🚘

التفسير المنير - ج ٧

الدكتور وهبة الزحيلي

التفسير المنير - ج ٧

المؤلف:

الدكتور وهبة الزحيلي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الفكر المعاصر
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

علاقة اليهود والنصارى بالمؤمنين

عداوة اليهود وإيمان القساوسة والرهبان

(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦))

الإعراب :

(تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) : جملة فعلية في موضع نصب على الحال من (أَعْيُنَهُمْ) لأن (تَرى) هاهنا من رؤية العين.

(لا نُؤْمِنُ بِاللهِ) : في موضع نصب على الحال من ضمير (لَنا) كقولهم : مالك قائما.

(فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) : (بِما قالُوا):ما مصدرية وهي مع الفعل بعدها في تقدير المصدر ، وتقديره : بقولهم. (جَنَّاتٍ) مفعول ثان لأثابهم (تَجْرِي) جملة فعلية في موضع نصب على الوصف لجنات. (خالِدِينَ فِيها) : حال من الهاء والميم في (فَأَثابَهُمُ).

٥

البلاغة :

(عَداوَةً ... ومَوَدَّةً) بينهما طباق.

(تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) معناه : تمتلئ من الدمع حتى تفيض ، استعار الفيض الذي هو الانصباب لامتلاء العين بالدمع حتى تفيض مبالغة ؛ لأن الفيض : أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه ، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء ، وهو من إقامة المسبب مقام السبب ، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء ، فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها أي تسيل من الدمع من أجل البكاء (الكشاف : ١ / ٤٧٩).

المفردات اللغوية :

(النَّاسِ) هم اليهود العرب ومشركو العرب ونصارى الحبشة في عصر التنزيل. (عَداوَةً) اعتداء وبغضاء ، والعداوة ضد المسالمة والمحبة (الَّذِينَ أَشْرَكُوا) هم الذين جعلوا مع الله إلها آخر كعبدة الأوثان من أهل مكة ، وسبب عداوتهم للمؤمنين : هو زيادة كفرهم وجهلهم وإغراقهم في اتباع الهوى (ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ) أي قرب مودتهم للمؤمنين بسبب أن منهم (قِسِّيسِينَ) جمع قسّ وقسّيس ، وهو أحد رؤساء النصارى ، العالم بالدين والكتب فوق الشماس ودون الأسقف ، والقسيسون : علماء النصارى (وَرُهْباناً) عبادا ، جمع راهب : وهو العابد المتفرع للعبادة في دير أو صومعة. (وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) عن اتباع الحق ، كما يستكبر اليهود وأهل مكة.

(ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ) القرآن (تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) تمتلئ دمعا حتى يتدفق من جوانبها ، لكثرته (آمَنَّا) صدّقنا بنبيك وكتبك (فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ) المقربين الذين يشهدون بربوبيتك وألوهيتك وبتصديق نبيك.

(وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ) لم لا نبادر إلى الإيمان مع وجود مقتضيه (وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِ) القرآن (أَنْ يُدْخِلَنا) الجنة (مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) المؤمنين.

(فَأَثابَهُمُ) جازاهم (بِما قالُوا) أي بما أعلنوا من اعتقاد.

سبب النزول :

أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير قالوا : بعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عمرو بن أمية الضمري ، وكتب معه

٦

كتابا إلى النجاشي ، فقدم على النجاشي ، فقرأ كتاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه ، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين ، ثم أمر جعفر بن أبي طالب ، فقرأ عليهم سورة مريم ، فآمنوا بالقرآن ، وفاضت أعينهم من الدمع ، فهم الذين أنزل الله فيهم : (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً) إلى قوله : (فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ).

وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : بعث النجاشي ثلاثين رجلا من خيار أصحابه إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقرأ عليهم سورة يس ، فبكوا وقالوا : ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى فنزلت فيهم الآية.

وأخرج النسائي عن عبد الله بن الزبير قال : نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه : (وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ ..) وروى الطبراني عن ابن عباس نحوه (١). قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي : المراد به النجاشي وقومه الذين قدموا من الحبشة على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وآمنوا به.

