🚘

المدارس النحويّة

الدكتور شوقي ضيف

المدارس النحويّة

المؤلف:

الدكتور شوقي ضيف


الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: دار المعارف
الطبعة: ٧
الصفحات: ٣٧٥
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

المدارس النحوة

٣
٤

مقدمة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

حين أعارتنى جامعة القاهرة فى العام الدراسى ١٩٦٥ ـ ١٩٦٦ لشقيقتها الجامعة الأردنية حاضرت طلاب قسم اللغة العربية بها فى تاريخ المدارس النحوية. ولما رجعت إلى المكتبة العربية الحديثة لم أجد فيها كتابا يغنى فى هذا الموضوع غناء محمودا ، وقد مضيت أحاضر الطلاب فيه محاولا ـ بقدر جهدى ـ أن أبلغ حاجتهم بترتيب مقدماته وتوفير الأسباب المعينة على صحة نتائجه ، حتى استقامت لى هذه الصورة لمدارسنا النحوية على مرّ التاريخ.

ولعل هذه أول مرة تبحث فيها المدارس النحوية بحثا جامعا ، وهو بحث يرسم فى إجمال الجهود الخصبة لكل مدرسة وكلّ شخصية نابهة فيها. وكان طبيعيّا أن أبدأ بالمدرسة البصرية ، لأنها هى التى وضعت أصول نحونا وقواعده ومكّنت له من هذه الحياة المتصلة التى لا يزال يحياها إلى اليوم ، وكلّ مدرسة سواها فإنما هى فرع لها وثمرة تالية من ثمارها. وقد تقدمت البحث فيها بتصحيح خطأ شاع وذاع قديما وحديثا ، وهو ما ينسب إلى أبى الأسود الدّؤلى وتلاميذه من وضع بعض مبادئ النحو ، وهى إنما بدأت توضع مع الجليل التالى عند ابن أبى إسحق الحضرمى. وأوضحت الأسباب التى جعلت عقل البصرة أدقّ وأعمق من عقل الكوفة وأكثر استعدادا لتسجيل ظواهر النحو العربى ووضع قواعده وقوانينه.

وقد ذهبت إلى أن الخليل بن أحمد الفراهيدى هو المؤسس الحقيقى لمدرسة البصرة النحوية ولعلم النحو العربى بمعناه الدقيق ، وصوّرت فى تضاعيف ذلك إقامته لصرح النحو بكل ما يتصل به من نظرية العوامل والمعمولات وبكل ما يسنده من سماع وتعليل وقياس سديد ، مع بيان ما امتاز به من علم بأسرار العربية

٥

وتذوق لخصائصها التركيبية. وخلفه على تراثه تلميذه سيبويه الذى تمثل آراءه النحوية تمثلا غريبا رائعا ، نافذا منها إلى ما لا يكاد يحصى من الآراء ، فإذا هو يسوّى من ذلك «الكتاب» آيته الكبرى ، وقد بلغ من إعجاب الأسلاف به أن سموه «قرآن النحو» وكأنما أحسوا فيه ضربا من الإعجاز ، لا لتسجيله فيه أصول النحو وقواعده تسجيلا تامّا فحسب ، بل أيضا لأنه لم يكد يترك ظاهرة من ظواهر التعبير العربى إلّا أتقنها فقها وعلما وتحليلا.

وحمل «الكتاب» عن سيبويه تلميذه الأخفش الأوسط ، وأقرأه تلاميذ بصريين فى مقدمتهم المازنى وتلاميذ كوفيين فى مقدمتهم الكسائى ، وكان لهجا بالاعتراض على سيبويه والخليل ، مما جعله ينفذ إلى كثير من الآراء ، وخاصة أنه كان يفسح للغات الشاذة ، وهو بذلك يعدّ الإمام الحقيقى للكسائى وغيره من أئمة المدرسة الكوفية. وكان يعنى بالدفاع عن القراءات المشتملة على بعض الشذوذ والاحتجاج لها بأشعار العرب الفصحاء. وقد بيّنت فى مواطن أخرى أن الفرّاء إمام المدرسة الكوفية بعد الكسائى هو أول من تعرض للقراءات الشاذة بالإنكار العنيف ، وتابعه فى ذلك المازنى وتلميذه المبرد آخر أئمة المدرسة البصرية النابهين.

وأخذت أبحث فى نشاط المدرسة الكوفية ، ولاحظت أنه بدأ متأخرا عند الكسائى ، وقد استطاع هو وتلميذه الفرّاء أن يستحدثا فى الكوفة مدرسة نحوية تستقل بطوابع خاصة من حيث الاتساع فى الرواية ، ومن حيث بسط القياس وقبضه ، ومن حيث وضع بعض المصطلحات الجديدة ، ومن حيث رسم العوامل والمعمولات. وتوسّع الفرّاء خاصة فى تخطئة بعض العرب وإنكار بعض القراءات الشاذة ، وكان ينفذ أحيانا إلى أحكام لا تسندها الشواهد والأمثلة ، وهو يعدّ بحقّ إمام الكوفيين ، فثعلب وغير ثعلب إنما كانوا شارحين لآرائه ومفسرين.

