أما بحسب بقاء الشخص ، فالرئيسة ثلاثة : القلب وهو مبدأ قوة الحياة ، والدماغ وهو مبدأ قوة الحس والحركة ، والكبد وهو مبدأ قوة التغذية. وأما بحسب بقاء النوع فالرئيس هذه الثلاثة أيضا (٢) ، ورابع يخص النوع ، وهو (٣) الأنثيان اللذان يضطر إليهما لأمر ، وينتفع بهما لأمر أيضا. أما الاضطرار ، فلأجل (٤) توليد المنى الحافظ للنسل ؛ وأما الانتفاع ، فلأجل تمام الهيئة والمزاج الذكورى أو الأنوثى (٥) ، اللذين هما من العوارض اللازمة لأنواع الحيوان ، لا من الأشياء الداخلة في نفس الحيوانية.

وأما الأعضاء الخادمة فبعضها يخدم خدمة مهيئة ، وبعضها يخدم خدمة مؤدية. والحية المهيئة تسمى منفعة والخدمة المؤدية تسمى خدمة على الإطلاق. والخدمة المهيئة تتقدم فعل الرئيس ، والخدمة المؤدية تتأخر عن فعل الرئيس. أما القلب فخادمه المهيئ هو مثل الرئة ، والمؤدى مثل الشرايين. وأما الدماغ فخادمه المهيئ مثل الكبد وسائر أعضاء الغذاء في حفظ (٦) الروح والمؤدى مثل العصب. وأما الكبد فخادمه المهيئ مثل المعدة ، والمؤدى مثل الأوردة. وأما الأنثيان فخادمهما المهيئ مثل الأعضاء المولدة للمنى قبلهما (٧) ، وأما المؤدى ففى الرجال الإحليل وعرق (٨) بينهما (٩) وبينه ، وفي النساء عروق يندفع فيها (١٠) المنى إلى المحبل ، وللنساء زيادة (١١) الرحم التي (١٢) تتم فيه منفعة المنى.

وقال جالينوس : إن من الأعضاء ما له فعل فقط ، ومنها ما له منفعة فقط ، ومنها ما له فعل ومنفعة معا ؛ الأول كالقلب ، والثاني كالرئة ، والثالث كالكبد. وأقول : إنه يجب أن (١٣) يعنى بالفعل ما يتم بالشيء وحده من الأفعال الداخلة في حياة الشخص

__________________

(١) بقاء (الثانية) : ساقطة من ط.

(٢) أيضا : ساقطة من ط.

(٣) وهو : وهما ط.

(٤) فلأجل (الأولى): + إفادة د ، سا ، ط. م.

(٥) أو الأنوثى : والأنوثى ب ، د ، سا ؛ أو الأنثوى م.

(٦) فى حفظ : وحفظ ط.

(٧) قبلهما : قبله ب ، د ؛ قبلها م.

(٨) وعرق : وعروق د ، سا ، ط ، م

(٩) بينهما : بينها ب

(١٠) فيها : فيه م ؛ ساقطة من د.

(١١) زيادة : + فى سا

(١٢) التي : الذي ب.

(١٣) يجب أن : ساقطة من ب.

١٥

أو بقاء النوع ، مثل ما للقلب في (١) توليد الروح ؛ ويعنى (٢) بالمنفعة ما يهيئ لقبول فعل عضو آخر ، حينئذ (٣) يصير الفعل تاما في إفادة حياة الشخص أو بقاء النوع كإعداد الرئة للهواء. وأما الكبد فإنه يهضم أولا هضمه الثاني ، ويعد للهضم الثالث والرابع فيما (٤) يهضم الهضم الأول تاما ، حتى يصلح ذلك الدم لتغذيته (٥) نفسه يكون قد فعل فعلا ، وربما (٦) قد يفعل فعلا معينا لفعل منتظر يكون (٧) قد يقع.

