🚘

الشّفاء ـ طبيعيّات - المقدمة

الشّفاء ـ طبيعيّات - المقدمة

المؤلف:


الموضوع : العلوم الطبيعيّة
الطبعة: ٢
الصفحات: ٢٧٦
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

الفهرس

الموضوع

الصفحة

تصدير : للدكتور ابراهيم مدكور............................................... (ز ـ ل)

نشر كتاب النفس للأب قنواتى................................................ (م ـ ر)

المخطوطات المستعملة فى التحقيق................................................ (ش)

مخطوطات «كتاب النفس» الموجودة فى العالم................................. (ت ـ ض)

مقدمة ابن سينا.................................................................. ١

الفصل الأول : فى اثبات النفس وتحديدها من حيث هى نفس......................... ٥

الفصل الثاني : فى ذكر ما قاله القدماء فى النفس وجوهرها ونقضه..................... ١٤

الفصل الثالث : فى أن النفس داخلة فى مقولة الجوهر............................... ٢٢

الفصل الرابع : فى تبيين أن اختلاف أفاعيل النفس لاختلاف قواها................... ٢٧

الفصل الخامس : فى تعديد قوى النفس على سبيل التصنيف......................... ٣٢

المقالة الثانية

الفصل الأول : فى تحقيق القوى المنسوبة الى النفس النباتية........................... ٤٥

الفصل الثاني : فى تحقيق أصناف الادراكات التي لنا................................. ٥٠

الفصل الثالث : فى الحاسة اللمسية............................................... ٥٨

الفصل الرابع : فى الذوق والشم.................................................. ٦٤

الفصل الخامس : فى حاسة السمع................................................ ٧٠

المقالة الثالثة

الفصل الأول : فى الضوء والشفيف واللون......................................... ٧٩

الفصل الثاني : فى مذاهب وشكوك فى أمر النور والشعاع وفى أن النور ليس بجسم بل هو كيفية تحدث فيه     ٨٣

٣

الموضوع

الصفحة

الفصل الثالث : فى تمام مناقضة المذاهب المبطلة لأن يكون النور شيئا غير اللون الظاهر وكلام فى الشفاف واللامع      ٨٨

الفصل الرابع : فى تأمل مذاهب قيلت فى الألوان وحدوثها........................... ٩٥

الفصل الخامس : فى اختلاف المذاهب فى الرؤية وابطال المذاهب الفاسدة بحسب الأمور نفسها       ١٠٢

الفصل السادس : فى ابطال مذاهبهم من الأشياء المقولة فى مذاهبهم................. ١١٤

الفصل السابع : فى حل الشبه التي أوردوها فى اتمام القول فى المبصرات التي لها أوضاع مختلفة من مشتقات ومن صقيلات         ١٢٤

الفصل الثامن : فى سبب رؤية الشىء الواحد كشيئين.............................. ١٣٢

المقالة الرابعة

الفصل الأول : فيه قول كلى على الحواس الباطنة التي للحيوان...................... ١٤٥

الفصل الثاني : فى أفعال القوى المصورة والمفكرة من هذه الحواس الباطنة............... ١٥١

الفصل الثالث : فى أفعال القوى المتذكرة والوهمية وفى أن أفعال هذه القوى كلها بآلات جسمانية     ١٦٢

الفصل الرابع : فى أحوال القوى المحركة وضرب من النبوة المتعلقة بها................... ١٧٢

المقالة الخامسة

الفصل الأول : فى خواص الأفعال والانفعالات التي للانسان وبيان قوى النظر والعمل للنفس الانسانية        ١٨١

الفصل الثاني : فى اثبات أن قوام النفس الناطقة غير منطبع من مادة جسمانية......... ١٨٧

الفصل الثالث : يشتمل على مسألتين : احداهما كيفية انتفاع النفس الانسانية بالحواس ، والثانية اثبات حدوثها         ١٩٧

الفصل الرابع : فى أن الأنفس الانسانية لا تفسد ولا تتناسخ........................ ٢٠٢

٤

الفصل الخامس : فى العقل الفعال فى أنفسنا والعقل المنفعل عن أنفسنا............... ٢٠٨

الفصل السادس : فى مراتب افعال العقل وفى أعلى مراتبها وهو العقل القدسى......... ٢١٢

الفصل السابع : فى عد المذاهب الموروثة عن القدماء فى أمر النفس وأفعالها............ ٢٢١

الفصل الثامن : فى بيان الآلات التي للنفس...................................... ٢٣٢

٥
٦

تصدير

عنى ابن سينا بالدراسات السيكلوجية عناية قل أن تجد لها نظيرا فى التاريخ القديم والمتوسط ، فألف فيها ولما يبلغ العشرين ، واستمر يتعهدها طوال حياته. كتب فيها ملخصا ، وخلف عدة رسائل لها وزنها وقيمتها. وكتب فيها محللا ومفصلا ، شارحا وموضحا ، ومن أوسع ما وضع فى هذا الباب «كتاب النفس» الذي نقدم له اليوم. وألحقها بالدراسات التجريبية ، وعد «كتاب النفس جزءا من طبيعيات «الشفاء» وتلك ناحية لها شأنها فى نهضة علم النفس حديثا. وربطها بالطب ، فمهد بها لكتابه الطبى الكبير المشهور ، «القانون» ، وقدم له بمقدمة عرض فيها «لقوى النفس على طريقة الأطباء». وهذا ملحظ له مغزاه ، وإن لم تسعفه الأجهزة والآلات للتعمق فيه ، وقد أضحى الطب موردا هاما من موارد علم النفس المعاصر.