قال الطبري : والصواب في ذلك من القول عندي : أن الله تعالى وصف صفة قوم قالوا : إنا نصارى : أن نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يجدهم أقرب الناس ودادا لأهل الإيمان بالله ورسوله ، ولم يسمّ لنا أسماءهم. وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النجاشي ، ويجوز أن يكون أريد به قوم كانوا على شريعة عيسى ، فأدركهم الإسلام ، فأسلموا لما سمعوا القرآن ، وعرفوا أنه الحق ، ولم يستكبروا عنه (٢).

المناسبة :

بعد أن ذكر الله تعالى أحوال أهل الكتاب ، فأوضح مخازي اليهود وعيوبهم ، ومن أهمها قولهم : (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) [المائدة ٥ / ٦٤] ، (وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ) [آل

__________________

(١) أسباب النزول للسيوطي ، أسباب النزول للواحدي.

(٢) تفسير الطبري : ٧ / ٣.

٧

عمران ٣ / ١٨١] ، وأبان زيف عقيدة النصارى في التثليث وتأليه المسيح ، ذكر هنا موقفهم في العداوة والمحبة من المؤمنين ، ونبه على أن اليهود في غاية العداوة للمسلمين ، ولذلك جعلهم قرناء للمشركين في شدة العداوة ، بل إنهم أشد عداوة من المشركين لتقديم ذكرهم على ذكر المشركين ، قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما رواه ابن مردويه عن أبي هريرة : «ما خلا يهودي بمسلم قط إلا همّ بقتله» وذكر تعالى أن النصارى ألين عريكة من اليهود وأقرب إلى المسلمين منهم.

التفسير والبيان :

أقسم الله تعالى بذاته على أن أشد الناس المعاصرين للتنزيل عداوة للمؤمنين هم اليهود ؛ لأن كفرهم كفر عناد وجحود وهضم للحق ، بل إن عداوتهم أشد من عداوة المشركين لتقديمهم في الذكر ، ولهذا قتلوا كثيرا من الأنبياء ، حتى هموا بقتل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم غير مرة ، وسموه وسحروه ، وألّبوا عليه أشباههم من المشركين ، ثم يليهم في العداوة والبغضاء المشركون عبدة الأوثان لجهلهم بحقائق الدين ، وبالإله الحق ، وبالنبوات ، والفريقان متشابهان في الكفر والعتو والبغي وغلبة الحياة المادية وحب الذات.

وأشد ما لقي النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم من أذى ، كان من يهود الحجاز ، ومن مشركي العرب في الجزيرة ، وخاصة أهل مكة والطائف.

ووالله إن أقرب الناس محبة ومودة للمؤمنين : (الَّذِينَ قالُوا : إِنَّا نَصارى) أي قالوا : إنهم أتباع المسيح والإنجيل ، فكان فيهم في الجملة مودة للإسلام وأهله ، لما في قلوبهم على دين المسيح من الرقة والرأفة ، كما قال تعالى : (وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) [الحديد ٥٧ / ٣٧] وفي الإنجيل : «من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر».

وقد رأى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم من النصارى خيرا ، فتلقى نصارى الحبشة المؤمنين

٨

المهاجرين إليها بالحماية والتكريم ، هربا من أذى المشركين ، ورد هرقل ملك الروم النصارى كتاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ردا حسنا ، بعد أن حاول إقناع رعيته بقبول الإسلام ، وكان المقوقس عظيم القبط في مصر أحسن منه ردا ، فأرسل إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم هدية ، وبعد فتح مصر والشام أسلم كثير من النصارى في تلك البلاد ، لما رأوا في الإسلام من مزايا ، وأسلم أصحمة النجاشي ملك الحبشة مع بطانته ، ولما مات صلّى عليه النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلاة الجنازة على الغائب ونعاه للناس.

وكان سبب مودة النصارى للمؤمنين : أنه يوجد فيهم قسيسون (علماء) ورهبان (عبّاد) يدعون للإيمان والفضيلة والتواضع ، والزهد والتقشف ، ولا يستكبرون عن سماع الحق والإنصاف وينقادون له ، فوصفهم الله بالعلم والعبادة والتواضع ، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتّباعه ، والإنصاف.

وإذا سمعوا شيئا من القرآن المنزل على الرسول محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بكوا بكاء حارا غزيرا تعاطفا مع كلام الله ، وما عرفوا من الحق ، مما عندهم من البشارة ببعثة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم يبادرون لقبول دعوة الإيمان قائلين : ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ، والمراد به إنشاء الإيمان والدخول فيه أي آمنا بك وبرسلك وبمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاكتبنا مع من يشهد بصحة هذا المنزل على الأنبياء ومنهم محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويشهد لك بالوحدانية. وروى ابن مردويه وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس في قوله : (فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ) أي مع محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأمته الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة ، كما قال تعالى في خصائص أمة المصطفى : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [البقرة ٢ / ١٤٣].

