🚘

تراثنا ـ العددان [ 35 و 36 ] - ج ٣٥-٣٦

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العددان [ 35 و 36 ] - ج ٣٥-٣٦

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
🚘 نسخة غير مصححة

١

الفهرس

*تدوين السنّة أم تزييف الشريعة؟!

.............................................. السيّد محمّدرضا الحسيني الجلالي ٧

*حكم الجمع بين الصلاتين على ضوء المذاهب الفقهية.

................................... السيّد حسن الحسيني آل المجدّد الشيرازي ٧٥

*تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات (١).

............................................... السيّد عليّ الحسيني الميلاني ١٢٨

*في رحاب «نهج البلاغة» (٥) :

*«نهج البلاغة» عبر القرون.

................................................. السيّد عبدالعزيز الطباطبائي ١٥٤

٢

*إحياء التراث (١).

................................................... الشيخ عبدالجبّار الرفاعي ١٨٩

*مصطلحات نحوية (١).

...................................................... السيّد عليّ حسن مطر ٢٦٣

*ديوان الاجازات المنظومة.

.................................. صنعة : السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي ٢٧٠

*من ذخائر التراث :

*الردّ على الوهابية ـ للشيخ محمّد جواد البلاغي.

............................................ تحقيق : السيّد محمّد عليّ الحكيم ٣٧٥

*من أنباء التراث.

................................................................ هيئة التحرير ٤٥٨

__________________

*صورة الغلاف : نموذج من مخطوطة كتاب الرجال لشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي (٣٨٥ ـ ٤٦٠ هـ) تاريخها سنة ٥٣٣ هـ ، محفوظة في المتحف البريطاني ، برقم ٧٩٦٥. OR

٣
٤

٥
٦

تدوين السنة

أم تزييف الشريعة؟! (١)

السيد محمد رضا الحسيني الجلالي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد خاتم النبيين ، وعلى الأئمة الصادقين من آله الطيبين ، وعلى الأخيار من الصحابة ، والتابعين.

تجتاح البلاد الإسلامية موجة من الصحوة والوعي والتحرك ، تكونها الجماهير المسلمة ، المؤمنة بدينها ، المحبة لأوطانها ، والتي تيقظت من سباتها الطويل ، بعد غياب وذهول عن ما يملكه الإسلام من مقومات حضارية ، وبعد أن ثبت لها بالعيان وبالتجربة الحية ، والمعاناة الطويلة القاسية ، فشل كل النظم والقوانين وأساليب الحياة غير الإسلامية ـ سواء الشرقية منها أم الغربية ـ وإخفاق كل دعاة العلمنة والهلوسة الغربية ، والتحضر الأوربي ، من تقديم أية خدمة تنجد الأمة أو تقلل من مآسيها.

__________________

(١) قراءة نقدية لكتاب (تدوين السنة) تأليف (إبراهيم فوزي) نشر : رياض الريس للكتب والنشر ـ الطبعة الأولى ـ كانون الثاني / يناير ١٩٩٤ ـ لندن.

٧

وكانت عودة الجماهير إلى الحضارة الإسلامية ، عودة حميدة مجيدة ، تحتوي على قوة العزيمة والتصميم والجد والوعي والمعرفة التامة.

ولقد ذهل الاستعمار بهذه العودة ، بعد أن دأب قرنا من الزمان في العمل على إبعاد الأمة الإسلامية عن دينها ، وبث روح اللهو واللعب والتفاخر والتكاسل بين جيل الشباب إلى حد الارتماء في أحضان الرذيلة والفساد والعبثية.

وقد أثارت هذه العودة إلى الإسلام سخط الاستعمار ـ شرقيه وغربيه ـ فجند أجهزته الظاهرية والسرية ، ولجأ إلى القمع والاتهام ، والضغط السياسي والاقتصادي ، ومن خلال عملائه الحاكمين على بلدان المنطقة ، وبأجهزة الأمن والاستخبارات والمباحث في داخل البلاد وخارجها ، لإيقاف المد الإسلامي الظافر ، وإخماد نور الصحوة الإسلامية المجيدة.