لم يكن غريبا أن يعنى ابن سينا بدراسة النفس ، فقد سبقه إلى ذلك مدارس ومفكرون إسلاميون مختلفون ، شغل بها المتكلمون والمتصوفة منذ عهد مبكر ، وانضم إليهم الأطباء والفلاسفة. وحاولوا أن يقفوا على كل ما دار حولها فى الفكر القديم ، شرقيا كان أم غربيا ، وأخذوا عن الهند والفرس ، كما أخذوا عن اليونان. ويوم أن توفرت لديهم هذه المصادر بدءوا يبحثون بأنفسهم ، ويكتبون على طريقتهم. وظهرت فى القرنين الثالث والرابع الهجرى دراسات سيكلوجية على أيدى الكندى (٨٦٥ م) والفارابى (٩٥٠) بين الفلاسفة ، وعلى أيدى قسطا بن لوقا (٩١٢ م) وأبى بكر الرازى (٩٢٥ م) بين الأطباء ، وقد مهد ذلك كله لما اضطلع به ابن سينا (١٠٣٧ م) فى القرن الخامس. وفى مقدمة الأصول التي أفاد منها هؤلاء الباحثون ما ترجم إلى العربية من علم النفس الأرسطي.

٧

كتاب النفس لأرسطو :

لدراسات أرسطو السيكلوجية ، مقرونة إلى عصرها ، وزن كبير ، وهى دون نزاع دعامة علم النفس التقليدى ، ولها فى تاريخ الفكر الإنسانى شأن قد لا يقل عن شأن المنطق الأرسطي. وضع فيها أرسطو عدة بحوث ، أهمها «كتاب النفس» الذي امتاز بغزارة مادته ، ودقة ملاحظته ، وعمق بحثه ، واستقامة عرضه. وقد عرف له العرب ذلك ، فعنوا بترجمته ، ترجموه غير مرة زيادة فى الضبط والاتقان ، واضطلع بذلك شيخان من شيوخ المترجمين ، هما حنين (٨٧٧ م) وابنه إسحاق (٩١٠ م) ، ولم يكتف بترجمته وحده ، بل أضيف إليه بعض الملخصات والشروح كملخص الإسكندر الأفروديسى (٢١١ م) وشرح ثامسطيوس (٣٩٩ م) (١).

وكان له أثر بين فى الدراسة السيكلوجية العربية ، وبخاصة سيكلوجيا ابن سينا. واحتفظ لنا الزمن بهذه الترجمة القديمة وبجزء من تعليق ثامسطيوس ذلك أخيرا (٢).

كتاب النفس لابن سينا :

هو الجزء السادس من «طبيعيات الشفاء» ، ويشتمل على خمس مقالات ـ وتحت كل مقالة عدة فصول ، وفيه دون نزاع مادة أغزر مما جاء فى «كتاب النفس» لأرسطو : وإن نحا نحوه فى العرض والترتيب ، وأخذ عنه كثيرا. وتعالج المقالة الأولى حقيقة النفس ، وتقف طويلا عند آراء القدماء ، على نحو ما صنع أرسطو ، وتناقشها واحدا واحدا ، وتنقضها نقضا تاما ، تمهيدا للتعريف الذي يرتضيه الشيخ الرئيس (٣).

النفس جوهر روحى :

يبدأ ابن سينا فيقول مع أرسطو إن النفس صورة الجسم ، أو بعبارة أخرى ، هى كمال أول لجسم طبيعى آلى : ويحاول أن يطبق ذلك على مختلف

__________________

(١) ابن النديم : الفهرست ، القاهرة ، ١٩٣٠ ، ص ٣٥١ ـ ٣٥٢ ؛ القفطى : تاريخ الحكماء ، طبعة بغداد ، ص ٤١ ؛ ابن أبى أصيبعة : عيون الأنباء ، القاهرة ١٨٨٢ ، ح ، ص ٦٨.

(٢) حاول شيئا من هذا النشر المرحوم أحمد فؤاد الأهواني فى عام ١٩٥٠ ، واضطلع به ثانية الدكتور عبد الرحمن بدوى عام ١٩٥٤.

(٣) ابن سينا : كتاب النفس ، ص ١٤ ـ ٢٢.

٨

النفوس : من نباتية وحيوانية وإنسانية. ومع هذا لم يرضه هذا التعريف : لأنه لا يفسر النفس من حيث هى ، بل يوضح الصلة بينها وبين الجسم (١). وينتهى إلى القول بأن النفس جوهر قائم بذاته ، فهى فى آن واحد جوهر وصورة (٢). وقد يبدو فى هذا شىء من التناقض ، وإن خففه اختلاف الجهة ، ذلك لأن النفس جوهر فى ذاتها ، وصورة من حيث صلتها بالجسم ، على أن ابن سينا لا يرى بأسا فى أن تعد الصورة جوهرا. والمهم أنه استطاع بهذا أن يوفق بين أفلاطون وأرسطو ، فقال مع الأول بجوهرية النفس ، ومع الثاني بصوريتها (٣).