ثم أكدوا قولهم فقالوا : (وَما لَنا لا نُؤْمِنُ ..) إنكار استبعاد أي ولا مانع يمنعنا من الإيمان بالله ، واتباع الحق الذي جاء به محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ونطمع أن يدخلنا ربنا الجنة بصحبة الصالحين أتباع هذا النبي الكريم الذين ثبت لنا صلاحهم وصحة إيمانهم.

٩

وهؤلاء الذين آمنوا من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى : (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ ، لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً) [آل عمران ٣ / ٢٠٠] وفي قوله تعالى أيضا : (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا : آمَنَّا بِهِ ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا ، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) إلى قوله : (لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ) [القصص ٢٨ / ٥٢ ـ ٥٥].

لذا جازاهم الله على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق ، فقال : (فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ ...) أي جعل جزاءهم دخول الجنة دار النعيم ، التي تجري من تحتها الأنهار ، أي تسيل مياهها من تحت أشجارها ، وهم ماكثون فيها أبدا ، وهذا هو جزاء المحسنين : الذين أحسنوا في اتباعهم الحق وانقيادهم له مهما كان مصدره ، ونعيم الآخرة يصعب علينا معرفته وتحديده ، لقوله تعالى : (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة ٣٢ / ١٧].

أما الذين كفروا وكذبوا بآيات الله ، أي جحدوا بها وخالفوها ، وأنكروا وحدانية الله ونبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأولئك هم أهل النار والداخلون فيها ، والمقيمون إقامة دائمة فيها.

فقه الحياة أو الأحكام :

هذه الآيات مثل عال دقيق للإنصاف والحق والعدل ، إذا أنها قسمت الناس إلى فريقين : فريق المؤمنين والموالين لهم وجزاؤهم جنات النعيم ، وفريق المشركين والكفار الموالين لهم من اليهود وجزاؤهم نيران الجحيم.

إنه إنصاف من الناس لأنفسهم وإنصاف من الله تعالى لهم.

لقد أنصف جماعة من النصارى أنفسهم بسبب إذعانهم لدين الحق والتوحيد ، فآمنوا بالله ورسوله وبالنبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ لأنهم كانوا يعلّمون الناس أصول الدين

١٠

الصحيح من توحيد الله تعالى والتصديق بجميع الأنبياء والدعوة إلى الفضائل والأخلاق الحميدة ، وكانوا يتعبدون بإخلاص في الأديرة والصوامع ويخشعون لخالق الأرض والسماء ، وليس لهم مطمع في مصالح دنيوية ، أو رئاسة فارغة ، ولم تعمهم العصبية لدين ما عن ولائهم لدين آخر ، ولم تحجبهم عن إعلان إيمانهم بالله ورسله وبما أنزل الله. فتراهم بما استقر في جوانحهم من إيمان صحيح بالله وبالأنبياء يصغون إصغاء تدبر وإمعان وإنصاف للحقائق لما أنزل إلى الرسول محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتفيض أعينهم بالدموع ، بسبب ما وجدوا من تطابق الحق الذي عرفوه وما سمعوه في القرآن الكريم ، فسألوا الله أن يتقبل منهم ، وجددوا إيمانهم بالله وبرسله ، وطلبوا أن يكونوا من جملة الشاهدين بحق على صدق وصحة دعوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم والشاهدين بالحق من قوله عزوجل ، والشاهدين على سائر الأمم يوم القيامة بتبليغ أنبيائهم لهم رسالة الله الحقة.

وهذه أحوال العلماء العاملين المنصفين يذعنون للحق ويستجيبون للإيمان الصحيح ، وتخشع جوارحهم لذكر الله ، كما قال سبحانه وتعالى : (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ ، تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ) [الزمر ٣٩ / ٢٣] وقال : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً ، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [الأنفال ٨ / ٢].

والخلاصة : لقد بيّن الله سبحانه في هذه الآيات أن أشد الكفار تمردا وعتوا وعداوة للمسلمين اليهود ، ويضاهيهم المشركون ، وأن أقرب الناس مودة للمؤمنين هم نصارى ذلك الزمان.