ومضيت أبحث فى المدرسة البغدادية وكانت قد ترامت عليها ظلال خدع كثيرة وخاصة أن علميها الفذّين : أبا على الفارسى وابن جنّى كثيرا ما يكنيان عن البصريين فى مصنفاتهما باسم «أصحابنا» مما جعل كثرة المعاصرين تظن

٦

أنهما بصريان حقّا ، وهما إنما يصوران بذلك نزوعهما الشديد تلقاء البصريين ، أما بعد ذلك فإنهما ينهجان النهج القويم للمدرسة البغدادية القائم على الانتخاب من آراء المدرستين البصرية والكوفية ، مع فتح الأبواب للاجتهاد والخلوص إلى الآراء المبتكرة. وقد تداول هذه المدرسة جيلان : جيل أول كانت تغلب عليه النزعة الكوفية ، وهو الذى يدور فى كتابات ابن جنى باسم البغداديين ، من أمثال ابن كيسان ، ثم جيل ثان خلف هذا الجيل كانت تغلب عليه النزعة البصرية على نحو ما يلقانا عند الزجاجى ثم أبى على الفارسى وابن جنى مؤصّل علم التصريف وواضع قوانينه الكلية.

وانتقلت أبحث فى المدرسة الأندلسية ، متتبعا نشاطها النحوى طوال العصور المتعاقبة ، ولاحظت استظهار نحاتها منذ القرن الخامس الهجرى لآراء أئمة النحو السابقين من بصريين وكوفيين وبغداديين ، مع الاجتهاد الواسع فى الفروع ومع وفرة الاستنباطات وكثرة التعليلات والاحتجاجات. ولا نكاد ننتقل من جيل إلى جيل حتى تلقانا مجموعة من الأئمة ، وكل إمام منهم يثير من الخواطر والآراء ما لم يسبقه إليه سابق من النحاة المجلّين ، حتى لنرى ابن مضاء القرطبى يريد أن يصوغ النحو صياغة جديدة تخلو من نظرية العوامل والمعمولات المذكورة والمقدّرة ومن العلل والأقيسة المعقدة. وأكبر أئمتهم ـ على الإطلاق ـ ابن مالك وقد رسمت فى إجمال آراءه ومنهجه ، وعرضت لخالفيه من نحاة الأندلس وخاصة أبا حيّان.

وبحثت أخيرا فى المدرسة المصرية ، ملاحظا أنها كانت فى أول نشأتها شديدة الاقتداء بالمدرسة البصرية ، ثم أخذت تمزج ـ منذ القرن الرابع الهجرى ـ بين آراء البصريين والكوفيين ، وضمّت سريعا إلى تلك الآراء آراء البغداديين ، غير أنها لم تونق ولم تزدهر إلا منذ العصر الأيوبى ، وسرعان ما تكامل ازدهارها فى العصر المملوكى بما أتاحه لها ابن هشام من ملكاته العقلية النادرة ومن إحاطته بآراء النحاة السالفين له على اختلاف مدارسهم وأعصارهم وبلدانهم ، ومن قدرته البارعة فى مناقشة تلك الآراء ، مع ما امتاز به من طرافة التحليل والاستنباط

٧

وجمال العرض والأداء. وظلت الدراسات النحوية ناشطة بعده فى مصر حتى العصر الحديث.

ولم أتابع البحث فى الجهود الخصبة التى بذلت فى عصرنا لتجديد النحو وتيسييره ، لأنه إنما قصد بها إلى غايات تربوية فى تعليم الناشئة ، وهى حرية بكتاب مستقلّ. والله أسأل أن يلهمنى السّداد والإخلاص فى الفكر والقول والعمل ، وهو حسبى ونعم الوكيل.

القاهرة فى أول يناير سنة ١٩٦٨ م.