ولم يقنع بهذا ، بل حرص على أن يضيف إلى جوهرية النفس مميزا آخر هو روحيتها ، وبرهن على ذلك برهنة طويلة (٤). فالنفس عنده فى الحقيقة جوهر روحى ، وهنا تبدر نزعته الأفلاطونية واضحة كل الوضوح ، ويلتقى بهذا مع المتصوفة وكثير من الفلاسفة الإسلاميين والمسيحيين.

قوى النفس الظاهرة :

يختم ابن سينا المقالة الأولى من كتابه بالإشارة إلى أن للنفس أعمالا متنوعة تستلزم أن تكون لها قوى مختلفة (٥). ويحاول أن يحصر هذه القوى ويصنفها (٦). ولسنا هنا بصدد مناقشة هذه النظرية العتيقة ، التي كانت دعامة من دعائم علم النفس القديم ، ويعنينا أن نبين موقف ابن سينا منها ، وكان مؤمنا بها كل الإيمان. ويقسم هذه القوى بوجه عام قسمين : ظاهرة ، وأخرى باطنة ، ويوزع ما بقى من كتابه بين هذين القسمين توزيعا يكاد يكون متعادلا ، وإن كان حديثه عن القوى الظاهرة أطول بعض الشىء. ويبدأ هذه القوى بحاسة اللمس ، لأنها أعم وأشمل ، على عكس ما صنع أرسطو الذي بدأ بحاسة

__________________

(١) المصدر السابق ، ص ٦ ـ ١٠.

(٢) المصدر السابق ، ص ٢٣ ـ ٢٦.

(٣) ابراهيم مدكور : فى الفلسفة الاسلامية ، منهج وتطبيقه ، القاهرة ، ١٩٦٧ ، ص ١٥٩.

(٤) ابن سينا : كتاب النفس ، ص ١٨٧ ـ ١٩٦.

(٥) المصدر السابق ، ص ٢٧ ـ ٣١.

(٦) المصدر السابق ، ص ٣٢ ـ ٤١.

٩

البصر (١). ثم ينتقل إلى حاستى : الشم والذوق ، ويربط إحداهما بالأخرى (٢) ، وبعدها تجىء حاسة السمع ، واستلزم شرحها توضيح الصوت والصدى (٣). ويختم بحاسة البصر التي وقف عليها أطول مقالات هذا الكتاب. ويعرض فيها القضايا طبيعية متصلة بالألوان ، والضوء ، والرؤية ، والشعاع ، والشفاف والمعتم (٤). وهى قضايا أثارها فى وضوح معاصره ابن الهيثم (١٠٣٩ م) ، عالم البصريات الأول فى الإسلام. ويلاحظ بوجه عام أن ابن سينا توسع فى دراسة الحواس الخمس توسعا ملحوظا ، استوعب فيه ما سبق إليه من آراء وأفكار ، محاولا تهذيبها وتنقيحها ، وترجيح بعضها على بعض ، وأضاف إليها ما أضاف. وهى دراسة أقرب إلى الطبيعة والفسيولوجيا منها إلى علم النفس ، على أنه برغم فصله بين قوى النفس الظاهرة والباطنة يحرص على أن يشير إلى أنها متداخلة ومتعاونة فيما بينها ، فالإحساس متصل بالخيال ، والذاكرة لا عمل لها بدون الصور الحسية ، والنفس الناطقة إنما تغذى عن طريق الحواس (٥).

القوى الباطنة :

يفصل ابن سينا القول فى قوى النفس الباطنة ، فيشرح على ما نحو ما صنع أرسطو الحس المشترك ، ويلاحظ أنه ليس حاسة سادسة ، وإنما هو ضرب من الوعى أو الشعور الذي يدرك المحسوسات المشتركة ، ويميز بين معطيات الحواس المختلفة (٦). ويعرض لما سماه المصورة والمفكرة ، والمتذكرة والوهمية (٧) ، وهى ليست وظائف للنفس ، وإن عدها قوى أو حواس باطنة. ويعنى بالمخيلة التي اعتمد عليها فى تفسير الوحى والإلهام تفسيرا علميا (٨) ، ويقف المقالة الخامسة ، وهى ثانية مقالات الكتاب طولا ، على النفس الناطقة (٩). فيثبت

__________________

(١) المصدر السابق ، ص ٥٨ ـ ٦٣.

(٢) المصدر السابق ، ص ٦٤ ـ ٦٩.

(٣) المصدر السابق ، ص ٧٠ ـ ٧٧.

(٤) المصدر السابق ، ص ٧٩ ـ ١٤٣.

(٥) المصدر السابق ، ص ٥١ ص ، ص ١٩٧ ـ ٢٠.

(٦) المصدر السابق ، ص ١٤٥ ـ ١٥٠.

(٧) المصدر السابق ، ص ١٥١ ـ ١٧٠.

(٨) المصدر السابق ، ص ١٧٢ ـ ١٧٩.

(٩) المصدر السابق ، ص ١٨١ ـ ٢٣٧.