ومن علائم إنصاف أولئك النصارى الذين آمنوا بدعوة الإسلام إيمانا جريئا عدا اعترافهم بصحة المنزل من القرآن في شأن عيسى عليه‌السلام وإثبات البعث

١١

والحساب ، هو إنكارهم عدم الإيمان بالحق حينما قالوا : (وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِ) فدلّ ذلك على استبصارهم في الدين ومعرفتهم الحق ، وانصياعهم له ، دون عتو ولا استكبار ولا إعراض مثلما فعل اليهود والمشركون.

وكان الإنصاف من الله تعالى : أنه جازى أولئك المؤمنين بدينهم الحق وبدين الإسلام الحق المصدق له والمكمل له ، كما قال سبحانه : (فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ ...) وهذا دليل على إخلاص إيمانهم وصدق مقالتهم ، فأجاب الله سؤلهم وحقق طمعهم ، وذلك عدل الله وفضله أنه يمنح رضوانه وجنته لمن آمن بإخلاص وعمل صالحا بصدق ويقين. وهكذا من خلص إيمانه وصدق يقينه يكون ثوابه الجنة.

والعدل يقضي أيضا أن الذين كفروا من اليهود والنصارى والمشركين ، وكذبوا بالدلائل الواضحة على وجود الله ووحدانيته وصدق أنبيائه ، أولئك أصحاب الجحيم ، أي النار الشديدة الاتقاد.

إباحة الطيبات

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨))

الإعراب :

(حَلالاً) حال مما رزقكم الله ، كما قال الزمخشري ، أو مفعول به ل (كُلُوا) ، و (مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) حال منه ، وسوغ مجيء الحال من النكرة تقدمها عليها.

١٢

المفردات اللغوية :

(لا تُحَرِّمُوا) لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم (طَيِّباتِ) ما تستطيبه الأنفس ، وهي ما لذّ وطاب من الحلال (وَلا تَعْتَدُوا) تتجاوزوا أمر الله ولا تتخطوا الحدود المقررة شرعا ، أو لا تسرفوا في تناول الطيبات ، أو لا تعتدوا بتحريم الطيبات (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) أي من الوجوه الطيبة التي تسمى رزقا (حَلالاً) حال كون ما رزقكم الله من الحلال لا من الحرام (طَيِّباً) غير مستقذر ولا نجس.

سبب النزول :

أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في رهط من الصحابة ، منهم عثمان بن مظعون ، قالوا : نقطع مذاكيرنا ، ونترك شهوات الدنيا ، ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان ، فبلغ ذلك النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأرسل إليهم ، فذكر لهم ذلك فقالوا : نعم ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم: «لكني أصوم وأفطر ، وأصلّي وأنام ، وأنكح النساء ، فمن أخذ بسنتي فهو مني ، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني».

وفي رواية السدي : أنهم كانوا عشرة ، منهم ابن مظعون وعلي بن أبي طالب.

وأخرج بن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن عكرمة : أن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، والمقداد بن الأسود وسالما مولى أبي حذيفة ، وقدامة تبتّلوا فجلسوا في البيوت ، واعتزلوا النساء ، ولبسوا المسوح ، وحرّموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل ، وهمّوا بالاختصاء ، وأجمعوا على القيام بالليل وصيام النهار ، فنزلت الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ) الآية.

فلما نزلت بعث إليهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلمفقال : «إن لأنفسكم حقا ، وإن لأعينكم حقا ، وإن لأهلكم حقا ، فصلوا وناموا ، وصوموا وأفطروا ، فليس منا

١٣

من ترك سنتنا» فقالوا : اللهم صدّقنا واتبعنا ما أنزلت على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

وعن ابن مسعود : أن رجلا قال : إني حرمت الفراش ، فتلا هذه الآية وقال : نم على فراشك ، وكفر عن يمينك.

والخلاصة : اتفقت الروايات على أن هذه الآية نزلت في قوم من الصحابة هموا أن يلازموا الصوم وقيام الليل ، ولا يقربوا النساء والطيب ، ولا يأكلوا اللحم ، ولا يناموا على الفراش.