ومن الأساليب التي ينفذها هو (بعث) شراذمة من أولاد البلاد الإسلامية والمنتمين إلى لغاتها ، من الجيل المتعلم في مدارس الغربيين ، أو على مناهجهم الدراسية ، والمتربين على الثقافة الغربية المادية ، والذين غسل المستشرقون أدمغتهم ، وفرغوها عن كل ما هو إسلامي ، ولقنوهم حب الغرب والانبهار بكل ما فيه ، فدفعوهم في هذه الفترة بالذات ليكونوا أدوات تحريف لأفكار الشباب المعاصر في البلاد الإسلامية ، لصدهم عن اللحوق بهذه الصحوة ، وحذرا من أن ينتبهوا إلى ما يملكه الإسلام من قدرات خارقة عظيمة في الفكر والتشريع والأخلاق ، والحضارة.

فراح أولئك العملاء الجدد يشوهون سمعة هذا الدين ويزيفون ما يمت إليه من خلال كتابات تهريجية ومزورة ، ملؤها الكذب على الإسلام وأهله والقذف للجيل المتحرك لإعلاء كلمته ، ولا تخلو صفحة من كتاباتهم من الاتهام والهراء ضد مقدسات الأمة ، والتعدي على أصوله وفروعه ، وتراثه وتاريخه ، بعقلية تزييفية ، وبصورة بشعة ، إلا أن أعمالهم تحمل عناوين غارة

٨

من قبيل (التحقيق) و (البحث) و (الدراسة) و (النقد) وما إلى ذلك من عناوين جذابة ومغرية للشباب المشتاق للمعرفة والمحب للاطلاع.

وقد صدرت في هذه الفترة بالذات كتابات تستهدف السنة الشريفة لكونها من مصادر المعرفة في الإسلام ، بأقلام تستهدف تزييف السنة وتعطيل أثرها الهام في التعريف بالإسلام وتحديد قضاياه وأحكامه.

ومما صدر أخيرا كتاب (تدوين السنة) لإبراهيم فوزي.

ولما في عنوانه من الإثارة ، وما يحتويه من تحريف وتزييف ، وما قام به مؤلفه من تخط وتعد على أعراف العلم وموازين الكتابة ، فقد عرضنا ما لاحظناه عليه خلال الفصول التالية :

١ ـ مع موازين الكتابة.

٢ ـ مع مؤدى العنوان.

٣ ـ مع مؤشرات الهدف.

٩

١ ـ مع موازين الكتابة

* موازين الكتابة :

إن من الأمور المتفق عليها ضمنيا في فن الكتابة العلمية هي تلك الموازين المقررة ، والملتزم بها عمليا ، والمنادى بها ولو بالشفاه المطبقة ، والتي تعد (عرفا) للكتاب ، وقد أملتها الحاجة إلى نظام في ما يقرأ ، قبل أن يكتب ، وإن كان الكاتب ـ في عصر الطغيان على الموازين ـ لا يرى نفسه ملزما بكل ما هو (إجماعي) أو (عرف) حتى لو كان معلنا ، فكيف إذا لم يحاول أصحاب (المصلحة) أن يعلنوه ، أو يسجلوه؟!

ولكن ضرورات من قبيل (تصنيف الكتاب) في المكتبة ، ليأخذ موضعه المناسب ، حتى يتناول بيسر وسرعة ، أمر لا يمكن تجاوزه ، لأي غرض كان لأنه ـ فعلا ـ من الثوابت التي لا خلاف فيها ، إذا أريد للكتاب أن يكون متداولا علميا ، وبالخصوص إذا تناول ظاهرة بالدرس والتحليل ، خارجا عن أطر الإعلام والخطابة! وإذا أراد الكاتب أن يكون باحثا منهجيا ، بعيدا عن وهدة (الارهاب الفكري) و (العبث بالفكر) التي ابتليت بها التيارات العلمانية في العالم العربي خاصة ، إذ تسيطر هي على قطاع كبير من قرائه المثقفين ، بهدف تزييف ما يمت إلى شعوب المتكلمين بالعربية ، أو الذين يفكرون على أساس مصادرها الثقافية والفكرية ، والذين يشكل المسلمون غالبيتهم العظمى! مع أن من أوضح ما يميز الكتاب الذي يتناول موضوعا فكريا أو تراثيا ، ويراد له أن يكون خارجا عن إطار (الارهاب) أن يتخذ أسلوب (التوثيق المرجعي) والالتزام بالموضوعية ، على طول الخط ، من أول جرة قلم ، وحتى نهاية المطاف.