١٠

وجودها وخلودها ، ويبين صلتها بالجسم ، وينكر التناسخ ، ويفصل القول فى «مشكلة العقل» وهى من أهم المشاكل فى الفكر الفلسفى الإسلامى. وكل تلك مسائل عرضنا لها فى تفصيل من قديم ، وليس ثمة ما يدعو إلى أن نعود إليها هنا (١). ويلاحظ أن علم النفس السينوى على غرار السيكلوجيا القديمة كلها ، أهمل الجانب الوجدانى والجانب الإرادى من أحوال النفس ، وهذا ما حاول متصرفو الإسلام تدارك قسط منه غير قليل ، ولكنه فى الحقيقة من صنع التاريخ الحديث والمعاصر.

ويعنينا أن نشير أخيرا إلى أن علم النفس السينوى ، على ما فيه ، كان ذا شأن فى تاريخ الفكر الإسلامى والمسيحى. فكان مرجع مفكرى الإسلام من فلاسفة ومتصوفة وأخلاقيين ، منذ القرن الخامس الهجرى إلى أوائل القرن الرابع عشر ، عولوا عليه ، وأخذوا عنه ، واحتجوا به ، ولم ينصرفوا عنه إلا يوم أن وقفوا على البحث السيكلوجى المعاصر. ولم يكن حظه عند المسيحيين بأقل من هذا ، فقد ترجم «كتاب النفس» لابن سينا إلى اللاتينية فى الربع الثالث من القرن الثاني عشر الميلادى ، ولم يكن قد مضى على وفاة صاحبه إلا نحو قرن أو يزيد قليلا. وما إن ترجم حتى تلقفته الأيدى فى العواصم الأوربية. وحاول اللاتين تلخيصه أو شرحه والتعليق عليه ، وأثار حركة فكرية بلغت أوجها فى القرن الثالث عشر. وسبق لنا أن لا حظنا أن ليس ثمة مؤلف من مؤلفات ابن سينا صادف فى الفلسفة المدرسية ما صادفه «كتاب النفس» من دراسة وانتشار ، لأنه عالج أمورا كانت هذه الفلسفة فى أمس الحاجة إليها ، كحقيقة النفس وخلودها ، وتوضيح جانبى المعرفة الحسى والإشراقى (٢). ولم يقف الأمر عند هذا ، بل امتد إلى القرن السابع عشر ، فقد كشف أستاذنا فاندنبرج عن نص فى خواطر بسكال (Les Pensees de Pascal) يستمد من ابن سينا (٣). ومهما يكن من شىء فان علم النفس السينوى ربما هان أمره إذا نظر إليه فى ضوء علم النفس المعاصر ، أما باسم التاريخ والماضى فهو ذو شأن عظيم ، وجدير بالنشر والإحياء.

__________________

(١) إبراهيم مدكور : فى الفلسفة الاسلامية ، ص ١٣٠ ـ ١٧٠ ؛ وانظر أيضا : La place d, Al ـ Farabi dans Iecole philosophique musulmane. Paris I ٩٣٤, pp. I ٢٢ ـ I ٨٠

(٢) إبراهيم مدكور : الشفاء ، ج ١ المدخل ، القاهرة ، ١٩٥٢ ، المقدمة ، ص (٣٤).

(٣) الكتاب الذهبى المهرجان الألفي لابن سينا ، القاهرة ، ص ٣٤٤.

١١

وحين فكرنا فى إخراج «كتاب الشفاء» حرصنا على أن يسهم معنا من شاء من الباحثين المعنيين بالفكر الإسلامى ، دون تقيد بجنس أو وطن ، فانضم إلينا باكستانى وعراقى. وودنا أن تشترك معنا الآنسة دلفرنى ، لكى تضطلع بعبء ، ترجمات «الشفاء» اللاتينية ، ولكن أعباءها الكثيرة حالت دون ما نريد. ومن حسن الحظ أنها لم تحل دونها والكشف عن كثير من جوانب ابن سينا اللاتينية.

والباكستانى الذي نعمنا بزمالته هو الأستاذ فضل الرحمن الذي رغب فى تحقيق «كتاب النفس» ورحبنا بذلك كل الترحيب ، ووضعنا تحت يده كل ما توافر لدينا من مخطوطات عربية ، وشاء أن يضم إليها ترجمات لاتينية. وما إن أتم تحقيقه حتى آثر أن يخرجه بين مطبوعات جامعة أكفسورد سنة ١٩٥٩. وصادف فى هذه الأثناء أن عنى باحث آخر بإخراج الكتاب نفسه ، وهو باكوش المستشرق التشيكى ، وقد ظهر فعلا سنة ١٩٥٦ بين مطبوعات المجمع العلمى التشيكى.

وبرغم هذا لم نر بدا من استكمال سلسلتنا ، فوكلنا إخراج «كتاب النفس» إلى باحثين كريمين عاشا مع ابن سينا نحو ربع قرن أو يزيد ، هما : الأب جورج قنواتى ، والأستاذ سعيد زائد ، وسبق لهما أن اشتركا فى إخراج بعض أجزاء «الشفاء» ، فضلا على أنهما قد أنفقا بضع سنوات فى تحقيق «كتاب النفس» ، على نحو ما استقر عليه منهجنا من قبل فى النشر والتحقيق. ولم يترددا فى أن يفيدا من مجهود المرحوم باكوش والأستاذ فضل الرحمن ، وأضافا إلى نصيهما مخطوطين ، لم يقفا عليهما ، وقد أشار إلى ذلك فى تفصيل الأب قنواتى فيما يلى. وإنا لنقدر لمحققينا صبرهما وجلدهما على استكمال نشر أجزاء «الشفاء» ، ونشكرهما على جهودهما المثمرة.