المناسبة :

بدئت سورة المائدة بالأمر بإيفاء العقود ، وذلك يشمل التزام حدود الله وما أحله الله واجتناب ما حرمه ، ثم نص تعالى على عدم إحلال ما حرم الله بقوله : (لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ) وهذه الآية لبيان النوع المقابل وهو تحريم ما أحل الله. وهي أيضا مرتبطة بما قبلها ، فبعد أن مدح الله النصارى بأنهم أقرب مودة للمؤمنين بسبب وجود قسيسين ورهبان منهم ، فهم بعض المؤمنين بأن في هذا ترغيبا في الرهبانية وتحسينا للتقشف والزهد ، وذلك بترك الطيّبات من الطعام واللباس والنساء. فنهاهم تعالى عن منع أنفسهم من الطيبات ، كالذي فعله القسيسون والرهبان ، فحرموا على أنفسهم النساء والمطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة ، وحبس في الصوامع بعضهم أنفسهم ، وساح في الأرض بعضهم (١).

التفسير والبيان :

يا أيها المؤمنون لا تحرموا على أنفسكم ولا تمنعوها من الطيبات : وهي ما تستلذه الأنفس ، لما فيها من المنافع ، بأن تتركوا التمتع بها تقربا إلى الله ، ولا تتعدوا حدود ما أحل الله إلى ما حرم عليكم ، أو : ولا تسرفوا في تناول

__________________

(١) تفسير الطبري : ٧ / ٦

١٤

الطيبات ، أو : ولا تعتدوا بتحريم الطيبات ، فكان الاعتداء شاملا أمرين : الاعتداء في الشيء نفسه بالإسراف فيه ، كقوله تعالى : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف ٧ / ٣١] والاعتداء بتجاوزه إلى غيره من الخبائث.

وسبب النهي عما ذكر أن الله يبغض المعتدين ويعاقب المتجاوزين حدود شرعه ، وتحريم حلاله ولو بقصد عبادته ، سواء كان التحريم بيمين أو نذر أو بغيرهما.

وفي هذا انسجام مع مبدأ وسطية الإسلام واعتداله ، فلا إسراف ولا تقتير ، ولا امتناع عن المادية ولذائذ الحياة المشروعة ، ولا رغبة في الرهبانية والزهد المؤدي إلى الكبت وتعذيب النفس وإضعاف الجسد وحرمانه ، كما لا إغراق في الشهوات وانتهاب اللذات فوق القدر المعتاد المتوسط.

وبعد أن نهى تعالى عن منع النفس من طيبات الحياة ، أمر بنحو إيجابي على سبيل الإباحة بالأكل مما أحلّ الله لكم وطاب ، مما رزقكم الله من الحلال ، لا من المحرّمات بنفسها كالميتة والدّم المسفوح ولحم الخنزير ، ولا من الحرام بطريق الكسب كالرّبا والقمار والسرقة والسّحت وغير ذلك من أكل أموال الناس بالباطل.

وهذا يدلّ على أنّ الرّزق يتناول الحلال والحرام ، ووجود الحرام للاختبار ومعرفة مدى مجاهدة النفس بحملها على ما أحلّه الله ، ومنعها مما حرّمه الله.

ثم وضع الله ظابطا ليس في العبادة وحدها ، وإنما في الأمور المعاشية المعتادة أيضا ، وهو الأمر بتقوى الله ، والاعتصام بحدود الله ، أي فاتّقوا الله الذي آمنتم به في كل شؤون المعيشة والحياة من أكل وشرب ولباس ونساء وغيرها ، ولا تتجاوزوا المشروع في تحليل ولا تحريم.

١٥

والأمر بالتقوى هنا إنما ذكر للحثّ على المحافظة على ما أوصى به الله ، والمداومة عليه ؛ وإيراده عقب النّهي عن تحريم الطّيبات والأمر بالأكل من الرّزق الطيب الحلال : للدلالة على أنه لا منافاة ولا تغاير بين الاستمتاع بطيبات الرزق وبين التقوى.

ونظير هذه الآية قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ، وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [البقرة ٢ / ١٧٢] ، وقوله عزوجل : (قُلْ : مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف ٧ / ٣٢] ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فيما رواه مسلم عن أبي هريرة ـ : «إنّ الله تعالى طيّب لا يقبل إلّا طيّبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى : (يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً) [المؤمنون ٢٣ / ٥١] ، وقال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ) [البقرة ٢ / ١٧٢]». والمراد بالطّيّبات : الحلال ، كما قال النّووي.