ونقول أيضا من رأس (٨) إن من الأعضاء ما تكونه (٩) (١٠) عن المنى وهي المتشابهة (١١) الأجزاء خلا اللحم والشحم ، ومنها ما تكونه عن الدم كالشحم واللحم ؛ فإن ما خلاهما يتكون عن المنيين ، منى الذكر ، ومنى الأنثى ، إلا أنها ـ على قول من تحقق (١٢) من الحكماء (١٣) ـ تتكون (١٤) عن (١٥) منى الذكر ، كما يتكون الجبن عن الإنفحة ، وتتكون عن منى الأنثى كما يتكون الجبن عن اللبن. وكما أن مبدأ العقد في الإنفحة ، كذلك مبدأ عقد الصورة في منى الذكر. وكما أن مبدأ الانعقاد في اللبن ، فكذلك مبدأ انعقاد الصورة ، أعنى القوة المنفعلة هو فى منى (١٦) المرأة. وكما أن كل واحد من الإنفحة واللبن جز آن من جوهر الجبن (١٧) الحادث منهما (١٨) ، كذلك كل واحد من المنيين جزء من جوهر الجنين. وهذا القول يخالف قليلا ، بل كثيرا ، قول جالينوس. فإنه يرى في كل واحد من المنيين قوة عاقدة وقابلة للعقد ، ومع ذلك فلا يمتنع (١٩) أن نقول : إن العاقدة (٢٠) في الذكورى أقوى ، والمنعقدة (٢١) في الأنوثى أقوى. وأما تحقيق القول في هذا المعنى (٢٢) ، ففى كتبنا (٢٣) في العلوم الأصلية ، ثم الدم الذي كان ينفصل عن المرأة في الأقراء يصير غذاء ؛ فمنه ما يستحيل إلى مشابهة جوهر المنى والأعضاء الكامنة منه ، فيكون غذاء منميا له ، ومنه ما لا يصير غذاء لذلك. ولكن (٢٤)

__________________

(١) فى : من د ، سا ، م (٢) ويعنى : وأن يعنى م.

(٣) حينئذ : فحينئذ ط. (٤) فيما : ساقطة من د.

(٥) لتغذيته : لتغذية ط ؛ كتغذيته م (٦) وربما : وبما ب ، ط.

(٧) يكون قد يقع : تكون قد نفعت ط. (٨) رأس : الرأس سا ، م

(٩) ما تكونه : ما تكون سا (١٠) ما تكونه : ما يتكون سا ، ط ، م.

(١١) المتشابهة : متشابهة ط (١٢) تحقق : يتحقق سا ، م

(١٣) على .... الحكماء : ساقطة من ب

(١٤) تتكون : ويتكون ط. (١٥) عن (الأولى) : من م.

(١٦) منى : ساقطة من م (١٧) الجبن : ساقطة من م.

(١٨) منهما : عنهما ط. (١٩) يمتنع : يمنع م

(٢٠) العاقدة : العاقد ط (٢١) والمنعقدة : والمعقدة ب.

(٢٢) المعنى : ساقطة من ب

(٢٣) ففى كتبنا في العلوم الأصلية : ففى الفصول المستقبلة ط.

(٢٤) حتى يصلح ... ولكن : ساقطة من د.