ولم يبق من هذه الأجزاء إلا جزء واحد لم ير النور بعد ، والأمل وطيد فى أن ينضم إلى الأجزاء التي بين أيدينا.

إبراهيم مدكور

١٢

نشر «كتاب النفس»

إن لنص «كتاب النفس» الذي نقدمه اليوم ، تاريخا يحسن الوقوف عليه لكى نتبين المراحل التي مر بها نشره ، وندرك قيمة نصنا هذا مقرونا إلى ما نشر من قبل. وقد تم هذا النشر فى المراحل التالية :

١ ـ طبعة طهران (١٣٠٣ ـ ١٨٨٥ م):

طبع «كتاب النفس» لأول مرة مع باقى أجزاء الشفاء (ما عدا المنطق) فى طهران سنة ١٣٠٣ ه‍ (طبعة حجر) ولم يشر الناشر إلى المخطوط أو المخطوطات التي عول عليها ، وهى فى الأرجح مأخوذة من المخطوطات العديدة الموجودة فى مكتبات طهران (انظر فيما يلى قائمة هذه المخطوطات).

ويقع نص كتاب النفس فيما بين ص ٢٧٧ و ٣٦٨ ، وفى كل صفحة ٣٠ سطرا «والخط نسخى واضح كل الوضوح» لكنه مرصوص. والسطر مكون من ١٧ إلى ٢٠ كلمة ، ومسطرته ٣ / ١ ١٢ على ٢ / ١ ٢٤ سم. وهو خال من الضبط ، فيما عدا الشدات ، ولا اختصار فيه ، وفيه كلمات وجمل حذفت بعد كتابتها.

٢ ـ طبعة باكوش (١٩٥٦ م):

بالرغم مما لكتاب النفس من أهمية فى تاريخ فلسفة القرون الوسطى ، فإنه لم يطبع طبعة محققة إلا سنة ١٩٥٦. وقد اضطلع بها المأسوف عليه المستشرق التشيكى : جان باكوش الذي ترجمه أيضا إلى الفرنسية ، وأضاف إلى ترجمته تعليقات عديدة. وهذا عمل ضخم يستحق الثناء والتقدير لهذا العالم الجليل وللأكاديمية التشيكية التي قامت بأعباء الطبع.

وفى المقدمة المقتضية للترجمة الفرنسية (ص ٧ ـ ٩) لم يشر باكوش إلى الببليوجرافيات المتخصصة لمؤلفات ابن سينا (ببليوجرافية مهدوى ، وببليوجرافيتى ، وببليوجرافية عثمان إرجن) مع أنها ظهرت قبل نشر كتابه. ولعله لم يقف عليها ، واكتفى بالإحالة على كتاب بروكلمان.

ولم يصف المخطوطات التي اعتمد عليها واكتفى بذكر تاريخها إن نص عليه ،

١٣

وكثيراما يحيل على فهارس المخطوطات لاستكمال بعض المعلومات. وهذه المخطوطات هى :

١ ـ المتحف البريطانى الملحق ٧١١ ريو (شرقى ٢٨٧٣) ، ١٠٧٢ ه‍ / ١٦٦٢ م.

٢ ـ المكتب الهندى ٤٧٥ ، لوت (١٧٩٦ م).

٣ ـ بودليانا ٤٣٦ (بوكوك ١٢٥) ، ٧٧٧ ه‍ / ١٣٦٨ م.

٤ ـ بودليانا ٤٦٧ (بوكوك ١١٤) ، ٦٠٣ ه‍ / ١٢٠٦ م.

٥ ـ بودليانا ٤٧١ (بوكوك ١١٦) ، ٦٠٣ ه‍ / ١٢٠٦ م.

ومن بينها بوكوك ١٢٥ ، الذي يحوى وحده النص الكامل لكتاب النفس. أما بوكوك ١١٦ فلا يحوى إلا جزءا.

ورقة ١٨٥ إلى ٢٥٦ (٨ إلى ٦٨ من طبعة باكوش).

وبوكوك ١١٤ يحوى أيضا جزءا ، ورقة ٤ إلى ٢٩ (ص ٢٤٦ إلى ٢٦٨ من طبعة باكوش).

٦ ـ طبعة طهران التي أشرنا إليها من قبل.

والنص مطبوع بطريقة متصلة دون تقسيم أو تبويب ، أو علامات فصل أو وصل ، اللهم إلا ذكر أول الفصول وآخرها ، ولم ترقم الأسطر فى الهامش الجانبى بالإشارة إلى أرقام تدل على بدء صفحات المخطوطات. وللدلالة على الفوارق يستعمل الناشر أرقاما موضوعة فوق الكلمات فى نفس النص.

وقد بالغ فيما عده أمانة للنص بذكره لفوارق لا قيمة لها ، كنقص النقط فى بعض الكلمات ، وهو أمر عادى فى كثير من المخطوطات.

وللأسف أعوزته أحيانا سلامة الأسلوب فى الترجمة الفرنسية. وأضاف إليها تعليقات كثيرة تربو على السبعمائة وتشير إلى مصادر ابن سينا اليونانية ، وبخاصة أرسطو ، واسكندر الأفروديسى ، وجالينوس. وكثيرا ما يذكر النص اليونانى نفسه.

