🚘

شرح الزيارة الجامعة الكبيرة

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

شرح الزيارة الجامعة الكبيرة

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: مؤسسة الرافد للمطبوعات
ISBN: 978-600-90891-4-7
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣

الإهداء

إلى سيدي ومولاي وإمامي ومقتداي

صاحب الزيارة الجامعة الإمام علي بن محمّد الهادي عليه آلاف الصلاة والتحية والسلام

أربع ثواب عملي هذا سائلاً المولى جلَّ وعلا أن يتقبل هذا الجهد الفضيل ويجعله ذخراً يوم لا ينفع مال ولا بنون ، إنّه سميع الدعاء

كما أهدي ثواب عملي إلى المرحوم المغفور له والدي الحاج رضا علوان ، وكذلك إلى أخي المرحوم الحاج صباح الحاج رضا علوان.

وإلى الأخوين الشهيدين الشابين الحاج عبد المهدي والحاج محمد جمال التي اغتالتهم يد العمالة والإلحاد الأثيمة في بلد العتبات المقدّسة وإلى أخي المرحوم الحاج أكرم تغمده الله بواسع رحمته.

اللّهمّ أدخل ـ بعملي المتواضع هذا ـ على أرواحهم السرور ، واجعله زلفة تقرّبهم عند الرسول ، أعينهم وعيني بين يديك إنّك تعطي الكثير بالقليل.

٤

المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه وخاتم أنبيائه محمّد صلى الله عليه وآله وعلى آله الطيّبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد :

فقد استللت شرح الزيارة الجامعة الكبيرة من كتاب «روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه» للمولى الشيخ محمّد تقي المجلسي قدس سره ، وقد رأيت في شرح هذه الزيارة من الاختصار في بيان معاني كلمات هذه الزيارة الجليلة القدر ممّا دعاني لاختيارها ، وأنّ عبارتها إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على أنّها ناطقة بورودها

٥

عن لسان الإمام المعصوم ، ولقد تأكدت صحة الزيارة الجامعة متناً وسنداً كما صرّح به العلامة المجلسي الثاني قدس سره حيث يقول :

إنّما هي أرقى الزيارات الجامعة متناً وسنداً وهي أفصحها وأبلغها.

وقال المجلسي الأول في «شرح الفقيه» : (إنّ هذه الزيارة أحسن الزيارات وأكملها وإنّي لم أزر الأئمة عليهم السلام ما دمت في الأعتاب المقدّسات إلّا بها) وقد أورد شيخنا في كتابه «النجم الثاقب» قصة تبدي لزوم المواظبة على هذه الزيارة والاهتمام بها (١).

قال : قدم النجف الأشرف منذ سبع عشرة سنة تقريباً التقي الصالح السيد أحمد ابن السيد هاشم بن الحسيد حسن الموسوي الرشتي ـ أيّده الله ـ وهو من تجار مدينة رشت ، فزارني في بيتي بصحبة العالم الرباني والفاضل الصمداني الشيخ علي الرشتي ـ طاب ثراه ـ الآتي ذكره في القصة الآتية إن شاء الله ، فلمّا نهضا للخروج نبّهني الشيخ إلى أنّ السيد أحمد من الصلحاء المسدّدين ولمّح إلي أنّ له قصة غريبة والمجال حينذاك لم يسمح بأن تفصّل ، وصادفت الشيخ بعد

__________________

(١) روضة المتقين ٥ : ٤٥ ، مفاتيح الجنان : ٥٥٠.

٦

بضعة أيّام فنبّأني بارتحال السيّد من النجف ويحدّثني عن سيرته ويوقفني على قصّته الغريبة فأسفت أسفاً بالغاً على ما فاتني من سماع القصة منه نفسه ، وإن كنت اُجلّ الشيخ عن أن يخالف ما يرويه شيئاً ممّا وعته أُذناه من السيّد نفسه ، ولكنّي صادفت السيد ثانياً في مدينة الكاظمين ، منذ عدّة أشهر وذلك في شهر جمادى الآخرة من سنتنا هذه حينما عدت من النجف الأشرف وكان السيد راجعاً من سامراء وهو يؤمّ ايران ، فطلبت إليه أن يحدّثني عن نفسه وعمّا كنت قد وقفت عليه ممّا عرض له في حياته فأجابني إلى ذلك ، وكان ممّا حكاه قضيّتنا المعهودة حكاها برمّتها طبقاً لما كنت قد سمعته من قبل.

