نهر الذّهب في تاريخ حلب - ج ٢

كامل البالي الحلبي [ الغزي ]

نهر الذّهب في تاريخ حلب - ج ٢

المؤلف:

كامل البالي الحلبي [ الغزي ]


المحقق: الدكتور شوقي شعث ومحمود فاخوري
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: منشورات دار القلم العربي
المطبعة: مطبعة الصباح
الطبعة: ٢
الصفحات: ٥١٨

١
٢

٣
٤

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلاة وسلاما على من اختاره من عباده واصطفاه. أما بعد ، فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه القدير كامل بن حسين بن محمد الغزي الحلبي عفا الله عنهم. هذا هو الباب الأول في الكلام على ما في مدينة حلب من المباني الدينية والآثار الخيرية والمعاهد العلمية وغيرها. وقد افتتحناه بالكلام على أسوار حلب وأبوابها لأنها مما يتوقف على معرفتها تعيين حدود كثير من المباني والعمائر. ثم أتبعنا ذلك بالكلام على قلعتها الداخلة في سورها للغرض المذكور. ثم بالكلام على محلات حلب الداخلة في سورها والخارجة عنه مفردا لكل محلة منها فصلا على حدته ، مرتبا إياها بالذكر كترتيبها في سجل الحكومة الذي كانت تؤخذ القرعة العسكرية على نسقه أيام حكومة الدولة العثمانية في حلب ، مشيرا إلى المحلة الداخلة في السور بحرف (د) وإلى الخارجة عنه بحرف (خ) ثم أشير إلى عدد بيوتها ، وبعد ذلك أرسم جدولا يعرف منه عدد سكانها ذكورا وإناثا مسلمين وغيرهم وطنيين وغرباء ، ثم أذكر حدود المحلة وأتبعه بالكلام على ما فيها من المعابد والمعاهد العلمية والخيرية قديما وحديثا ، العامرة والمندرسة. واعتناء ببعض الآثار العظيمة العامرة أذكر مساحته بالذراع المعماري المستعمل في مدينة حلب مشيرا إلى الذراع بحرف (ع) وإلى القيراط بحرف (ط). واحتفالا ببعض المباني الموقوفة الشهيرة أذكر لها خلاصة من كتاب وقفها لأنها لا تخلو عن فائدة والله سبحانه ولي التوفيق.

٥
٦

خلاصة ما قاله المتقدمون

في أسوار مدينة حلب وأبوابها وقلعتها

أسوار حلب

قالوا : كان يضرب المثل بحصانة سور حلب ومنعته ، وكان قديما مؤلفا من ثلاثة أسوار مبنية بالحجارة من بناء الروم. ولما تشعثت بمحاصرة كسرى بعد استيلائه عليها رم ما تشعث من أسوارها وبني ما انهدم منها بالآجر الفارسي وذلك فيما بين باب الجنان وباب أنطاكية وبقيت هكذا إلى أن ملكها المسلمون. فجدد فيها بنو أمية ثم بنو صالح عدة أبراج حينما كان بنو صالح ولاة عليها من قبل الخلفاء العباسيين وهم بنو صالح بن عبد الملك ، ثم لما خربت بمحاصرة نيقفور ملك الروم سنة ٣٥١ ه‍ (١) وعاد إليها سيف الدولة ، جدد أسوارها سنة ٣٥٣ ه‍ وكان اسمه مكتوبا على بعض أبراجها ثم جدد فيها أبراجا أخرى ولده سعد الدولة وأتقن سورها سنة ٣٦٧ ه‍ ، ثم جاءت دولة بني مرداس (٢) بنى فيها معز الدولة أبو علوان ثمال بن صالح بن مرداس أبراجا بعد سنة ٤٢٠ ه‍ وكذلك بنى فيها غيره من الملوك الذين جاؤوا بعده مثل آق سنقر وولده عماد الدين زنكي.