١٤

٣ ـ طبعة فضل الرحمن (١٩٥٨ م):

هى الطبعة الثانية المحققة لكتاب النفس. وهى ثمرة تضافر جهود الناشر مع لجنة نشر كتاب الشفاء لابن سينا بالقاهرة التي يرأسها الدكتور إبراهيم مدكور. وكما لوحظ فى التصدير رغبت هذه اللجنة منذ البداية فى الاستفادة بجهود السادة المحققين ، وهم قليل ، والمهمة كبيرة وشاقة. وقد رحبت بالدكتور فضل الرحمن ، وهو عالم باكستانى شاب متمكن من العربية ، وملم باللاتينية. وسبق له أن أعد رسالته للدكتوراه فى أكسفورد مع الأستاذ فالتسر (Walzer) وعول فيها على الجزء الخاص بالنفس من «كتاب النجاة» الذي يلتقى كل الالتقاء مع كتاب النفس من «الشفاء» بحيث يردد أغلب عباراته. ترجمه إلى الإنجليزية وعلق عليه واستعان بالترجمة اللاتينية «لكتاب النفس» وهى كما نعلم حرفية فى الغالب. وفى هذا ما هيأه للمهمة التي أحب أن يضطلع بها.

وقد دعته الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية إلى القاهرة بناء على رغبة لجنة نشر كتاب الشفاء لابن سينا فى صيف عام ١٩٥٢ ، ووضع تحت تصرفه كل ما توفر لدى هذه اللجنة من مخطوطات وحظى برعاية كبيرة أثناء مقامه بمصر.

بيد أنه يوم أن أنجز عمله فضل ، لأسباب نجهلها ، أن يطبع الكتاب فى أكسفورد وفى مجموعة «جيب ميموريال» واعتمد فيه على المخطوطات الآتية :

A ـ بودليانا بوكوك ١٢٥ (القرن الثاني عشر م)

B ـ بودليانا بوكوك ١١٦ (٦٠٣ ه‍ / ١٢٠٦ م)

C ـ المكتب الهندى لوت ٤٧١ (١١٥٠ ه‍ / ١٧٣٧ م)

D ـ ليدن ١٤٤٤ ، غير مؤرخ ، ويصعد فى الأرجح إلى القرن الرابع عشر الميلادى وهو صعب القراءة.

E ـ ليدن ١٤٤٥ (٨٨٢ ه‍ / ١٤٧٧ م)

F ـ الأزهر ٣٣١ (نسخة الشيخ بخيت) وهى أجود هذه المخطوطات ، وفيها هوامش مستمدة فى الغالب من مخطوط آخر.

G ـ دار الكتب حكمة ٢٦٢ (١٣٧٢) وهو مخطوط متأخر ويشتمل على أخطاء وسقطات كثيرة ، ولكنه يساعد على تحديد أسر المخطوطات. ومما يلحظ أن الأستاذ فضل الرحمن لم يعول على فوارقه إلا فى حالات قليلة.

١٥

H ـ طبعة طهران :

I ـ مخطوط لترجمة لاتينية من مدينة بال (٧ ١١١D (، أشارت إليه الآنسة دالفرنى.

J ـ طبعة البندقية (١٥٠٨ م) للترجمة اللاتينية.

وليس من اليسير أن تعقد صلات بين هذه المخطوطات اللهم إلا عن طريق شىء من النقد الداخلى وقد حاول الأستاذ فضل الرحمن ذلك ، وإن كان يرى أن ليس ثم ما يدعو إلى تفضيل مخطوط على آخر. ومن الممكن فى رأيه أن تقسم هذه المخطوطات إلى أسرتين :

(١) أسرةA ، ويدخل فيها أجزاء من B ، وC.

(٢) أسرةC F ، ويدخل فيها أجزاء من D.

ومن العسير أن تلحق E ,H بإحدى هاتين الأسرتين ، وربما اتصل E بأسرةF ,C ؛ وH بأسرةBA. ونص طبعة طهران أكثر تعقيدا ، ولعله يقترب من أسرةAGK.

وفى المخطوطات ABCDF هوامش جانبية وبخاصةACF ويظهر أن الأستاذ فضل الرحمن استخدمها كمخطوط عربى ، وأشار إلى ما فيها من أخطاء أو قراءات خاصة ، وهى فى الجملة حرفية. وترجع أخطاؤها فى الغالب إلى سوء فهم المترجم للنص العربى.

ويمكننا فى ضوء هذا كله أن نلاحظ أن باكوش وفضل الرحمن عولا على بعض المخطوطات المشتركة ، ولكن منهجهما مختلف ، ذلك لأن باكوش اعتمد على النص ما وسعه ، فى حين حكم فضل الرحمن فهمه ورأيه الشخصى فى النص الذي ارتضاه. وعلى هذا نحن إزاء طبعتين مستقلتين. وقد عالجناهما على هذا الأساس ووضعناهما معا موضع المقارنة والموازنة.