١٠

* بين الأهداف المعلنة ، والنيات المبطنة :

ثم إن تحديد المؤلف لغرضه الذي تعنى من أجله للكتابة ، لا أنه يدخل في تلك الموازين ، فحسب ، بل هو ضرورة للإسراع في تفاعل القارئ مع الكتاب ، ودرك الكلمة المكتوبة ، في سياق موضعها من جملة المؤلف ، وفي سطور الصفحة ، وصفحات دفتي الكتاب ، تفاعلا لا بد أن يرغب المؤلفون فيه ، فيقدمونه أمام كتبهم.

وليست صفحات الكتاب الذي يعالج مشكلة مستفحلة علمية أو تراثية ، مجالا للبهلوانيات ، حتى تكون السرعة ـ وكذا الاقتحام ـ فيها مطلوبة ، إلا في صورتها الشائعة في الكتابات المعاصرة.

والكاتب الذي يقدم مادته (بكل حياد وتجرد) لا يتخوف من قرائه ، تماما كالطبيب الحاذق الذي لا يخاف من عدوي المرضى الذين يباشر علاجهم ، وهم يراجعونه ، ليجدوا الشفاء على يديه ، مهما كان نوع المرض ، ومهما كان خطرا.

وإذا كان الطبيب يتوجس خيفة في نفسه ، من مرضاه ، فخير له أن يغلق (المطب) ولا يكلف نفسه عناء الإعلانات الفضفاضة حول مهارته في العلاج ، خصوصا إذا لم تكن عنده الخبرة الكافية ، ولا التخصص ، بل ولا عارفا ب (جس النبض) ، بل جاهلا بأصول العلم ، وبمصطلحات الأطباء ، وأسماء الأدوية!! أما إذا كانت اللافتة التي ينصبها على باب (العيادة الطبية) تحمل عنوانا ضخما ، مغريا للمرضى ، بينما هو يعنى بتخصص آخر ، ويبطن من إعلانه المزور هدفا غير طبي ، فإنما يعد في عرف المهن (دجالا) وليس عمله إلا (ابتزاز) و (خيانة)!

١١

* عناوين الكتب مفاتيح لتصنيفها :

إن عناوين الكتب ـ سواء الكبيرة ، أم الثانوية التي توضح أبعادا أوسع ـ إنما هي الأبواب التي يدخل القراء من خلالها إلى أعماق المدينة المؤلفة من الكلمات والسطور والصفحات ، فيحدد موقفه منها خلال نظره ، فمن (الابتزاز) أن يحاول المؤلف الايحاء بالعنوان إلى غير ما يحتويه الكتاب ، وإغراء القارئ بشرائه أو قراءاته ، فهذه طريقة مقبوحة ومستهجنة ، تحتوي على استهلاك الكلمة التي تشكل العنوان ، وعلى حساب الفكر ، وتوتر القراء ، وهو نوع من (الدجل الفكري والثقافي).

فلو قيس عنوان (تدوين السنة) الذي وضعه المؤلف إبراهيم فوزي على كتابه ، إلى الغرض الذي تابعه من (المقدمة) وحتى آخر صفحة بعنوان (الخاتمة) والتي صرح فيها بالغرض واضحا ، يجد أنه (لا يشي عنوانه بأهميته) عند البعض ، إن اعتبر ذلك (إحدى حسناته) إلا أنه تجاوز لما ذكرنا من موازين الكتابة العلمية ، مهما أحسنا الظن به!

فإن العلوم الإسلامية ، والمعارف التي تتمحور حولها ، قد تضخمت ، وتوسعت على مدى المدة الفاضلة بيننا وبين المصادر الأساسية ، و (السنة) لكونها عند المسلمين واحدا من تلك المصادر ، بل أوسعها ، لم تخرج من دائرة هذه الحقيقة ، بل تكثفت الجهود حولها ، وشكلت لمعالجة قضاياها وجمع خصوصياتها علوم عديدة هي : (علم الحديث) و (علم المصطلح) و (علم الرجال) مضافا إلى ما يتفرع عن كل من مباحث ، وتخصصات ، استغرقت جهودا مبثوثة ، وأخرى منتشرة بشكل استطرادي في علوم أخرى.

ومن أهم البحوث المصيرية المطروحة حول (السنة) هو البحث عن حجيتها ، ومدى تأثيرها في إثبات المعارف الدينية ، وقد قام منذ القديم حول ذلك جدل كبير ، لما يترتب على نتيجته من آثار عملية مباشرة في حياة

١٢

المسلمين وتحديد المعارف عقيدة وتشريعا وتاريخا.