شوقى ضيف

٨

القسم الأول

المدرسة البصريّة

٩
١٠

الفصل الأول

البصرة واضعة النحو

١

أسباب وضع النحو

يمكن أن نردّ أسباب وضع النحو العربى إلى بواعث مختلفة ، منها الدينى ومنها غير الدينى ، أما البواعث الدينية فترجع إلى الحرص الشديد على أداء نصوص الذكر الحكيم أداء فصيحا سليما إلى أبعد حدود السلامة والفصاحة ، وخاصة بعد أن أخذ اللحن يشيع على الألسنة ، وكان قد أخذ فى الظهور منذ حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقد روى بعض الرواة أنه سمع رجلا يلحن فى كلامه ، فقال : «أرشدوا أخاكم فإنه قد ضلّ»(١) ورووا أن أحد ولاة عمر بن الخطاب كتب إليه كتابا به بعض اللحن ، فكتب إليه عمر : «أن قنّع كاتبك سوطا»(٢). غير أن اللحن فى صدر الإسلام كان لا يزال قليلا بل نادرا ، وكلما تقدمنا منحدرين مع الزمن اتسع شيوعه على الألسنة ، وخاصة بعد تعرب الشعوب المغلوبة التى كانت تحتفظ ألسنتها بكثير من عاداتها اللغوية ، مما فسح للتحريف فى عربيتهم التى كانوا ينطقون بها ، كما فسح للحن وشيوعه. ونفس نازلة العرب فى الأمصار الإسلامية أخذت سلائقهم تضعف لبعدهم عن ينابيع اللغة الفصيحة ، حتى عند بلغائهم وخطبائهم المفوّهين ، ويكفى أن نضرب مثلا لذلك ما يروى عن الحجاج من أنه سأل يحيى بن يعمر هل يلحن فى بعض نطقه؟ وسؤاله ذاته يدلّ على ما استقر فى نفسه من أن اللحن أصبح بلاء عامّا ، وصارحه يحيى بأنه

__________________

(١) كنز العمال ١ / ١٥١.

(٢) الخصائص لابن جنى (طبعة دار الكتب المصرية) ٢ / ٨.

١١

يلحن فى حرف من القرآن الكريم إذ كان يقرأ قوله عزوجل : (قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ)إلى قوله تعالى : (الصَّاحِبِ) بضم أحبّ والوجه أن تقرأ بالنصب خبرا لكان لا بالرفع (١). وإذا كان الحجاج وهو فى الذروة من الخطابة وللبيان والفصاحة والبلاغة يلحن فى حرف من القرآن ، فمن وراءه من العرب نازلة المدن الذين لا يرقون إلى منزلته البيانية كان لحنهم أكثر. وازداد اللحن فشوّا وانتشارا على ألسنة أبنائهم الذين لم ينشأوا فى البادية مثلهم ولا تغذّوا من ينابيعها الفصيحة ، إنما نشأوا فى الحاضرة واختلطوا بالأعاجم اختلاطا أدخل الضيم والوهن على ألسنتهم وفصاحتهم على نحو ما هو معروف عن الوليد بن عبد الملك وكثرة ما كان يجرى على لسانه من لحن (٢). وكان كثيرون من أبناء العرب ولدوا لأمهات أجنبيات أو أعجميات ، فكانوا يتأثرون بهن فى نطقهن لبعض الحروف وفى تعبيرهن ببعض الأساليب الأعجمية (٣). وكل ذلك جعل الحاجة تمسّ فى وضوح إلى وضع رسوم يعرف بها الصواب من الخطأ فى الكلام خشية دخول اللحن وشيوعه فى تلاوة آيات الذكر الحكيم.

وانضمت إلى ذلك بواعث أخرى ، بعضها قومى عربى ، يرجع إلى أن العرب يعتزّون بلغتهم اعتزازا شديدا ، وهو اعتزاز جعلهم يخشون عليها من الفساد حين امتزجوا بالأعاجم ، مما جعلهم يحرصون على رسم أوضاعها خوفا عليها من الفناء والذوبان فى اللغات الأعجمية. وبجانب ذلك كانت هناك بواعث اجتماعية ترجع إلى أن الشعوب المستعربة أحست الحاجة الشديدة لمن يرسم لها أوضاع العربية فى إعرابها وتصريفها حتى تتمثّلها تمثلا مستقيما ، وتتقن النطق بأساليبها نطقا سليما. وكل ذلك معناه أن بواعث متشابكة دفعت دفعا إلى التفكير فى وضع النحو ، ولا بد أن نضيف إلى ذلك رقى العقل العربى ونمو طاقته الذهنية نموا أعدّه للنهوض برصد الظواهر اللغوية وتسجيل الرسوم النحوية تسجيلا تطّرد فيه القواعد وتنتظم الأقيسة انتظاما يهيئ لنشوء علم النحو ووضع قوانينه الجامعة المشتقة من

__________________

(١) طبقات النحويين واللغويين للزبيدى (طبعة الخانجى) ص ٢٢. وانظر البيان والتبيين (طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر) ٢ / ٢١٨.

(٢) البيان والتبيين ٢ / ٢٠٤ وانظر عيون الأخبار لابن قتيبة ٢ / ١٥٨ ، ١٦٧.

(٣) البيان والتبيين ١ / ٧٢ ، ٢ / ٢١٠.

١٢

الاستقصاء الدقيق للعبارات والتراكيب الفصيحة ومن المعرفة التامة بخواصها وأوضاعها الإعرابية.