وفي سنة ٥٥٣ ه‍ شرع نور الدين محمود زنكي الأتابك بعمارة فصيل لأسوارها وهو حائط دون الحصن أو حائط قصير دون سور المدينة. وكان هذا الفصيل ممتدا من الباب

__________________

(١) المقصود هنا نيقفور الثاني (فوكاس) إمبراطور الدولة البيزنطية الذي حكم ما بين عامي ٩٦٣ ـ ٩٦٩ م وهو من أباطرة الأسرة المكدونية.

(٢) أسس المرداسيون إمارة في حلب استمرت في الحكم زهاء أربع وخمسين سنة تقريبا.

٧

الصغير (١) إلى باب العراق (٢) ، ومن قلعة الشريف (٣) إلى قنسرين ثم إلى باب أنطاكية ، ومن باب الجنان إلى باب النصر ثم إلى باب الأربعين (٤). وعمر أيضا أسوار باب العراق.

ولما ملك الظاهر غياث الدين غازي حلب أمر بإنشاء سور من باب الجنان إلى برج الثعابين وفتح الباب المستجد وأمر بحفر الخنادق وذلك في سنة ٥٩٢ ه‍. وفيها أمر برفع الفصيل الذي بناه نور الدين وجدد السور القديم والأبراج وجعلها على علو السور الأول وكتب على البرج اسم كل أمير أو كله بعمارته. وبنى أبراجا من باب الجنان إلى باب النصر. وبنى سورا من شرقي البلدة على دار العدل. وفتح له بابا من جهة القبلة وبابا من جهة الشرق والشمال على حافة الخندق سمي الباب الصغير ، وكان يخرج منه إذا ركب وبنى دار العدل لجلوسه العام فيما بين السورين الجديد الذي بناه إلى جانب الميدان والعتيق الذي فيه الباب الصغير وفيه الفصيل الذي كان بناه نور الدين. وكان الشروع في بناء الدار المذكورة سنة ٥٨٥ اه واهتم بتحرير خندق الروم وعرف بهم لأنهم حفروه لما نازلوا حلب أيام سيف الدولة وهو محيط بالمدينة من قلعة الشريف وينعطف إلى باب القناة ، ثم ينعطف غربا من شمالي الجبيلة حتى يتصل بخندق المدينة القديمة. فأمر الملك الظاهر برفع ترابه وإلقائه على شفيره مما يلي المدينة فعلا ذلك المكان وارتفع وسفح إلى الخندق عمق واتسع وقويت به المدينة وبني عليه سور من اللبن في أيام الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر.

ثم بعد سنة ٦٢٠ ه‍ بنى شهاب الدين طغرلبك الأتابك برجا عظيما فيما بين باب النصر وبرج الثعابين مقابل أتانين الكلس ومقابر اليهود شمالي حلب. وأمر الأتابك طغرلبك بقطع الحوار من خندق الروم ، فاتسع وعمق وزادت البلدة به حصانة.

وفي سنة ٦٤٢ ه‍ جدد الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز أبراجا في السور الممتد

__________________

(١) باب مندثر الآن ويظن أنه كان يطل على خندق القلعة بالقرب من الحمّام الناصري المعروف باسم حمّام اللبابيدية.أعيد إحياء هذا الحمام وهو يقدم خدماته اليوم لأهل حلب وضيوفها.

(٢) باب مندثر يعتقد أنه كان واقعا إلى الشمال من جامع الطواشي عند حمام الذهب إلى الغرب من سوق القصيلة.

(٣) لا وجود لقلعة الشريف اليوم وقد ظل اسمها يطلق علي الحي الذي يقوم في مكانها ، أما في الماضي فقد كان هناك قلعة تحمل هذا الاسم كان يقيم فيها نائب المدينة في حين كانت قلعة حلب (القلعة الكبيرة) مقرا لنائب القلعة.

(٤) يعرف اليوم باسم «باب الجديد» كما عرف في فترة من الفترات بباب القناة.