وإذا كانت (حجة) فإن بحوثا أخرى تستتبع في الثقافة الإسلامية ، واستتبعت ـ ولا تزال ـ جهودا كبيرة من قبيل : ما هي السنة؟ وتحديد مداها؟ وتاريخها ، لتحديد نصها؟ ويدخل في هذه الناحية تاريخ (تدوين السنة).

فمن هنا يمكن أن نرى عنوان (تدوين السنة) بارزا عندما تكون (حجية السنة) أمرا مفروغا عنه ، وإلا فيكون البحث عن التدوين ، ترفا فكريا ، إذ لا يترتب عليه أثر علمي ولا عملي ، ولا يدعو إلى الاهتمام به في المأزق الثقافي الراهن.

ولقد كان علماء المسلمين على قدر كاف من الدقة إذ عنونوا لحجية الحديث والسنة في مجال (الحجج الشرعية) ووسائل إثبات الحكم الشرعي من بحوث علم أصول الفقه ، وعنونوا لبحث (تدوين السنة) في مجال تاريخ الحديث ، وفي بحوث علم مصطلح الحديث ، إلا أن سعة مباحثه ، وأهميته ، لكونه الأرضية الموطدة لما يبنى عليها من عناوين وبحوث ، استدعت المؤلفين إلى الاستقلال بالبحث عنه منذ القدم ، فأقدم ما في المتناول من المؤلفات حول تدوين السنة ، كتاب الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣) بأسم (تقييد العلم) المطبوع محققا مع مقدمة واسعة وافية من عمل الدكتور يوسف العش ، السوري ، وأحدث عمل تكاملت فيه النظريات المطروحة على طاولة البحث وهو كتاب (تدوين السنة الشريفة) الصادر في قم سنة ١٤١٣ من تأليف كاتب هذه السطور.

أما كتاب (تدوين السنة) لإبراهيم فوزي ، الذي نقدم قراءة عنه ، فهو آخر ما صدر يحمل هذا العنوان ، على الرغم من أنه لا يعنيه مباشرة ، إلا بصورة جزئية ، مما يثير إرباكا لدى القارئ ، فإذا صدق قول أبي الفتح البستي (وأول مقروء من الكتب عنوان) فأن عنوان كتاب فوزي يوحي أن يكون خاصا بالبحث عن الموضوع ، بينهما المهمة الأساسية التي يتصدى لها الكتاب هي غير ذلك ،

١٣

بل هي : نفي الاعتماد على السنة مصدرا للتشريع ، وأن اعتمادها سبب  ـ حسب اعتقاد المؤلف ـ إرباكا في الفقه الإسلامي ، أدى إلى وجوه المذاهب المتعددة ، والطوائف المتفرقة.

ومع قناعتنا بحرية الكاتب في اتخاذ هدف معين لعمله ، من دون أن يكون لأحد حق في تحديده ، إلا أن تقنعه بقناع (تدوين السنة) للوصول إلى هدف يبتعد عن هذا العنوان ، أمر لا يبتعد عن الريب والإثارة ، شاء الكاتب أم أبى!

فمن ناحية حضارية ، فإن الإصدارات التي تستعمل هذا الأسلوب ، تؤدي إلى فقدان الشخصية الثقافية ، بين المجتمع العلمي ، حيث إنه إسقاط لقيم العناوين ، وتلاعب باستخدامها ، في الوقت الذي تستدعي موضوعية البحث الذي يراد له أن يكون هادفا وعلميا ، كونه مجردا عن (الدجل وبعيدا عن (العبثية).

فالمطلوب : الدقة الكاملة في انتخاب العناوين ، واستخدامها ، بدلالات واضحة على المحتويات ، وإيصالها إلى الأهداف ، بصدق وأمانة ، وإلا كانت نماذج من (التضليل الثقافي) المنبوذ.

أما من الناحية الأدبية ، فإن تفويت الفرص على القراء والمراجعين ، وجرهم إلى قراءة ما يرغب فيه الكاتب ، وبطريقة الاغراء من خلال عنوان الكتاب ، أمر يعتبر استهتارا مفضوحا.

إن ما يرتبط بعنوان (تدوين السنة) إنما هو القسم الأول من الكتاب ، ذي الأقسام الثلاثة ، بينما القسم الثاني يبحث عن (علوم الحديث) والثالث يتركز فيه البحث عن الأحكام الشرعية المتعددة على السنة ، بعنوان (السنة بعد التدوين).