٤ ـ الترجمة اللاتينية (١٩٦٨ ـ ١٩٧٢):

اضطلعت بنشرها الآنسة فانريت (Van.Riet). الأستاذة بجامعة لوفان (بلجيكا) ، وهى تجيد اللاتينية واليونانية ، إلى جانب لغات حديثة مختلفة ، وتلم بالعربية. وقد تمرست طويلا فى جامعتها العتيدة على نشر النصوص نشرا علميا دقيقا. وأولعت بمؤلفات ابن سينا ، التي ترجمت إلى اللغة اللاتينية ،

١٦

وتعاونت فى ذلك مع زميلة كريمة هى الآنسة دالفرنى التي حاولت لجنة نشر كتاب الشفاء لا بن سينا فى القاهرة الاستعانة بها على إحياء ابن سينا اللاتينى ، فدعتها إليها منذ ربع قرن تقريبا ، وأقامت فى القاهرة زمنا واشتركت معنا فى مقارنة نص إلهيات ابن سينا اللاتينى بالنص العربى. وإذا كانت لم تستطع الإسهام مباشرة مع اللجنة فى إخراج «كتاب الشفاء» فإنها وقفت نفسها على تتبع مخطوطات ابن سينا اللاتينية فى مكتبات أوروبا الكبرى طوال عشرين عاما ، فكشفت عنها ، وعرفت الباحثين بها ، ووصفتها وصفا دقيقا ، وأصبحت حجة فى ابن سينا اللاتينى.

وإذا كانت لم تستطع أن تحقق هدفها فى نشر نصوصه فانها مهدت السبيل لناشرين آخرين ، وفى مقدمتهم الآنسة فانريت التي بدأت بنشر «كتاب النفس» وتعد منذ زمن لنشر كتاب الإلهيات ، وهما مرجعان هامان فى تاريخ السينوية اللاتينية. وتصرح فى مستهل تحقيقها أن الذي شجعها عليه أمران : أولهما الاستقصاء الشامل الذي قامت به الآنسة دالفرنى لمخطوطات ترجمة النفس اللاتينية ، وجملتها خمسون استطاعت أن تعرف بأربعين منها وأن تصفها وصفا كاشفا قبل أن تبدأ الآنسة فانريت تحقيقها. ثانيهما ظهور طبعتين محققتين للأصل العربى ، وهما طبعة باكوش وطبعة فضل الرحمن اللتان أشرنا إليهما من قبل.

* وقد سلكت فى نشرها منهجا يعد آية فى التحقيق العلمى السليم. فذهبت إلى أنه يلحظ فى ثنايا الترجمة اللاتينية الواحدة قراءتان مختلفتان ويمكن فى ضوئهما تقسيم المخطوطات اللاتينية إلى مجموعتين أ و ب. وأدت الدراسة المقارنة الدقيقة لجميع المخطوطات إلى القول بأن هناك مترجما قام لأول مرة بترجمة النص العربى ثم أعيد النظر فى النص المترجم ، وأدخلت عليه تعديلات وتنقيحات مع الاحتفاظ بمعظم النص الأساسى للترجمة الأولى ، وهذا النص مشترك فى المخطوطات جميعها. أما التعديلات والتنقيحات فتتغير من مخطوط إلى آخر. وهذه التعديلات والتغييرات هى ما سمته الأستاذة المحققة «القراءات المزدوجة (Lectures doubles).

ولأسباب ذكرتها بإسهاب ودقة ، اختارت سبع مخطوطات اعتمدت عليها فى تحقيقها ، واتخذت نسخة روما الأصل الأم مع مراعاة روايات المجموعة (ب) واكتفت بتسجيل المجموعة الأخرى فى الهامش ، مع الإشارة إلى ما يحفظ منها

١٧

وما لا يحفظ. ولم يكن قصدها تكوين نص أقرب إلى النص العربى ، بل أقرب إلى الأصل اللاتينى الأول المترجم ، على فرض أنه لم توجد إلا ترجمة لاتينية واحدة. أما صلة هذا النص بالأصل العربى فهذه مسألة أخرى حاولت أيضا أن تجيب عنها. فقد سجلت فى الهوامش الروايات العربية حسب طبيعة فصل الرمز.

وبالجملة يشتمل تحقيقها على ما يلى :

(١) النص اللاتينى مرقما فى الهامش الجانبى فى الداخل والخارج : وتشير أرقام الداخل إلى صفحات المخطوطات التي عولت عليها : وأرقام الخارج إلى صفحات طبعة البندقية وإلى صفحات طبعة فضل الرحمن.

(٢) هوامش سفلى تشير إلى روايات المخطوطات اللاتينية.

(٣) هوامش أخرى سفلية خاصة بمقارنة النص اللاتينى بالنص العربى ومشيرة أيضا إلى الروايات العربية المذكورة لدى فضل الرحمن.

(٤) تعليقات لغوية دون دخول فى شرح أو تفسير موضوعى أو محاولة تعليل بعض السقطات أو تفسير التباعد بين الأصل العربى والترجمة اللاتينية ، أو الإشارة إلى بعض المعانى المذهبية العامة التي يصعب فهمها من النص اللاتينى.

وأخيرا أعدت الآنسة فانريت فهرسا لاتينيا عربيا ، وآخر عربيا لاتينيا على غرار ما صنع فضل الرحمن ولكن بصورة أوسع. فقد فهرس فضل الرحمن نحو ١٥٠ كلمة ذات مدلول فلسفى ، فى حين أن فهرسها يشتمل على كلمات الكتاب جميعها ، بحيث يمكن بواسطته العثور على كلمة لاتينية أو عربية فى موضعها فى النص العربى أو النص اللاتينى.