٨

من باب الجنان إلى باب قنسرين وذلك من شمالي حلب إلى جنوبها وكانت هذه الأبراج عظيمة كل واحد منها يضاهي قلعة وعدتها نيف وعشرون برجا ارتفاع كل برج منها فوق أربعين ذراعا وسعته ما بين الأربعين إلى الخمسين. وكل برج له رواقات تستر المقاتل من حجارة المنجنيق والنشاب ، وسفح من السور والأبراج في الميل إلى الخندق فصار كله كالقلعة العظيمة والذي دعاه إلى ذلك الخوف من رجوع التتار إلى حلب بعد أن نازلوها ورجعوا عنها خائبين ولما فرغ من تحصينها على ما ذكرناه بلغت أبراج السور وبدناته مائة وثمانية وعشرين برجا وبدنة ومحيطه خارجا عن دور القلعة ستة آلاف وستمائة وخمسة وعشرين ذراعا.

فاستمرت حلب على هذه المنعة والحصانة إلى أن عاودها التتار ودخلت تحت قبضة هولاكو سنة ٦٥٨ ه‍ فخرب أسوارها وأبراجها تخريبا فاحشا ودامت خرابا إلى سنة ٦٩٣ ه‍ وفيها اهتم الأمير سيف الدين كمشبغا الحموي بعمارتها وعمل لها أبوابا تغلق عليها وكان بين باب الجنان وباب النصر باب يقال له باب العبارة (١) فجدد بناءه وسماه باب الفرج. وكان بحلب قديما باب يقال له باب الفرج بالقرب من باب العافية لصيق قصر كان ينسب إليه فيما مضى خانقاه القصر ، فخربه الملك الظاهر غازي.

ثم إن السور بقي مرمما إلى أن جاء تمرلنك (٢) فأخذ حلب وخربها وأحرقها وهدم أسوارها ونزح عنها فكان بعد ذلك كل من يجيء إليها من النواب يأمر ببناء شيء من السور على غير إحكام إلى أن تسلطن الملك المؤيد شيخ وجاء حلب في المرة الثالثة من قدماته إليها سنة ٨٢٠ ه‍ وفحص عن أمر السور القديم وركب بنفسه ودار على الأسوار وأمر ببنائها على ما كانت عليه قديما من باب العراق إلى باب الأربعين بناء محكما ، وأن يرمم السور البراني من جهة خندق الروم ، فشرع في ذلك وأمر بجمع المال من حلب وغيرها فانهدمت مساجد ومدارس وأخذت أملاك كثيرة بغير حق وكانت مبنية على أماكن من السور القديم. وكان ابتداء العمارة من رأس قلعة الشريف من جهة الشرق آخذة إلى جهة الغرب. ووصل البناء إلى القرب من باب الجنان غربا وإلى تجاه حمام الجرن الأسود المعروف بحمام الذهب شرقا. وأسس الباب الذي كان أمر بعمله مكان باب العراق وبابا عن باب

__________________

(١) ويعرف أيضا بباب الثعابين.

(٢) المقصود «تيمور لنك».

٩

الأربعين كما كان قديما. فلما وصل البناء إلى هذه الأماكن توفي الملك المؤيد شيخ. ثم في سنة ٨٣١ ه‍ أمر السلطان الملك الأشرف برسباي بعمارة الأسوار البرانية ، وأن تبنى على خندق الروم وأبطل ما كان بني من جهة جامع الطواشي وحارة بزي وفك البناء من هنا وشرع بتكملته بعد أن بنى بحارة بزي عضادتي الباب الذي أمر بعمله.