قال : غادرت سنة ١٢٨٠ (دار المرز) مدينة رشت إلى تبريز متوخياً حجّ بيت الله الحرام ، فحللت دار الحاج صفر علي التبريزي التاجر المعروف وظللت هناك حائراً لم أجد قافلة أرتحل معها حتّى جهّز الحاج جبّار الرائد (جلو دار) السدهي الإصبهاني قافلة إلى طرابوزن ، فأكريت منه مركوباً وصرت مع القافلة مفرداً من دون صديق ، وفي أوّل منزل من منازل السفر التحق بي رجال ثلاثة كان قد رغّبهم في ذلك الحاج صفر علي ، وهم المولى الحاج باقر

٧

التبريزي الذي كان يحجّ بالنيابة عن الغير المعروف لدى العلماء والحاج السيد حسين التبريزي التاجر ورجل يسمّى الحاج علي وكان يخدم ، فتصاحبنا في الطريق حتّى بلغنا أرزته الروم.

ثمّ قصدنا من هناك طرابوزن وفي أحد المنازل التي بين البلدين أتانا الحاج جبار الرائد (جلو دار) ينبئنا بأنّ أمامنا اليوم طريقاً مخيفاً ويحذرنا من التخلّف عن الركب ، فقد كنّا نحن نبتعد غالباً عن القافلة ونتخلّف فامتثلنا وعجلنا إلى السير ، واستأنفنا المسير معاً قبل الفجر بساعتين ونصف أو بثلاث ساعات ، فما سرنا نصف الفرسخ أو ثلاثة أرباعه إلّا وقط اظلمّ الجو وتساقط الثلج بحيث كان كلّ منّا قد غطّى رأسته بما لديه من الغطاء ، وأسرع في المسير أمّا أنا فلم يسعني اللحوق بهم مهما اجتهدت في ذلك ، فتخلّفت عنهم وانفردت بنفسي في الطريق ، فنزلت عن ظهر فرسي وجلست في ناحية من الطريق وأنا مضطرب غاية الاضطراب ، فنفقة السفر كانت كلّها معي ، وهي ستمائة توماناً ، ففكرت في أمري مليّاً فقرّرت على أن لا أبرح مقامي حتّى يطلع الفجر ، ثمّ أعود إلى المنزل الذي بتنا فيه ليلتنا الماضية ، ثمّ أرجع ثانياً مع عدّة من الحرس فألتحق بالقافلة ، وإذا بستان يبدو أمامي فيه فلّاح بيده مسحاة يضرب بها فروع الأشجار

٨

فيتساقط ما تراك عليها من الثلج ، فدنا منّي وسألني من أنت؟ فأجبت : إنّي قد تخلّفت عن الركب ولا أهتدي الطريق ، فخاطبني باللغة الفارسيّة قائلاً : عليك بالنّافلة ؛ كي تهدي ، فأخذت في النافلة وعندما فرغت من التهجد أتاني ثانياً قائلاً : ألم تمضِ بعدُ؟ قلت : والله لا أهتدي إلى الطريق ، قال : عليك بالزيارة الجامعة الكبيرة ، وما كنت حافظاً لها ، وإلى الآن لا أقدر أن أقرأها عن ظهر القلب مع تكرر ارتحالي إلى الأعتاب المقدسة للزيارة ، فوقفت قائماً وقرأت الزيارة كاملة عن ظهر القلب ، فبدا لي الرجل لما انتهيت قائلاً : ألم تبرح مكانك بعدُ؟ فعرض لي البكاء وأجبته : لم أُغادر مكاني بعد ؛ فإنّي لا أعرف الطّريق ، فقال : عليك بزيارة عاشوراء ، ولم أكن مستظهراً لها أيضاً ، وإلى الآن لا أقدر أن أقرأها عن ظهر قلبي ، فنهضت وأخذت في قراءتها عن ظهر القلب حتّى انتهيت من اللّعن والسّلام ودعاء علقمة ، فعاد الرجل إليّ وقال : ألم تنطلق؟ فأجبته إنّي سأظلّ هُنا إلى الصباح ، فقال لي : أنا الآن أُلحقكَ بالقافلة ، فركب حماراً وحمل المسحاة على عاتقه ، وقال لي : إردف لي على ظهر الحمار ، فردفت له ، ثمّ سحبت عنان فرسي ، فقاومني ولم يجر معي ، فقال صاحبي : ناولني العنان ، فناولته إيّاه ، فأخذ العناان بيمناه ووضع المسحاة على