٢

صنيع أبى الأسود (١) الدّؤلىّ وتلاميذه

لما كانت العلوم فى الأمم لا تظهر فجأة ، بل تأخذ فى الظهور رويدا رويدا حتى تستوى على سوقها ، كان ذلك مدعاة فى كثير من الأمر لأن تغمض نشأة بعض العلوم وأن يختلط على الناس واضعوها المبكرون. وهذا نفسه ما حدث فيمن نسبت إليهم الخطوات الأولى فى وضع النحو العربى ، وفى ذلك يقول السيرافى : اختلف الناس فى أول من رسم النحو ، فقال قائلون : أبو الأسود الدؤلى ، وقيل : هو نصر (٢) بن عاصم ، وقيل : بل هو عبد الرحمن (٣) بن هرمز ، وأكثر الناس على أنه أبو الأسود الدؤلى (٤).

وتضطرب الروايات فى وضع أبى الأسود للنحو ، فمنها ما يجعل ذلك من عمله وحده ، ومنها ما يصعد به إلى على بن أبى طالب ، إذ يروون عن أبى الأسود نفسه أنه دخل عليه وهو بالعراق فرآه مطرقا مفكرا ، فسأله فيم يفكر؟ فقال له : سمعت ببلدكم لحنا ، فأردت أن أصنع كتابا فى أصول العربية ، وأتاه بعد أيام فألقى إليه

__________________

(١) انظر فى ترجمة أبى الأسود المتوفى سنة ٦٩ للهجرة الشعر والشعراء لابن قتيبة (طبع دار المعارف) ص ٧٠٧ ومراتب النحويين لأبى الطيب اللغوى (طبع مكتبة نهضة مصر) ص ٦ وأخبار النحويين البصريين للسيرافى (طبع بيروت) ص ١٣ وطبقات النحويين واللغويين للزبيدى (طبعة الخانجى) ص ١٣ وأسد الغابة ٣ / ٦٩ والإصابة ٢ / ٢٣٢ والأغانى (طبع دار الكتب المصرية) ١٢ / ٢٩٧ ونزهة الألباء لابن الأنبارى (طبع دار نهضة مصر بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم) ص ٦ ومعجم الأدباء (طبعة فريد رفاعى) ١٢ / ٣٤ وإنباه الرواة للقفطى (طبعة دار الكتب المصرية) ١ / ١٣ وما به من مراجع.

(٢) انظر فى ترجمة نصر المتوفى سنة ٨٩ الزبيدى ص ٢١ والسيرافى ص ٢٠ وابن الأنبارى ص ١٤ وأبا الطيب اللغوى ص ١٣ ومعجم الأدباء ١٩ / ٢٢٤ والقفطى ٣ / ٣٤٣ وما به من مراجع.

(٣) راجع فى ترجمة ابن هرمز المتوفى بالإسكندرية سنة ١١٧ طبقات ابن سعد ٥ / ٢٠٩ والزبيدى ص ١٩ والسيرافى ص ٢١ وابن الأنبارى ص ١٥ وإنباه الرواة للقفطى ٢ / ١٧٢ وما به من مراجع.

(٤) السيرافى ص ١٣.

١٣

صحيفة فيها : «بسم الله الرحمن الرحيم. الكلام كله اسم وفعل وحرف ، فالاسم ما أنبأ عن المسمى ، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى ، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل» ثم قال له : «اعلم أن الأشياء ثلاثة ظاهر ، ومضمر ، وشىء ليس بظاهر ولا مضمر ، وإنما يتفاضل العلماء فى معرفة ما ليس بمضمر ولا ظاهر». ونمضى هذه الرواية فتذكر أن أبا الأسود جمع لعلىّ أشياء وعرضها عليه ، كان منها حروف النصب : إنّ وأن وليت ولعل وكأن ، ولم يذكر أبو الأسود : لكنّ ، فقال له على : لم تركتها؟ فقال : لم أحسبها منها ، فقال : بل هى منها ، فزدها فيها (١). ولهذه الرواية صور أخرى (٢) تلتقى بها. ويقول القفطى المتوفى سنة ٦٤٦ للهجرة : «رأيت بمصر فى زمن الطلب بأيدى الوراقين جزءا فيه أبواب من النحو يجمعون على أنها مقدمة على بن أبى طالب التى أخذها عنه أبو الأسود الدّؤلى» (٣). فالمسألة لم تقف عند سطور أو بعض أبواب نحوية تذكر مجملة ، بل اتسعت لتصبح مقدمة أو رسالة صنّفها على بن أبى طالب ، وكأنه لم يكن مشغولا حين ذهب إلى العراق والكوفة بإعداد الجيوش لحرب معاوية ولا كان مشغولا بحروب الخوارج ، إنما كان مشغولا بالنحو ووضع رسومه وأصوله وفصوله. وطبائع الأشياء تنفى أن يكون قد وضع ذلك ، ونفس الرواية السالفة وما أشبهها من الروايات تحمل فى تضاعيفها ما يقطع بانتحالها لما يجرى فيها من تعريفات وتقسيمات منطقية لا يعقل أن تصدر عن على بن أبى طالب أو عن أحد من معاصريه ، ولعل الشيعة هم الذين نحلوه هذا الوضع القديم للنحو الذى لا يتفق فى شىء وأولية هذا العلم ونشأته الأولى.