ومجموع ما يحتوي على القسم الأول هي الصفحات من ٢٧ ـ ١٤١ ، وفصوله ستة ، وما يرتبط منها بالتدوين ، الثاني ، ص ٣٧ ـ ٤٨ ، بعنوان (النهي

١٤

عن تدوين السنة) ، والثالث ص ٤٨ ـ ٥٦ ، بعنوان (إمساك الصحابة عن تدوين السنة) والرابع ، ص ٥٧ ـ ٦٤ بعنوان (إباحة تدوين السنة) ومجموع صفحات هذه الفصول ٢٧ صفحة فقط!!

أما الفصل الأول فهو بعنوان (تعريف السنة) والخامس بعنوان (الكذب على النبي (ص) وأسبابه) والسادس بعنوان (الاجتهاد في الفقه الإسلامي) وارتباط هذه الفصول ، بتدوين السنة ، فهو برابط القسم الأول بالأقسام الأخرى من الكتاب ، وهو وحدة الغرض الجامع بين الأقسام وفصوله ، والذين أشرنا إليه ، وسنتحدث عنه بتفصيل.

فالبحث عن (تدوين السنة) الذي يشغل فقط ٢٧ صفحة من أصل ٣٨٤ صفحة هي عدد صفحات الكتاب ، لا يمثل لوحده محتوى الكتاب ، إذ تبقى ٣٥٧ صفحة من الكتاب بعيدة عن العنوان!

فهل يخلو مثل هذا العمل من محاسبة؟! أو يتطابق مع عرف الكتابة العلمية؟! أو يخدم القراء بصدق؟! وهل روح (المنهج النقدي) الذي التزمه الكاتب تسمح بهذا التصرف؟!

* بين مؤدى العنوان ، ومؤشرات الهدف :

وتعقيبنا هذا على كتاب (تدوين السنة) يدور على طرفي : العنوان ، والهدف ، في فصلين :

١ ـ فقد فصلنا بين الملاحظات التي تجمعت حول الكتاب فيما يخص (تدوين السنة) من بحوثه ، بما في ذلك منهج المؤلف في التوثيق ، واستخدام المصادر ، وما أثاره في هذا المجال ، فذكرناها تحت عنوان : (مع مؤدى العنوان).

٢ ـ وجمعنا الملاحظات حول ما أثاره في مجال غرضه من تأليف الكتاب والإشكاليات التي تابعها في مصدرية السنة لأحكام الشريعة ، وتزييف ما أخذ اعتمادا عليها ، فذكرناها تحت عنوان (مع مؤشرات الهدف).

١٥

٢ ـ مع مؤدى العنوان

* حياد أو انحياز؟

إن الكاتب ، وعلى الرغم من دعواه عرض البحث بكل حياد ، وتجرد ، لم يكن حياديا في عرضه ما يرتبط بمسألة (تدوين الحديث) بالذات.

فمثلا ، نجد انحيازه واضحا عندما يعرض أدلة الطرفين حول (تدوين السنة) إثباتا ونفيا ، فيذكر في ص ٤٢ بعض أدلة إباحة التدوين ، ويحاول في الهامشين ١٤ و ١٥ إيراد تضعيفها أو إسقاط رواتها ، ولكنه لما يذكر أدلة المنع  ـ وقد بادر بذكرها في الأسبق ـ في بداية الفضل الثاني الذي عقده للبحث عن (التدوين) فهو لا يشير إلى أية نقطة ضعف في أدلة المنع ، ولا خدشة في رواتها!

ونفس عمله في عنوان الفصل الثاني ، المعقود لجمع أدلة الطرفين ، لكنه عنونه ب (النهي عن تدوين السنة) يتم عن روح الانحياز والتطرف إلى جهة المنع ، وكذلك عنوان الفصل الثالث الذي يليه وهو (إمساك الصحابة عن تدوين السنة) وأما الفصل الرابع المعنون (إباحة تدوين السنة) فهو يعنى بفترة ما بعد القرن الأول ، مع أنه قد بدأه بقوله :

(مضى القرن الأول للهجرة ولم يدون من السنة شئ ، كما جمع القرآن ، ولم يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين أنه دون صحيفة أو كتب كتابا يحوي أحاديث النبي (ص) وسننه ، سوى ما روي عن بعضهم أنهم كتبوا لأنفسهم أحاديث عن الرسول لكي يحفظوها ، ثم أتلفوها ...).