أبواب مدينة حلب

قالوا : أولها مما يلي القبلة باب قنسرين. وسمي بذلك لأنه يخرج منه إلى قنسرين. وهو قديم وجدده سيف الدولة ثم الملك الناصر يوسف ابن الملك العزيز سنة ٦٥٤ ه‍ ونقل حجارته من الناعورة (١) شرقي حلب من برج كان بها من أبراج قصر مسلمة بن عبد الملك. وقد نقلت هذه الحجارة إلى القصر المذكور من باب الرقة وقبله من سور سرّ من رأى وقبله من سور عمورية ، ولما بنى الملك الناصر باب قنسرين بنى عليه أبراجا عظيمة ومرافق للأجناد وطواحين وأفرانا وجبابا للزيت وصهاريج للماء حتى صار كالقلعة المستقلة ، وكان يوجد قرب باب قنسرين بينه وبين برج الغنم مسجد يقال له مسجد النور ، كان يتعبد فيه ابن أبي نمير الشهير الذي سنذكره في باب التراجم إن شاء الله تعالى ، ويلي هذا الباب باب العراق لأنه يخرج منه إلى جهة العراق وجدده أبو علوان ثمال بن صالح المرداسي بعد سنة ٤٢٠ ه‍ ، ثم في سنة ٥٥٠ ه‍ أنشأ نور الدين محمود زنكي بين يديه ميدانا طوله ٥٢٠ ع وعرضه من القبلة ٨٥٠ ومن الشمال ١٥٠ وكان محل باب العراق في شمالي جامع الطواشي عند حمام الذهب غربي سوق القصيلة على قدر غلوة (٢) منه ويليه باب دار العدل.

كان لا يركب منه أحد سوى الملك الظاهر غازي وهو الذي بناه. ويليه شرقا الباب الصغير وهو الباب الذي يخرج منه من تحت القلعة من جانب خندقها وخانقاه القصر إلى دار العدل ومن خارجه البابان اللذان جددهما الملك الظاهر غازي في السور الذي جدده

__________________

(١) الناعورة موضع بين حلب وبالس (مسكنة اليوم) ، كان فيه قصر لمسلمة بن عبد الملك بني من الحجارة ماؤه من العيون ، بينه وبين حلب ثمانية أميال ، كما يورد ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان.

(٢) الغلوة مقياس يعادل ١٤٥ خطوة تقريبا أو ثمن ميل. وذكر علماء اللغة أن «الغلوة» قدر رمية سهم وتستعمل في سباق الخيل. وقيل قدر ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة ذراع.

١٠

على دار العدل ، أحدهما يدعى الباب الصغير أيضا يفتح على شفير الخندق ويخرج منه إلى الميدان المتقدم ذكره. والآخر مغلق ويلي الباب الصغير الأول باب الأربعين وسمي بذلك لأنه خرج منه مرة أربعون ألفا من الجنود فلم يعودوا ، وقيل عاد منهم واحد فرأته امرأة وهو داخل فقالت له دبيران جئت ، فقال دبيران من لم يجيء!! وقيل خرج منه أربعون محدثا أو شريفا. وكان داخل باب الأربعين خانقاه أنشأتها ضيفة خاتون بنت الملك العادل وهي تجاه مسجد الشيخ الحافظ عبد الرحمن الأستاذ. وهذه الأبواب الثلاثة وهي باب العراق والباب الصغير وباب الأربعين كان الملك الظاهر غازي قد سفح بين يديها تلا من التراب الذي أخرجه من خندق الروم وسماه التواتير وهي تحيط بالبلدة من شرقي قلعة الشريف إلى باب القناة. وبنى عليها سورا وفتح فيه ثلاثة أبواب ولم يتم السور ولا الأبواب ، فأتمها ولده الملك العزيز وسمى الباب القبلي منها باب المقام لأنه يخرج منه إلى المقام المنسوب لسيدنا الخليل صلوات الله عليه وعرف مدة بباب نفيس وهو رجل كان أسفاسلارا (١) وهي لفظة أعجمية معناها متولي الأمور.