وقد تقف الروايات فى الواضع الأول للنحو عند أبى الأسود ، غير أنها تعود فتضطرب فى السبب الذى جعله يرسمه وفى حاكم البصرة موطنه الذى بعثه على هذا الرسم والأبواب الأولى التى رسمها فيه ، فمن قائل إنه سمع قارئا يقرأ الآية الكريمة :

__________________

(١) القفطى ١ / ٤.

(٢) انظر ترجمة أبى الأسود فى ابن الأنبارى ص ٦ وما بعدها ومعجم الأدباء لياقوت ١٤ / ٤٩.

وعند ابن الأنبارى أن أبا الأسود كان كلما وضع بابا من أبواب النحو عرضه على إمامه على بن أبى طالب.

(٣) القفطى ١ / ٥.

١٤

(أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) بكسر اللام فى رسوله ، فقال : ما ظننت أمر الناس يصل إلى هذا واستأذن زياد بن أبيه والى البصرة (٤٥ ـ ٥٣ ه‍) وقيل بل استأذن ابنه عبيد الله واليها من بعده (٥٥ ـ ٦٤ ه‍) فى أن يضع للناس رسم العربية. وقيل : بل وفد على زياد ، فقال له : إنى أرى العرب قد خالطت الأعاجم وتغيرت ألسنتهم ، أفتأذن لى أن أضع للعرب كلاما يعرفون ـ أو يقيمون ـ به كلامهم. وقيل : بل إن رجلا لحن أمام زياد أو أمام ابنه عبيد الله ، فطلب زياد أو ابنه منه أن يرسم للناس العربية. وقيل إنه رسمها حين سمع ابنته تقول : ما أحسن السماء وهى لا تريد الاستفهام وإنما تريد التعجب ، فقال لها قولى : «ما أحسن السماء». وفى رواية أنه شكا فساد لسانها لابن أبى طالب ، فوضع له بعض أبواب النحو وقال له : انح هذا النحو ، ومن أجل ذلك سمّى العلم باسم النحو. ويقول بعض الرواة إنه وضع أبواب التعجب والفاعل والمفعول به وغير ذلك من الأبواب ، ويقول آخرون إنه وضع أبواب التعجب والاستفهام والعطف والنعت وإن وأخواتها. وقد يكون ذلك من صنع الشيعة ، وكأنهم رأوا أن يضيفوا النحو إلى شيعى قديم ، فارتفع به بعضهم إلى على بن أبى طالب ، ووقف به آخرون عند أبى الأسود صاحبه الذى كان يتشيع له ، ويظهر أن نحلهم إياه وضع النحو قديم ، إذ نجد ابن النديم يقول : إنه رأى عند بعض الوراقين أربعة أوراق عن أبى الأسود كتبها يحيى (١) بن يعمر المتوفى سنة ١٢٩ للهجرة وفيها كلام فى الفاعل والمفعول (٢). وأقدم من ذلك ما جاء عند ابن سلام إذ يقول : «كان أول من أسّس العربية وفتح بابها وأنهج سبيلها ووضع قياسها أبو الأسود الدؤلى ، وإنما قال ذلك حين اضطرب لسان العرب وغلبت السليقة وكان سراة الناس يلحنون ، فوضع باب الفاعل والمفعول والمضاف وحروف الجر والرفع والنصب والجزم» (٣). وقد يشرك بعض الرواة معه فى هذا الصّنيع تلميذيه نصر بن عاصم

__________________

(١) انظر فى ترجمة ابن يعمر أبا الطيب اللغوى ص ٢٥ والزبيدى ص ٢٢ وابن الأنبارى ص ١٦ والسيرافى ص ٢٢ والبيان والتبيين ١ / ٣٧٧ ومعجم الأدباء ٢٠ / ٤٢ وبغية الوعاة للسيوطى (طبع مطبعة السعادة) ص ٤١٧.

(٢) الفهرست لابن النديم (النشرة الثانية للمكتبة التجارية) ص ٦٦.

(٣) طبقات فحول الشعراء لابن سلام (طبع دار المعارف) ص ١٢.

١٥

وابن هرمز ، إذ يقول الزبيدى : «أول من أصّل النحو وأعمل فكره فيه أبو الأسود ظالم بن عمرو الدّولى ونصر بن عاصم وعبد الرحمن بن هرمز ، فوضعوا للنحو أبوابا وأصّلوا له أصولا ، فذكروا عوامل الرفع والنصب والخفض والجزم ووضعوا باب الفاعل والمفعول والتعجب والمضاف» (١).