إن هذه البداية تكشف بمنتهى الوضوح عن انحياز الكاتب إلى ما يهواه من إثبات عدم التدوين.

١٦

* حديث النهي لا يحتج به :

إن عمدة ما استدل به القائلون بأن السنة لم تدون في العصر الأول هو حديث أبي سعيد الخدري ، الذي ذكره مسلم في صحيحه ـ دون البخاري ـ وافتتح به المؤلف الفصل الثاني ـ ص ٣٧ ـ وظلت صورته عالقة بقلمه إلى آخر البحث ، لا يصح الاحتجاج به لإثبات شئ ، وهو ما يدور النص فيه بين أن يكون من كلام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيسمى (المرفوع) وهو حينئذ حجة ، وبين أن يكون من كلام أبي سعيد نفسه ، فيسمى (الموقوف) فلا يكون حجة! لأنه حينئذ يدخل كطرف في النزاع بين الصحابة المجوزين والمانعين ، في أمر التدوين ، فلا يشكل حجة على الطرف المعارض للمنع.

وتعليل الحديث ـ المسقط له عن الاحتجاج ـ بدورانه بين الوقف والرفع مذكور في مصطلح الحديث وفي الكتب الخاصة ب (علل الحديث).

والمؤلف إبراهيم فوزي نفسه ، واقف على الفرق بين مصطلحي (المرفوع) و (الموقوف) وقد أيد معارضة القول بأن (الموقوف الذي لا مجال للرأي فيه له حكم المرفوع) وأن ذلك ليس كلاما يوجب الاغترار به ، كما في ص ١٧٦ هامش ٦.

إذن ، فلماذا يغتر هو بهذا الحديث ، ويغرر قراءه ، فيكرر الاستناد إليه ، ولا يشير إلى هذه العلة القادحة في حجيته ، لا من قريب ولا من بعيد؟!

ثم إن موقفه من رأي أهل البيت عليهم‌السلام وموقفهم من مسألة تدوين الحديث لا يخلو من تقصير ، إذ لا نجد في كتابه إيعازا إلى ذلك ، سوى ما رواه من خطبة الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، أنه خطب مرة فقال : (أعزم على كل من كان عنده كتابة عن رسول الله ، إلا رجع محاها ، فإنما هلك الناس حيث اتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم) ومصدره : سنن الدارمي

١٧

ج ١.

ذكر ذلك في تدوين السنة ، ص ٥٣ ـ ٥٤ ، والهامش ١٦.

وقيل أن نناقش في سند الحديث ودلالته ، فإن ما نقله عن سنن الدارمي لم نعثر عليه ، وإنما الموجود هو في مصنف ابن أبي شيبة ٩ / ٥٢ ، ورواه القرطبي في جامع بيان العلم ١ / ٦٣ وجاء بالنص الآتي : (أعزم على كل من كان عنده كتاب ، إلا رجع فمحاه ، ...) إلى آخر الحديث ، فليس فيه (كتابة عن رسول الله).

فهل تعدى الانحياز عند الكاتب إلى الخيانة؟!

ولم ينحصر المنقول عن الإمام علي عليه‌السلام بهذا الحديث ، بل إن مجموعة كبيرة من الروايات الدالة على تأكيده على الكتابة وحثه عليها مشهورة ومنقولة في جميع المصادر ، وكلها تدل على أنه عليه‌السلام كان رائد المبيحين لتدوين الحديث ، ولم ينقل عنه خلاف ذلك سوى هذا الحديث ، فإهمال الكاتب لكل تلك المجموعة ، وذكره هذا الحديث فقط ، يدل على ماذا؟! أما هذا الحديث فقد ثبت بطلانه وفساده ، سندا ودلالة من أوجه كثيرة أثبتناها في دراستنا على الموضوع (١).

* الإيحاءات المحرفة :

ويتبلور انحياز المؤلف إلى طرف المنع عن التدوين ، في تأكيده بشتى العبارات على الايحاء بأن النهي عن التدوين هي الحقيقة الثابتة ، وأن إباحة التدوين جاءت متأخرة ، فمثلا يفتتح الفصل الثالث المعنون (إمساك الصحابة عن تدوين السنة) فيقول في ص ٤٩ :

(تمسك الصحابة بعد وفاة النبي (ص) بحديثه الذي نهى فيه عن

١٨

كتابة السنة ، فأمسكوا عن تدوينها ، وتشددوا ضد الذين كانوا يكتبونها ، وكانوا يتلفون ما كتب منها ، ولم يرد على لسان أحد من الصحابة أن النبي (ص) نسخ حديث النهي عن كتابتها) ..