ويلي هذا الباب شرقا باب النيرب لأنه يخرج منه إلى القرية المذكورة. ويليه باب القناة لأنها تعبر منه (وهو المعروف الآن بباب الحديد) وعرف أيضا بباب بانقوسا. وقد تجدد بين باب النيرب وباب القناة باب خندق بالوجه الذي كان يعرف بباب الأحمر. ويلي باب الأربعين من جهة الشمال باب اليهود (٢) ، وكان عليه بابان يخرج منهما إلى باشورة أي قطعة أرض ظاهر البلدة. ثم هدمه الملك الظاهر غازي وجعل عليه أربعة أبواب كل باب بدركاه ، أي بدهليز ، على حدته وأزج أي قبو واحد على أربعتها وبنى عليه أبراجا ونسف ما في ظاهره من التلال والكناسات وبنى في محلها خانا تباع فيه غلات الحطب وسماه باب النصر. ثم يلي هذا الباب باب الفراديس وهو غربي البلدة أنشأه الملك الظاهر غازي وبنى عليه أبراجا عالية ثم سد بعد وفاته إلى أن فتحه ابن ابنه الملك الناصر. ويليه باب الفرج وفتحه الملك الظاهر غازي. وكان في محله باب يسمى باب العبارة أو باب الثعابين ، ويليه باب الجنان لأنه يخرج منه إليها. ويليه باب أنطاكية لأنه يخرج منه إلى جهة أنطاكية وكان

__________________

(١) الاسفهسلار : وظيفة من وظائف أرباب السيوف وعامة الجند وإلى صاحبها يرجع أمر الجند ، وهي لفظة أعجمية يقابلها بالعربية «قائد جيوش».

(٢) يعرف اليوم بباب النصر ، وقد هدم قسم منه عند إقامة شارع جادة الخندق من مطلع هذا القرن.

١١

خربه الملك الناصر ابن الملك العزيز سنة ٦٥٣ ه‍ وبنى عليه برجين عظيمين وعمل له دركاه أي دهليزا وله بابان. ويليه باب السعادة ويخرج منه إلى ميدان الحصى ، أنشأه الملك الناصر سنة ٦٤٥ ه‍ وقد دثر بعد مدة. ويليه باب قنسرين ، وكان بحلب قديما باب فوق الجسر المعقود على قويق في ظاهر باب أنطاكية من بناء سيما الطويل سماه باب السلامة خربته الروم سنة ٣٥١ ه‍.

الكلام على قلعة الشريف

قالوا : إن قلعة الشريف لم تكن قلعة ، بل كان السور محيطا بالمدينة على ما هي عليه الآن وهي مبنية على الجبل الملاصق للمدينة من قبليها وسورها دائر مع سور المدينة. وكان الشريف أبو علي الحسن بن هبة الله الحسيني الهاشمي مقدم الأحداث بحلب وهو رئيس المدينة قد تمكن وقويت شوكته وسلم المدينة لأبي المكارم مسلم بن قريش ، فلما قتل مسلم انفرد هو بولاية المدينة وسالم بن مالك العقيلي بالقلعة التي بحلب فبنى الشريف عند ذلك قلعته هذه سنة ٤٧٨ ه‍ خيفة على نفسه من أهل حلب لئلا يقتلوه. واقتطعها من المدينة وبنى بينها وبين المدينة سورا واحتفر خندقا (لم يبق له الآن من أثر). ولما ملك شمس الملوك ألب أرسلان حلب جرى على قاعدة أبيه في أمر الإسماعيلية لأنه كان قد بنى لهم بحلب دار دعوة فطلبوا منه أن يعطيهم هذه القلعة فأجابهم إلى ذلك فقبّح عليه فعله القاضي أبو الحسن بن الخشاب فأخرجهم بعد أن قتل منهم ثلاثمائة إنسان وأسر مائتين وطيف برءوسهم في البلد وذلك سنة ٥٠٨ ه‍ ، ثم خرب السور بعد ذلك لما ملك حلب ايلغازي بن أرتق سنة ٥١٠ ه‍ فعادت المدينة كما كانت.