٩

عاتقه الأيسر وأخذ في المسير فطاوعه الفرس أيسر المطاوعة ، ثمّ وضع يده على ركبتي وقال : لماذا لا تؤدُّون صلاة النّافلة النّافلة النّافلة؟ قالها ثلاث مرّات ، ثمّ قال أيضاً : لماذا تتركون زيارة عاشوراء عاشوراء عاشوراء؟ كرّرها ثلاث مرّات ، ثمّ قال : لماذا لا تزورون بالزيارة الجامعة الجامعة الجامعة الجامعة؟ ، وكان يدور في مسلكه وإذا به يلتفت إلى الوراء ويقول : أُولئك أصحابك قد وردوا النّهر يتوضؤون لفريضة الصبح ، فنزلت عن ظهر الحمار وأردت أن أركب فرسي فلم أتمكن من ذلك ، فنزل هو عن ظهر حماره وأقام المسحاة في الثلج وأركبني ، فحوّل بالفرس إلى جانب الصحب ، وإذا بي يجول في خاطري هذا السؤال : من عساه يكون هذا الذي ينطق باللّغة الفارسيّة في منطقة التّرك اليسوعيّين ، وكيف ألحقني بالصحب خلال هذه الفترة القصيرة من الزمان؟ فنظرت إلى الوراء فلم أجد أحداً ولم أعثر على أثر يدلّ عليه فالتحقت بأصدقائي.

فإنّ هذه القصة إن دلّت على شيء ؛ فإنّما تدلّ على الحثّ من قبل صاحب الأمر (عجل الله فرجه) على المواظبة على زيارة الجامعة عند زيارة الأئمة المعصومين عليهم السلام ، وفقنا الله وإيّاكم إلى الالتزام بهذه الزيارة والاستفادة من مضامينها ومعانيها العظيمة عند قراءتها.

١٠

ولمّا كانت الزيارة تحتوي على مضامين عالية ، ومعاني جليلة ، وأعماق بعيدة الغور ، لا يمكن سبرها إلّا إذا اطّلع القارئ على شروح العلماء والعظماء ، وما كتبوه في بيانها ، رأينا أن نبحث عن شرح جامع مختصر يفي بالغرض في فتح بعض كنوزها ، والتلويح إلى بعض آفاقها مع مراعاة العمق والاختصار ، ولم نجد شرحاً يجمع هذه الخصال سوى ما كتبه العلّامة الجليل المجلسي الأول قدس سره ، فاقتطعناه من كتاب الروضة (١) ؛ ليطبع مستقلاً تعميماً للفائدة ، وتيسيراً للتناول ، وتخليداً لهذا العمل المقدس.

* * *

__________________

(١) انظر : الروضة ٥ : ٤٥٢.

١١

ثواب زيارتهم عليهم السلام

عن الوشّاء قال : سمعت الرضا عليه السلام يقول : «إنّ لكل إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته ، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم ، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً بما رغبوا فيه كانت أئمتهم شفعاؤهم يوم القيامة» (١).