وكل ذلك من عبث الرواة الوضّاعين المتزيّدين ، وهو عبث جاء من أن أبا الأسود نسب إليه حقّا أنه وضع العربية ، فظن بعض الرواة أنه وضع النحو ، وهو إنما وضع أول نقط يحرّر حركات أواخر الكلمات فى القرآن الكريم بأمر من زياد بن أبيه أو ابنه عبيد الله. وقد اتخذ لذلك كاتبا فطنا حاذقا من بنى عبد القيس ، وقال له : إذا رأيتنى قد فتحت شفتىّ بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه ، وإن ضممت شفتىّ فانقط نقطة بين يدى الحرف ، وإن كسرت شفتىّ فاجعل النقطة من تحت الحرف ، فإن أتبعت شيئا من ذلك غنّة (تنوينا) فاجعل مكان النقطة نقطتين. وابتدأ أبو الأسود المصحف حتى أتى على آخره ، بينما كان الكاتب يضع النقط بصبغ يخالف لونه لون المداد الذى كتبت به الآيات (٢). وكان هذا الصنيع الخطير الذى سمّى باسم رسم العربية سببا فى أن يختلط الأمر فيما بعد على الرواة فتظن طائفة منهم أن أبا الأسود رسم النحو وشيئا من أبوابه ، وهو إنما رسم إعراب القرآن الكريم عن طريق نقط أواخر الكلمات فيه.

وحمل هذا الصنيع عن أبى الأسود تلاميذه من قرّاء الذكر الحكيم وفى مقدمتهم نصر بن عاصم وعبد الرحمن بن هرمز ويحيى بن يعمر وعنبسة (٣) الفيل وميمون (٤) الأقرن ، فكل هؤلاء «نقطوا المصحف وأخذ عنهم النّقط وحفظ وضبط وقيّد وعمل به واتّبع فيه سنتهم واقتدى فيه بمذاهبهم» (٥) وأضافوا إلى ذلك عملا جليلا هو اتخاذ نقط جديد للحروف المعجمة فى المصاحف تمييزا لها

__________________

(١) الزبيدى ص ٢.

(٢) راجع كتاب المحكم فى نقط المصاحف للدانى (طبع دمشق) ص ٣ وما بعدها والقفطى ١ / ٥.

(٣) انظر فى ترجمة عنبسة أبا الطيب اللغوى ص ١١ والزبيدى ص ٢٤ والسيرافى ص ٢٣ وابن الأنبارى ص ١٢ ومعجم الأدباء ١٦ / ١٣٣ وإنباه الرواة ٢ / ٣٨١ وبغية الوعاة ص ٣٦٨.

(٤) راجع فى ترجمة ميمون أبا الطيب اللغوى ص ١١ والزبيدى ص ٢٤ والسيرافى ص ٢٢ ومعجم الأدباء ١٩ / ٢٠٩ وإنباه الرواة ٣ / ٣٣٧ وبغية الوعاة ص ٤٠١.

(٥) المحكم فى نقط المصاحف ص ٦.

١٦

من الحروف المهملة ، فقد ذكر الرواة أن الحجاج فى ولايته على العراق (٧٤ ـ ٩٥ ه‍) أمر نصر بن عاصم أو يحيى بن يعمر بإعجام حروف المصحف لتمييز الحروف بعضها من بعض (١). ويروى أن ابن عاصم كان أول من عشّر المصاحف وخمّسها ، وبعبارة أخرى كان أول من قسم آيات المصحف أقساما.

وكل من ذكرناهم من تلاميذ أبى الأسود كانوا من قرّاء الذكر الحكيم ، وكان يؤخذ عنهم النقطان جميعا نقط الإعراب ونقط الإعجام. وكان ذلك عملا خطيرا حقّا ، فقد أحاطوا لفظ القرآن الكريم بسياج يمنع اللحن فيه ، مما جعل بعض القدماء يظن أنهم وضعوا قواعد الإعراب أو أطرافا منها ، وهم إنما رسموا فى دقة نقط الإعراب لا قواعده ، كما رسموا نقط الحروف المعجمة من مثل الباء والتاء والثاء والنون.

٣

البصرة تضع النحو

رأينا البصرة تضع على يد أبى الأسود الدّؤلى نقط الإعراب ، وقد مضى الناس يأخذونه عن تلاميذه. ولعلنا لا نبعد إذا قلنا إن ذلك كان باعثا لهم ولمعاصريهم على التساؤل عن أسباب هذا الإعراب وتفسير ظواهره مما هيأ لبعض أنظار نحوية بسيطة. وكان طبيعيّا بعد أن رسموا نقط الإعجام أن يضعوا له هذا الاسم وأن يضعوا لنقط أبى الأسود اسم نقط الإعراب تمييزا لهما بعضهما عن بعض ، كما كان طبيعيّا أيضا أن يطلقوا على علامات النقط الخاصة بالإعراب أسماء تفرق بينها ، وقد اشتقوها من كلماته لكاتبه «فتحت شفتى وضممتهما وكسرتهما» فسموه على التوالى نقط الفتحة ونقط الضمة ونقط الكسرة. ولا بد أنهم لاحظوا اختلافا فى إعراب الأسماء حسب مواضعها من الكلام ،

__________________

(١) التصحيف والتحريف لأبى أحمد العسكرى ص ١٠.