والمفارقات الواضحة في هذا الكلام نوجزها في ما يلي :

أولا : الذين كتبوا ما كتب من السنة ، وكانوا يكتبونها ـ حسب تعبيره ـ لم يكونوا ـ قطعا ـ إلا من الصحابة الذين اتصلوا بالنبي مباشرة ، ولم يكونوا غرباء خلقوا فجأة في مجتمع الصحابة!

ومع هذه الحقيقة الضمنية في كلامه ، فإن عنوان (إمساك الصحابة عن تدوين السنة) متهافت لا يناسب هذه الحقيقة على الأقل ، لأن هؤلاء لم يمسكوا عن التدوين!

وماذا كان يضر المؤلف لو عنون للفصل ب (إمساك بعض الصحابة عن تدوين السنة)؟! لكن ليس لهذا العنوان ، وقع قوي مثل ما للعنوان الأول ، على طريق ما بيته المؤلف؟!

وثانيا : قوله : (تمسك الصحابة بالحديث الذي نهى فيه النبي (ص) عن تدوين السنة) يوحي أن (حديث النهي) ثابت لا ريب فيه ، وقد عرفت ـ قريبا ـ أنه لم يثبت لتردده بين أن يكون موقوفا على أبي سعيد ومن كلامه هو ، لا من كلامه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبين أن يكون مرفوعا إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكيف يوحي خلاف ذلك؟!

مع أنه لم يثبت مورد واحد جاء فيه (تمسك الصحابة) بما نسب إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حديث النهي ، وقد تتبعنا جميع ما ورد في الباب ، فلم نقف على مثل ذلك ثابتا في حديث صحيح لا علة فيه ، وقد اعترف الباحثون عن مسألة التدوين بنفي استناد الصحابة إلى حديث في النهي ، حتى أولئك الذين تشددوا من الصحابة في أمر التدوين ، لم يجسروا على نسبة المنع إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لعلهم لم يفعلوا ذلك لأنهم لم يلتزموا

١٩

منهجا نقديا يبتني على الجسارة والشجاعة المتوفرة في كتابة عصرية ، كالتي في (تدوين السنة) لإبراهيم فوزي.

وأما نسبة التمسك بحديث النهي إلى الصحابة ـ بلفظ العموم ـ فهو أمر ينافيه المنقول عن أكثرهم أنهم كانوا يقولون بإباحة التدوين ، وقد أشاروا بذلك على عمر أيضا ، لكن المؤلف لم يشر إلى ذلك ، بل يظهر من عبارته خلاف ذلك تماما!

وثالثا : وكذلك قوله :

(لم يرد على لسان أحد من الصحابة أن النبي (ص) نسخ حديث النهي).

يوهم أن حديث النهي ثابت عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بصورة قطعية ، ولا بد في رفعه من ناسخ يروى عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبما أنه لم يرد عن الصحابة نقل النسخ ، فالنهي مستمر.

مع وضوح أن النسخ فرع ثبوت النهي ، ومع الشك في ثبوت النهي كاف في نفي العلم بوجوده ما لم يقم عليه دليل قاطع ، ولا معنى لنسخ ما لم يثبت.

ويمكن إلى عملهم ، إذ كانوا يكتبون السنة ، في إعلان النسخ ـ لو ثبت النهي ـ فإن العمل أقوى دلالة من مجرد النقل في مثل هذا ، لأنه غير قابل للتأويل ولا ترد فيه الاحتمالات الآتية في الكلام المنقول.

ورابعا : لو سلم ـ جدلا ـ ثبوت نهي عن التدوين ، فلا أثر لتمسك الصحابة ـ الذين منعوا عن التدوين ـ بمثل ذلك ، إذ مع وجود النهي الصريح من رسول الشريعة ، فليس عمل بعض دليلا آخر مستقلا ، وإنما هو تطبيق منهم له مستند إلى مقدار ما أدركوه من مدلول النهي ، وقد يكونون مخطئين في ذلك ـ لعدم عصمتهم ـ كما قد اعترف المؤلف بأن عملهم كان أشد مما قام به النبي نفسه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث قال في ص ٥٥ :

٢٠