١٦

يصلح لأن ينعقد في حشوه ، ويملأ الأمكنة بين الأعضاء الأولى ، فيكون لحما أو شحما ؛ ومنه فضل لا يصلح لأحد الأمرين ، فيبقى إلى وقت النفاس ، فتدفعه الطبيعة فضلا. وإذا ولد الجنين فإن الدم الذي يولده كبده يسد مسد ذلك الدم ، ويتولد عنه ما كان يتولد عن ذلك الدم ، واللحم يتولد عن متينه (١) ، ويعقده الحر واليبس ؛ وأما الشحم فمن مائيته ودسمه ، ويعقده البرد ، ولذلك يحله الحر. وما كان من الأعضاء متخلقا من المنيين ، فإنه إذا انفصل لم ينجبر بالاتصال الحقيقى ، إلا بعضه في قليل من الأحوال وفي سن الصبى مثل العظام وشعب صغيرة من الأوردة دون الكبيرة ودون الشرايين ، وإذا انتقص منه جزء لم ينبت عوضه شىء (٢) كالعظم والعصب ، وما كان متخلقا من الدم فإنه ينبت بعد انثلامه ، ويتصل بمثله (٣) كاللحم ؛ وما كان متولدا عن دم فيه قوة المنى بعد ، فما دام العهد بالمنى قريبا ، فذلك العضو إذا فات أمكن أن ينبت مرة أخرى ، مثل السن (٤) في سن الصبى. وأما إذا استولى على الدم مزاج آخر فإنه لا ينبت مرة أخرى (٥).

ونقول أيضا : إن الأعضاء الحساسة المتحركة فقد تكون تارة مبدأ الحس والحركة لهما (٦) جميعا عصبة (٧) واحدة ، وقد يفترق تارة ذلك فيكون مبدأ كل قوة عصبة. ونقول (٨) : إن جميع الأحشاء الملفوفة في الغشاء منبت غشائها من أحد (٩) غشاءى الصدر والبطن المستبطنين. أما ما في الصدر كالحجاب والأوردة والشريانات والرئة فمنبت أغشيتها من الغشاء المستبطن للأضلاع (١٠) ، وأما ما في الجوف من (١١) الأعضاء والعروق فمنبت أغشيتها من الصفاق المستبطن لعضل البطن. وأيضا فإن جميع الأعضاء اللحمية إما ليفية كاللحم فى العضل وإما ليس (١٢) فيها ليف (١٣) كالكبد ؛ ولا شىء من الحركات إلا بالليف. أما (١٤) الإرادية فبسبب ليف العضل ، وأما الطبيعية كحركة الرحم والعروق. والمركبة كحركة الازدراد (١٥)

__________________

(١) متينه : متنييه م.

(٢) شىء : + وذلك سا.

(٣) بمثله : فى مثله ب.

(٤) سن : السن ط ؛ سنى م

(٥) مثل .. أخرى : ساقطة من سا.

(٦) لهما : لها سا

(٧) عصبة (الثانية) : عصبية م

(٨) نقول : + أيضا سا ، ط ، م.

(٩) أحد : إحدى ب ، م.

(١٠) للأضلاع : للأوضاع م

(١١) من (الأولى): + الصدر م.

(١٢) ليس : ما م ؛ ساقطة من ب ، سا

(١٣) ليف : كيف م

(١٤) أما : وأما م.

(١٥) يصلح ... كحركة الازدراد : ساقطة من د.

١٧

فبليف مخصوص بهيئة من وضع الطول والعرض والتوريب ، فللجذب الليف المطاول (١) ، وللدفع الليف الذاهب عرضا العاصر ، وللإمساك الليف المورب. وما كان من الأعضاء ذا طبقة واحدة مثل المثانة والأوردة ، فإن أصناف ليفه الثلاثة منتسج بعضها في بعض ، وما كان ذا طبقتين (٢) فالليف الذاهب عرضا يكون في طبقته (٣) الخارجة ، والآخران في طبقته (٤) الداخلة ، إلا أن الذاهب طولا أميل إلى سطحه الباطن ، وإنما خلق كذلك لئلا يكون ليف الجذب والدفع معا ، بل ليف الجذب والإمساك هما أولى بأن يكونا معا إلا في الأمعاء فإن حاجتها إلى الإمساك لم تكن شديدة ، بل إلى الجذب والدفع.

ونقول أيضا : إن الأعضاء العصبانية المحيطة بأجسام غريبة عن جوهرها ، منها ما هي ذات طبقة واحدة (٥) ، ومنها ما هي (٦) ذات طبقتين. وإنما خلق ما خلق منها ذات (٧) طبقتين لمنافع :

أحدها مس الحاجة إلى شدة الاحتياط في وثاقة جسميتها ، لئلا ينشق بسبب قوة حركة (٨) ما فيها ، كالشرايين.