١٧

فهى إذا ابتدأ بها المتكلم فى العبارة لزمها الرفع إلا إذا تقدمتها إن وأخواتها ، وإذا تلت فعلا كانت إما مرفوعة وإما منصوبة. ولا يبعد أن يكونوا قد وضعوا لذلك «مصطلحات المبتدأ والفاعل والمفعول» ، ولا يبعد أيضا أن يكونوا لاحظوا اختلافا فى كلمات اللغة وأن منها ما يقبل الحركات الثلاث : الضمة والكسرة والفتحة ، وهو الأسماء المعربة ، وأن منها ما يلزم حركة واحدة وقد يلزم السكون ، وسموا الأولى معربة والثانية مبنية. كل ذلك من الممكن وقوعه ، ولكن ليس بين أيدينا ما يثبته إثباتا قاطعا سوى ما تمدنا به طبائع الأشياء ، فالأصل فى كل علم أن تبدأ فيه نظرات متناثرة هنا وهناك ، ثم يتاح له من يصوغ هذه النظرات صياغة علمية تقوم على اتخاذ القواعد وما يطوى فيها من أقيسة وعلل. وأول نحوىّ بصرى حقيقى نجد عنده طلائع ذلك هو ابن أبى إسحق الحضرمى المتوفى سنة ١١٧ للهجرة ، وهو ليس من تلاميذ أبى الأسود ، ولكنه من القرّاء ، ومن الملاحظ أن جميع نحاة البصرة الذين خلفوه يسلكون فى القراء ، فتلميذاه عيسى بن عمر وأبو عمرو بن العلاء وتلميذا عيسى : الخليل بن أحمد ويونس بن حبيب كل هؤلاء من القرّاء. ويكثر سيبويه فى كتابه من التعرض للقراءات ، وكأن ما كان بينها من خلافات فى الإعراب هو الذى أضرم الرغبة فى نفوس قرّاء البصرة كى يضعوا النحو وقواعده وأصوله ، حتى يتبين القارئ مواقع الكلم فى آى الذكر الحكيم من الإعراب المضبوط الدقيق.

ومعروف أنه لكى يصاغ علم صياغة دقيقة لا بد له من اطراد قواعده وأن تقوم على الاستقراء الدقيق ، وأن يكفل لها التعليل وأن تصبح كل قاعدة أصلا مضبوطا تقاس عليه الجزئيات قياسا دقيقا. وكل ذلك نهض به ابن أبى إسحق وتلاميذه البصريون ، أما من حيث الاطراد فى القواعد فقد تشددوا فيه تشددا جعلهم يطرحون الشاذ ولا يعوّلون عليه فى قليل أو كثير ، وكلما اصطدموا به خطّأوه أو أوّلوه. وأما من حيث الاستقراء فقد اشترطوا صحة المادة التى يشتقون منها قواعدهم ، ومن أجل ذلك رحلوا إلى أعماق نجد وبوادى الحجاز وتهامة يجمعون تلك المادة من ينابيعها الصافية التى لم تفسدها الحضارة ، وبعبارة أخرى رحلوا إلى القبائل المتبدية المحتفظة بملكة اللغة وسليقتها الصحيحة ، وهى قبائل تميم وقيس وأسد