فقه الحياة أو الأحكام :

هذه الآية من أصول الإسلام الداعية إلى التّوسّط والاعتدال ، والأخذ باليسر والسّماحة ، والبعد عن التّنطّع في الدّين ، وعن الأخذ بمشاق الأعمال المضنية للنّفس البشرية ، ومراعاة متطلّبات الحياة ، ودواعي الفطرة السليمة السوية من إيفاء حقّ الرّوح والجسد.

وفيها دليل على حرمة الرّهبانية ، وقد صرّح القرآن بأنها مبتدعة ، وورد في السّنّة النّبويّة عنه عليه الصلاة والسّلام فيما رواه الدارمي أنه قال : «إني لم أومر بالرّهبانية» ورواية أحمد : «إن الرهبانية لم تكتب علينا». وعن أنس قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من كان موسرا لأن ينكح فلم ينكح فليس منّي». وأخرج مسلم عن أنس أنّ نفرا من أصحاب النّبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم سألوا أزواج النّبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن

١٦

عمله في السّر ، فقال بعضهم : لا أتزوج النساء ، وقال بعضهم : لا آكل اللحم ، وقال بعضهم : لا أنام على الفراش ؛ فحمد الله وأثنى عليه فقال : «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ، لكني أصلّي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي».

وخرّجه البخاري عن أنس أيضا بلفظ آخر ، قال : «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النّبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسألون عن عبادته ؛ فلما أخبروا كأنّهم تقالّوها ، فقالوا : وأين نحن من النّبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟ قد غفر الله له من ذنبه ما تقدّم وما تأخّر ، فقال أحدهم : أما أنا ، فإنّي أصلّي الليل أبدا. وقال آخر : أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر : أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوّج أبدا. فجاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا ، أما والله ، إنّي لأخشاكم لله ، وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلّي وأرقد ، وأتزوّج النساء ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي».

وهذا صريح في نبذ التّزمّت والتّشدّد والمبالغة في التّديّن ، وهو صريح أيضا في أنّ الإسلام دين اليسر والسّماحة ، أخرج الإمام أحمد عن أنس أنّ النّبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن هذا الدّين متين ، فأوغلوا فيه برفق». وأخرج أحمد أيضا عن أبي أمامة الباهلي أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إنّي لم أبعث باليهوديّة ولا النّصرانية ، ولكنّي بعثت بالحنيفية السّمحة».

وقال علماء المالكية : في هذه الآية وما شابهها والأحاديث الواردة في معناها ردّ على غلاة المتزهّدين ، وعلى أهل البطالة من المتصوّفين ؛ إذ كلّ فريق منهم قد عدل عن طريقه ، وحاد عن تحقيقه (١) ؛ قال الطّبري : لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحلّ الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيّبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك بها بعض العنت والمشقّة ، ولذلك ردّ

__________________

(١) تفسير القرطبي : ٦ / ٢٦٢

١٧

النّبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم التّبتّل على ابن مظعون (١) ، فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحلّه الله لعباده ، وأن الفضل والبرّ إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه ، وعمل به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وسنّه لأمته ، واتّبعه على منهاجه الأئمة الراشدون ، إذ كان خير الهدي هدي نبيّنا محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإذا كان كذلك تبيّن خطأ من آثر لباس الشعر والصّوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لباس ذلك من حلّه ، وآثر أكل الخشن من الطّعام ، وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء.

وتأكّد مفهوم أوّل الآية بآخرها : (وَلا تَعْتَدُوا) فقد تضمن ذلك النّهي عن أمرين : أي لا تشددوا فتحرموا حلالا ، ولا تترخّصوا فتحلّوا حراما ، كما قال الحسن البصري.

وقال الإمام مالك : من حرّم على نفسه طعاما أو شرابا أو أمة له ، أو شيئا مما أحلّ الله ، فلا شيء عليه ، ولا كفارة في شيء من ذلك. وقال أبو حنيفة : إنّ من حرّم شيئا صار محرّما عليه ، وإذا تناوله لزمته الكفارة. قال القرطبي : وهذا بعيد والآية تردّ عليه. وقال الشافعي وسعيد بن جبير : لغو اليمين تحريم الحلال.