٥ ـ طبعة القاهرة :

هى طبعتنا ، وتجىء خاتمة مطاف ، وثمرة جهود متصلة سابقة : ولم يكن بد منها لاستكمال سلسلة أجزاء «الشفاء» التي اضطلعت بإخراجها اللجنة بالقاهرة ونعترف بأنا لم نسلك مسلك الآنسة فانريت فى حصر جميع مخطوطات «كتاب النفس» العربية. والحصول على نسخة منها ، وتبلغ الثمانين بقدر ما نعلم حتى الآن. وإذا ما توافرت لدينا قمنا بدرسها ، والكشف عما بينها من صلات ، وتقسيمها الى أسر معينة ، نختار منها ما نعول عليه. وتلك مسألة أثيرت عند بدء إخراج «كتاب الشفاء» فتساءلنا : هل فى

١٨

الإمكان جمع مخطوطاته كلها ، أم يكتفى بقدر منها يطمأن إليه لإخراج نص محقق مقبول؟ وثبت لدينا أن محاولة الحصر الشامل للمخطوطات العربية بوجه عام ، «ولكتاب الشفاء» بوجه خاص ، لم يحن وقتها بعد ، ولا تزال تتطلب جهودا متضافرة من الأفراد والهيئات : وربما كانت متعذرة ما دامت المكتبات الخاصة مغلقة ، ولا سبيل إلى الحكم على ما تشتمل عليه. وهناك مكتبات عامة فى العالم العربى والإسلامى لم تستكمل فهرستها. على أن المنهج العلمى للتحقيق لا يستلزم الشمول والإحاطة ، وتكفى فيه الأصول المتضافرة والتي يطمأن إليها ، كما صنع باكوش وفضل الرحمن ، وجرى عليه عرف عامة المحققين. وقد يضطر أحيانا إلى النشر على أساس مخطوط واحد ، على أمل أن يكشف الزمن عما يمكن أن يضاف إليه.

قد يقال : ما الداعى : إلى نشر ثالث بعد التحقيقين العربيين السابقين ، لا سيما وفى الإمكان ، استئذان أحد الناشرين للاستعانة بنشره فى تكملة سلسلة الشفاء القاهرية؟ ومع تقديرا لجهود المحققين التي نوهنا بها من قبل ، نعتقد أن نشرنا هذا يضيف جديدا. فهو يلتزم أولا بمنهج «النص المختار» الذي أخذت به اللجنة فى تحقيق كتاب الشفاء جميعه ، وأساسه أنه لا يعول على نسخة وحدها ، وإنما يأخذ عند اختلاف القراءات بما يبدو أقرب إلى تعبير المؤلف وطريقته ، وفى هذا ما يتطلب معاثاة طويلة وإلفا لأسلوب ابن سينا وعباراته ، ونحن نعيش معه منذ خمسة وعشرين سنة أو يزيد.

وعنى منهجنا أيضا بترقيم الأسطر ، بحيث تتم الإحالة على المخطوطات بدقة كما عنى بعلامات الفصل والوصل ، وبالتقسيم والتبويب ، وفى ذلك ما يوضح النص وييسر الأمر على القارئ.

وفى ثبت المخطوطات التي عولنا عليها ما يشهد بأنا أضفنا مخطوطين جديدين لم يستعملا فى التحقيقات السابقة ، وهما : المتحف البريطانى ٧٥٠٠ شرقى ، ودار الكتب ٨٩٤ فلسفة ، واستعنا بهما فى ترجيح قراءة على أخرى. هذا فضلا عن نص باكوش وفضل الرحمن اللذين اعتبرناهما «مخطوطين جيدين» ، ووضعنا قوائم لمقابلة صفحات نصنا بصفحات نص فضل الرحمن الذي يعلو على زميله دون نزاع.

وكانت لجنة ابن سينا تتوق من قديم إلى الاستعانة بالترجمة اللاتينية فيما تقوم به من تحقيق ، وقد أتاحت لنا الآنسة فانريت فرصة ذهبية أفدنا منها فائدة كبرى فى تحقيقنا هذا ، فربطنا المصطلح العربى بالمصطلح اللاتينى ، ووضعنا قوائم لمقابلة

١٩

صفحات نصنا بصفحات نصها ، ونأمل أن يكون فى هذا ما يعين على استكمال نشر الترجمة اللاتينية لما ترجم من أجزاء الشفاء.

أما التعليقات والتفسيرات فقد رأت اللجنة منذ البداية أن تدعها لدراسات مستفيضة ، كى لا تثقل النص أو تضيف إليه ما ليس منه. والكلام عن المصادر اليونانية طويل ، ومحل أخذ ورد ، وفى وسع من شاء أن يرجع إلى طبعة باكوش ليقف على اجتهاده وآرائه.

وبعد : فقد لوحظ من قديم أن ابن سينا مفكر عالمى ، ولا شك فى أن تحقيق كتاب النفس آية جديدة من آيات هذه العالمية ، فقد اشترك فيه تشيكى ، وباكستانى ، وبلجيكية ، ومصريان ، وأملنا وطيد فى أن يطرد هذا التعاون والتنافس كشفا عن الحقيقة ، وتقديرا لفيلسوف كان له شأنه فى تاريخ الفكر الإنسانى.

الأب قنواتى

٢٠