عن زيد الشحام قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام ما لمن زار واحداً منّكم؟ قال : «كمن زار رسول الله صلى الله عليه وآله» (٢).

قال الصادق عليه السلام : «من زار واحداً منّا ، كان كمن زار الحسين عليه السلام» (٣).

عن أبي جعفر عليه السلام قال : «كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا دخل الحسين عليه السلام جذبه إليه ، ثمّ يقول لأمير المؤمنين : أمسكه ، ثمّ يقع عليه فيقبله

__________________

(١) الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢ : ٢٦٠ / ٢٤ ، علل الشرائع : ٤٥٩ / ٣.

(٢) الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢ : ٢٦٢ / ٣١ ، علل الشرائع ، ٤٦٠ / ٦.

(٣) الصدوق في ثواب الأعمال : ١٢٣ / ٣.

١٢

ويبكي ، فيقول : يا أبه لم تبكي؟

يقول : يا بني ، أُقبّل موضع السيوف منك وأبكي.

قال : يا أبه وأُقتل؟

قال : إي والله ، وأبوك وأخوك وأنت ، قال : يا أبه فمصادرنا شتى؟

قال : نعم ، يا بني ، قال : فمن يزورنا من أمّتك؟ قال : لا يزورني ويزور أباك وأخاك وأنت إلّا الصدّيقون من أُمّتي» (١).

عن أبي عامر واعظ أهل الحجاز قال : أتيت أبا عبد الله جعفر بن محمّد عليهما السلام وقلت له : يا ابن رسول الله ، ما لمن زار قبره ـ يعني أمير المؤمين عليه السلام ـ وعمّر تربته؟

قال : «يا أبا عامر ، حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن جدّه الحسين بن عليّ عليهما السلام ، عن عليّ عليه السلام أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال له : والله لتقتلنّ بأرض العراق وتدفن بها» ، قلت : يا رسول الله ، ما لمن زار قبورنا وعمّرها وتعاهدها؟

فقال لي : «يا أبا الحسن ، إنّ الله تعالى جعل قبرك وقبر ولدك بقاعاً من بقاع الجنّة ، وعرصة من عرصاتها ، وإنّ الله جعل قلوب نجباء من

__________________

(١) ابن قولويه في كامل الزيارات : ٦٨ / ٤.

١٣

خلقه وصفوة من عباده تحنّ إليكم وتحتمل المذلّة والأذى فيعمّرون قبوركم ، ويكثرون زيارتها ، تقرّباً منهم إلى الله ومودّة منهم لرسوله ، أولئك يا عليّ ، المخصوصون بشفاعتي ، الواردون حوضي وهم زوّاري غداً في الجنّة.

يا عليُّ من عمّر قبوركم وتعاهدها فكأنما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس.

ومن زار قبوركم عدل ذلك ثواب سبعين حجة بعد حجة الإسلام ، وخرج من ذنوبه حتّى يرجع من زيارتكم كيوم ولدته أُمّه ، فابشر ، وبشّر أولياءك ومحبّيك من النعيم ، وقرّة العين بما لا عين رأت ، ولا أُذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، ولكن حثالة (١) من النّاس يعيّرون زوّار قبوركم بزيارتكم كما تعيّر الزّانية بزناها ، أولئك شرار أُمّتي لا أنالهم الله شفاعتي ولا يردون حوضي» (٢).

عن عبد الرّحمن بن مسلم ، قال : دخلت على الكاظم عليه السلام فقلت له : أيّما أفضل الزيارة لأمير المؤمنين صلوات الله عليه أو لأبي عبد

__________________

(١) الحثالة ـ بضم الحاء ـ : الرديء من كل شيء ومنه : حثالة الشعير والأرز والتمر ، وكل ذي قشر. النهاية لابن الأثير ١ : ٢٣٣ ، مادة «حثل».

(٢) الطوسي في التهذيب ٦ : ٢٢ / ٥٠.