وقوله تعالى : (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً) يشتمل التّمتّع بالأكل والشرب واللّباس والرّكوب ونحو ذلك. وخصّ الأكل بالذّكر ؛ لأنّه أعظم المقصود وأخصّ الانتفاعات بالإنسان. أمّا التّمتّع بالكماليات والتّرفه بالفاكهة ونحوها ، فرأى بعضهم صرف النفس عنها ، حتى لا يصير أسير شهواتها ، ومنقادا بانقيادها ، ورأى آخرون : أن تمكين النفس من لذاتها أولى لما فيه من ارتياحها

__________________

(١) أخرج البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل ، فنهاه النّبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولو أجاز له ذلك لاختصينا.

١٨

ونشاطها بإدراك إرادتها ، والحقّ التوسّط والاعتدال في ذلك ؛ لأن في إعطاء النفس مرة ومنعها أخرى جمع بين الأمرين.

وكان طعام النّبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما وجد ، فتارة يأكل أطيب الطعام كاللحوم ، وتارة يأكل أخشنه كخبز الشعير مع الملح أو الزيت أو الخل ، وأحيانا يجوع وأخرى يشبع ، فكان في عادته قدوة للموسر والمعسر ، أو الغني والفقير ، وينفق على قدر حاله بلا تقتير ولا إسراف ، لقوله تعالى : (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ، فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللهُ) [الطّلاق ٦٥ / ٧].

وكان يهتم بالشراب أكثر من الطّعام ، قالت عائشة رضي‌الله‌عنها : «كان أحبّ الشراب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الحلو البارد».

اليمين اللغو واليمين المنعقدة وكفّارتها

(لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩))

الإعراب :

(بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ) يحتمل أن تكون «ما» مصدرية أي بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها بالقصد والنّيّة ، ويحتمل أن تكون اسم موصول.

(مِنْ أَوْسَطِ) متعلّق بمحذوف ، صفة لمصدر محذوف ، أي إطعاما كائنا من أوسط.

(أَوْ كِسْوَتُهُمْ) عطف على إطعام ، إما باعتبار أن الكسوة مصدر أو على إضمار مصدر.

١٩

البلاغة :

(أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكلّ ، والمراد عتق النفس.

المفردات اللغوية :

(بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ) اللغو الكائن في اليمين : وهو ما يسبق إليه اللسان من غير قصد الحلف ، كقول الإنسان : لا والله ، وبلى والله. (عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ) أي قصدتم اليمين أو حلفتم عن قصد ، وتعقيد اليمين : المبالغة في توكيدها. (فَكَفَّارَتُهُ) الكفارة من الكفر وهو السّتر والتّغطية ، ثم صارت في الاصطلاح الشرعي اسما لما يزيل أثر اليمين من الذّنب والمؤاخذة عليه حال الحنث فيه. (إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ) لكل مسكين مدّ (٦٧٥ غم). (مِنْ أَوْسَطِ) الوسط في الطعام والغالب في أقوات الناس ، لا الأعلى ولا الأدنى. (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) أي ما يسمى كسوة عرفا وعادة كقميص وعمامة ورداء وإزار ، ولا يكفي في مذهب الشافعي دفع الكفارة إلى مسكين واحد بل لا بدّ من التّعدّد : ثلاثة فأكثر. (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) عتق رقبة ، ويشترط كونها عند الجمهور غير الحنفية مؤمنة كما في كفارة القتل والظهار ، حملا للمطلق على المقيد. وهذه كفارة يمين الموسر.

(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) واحدا من خصال الكفارة المذكورة بأن كان معسرا معدما. (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) كفارته ، وظاهره أنه لا يشترط التتابع ، وهو مذهب المالكية والشافعية ، واشترط الحنفية والحنابلة التتابع لقراءة ابن مسعود «متتابعات». (وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ) أن تنكثوها ما لم تكن على فعل بر أو إصلاح بين الناس ، كما تقدّم في سورة البقرة. (كَذلِكَ) أي مثل ما بيّن لكم ما ذكر. (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ) أحكام شريعته. (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي لتشكروه على ذلك.

سبب النّزول :

روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال : لما نزلت : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ) في القوم الذين كانوا حرموا النّساء واللحم على أنفسهم قالوا : يا رسول الله ، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ، فأنزل الله تعالى ذكره : (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ) الآية. علّق الطّبري على ذلك بقوله : فهذا يدلّ على ما قلنا من أن القوم كانوا حرّموا ما حرموا على أنفسهم بأيمان حلفوا بها ، فنزلت هذه الآية بسببهم (١).

__________________

(١) تفسير الطبري : ٧ / ١٠

٢٠