١٢

فصل

نذكر فيه خلاصة ما فهمناه من كلام المتقدمين

ودلنا عليه الاستقصاء

في أسوار حلب وأبوابها

الذي ظهر لنا من كلام المتقدمين والفحص والتدقيق اللذين تكبدنا في إجرائهما مشقة عظيمة ونفقات طائلة ، أن سور حلب كان في أيام سيف الدولة قبل استيلاء الروم عليها مبتدئا من باب قنسرين منعطفا من جانبه جنوبا راكبا على محل قلعة الشريف قدر غلوة. ثم ينقطع ويبقى جبل القلعة المذكورة بلا سور لاستغنائه عنه. ثم في جهة شرقية على نحو النصف منه يرجع السور ويأخذ شمالا ويخرج من تجاه ساحة بزي ويمشي شمالا إلى الشرق قليلا حتى يصل إلى شمالي جامع الطواشي قرب حمام الذهب في غربي القصيلة على غلوة منها. وهناك يكون في السور باب العراق. ثم يأخذ منه مستقيما قليلا ثم ينحني حتى يأتي إلى قرب حمام الناصري المعروف في زماننا بحمام اللبابيدية في جنوبي القلعة على حافة خندقها وهناك يكون الباب الصغير ثم ينعطف السور شرقا ويقتطع جانبا من محلة ألتون بغا المعروفة الآن بالمزوق. ثم ينعطف شمالا ويقتطع جانبا من محلة الحموي وجانبا من محلة البياضة. ثم ينعطف ويسير غربا حتى يصل إلى تكية القرقلر (١) في شمالي القلعة وغربي دار الحكومة الحاجز بينهما زقاق يأخذ إلى العوينة. وهناك أي عند تكية القرقلر يكون باب الأربعين ومن هناك ينعطف السور ويسير شمالا حتى يصل إلى أواخر خندق الروم من وراء عمارة عثمان باشا تقريبا فينعطف غربا قليلا ويكون فيه باب اليهود ومنه يمشي قدر غلوة ثم يكون فيه باب العبارة ومنه يمشي محدودبا حتى يكون غربي القلعة بميلة إلى الشمال فيكون فيه باب أنطاكية ثم يمشي منه محدودبا حتى يصل إلى باب قنسرين وعند باب أنطاكية يخرج منه

__________________

(١) القرقلر : لفظة تركية تعني الأربعين.

١٣

سوران جنوبي وشمالي ، يتكوّن بينهما زقاق يتصلان بجسر الدباغة (١) في ظاهر باب أنطاكية الحالي فيكون باب السلامة الذي بناه سيما الطويل وخربه الروم أيام استيلائهم على حلب. وهاك رسم السور وأسماء الأبواب على ما ذكرناه تقريبا :

ثم لما استولى الروم على حلب هدموا باب السلامة وأسواره. وبعد أن رجع سيف الدولة إلى حلب لم يعده بل رمم باب أنطاكية فقط. ثم لما عمر الشريف قلعته على الصفة المتقدم ذكرها فصلها عن المدينة فصارت هي وسور المدينة على هذه الصفة.

__________________

(١) هذا الجسر مندثر الآن.

١٤

ثم إن ايلغازي بن أرتق خرب سور قلعة الشريف وجعلها داخل سور البلد فعادت كما كانت في أيام سيف الدولة. ولما كانت دولة نور الدين زنكي أمر بعمارة الفصيل من رأس قلعة الشريف إلى باب أنطاكية ومن باب الجنان إلى باب الأربعين ومن الباب الصغير إلى باب العراق (انظر الرسم الآتي).

والمفهوم من كلام المتقدمين أنه كان يوجد في أيام نور الدين باب يقال له باب الفرج لصيق القلعة ولا أعلم أي بقعة من السور تلاصق القلعة فيكون فيها الباب المذكور ولعل السور كان دائرا على القلعة أيضا من الباب الصغير إلى باب الأربعين والباب المذكور في الوصل. ولما جاءت دولة الملك الظاهر غازي أمر برفع الفصيل المذكور وشرع ببناء سور

١٥

وأبواب من رأس قلعة الشريف مما يلي الشرق ليحيط به السور الداخلي القديم إلى قرب باب النصر وفتح في حضرة باب العراق ميدانا وعمر دار العدل أي دار الحكومة بين السور القديم والجديد الذي صار الشروع به. فلم يتم السور ولا الأبواب المذكورة في أيامه وأتمها ابن ابنه الملك الناصر كما تقدم (انظر الرسم الآتي).