والثاني (٩) مس الحاجة إلى شدة الاحتياط في أمر الجسم المخزون فيها ، لئلا يتحلل ويخرج (١٠). أما استشعار التحلل فبسبب سخافتها ، إن كانت ذات طبقة واحدة ؛ وأما استشعار الخروج ، فبسبب إجابتها إلى الانشقاق لذلك أيضا. وهذا الجسم المخزون هو (١١) مثل الروح والدم المخزونين في الشرايين (١٢) ، اللذين يجب أن يحتاط في صونهما (١٣) ويخاف ضياعهما. أما الروح فبالتحلل ، وأما الدم فبالشق ، وفي ذلك خطر (١٤) عظيم.

والثالث (١٥) أنه إذا كان عضو يحتاج إلى أن يكون كل واحد من الدفع والجذب فيه بحركة قوية ، أفرد له آلة بلا اختلاط ، وذلك كالمعدة والأمعاء.

__________________

(١) المطاول : المتطاول ط. (٢) طبقتين : طبقين ط

(٣) طبقته (الأولى) : طبقه ط (٤) طبقته (الثانية) : طبقه ط.

(٥) واحدة : ساقطة من م

(٦) فبليف ... ومنها ما هى : ساقطة من د.

(٧) ذات (الثانية) : ساقطة من ب.

(٨) حركة ما : حركته بماد ، سا ، م.

(٩) والثاني : والثانية م.

(١٠) ويخرج : أو يخرج ط.

(١١) وهذا الجسم المخزون هو : ساقطة من ب.

(١٢) الشرايين : الشريان ط

(١٣) صونهما : صورتهما م.

(١٤) خطر : ساقطة من د.

(١٥) والثالث : والثالثة م.

١٨

والرابع (١) أنه (٢) إذا أريد أن تكون كل طبقة من (٣) طبقات (٤) العضو لفعل يخصه ، وكان الفعلان يحدث أحدهما عن مزاج مخالف للآخر ، كان التفريق بينهما أصوب ، مثل (٥) المعدة ، فإنه إذا أريد (٦) (٧) أن يكون (٨) لها (٩) الحس ، وذلك (١٠) إنما يكون بعضو عصبانى ، وأن يكون لها الهضم وذلك إنما يكون بعضو لحمانى (١١) ، وأفرد (١٢) لكل واحد من الأمرين طبقة ، طبقة عصبية (١٣) للحس ، وطبقة لحمية للهضم ، وجعلت الطبقة الباطنة عصبية ، وجعلت الخارجة (١٤) لحمانية.

لأن الهاضم يجوز أن يصل إلى المهضوم بالقوة ، دون الملاقاة ؛ والحاس لا يجوز أن لا يلاقى (١٥) المحسوس ، أعنى في حس اللمس.

وأقول أيضا : إن الأعضاء منها ما هي قريبة المزاج من الدم ، فلا يحتاج الدم فى تغذيتها إلى أن ينصرف في استحالات كثيرة ، مثل اللحم. فلذلك لم يجعل فيه تجاويف وبطون (١٦) يقيم فيها الغذاء الواصل مدة ، ثم يغتذى به اللحم ؛ ولكن الغذاء ، كما يلاقيه ، يستحيل إليه. ومنها ما هى بعيدة المزاج عنه ، فيحتاج الدم في أن يستحيل إليه ، إلى أن يستحيل أو لا استحالات مدرجة إلى مشاكلة جوهره كالعظم. فلذلك جعل له في الحلقة إما تجويف واحد يحوى غذاءه مدة يستحيل في مثلها إلى مجانسته ، مثل عظم الساق والساعد ؛ أو تجاويف متفرقة (١٧) ، مثل عظم الفك الأسفل. وما كان من الأعضاء هكذا ، فانه يحتاج أن يمتاز من الغذاء ، فوق الحاجة فى الوقت ليحيله إلى مجانسته شيئا بعد شىء. والأعضاء القوية تدفع فضولها إلى جاراتها الضعيفة ، كدفع القلب إلى الإبطين ، والدماغ إلى ما خلف (١٨) الأذنين ، والكبد إلى الأربيتين.