١٨

وطيئ وهذيل وبعض عشائر كنانة (١). وأضافوا إلى هذا الينبوع الأساسى ينبوعا بدويّا زحف إلى بلدتهم من بوادى نجد ، وهو نفر من الأعراب الكاتبين قدم إلى البصرة واحترف تعليم شبابها الفصحى السليمة وأشعارها وأخبار أهلها. وفى الفهرست لابن النديم ثبت طويل بأسماء هؤلاء المعلمين (٢) من الأعراب الذين وثّقهم علماء البصرة وأخذوا عنهم كثيرا من المادة اللغوية والنحوية سجلوها فى مصنفاتهم. وكان القرآن الكريم وقراءاته مددا لا ينضب لقواعدهم ، وتوقف نفر منهم إزاء أحرف قليلة فى القراءات لا تكاد تتجاوز أصابع اليد الواحدة ، وجدوها لا تطرد مع قواعدهم ، بينما تطرد معها قراءات أخرى آثروها ، وتوسع فى وصف ذلك بعض المعاصرين ، فقالوا إنهم كانوا يردون بعض القراءات ويضعفونها ، كأن ذلك كان ظاهرة عامة عند نحاة البصرة مع أنه لا يوجد فى كتاب سيبويه نصوص صريحة مختلفة تشهد لهذه التهمة الكبيرة. وسنرى الأخفش الأوسط يسبق الكوفيين المتأخرين إلى التمسك بشواذ القراءات والاستدلال عليها من كلام العرب وأشعارهم. وفى احق أن بصريى القرن الثالث هم الذين طعنوا فى بعض القراءات ، وهى أمثلة قليلة لا يصح أن تتّخذ منها ظاهرة ولا خاصة عامة ، وقد كانوا يصفونها بالشذوذ ويؤولونها ما وجدوا إلى التأويل سبيلا. وكانوا لا يحتجون بالحديث النبوى ولا يتخذونه إماما لشواهدهم وأمثلتهم لأنه روى بالمعنى إذ لم يكتب ولم يدوّن إلا فى المائة الثانية للهجرة ، ودخلت فى روايته كثرة من الأعاجم ، فكان طبيعيّا أن لا يحتجوا بلفظه وما يجرى فيه من إعراب ، وتبعهم نحاة الكوفة ، وفى ذلك يقول أبو حيان : إن الواضعين الأولين لعلم النحو المستقرئين للأحكام من لسان العرب كأبى عمرو بن العلاء وعيسى بن عمرو الخليل ابن أحمد وسيبويه من أئمة البصريين والكسائى والفراء وعلى بن المبارك الأحمر وهشام الضرير من أئمة الكوفيين لم يحتجوا بالحديث ، وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين (٣). وأما من حيث القياس والتعليل فقد توسعوا فيهما ، إذ طلبوا لكل قاعدة علة ، ولم يكتفوا بالعلة التى هى مدار الحكم فقد التمسوا

__________________

(١) المزهر للسيوطى (طبعة الحلبى) ١ / ٢١١.

(٢) الفهرست ص ٧١ وما بعدها.

(٣) الاقتراح للسيوطى (طبعة حيدر آباد) ص ١٧ والهمع ١ / ١٠٥.

١٩

عللا وراءها. وقانون القياس عامّ ، وظلاله مهيمنة على كل القواعد إلى أقصى حد ، بحيث يصبح ما يخرج عليها شاذّا ، وبحيث تفتح الأبواب على مصاريعها ليقاس على القاعدة ما لم يسمع عن العرب ويحمل عليها حملا ، فهى المعيار المحكم السديد.

وعلى هذه الشاكلة شادت البصرة صرح النحو ورفعت أركانه ، بينما كانت الكوفة مشغولة عن ذلك كله ، على الأقل حتى منتصف القرن الثانى للهجرة ، بقراءات الذكر الحكيم ورواية الشعر والأخبار ، وقلما نظرت فى قواعد النحو إلا ما سقط إلى بعض أساتذتها من نحاة البصرة إذ كانوا يتتلمذون لهم ويختلفون إلى مجالس محاضراتهم وإملاءاتهم. وكان القدماء يعرفون ذلك معرفة دقيقة ، فنصّوا عليه بعبارات مختلفة ، من ذلك قول ابن سلام : «وكان لأهل البصرة فى العربية قدمة وبالنحو ولغات العرب والغريب عناية» (١) ويصرح ابن النديم فى هذا المجال تصريحا أكثر وضوحا إذ يقول فى حديثه عن نحاة الكوفة والبصرة : «إنما قدمنا البصريين أولا ، لأن علم العربية عنهم أخذ» (٢). وحاول بعض المستشرقين أن يصلوا بين نشوء النحو فى البصرة والنحو السريانى واليونانى والهندى غير أنه لا يمكن إثبات شىء من ذلك إثباتا علميّا وخاصة أن النحو العربى يدور على نظرية العامل وهى لا توجد فى أى نحو أجنبى ، وكل ما يمكن أن يقال إنه ربما عرف نحاة البصرة الأولون أن لبعض اللغات الأجنبية نحوا ، فحاولوا أن يضعوا نحوا للعربية راجعين فى ذلك إلى ملكاتهم العقلية التى كانت قد رقيت رقيّا بعيدا بتأثير ما وقفوا عليه من الثقافات الأجنبية ، وخاصة الفلسفة اليونانية وما يتصل بها من المنطق ، مما دعم عقولهم دعما قويّا ، وجعلها مستعدة لأن تستنبط قواعد النحو وعلله وأقيسته.

ويظهر أنه كفل للبصرة من الصلة بهذه الثقافات فى القرن الثانى للهجرة ما لم يكفل للكوفة ، فقد كانت مرفأ تجاريّا للعراق على خليج العرب. فنزلتها

__________________

(١) ابن سلام ص ١٢.

(٢) الفهرست ص ١٠٢.

٢٠