وكان لدار العدل بابان أحدهما من جهتها الجنوبية ويعرف بالباب الصغير والآخر من شرقيها مغلق على الخندق الرومي ولما خربت أسوار حلب في أيام تمرلنك ثم عمرها الملك الأشرف برسباي أمر بتعمير السور البراني وأبطل منه باب الفراديس وباب السعادة والميدان

١٦

لأنه صار معمورا وتغير موقع دار العدل وكانت في محلة الطونبغا (١) على ما هو مرسوم في المصور السابق وقد ترك الملك الأشرف السور الداخلي القديم متهدّما على ما كان عليه حفظا لما بني عليه من الدور والمساجد وغير هما. وكان قد دثر ولم يبق منه سوى رسوم خفية فصار السور البراني على هذه الصفة وهي الصفة الحاضرة تقريبا (ص ١٨).

__________________

(١) الطونبغا : محلة قرب السرايا تعرف الآن ب «ساحة الملح» وترد الكلمة أحيانا على شكل «الطنبغا» ، وقد حملت المحلة هذا الاسم نسبة إلى آلتون بغا الصالحي نائب حلب ثم دمشق عام ٧٢٣ ه‍ ، أما المعنى اللغوي للكلمة فهو الثور الذهبي. هذا ما يورده الأسدي في موسوعة حلب.

١٧

هيئة السور والأبواب في هذا الوقت

ولنتكلم الآن على هيئة السور والأبواب في سنة ١٣٤١ ه‍ فنقول : الباب الأول من جهة الجنوب هو باب قنسرين وهو أعظم الأبواب ومحله قديم قبل الإسلام يتألف من أربعة أبواب : باب يلي المدينة وباب يلي البرية وبابان بينهما. وهو لصيق قلعة الشريف. ولم يظهر لي من آثار أي ملك هو ، وقرأت على أحد جدران باشورته الموجه جنوبا سطرا

١٨

صورته : (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) إلى آخر الآية. وفي وسط هذا السطر دائرة كتب فيها (أبو النصر مولانا السلطان الملك المؤيد). قلت : وهذا الجدار لا تشابه عمارته الباب المذكور فلذا لم أجزم بأن الباب من آثار الملك المؤيد شيخ وكان مكتوبا على جدار الباشورة شرقا قبالة الباب الخارجي ما صورته:(أمر بعمارته مولانا السلطان الملك المؤيد المنصور أبو النصر شيخ في شهور سنة ٨١٨ ه‍). وقد هدم هذا الجدار سنة ١٣٠٣ ه‍ ونقلت حجارته إلى الرباط العسكري المعروف بالشيخ براق (١) ومكتوب على جدار الباشورة الموجه غربا لكن أول الكتابة من قفاه الموجه جنوبا : (أمر بعمارته مولانا السلطان الملك الأشرف قانصوه عز نصره ودام اقتداره بمحمد وآله. وذلك بتاريخ شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعمائة).

ثم يأخذ السور من هناك غربا حتى يكون تجاه مقبرة الكليباني فيكون فيه برج متشعث له شباك مكتوب فوق نجفته : (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ). وليس بين هذا البرج وبين باب قنسرين سوى برج واحد متداع للخراب. ثم يمر السور من البرج المذكور حتى يكون تجاه أتانين الكلس في محلة الكلاسة التي كانت تعرف بالحاضر السليماني فينعطف شمالا ويمشي قدر غلوة فيكون فيه ثلمة تعرف بالخراق أظن أن في محلها أو فيما قاربه كان باب السعادة. ثم يستمر السور حتى يصل إلى باب أنطاكية شرقي جسر الدباغة بينهما مسافة غلوة وكان داخل هذا الباب مدرسة اسمها الزيدية وعرفت أيضا بالألواحية أنشأها إبراهيم بن إبراهيم المعروف بأخي زيد الكيال الحلبي انتهت عمارتها سنة ٦٥٥ ه‍ ودرس فيها شمس الدين أحد بيت محيي الدين محمد ابن العجمي. ولما نزلها الألواحي الصوفي نسبت إليه وهي الآن داثرة لا أثر لها. وهذا الباب مؤلف من بابين : واحد يلي المدينة والآخر ظاهرها. ومحله قديم قبل الإسلام مكتوب على نجفته ما معناه أن الذي جدده بعد دثوره المقر السيفي دقماق الناصري كافل المملكة الحلبية. مكتوب على جدار باشورته بقلم عريض : (بسم الله الرحمن الرحيم. أمر بعمارة هذا الباب والأسوار بعد خرابها ودثورها ومحو رسومها مولانا السلطان الأعظم مالك رقاب الأمم سيد سلاطين العرب والعجم سلطان البرين وخاقان البحرين وخادم الحرمين