__________________

(١) والرابع : والرابعة م

(٢) انه : ساقطة من ب ، ط م

(٣) من : ساقطة من ب

(٤) طبقات العضو : ساقطة من ب.

(٥) مثل : + أسفل ط.

(٦) إذا أريد : ساقطة من سا

(٧) أريد : + فيها د ، سا ، ط ، م

(٨) أن يكون ... يكون (الثانية) : الحس فتكون ذلك ط

(٩) لها : فيها د

(١٠) وذلك إنما يكون : ويكون ذلك د ، سا.

(١١) وأن يكون ... لحمانى : والهضم ويكون بعضو لحمانى د ؛ والهضم ويكون ذلك بعضو لحمانى سا ، ط.

(١٢) وأفرد : فأفرد د ، سا ، ط ، م

(١٣) عصبية : عصبانية ط.

(١٤) وجعلت الخارجة : والخارجة د ، سا ، ط.

(١٥) لا يلاقى : يلاقى ب ، سا.

(١٦) وبطون : أو بطون ط.

(١٧) متفرقة : + فيه د ، م.

(١٨) ما خلف : خلف ط.

١٩

الفصل الثالث

(ج) فصل (١)

فى تعديد الأعضاء الآلية ومواضعها

فلنشرع (٢) في ذكر أعضاء الحيوان ، ولنبدأ بالآلية ، ولنبدأ بالظاهرة منها (٣) ، ومنها بالرأس. فنقول : إن الرأس من الإنسان وما يجرى مجراه يشتمل على جملة بسائطها القحف وما يغشيه (٤) وما فيه من الدماغ وحجبه ، والقحف يغشيه جلدة ولحم وبشرة (٥) ينبت عليها الشعر ، وهو مؤلف من عظام كثيرة على ما سنشرحه عند كلامنا في الأسباب.

وقد ذكر في التعليم الأول من (٦) مصادفة إنسان لم يكن لرأسه شئون بوجه ، وإنما قحفه واحد. وتحت الرأس من قدام الإنسان وجهه ، وأعلى وجهه جبينه ، وهو ما بين رأسه وعينيه. ويدل عظم جبينه على البله ، وعرضه على قلة العقل ، وصغره على لطف الحركة ، واستدارته على الغضب. والحاجبان خلقا مظلة للعين (٧) ، يحبسان ما ينحدر إليها (٨) ، ويزينان الوجه ، وإذا اتصلا على استقامة خطية دلا على تخيث (٩) واسترخاء ، وإذا (١٠) تزججا منحدرين إلى طرف الأنف دلا على لطف وذكاء ، وإذا تزججا نحو الصدغين دلا على طبيعة طنز (١١) واستهزاء ، وأما الدماغ فسنؤخر (١٢) الكلام فيه.

__________________

(١) فصل ؛ فصل ج ب ؛ الفصل الثالث د ، ط.

(٢) فلنشرع : لنشرع د ؛ نشرع سا

(٣) منها (الأولى) : ساقطة من سا.

(٤) يغشيه (الأولى والثانية) : يغشاه سا ، م

(٥) وبشرة : وقشرة ب ، م.

(٦) من : ساقطة من ط.

(٧) للعين : العين ب

(٨) إليها : إليهما سا.

(٩) تخيث : تخييث ب ، سا ، م ؛ (التخيث ، عظم البطن واسترخاؤه «اللسان»)

(١٠) وإذا : فإذا م.

(١١) طنز : «الطنز ، السخرية (اللسان)»

(١٢) فسنؤخر : فنؤخر ط.

٢٠