١٤

الله عليه السلام أو لفلان أو فلان وسمّيت الأئمّة واحداً واحداً؟

فقال لي : «يا عبد الرّحمن بن مسلم من زار أوّلنا فقد زار آخرنا ، ومن زار آخرنا فقد زار أوّلنا ، ومن تولّى فقد تولّى آخرنا ، ومن تولّى آخرنا فقد تولّى أوّلنا ، ومن قضى حاجة لأحدٍ من أوليائنا فكأنّما قضاها لجميعنا ، يا عبد الرّحمن أحببنا ، وأحبب فينا ، وأحبب لنا ، وتولّنا وتولّ من يتولانا ، وابغض من يبغضنا ، ألا وإنّ الرادّ علينا كالرادّ على رسول الله صلى الله عليه وآله جدّنا ، ومن ردّ على رسول الله صلى الله عليه وآله فقد ردّ على الله ، ألا يا عبد الرحمن ، من أبغضنا فقد أبغض محمّداً ، ومن أبغض محمّداً فقد أبغض الله جلّ وعلا ، ومن أبغض الله جلّ وعلا كان حقّاً على الله أن يصليه النّار وماله من نصير» (١).

عن محمّد بن عليّ رفعه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «يا عليّ ، من زارني في حياتي أو بعد موتي أو زارك في حياتك أو بعد موتك أو زار ابنيك في حياتهما أو بعد موتهما ضمنت له يوم القيامة أن اُخلّصه من أهوالها وشدائدها حتّى أصيّره معي في درجتي» (٢).

__________________

(١) ابن قولويه في كامل الزيارات : ٣٥٠ / ١٣.

(٢) الكليني في الكافي ٤ : ٥٧٩ / ٢.

١٥

عن يحيى ـ وكان خادماً لأبي جعفر الثاني عليه السلام ـ عن بعض أصحابنا رفعه إلى محمّد بن عليّ بن الحسين عليه السلام ، قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من زارني أو زار أحداً من ذرّيّتي زرته يوم القيامة فأنقذته من أهوالها» (١).

روي عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال : «من نوى من بيته زيارة قبر إمام مفترض طاعته ، وأخرج لنفقته درهماً واحداً كتب الله جلّ ذكره له سبعين ألف حسنة ، ومحى عنه سبعين ألف سيئة ، وكتب اسمه في ديوان الصّدّيقين والشّهداء ، أسرف في تلك النّفقة أو لم يسرف» (٢).

__________________

(١) ابن قولويه في كامل الزيارات : ٧ / ٤.

(٢) العلامة المجلسي في بحار الأنوار ١٠٠ : ١٢٤ ، نقلاً عن كتاب تحرير العبادة.

١٦

آداب الزيارة

قال الله تعالى في كتابه الكريم :

(فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) (١).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّـهِ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّـهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) (٢).

التفسير :

أقول : الآية الاولى ترمي إلى إكرام الروضات المقدسة ، وخلع النعلين فيها عند القرب منها ، لا سيّما في الطف والغري ؛ لِما روي أنّ الشجرة كانت في كربلاء ، وأنّ الغري قطعة من الطور (٣).

والآية الثانية : تدلّ على لزوم خفض الصوت عند قبر النبيّ صلى الله عليه وآله وعدم جهر الصوت ، لا بالزيارة ولا بغيرها ؛ لِما روي «إنّ حرمتهم

__________________

(١) سورة طه ٢٠ : ١٢.

(٢) سورة الحجرات ٤٩ : ٢ و ٣.

(٣) العلّامة المجلسي في بحار الأنوار ١٠٠ : ١٢٥.

١٧

بعد موتهم كحرمتهم في حياتهم» ، وكذا عند قبور سائر الأئمّة عليهم السلام ؛ لِما ورد أنّ حرمتهم كحرمة النبي صلى الله عليه وآله (١).