__________________

(١) وهي ثكنة هنانو اليوم وتسمى أحيانا بثكنة الشيخ يبرق لوجود ضريح له فيها.

١٩

الشريفين سلطان الإسلام والمسلمين ناظر الغزاة والمجاهدين العالم العادل الملك المؤيد المنصور خلد الله ملكه في كفالة المقر الأشرفي السيفي ...).

قلت : فالمفهوم من هذه الكتابة أن عمارة هذا الباب كانت في أيام الملك المؤيد شيخ لكن داخل الباب ليس من آثاره لعدم وجود الشبه بين البنائين الداخلي والخارجي. ثم يمشي السور من هناك شمالا قليلا ويكون فيه برج بأعلاه رسم أسدين متقابلين وفيه كتابة تدل على أنه من بناء الملك المؤيد شيخ ، ثم يستمر حتى يصل إلى باب الجنان وهو باب واحد ليس له دركاه (١) ، ورأيت في جدار جامع مجاور له عن جنوبه حجرة كتب فيها(جدد هذا البرج المبارك مولانا السلطان المالك الملك قانصوه الغوري عز نصره بتولي المقر السيفي برسباي الأشرفي نائب القلعة بحلب المحروسة سنة ٩٢٠) وأظن أن هذا الجامع كان في الأصل داخل برج للسور. وفي هذا الباب مشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه رؤي هناك في المنام كما قال الهروي في كتابه الإشارات في الزيارات. وهذا الباب قد هدمته الحكومة سنة ١٣١٠ ه‍ ووسعت به الطريق ولم يبق له أثر. ثم إن السور يمشي من هناك ويمر من تجاه خان دار كوره (٢) يتحدّب تارة ويتقعّر أخرى ويكون تحدبه إلى جهة المدينة وفي طرف هذا التقعير يكون باب الفرج وهو باب واحد ليس له دركاه مكتوب عليه :(جدد هذا الباب المبارك في أيام مولانا السلطان الملك الأشرف المنصور الملك العزيز بولاية المقر السيفي الأشرفي نائب القلعة المنصورة بحلب المحروسة) ، ومكتوب في جدار البرج المتصل بظاهره الموجه غربا ما صورته : (بسم الله الرحمن الرحيم. أمر بعمارته وعمارة ما تهدم في تاريخه من سور حلب مولانا السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباي عز نصره بتاريخ ٨٧٣ ه‍).

ثم يأخذ السور من هناك مستمرا حتى يصل إلى تجاه مزار السهروردي المقتول في فم بوابة القصب فيكون فيه برج الثعابين. وقد هدمته الحكومة سنة ١٣٠٣ ه‍ وهدمت غيره من الأبرجة ونقلت حجارتها إلى الرباط العسكري وقد ظهر فيه مسجد انهدم معه ولم يبق لهما أثر. وذكر مؤرخو حلب أن برج الثعابين هذا كان يوجد فيه طلسم يمنع من

__________________

(١) دركاه فارسية تدل على صحن يتقدم البناء أو يتوسطه. شاعت هذه اللفظة في العمارة المملوكية ، وتأتي أحيانا على شكل درفاعه.

(٢) انظر «خانات حلب» لدعد حكيم وهو بحث جامعي قدم لنيل الإجازة في الآداب من جامعة دمشق.

٢٠