ويؤيّد ما ذكرنا ما رواه الكليني قدس سره بإسناده ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه السلام في خبر طويل يذكر فيه وفاة الحسن بن علي صلوات الله عليهما قال : «فلمّا أن صُلِّي عليه حمل فاُدخل المسجد ، فلمّا اُوقف على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله بلغ عائشة الخبر وقيل لها : إنّهم قد أقبلوا بالحسن ؛ ليدفن مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، فخرجت مبادرة على بغل بسرج فكانت أوّل امرأة ركبت في الإسلام سرجاً ، فوقفت فقالت : نحّوا ابنكم عن بيتي ؛ فإنّه لا يدفن فيه شيء ولا يهتك على رسول الله حجابه ، فقال لها الحسين بن عليّ صلوات الله عليهما : قديماً هتكت أنت وأبوك حجاب رسول الله صلى الله عليه وآله وأدخلت بيته من لا يحبُّ رسول الله صلى الله عليه وآله قربه ، وإنّ الله سائلك عن ذلك.

يا عائشة ، إنّ أخي أمرني أن أقرّبه من أبيه رسول الله صلى الله عليه وآله ؛ ليحدث به عهداً ، واعلمي أنّ أخي أعلم النّاس بالله ورسوله وأعلم بتأويل كتابه من أن يهتك على رسول الله صلى الله عليه وآله ستره ؛ لأنّ الله تبارك وتعالى

__________________

(١) العلّامة المجلسي في بحار الأنوار ١٠٠ : ١٢٥.

١٨

يقول : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ) (١) وقد أدخلت أنت بيت رسول الله صلى الله عليه وآله الرجال بغير إذنه ، وقد قال الله عزّ وجلّ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) (٢) ولعمري لقد ضربت أنت لأبيك وفاروقه عند إذن رسول الله صلى الله عليه وآله المعاول وقال الله عز وجل : (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّـهِ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّـهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ) (٣) ولعمري لقد أدخل أبوك وفاروقه على رسول الله صلى الله عليه وآله بقربهما منه الأذى ، وما رعيا من حقّه ما أمرهما الله به على لسان رسوله صلى الله عليه وآله ، أنَّ الله حرَّم من المؤمنين أمواتاً ما حرّم منهم أحياءً ، وتالله يا عائشة ، لو كان هذا الذي كرهتيه من دفن الحسن عند أبيه صلى الله عليه وآله جائزاً فيما بيننا وبين الله لعلمت أنّه سيدفن وإن رغم معطسك» (٤).

أقول : هذا الخبر يدلّ على أنّه ينبغي أن يراعى في روضاتهم ما

__________________

(١) سورة الأحزاب ٣٣ : ٥٣.

(٢) سورة الحجرات ٤٩ : ٢.

(٣) سورة الحجرات ٤٩ : ٣.

(٤) الكليني في الكافي ١ : ٣٠٢ / ٣.

١٩

كان ينبغي أن يراعى في حياتهم من الآداب والتعظيم والإكرام.

عن بكر بن محمّد قال : خرجنا من المدينة نريد منزل أبي عبد الله عليه السلام ، فلحقنا أبو بصير خارجاً من زقاق من أزقّة المدينة وهو جنب ، ونحن لا علم لنا حتّى دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام فسلّمنا عليه ، فرفع رأسه إلى أبي بصير ، فقال له : «يا أبا بصير أما تعلم أنّه لا ينبغي للجنب أن يدخل بيوت الأنبياء» فرجع أبو بصير ودخلنا (١).

كتب الحميري إلى الناحية المقدّسة عن الرجل يزور قبور الأئمّة عليهم السلام هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا؟

وهل يجوز لمن صلّى عند بعض قبورهم عليهم السلام أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة ، أم يقوم عند رأسه أو رجليه؟

وهل يجوز أن يتقدّم القبر ويصلّي ويجعل القبر خلفه أم لا؟

فأجاب عليه السلام : «أمّا السّجود على القبر فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة ، والّذي عليه العمل أن يضع خدّه الأيمن على القبر ، وأمّا الصّلاة فإنّها خلفه ويجعل غير القبر أمامه ، ولا يجوز أن يصلّي

__________________

(١) الحميري في قرب الاسناد : ٤٣ / ١٤٠.

٢٠