تراثنا ـ العدد [ 34 ]

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العدد [ 34 ]

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٤٨
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUETurathona-part034imagesimage001.gif

١
 &

تراثنا

العدد الأَوّل [٣٤]

السنة التاسعة

الفهرس

* كلمة التحرير :

* (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) ثمّ (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) .

..........................................................................  هيئة التحرير ٧

* هوامش علىٰ كتاب «المرتضىٰ» للندوي

............................................................  السيّد عليّ الحسينيّ الميلانيّ ١٧

* في رحاب نهج البلاغة (٤) :

* ما قيل في «نهج البلاغة» من نظم ونثر .

............................................................ السيّد عبد العزيز الطباطبائي ٦٠

ISSN ١٠١٦ – ٤٠٣٠

٢
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUETurathona-part034imagesimage002.gif

محرّم ـ صفر ـ ربيع الْأَوّل

١٤١٤ هـ .

* الكلمة في اصطلاح النحاة .

..............................................................  السيّد عليّ حسن مطر ١١١

* من ذخائر التراث :

* الخلاصة في علم الكلام ـ لقطب الدين السبزواري .

...............................................  تحقيق : السيّد محمّد رضا الحسينيّ الجلاليّ ١٢٣

* من أنباء التراث .

...........................................................................  التحرير ٢٢٧

*       *      *

* صورة الغلاف : نموذج من إحدىٰ مخطوطات «الخلاصة في علم الكلام» لقطب الدين السبزواري ـ أحد أعلام القرن السادس الهجري ـ المنشورة في هذا العدد ، ص ١٢٣ ـ ٢٢٦ .

٣
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUETurathona-part034imagesrafed.png

٤
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUETurathona-part034imagesimage003.gif

٥
 &
٦
 &

كلمة التحرير

(إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) ثمّ (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)

بسم الله الرحمٰن الرحيم

لم تكُن الْأُمّة الإِسلاميّة ـ في عصر من العصور ـ علىٰ مثل هذا الحدّ ، من العُسْر والشدّة والضياع ، الذي هي فيه اليومَ .

حيثُ تُعتبر ـ الآن ـ أكثر الْأُمم تخلّفاً عن ركب الحياة الحرّة الكريمة ، وأكثرها جهلاً ، وأشدّها ضعفاً وخوراً ، وأحقرها رأياً وصوتاً ، وأوسعها فُرقة وتشتّتاً .

علىٰ ما هي عليه من كثرة في العدد ، حيث يبلغ المسلمون المليار والنيّف من الرؤوس ، بما يُعادل ربعَ المجموعة البشرية علىٰ وجه الْأَرض !

كما إنّهم ليسوا في قلّة من المال ، حيث يملكون أكبر مخزون عالمي من الذهب الأسود ـ النفط ـ المدفون تحت أراضيهم الشاسعة ، وحيث أرصدتُهم المالية من العُملات الصعبة تغطّي نفقات أكبر المصانع العالمية ، والبنوك الدوليّة ، في شرق الْأَرض وغربها !

ومع أنّهم يدّعون الانتماءٍ إلىٰ دين الإِسلام ، وهو أعزّ دين عرفَتْه البشرية ، وأحرصه علىٰ الكرامة الإِنسانيّة ، وأدْعاه إلىٰ العلم والمدنيّة ، وأوسعه ثقافة

٧
 &

وطهارة ونظافة .

ولكنْ كما تنبَّأ به الرسول الْأَعظم صلّیٰ الله عليه وآله وسلّم ، في حديث ثوبان عنه ، قال :

«يوشكُ الْأُمم أنْ تداعىٰ عليكم ، كما تداعىٰ الْأَكَلةُ إلىٰ قصعتها» .

فقال قائل : ومن قِلّةٍ نحن يومئذٍ ؟!

قال : «بل أنتم ـ يومئذٍ ـ كثير ، ولكنّكم غُثاءٌ كغُثاء السَيْل ، ولينزعَنَّ اللهُ من صدور عدوِّكم المهابةَ منكم ، وليقذفَنَّ اللهُ في قلوبكُم الوهن» .

فقال قائل : يا رسول الله ، وما الوهن ؟

قال : «حبُّ الدنيا ، وكراهيّة الموت»(١) .

صدق رسولُ الله صلّیٰ الله عليه وآله وسلّم ، وكأنّه يصفُ حالةَ المسلمين اليومَ ، وهُمْ يقفون ـ أمام شراذمة الْأُمم ـ أذلّاء تُنْهَبُ ثرواتُهم ، ويُحتقَرون ، وتُصبُّ عليهم النيرانُ صبّاً ، وتُنتهكُ حرماتُهم ، وتُدنَّسُ مقدّساتُهم بكلّ صلافة ، وفي وضح النهار .

والمسلمون خانِعون ، لا ينبسُون ببنت شَفةٍ ، لأَنّهم ابتُلوا بالوهن :

الوهن في الإِدارة ، والوهن في التدبير ، والوهن في القوّة والإِعداد .

ولذلك لجأوا إلىٰ العدوّ في أهمّ مرافق الحياة ، من الاقتصاد والتسلّح ، والإِدارة ، وركنوا إلىٰ الَّذين ظلموا حتّىٰ في المأكل ، والملبس ، وأطوار الحياة اليوميّة .

وٱبتُلوا بحبّ الدنيا ، وكراهيّة الموت ، والتوغّل في الفساد ، واللهو ، والملذّات حتّىٰ الآذان ، فتهالكوا علىٰ الراحة والجاه والمُلْك والرئاسة والسيطرة علىٰ شعوبهم المظلومة ، ولجأوا إلىٰ العنجهيّة والقتل والغارة والاعتداء علىٰ

__________________

(١) رواه أبو داود في سننه ـ كتاب الملاحم ـ ٤ / ١١١ رقم ٤٢٩٧ ، وأورده أحمد في مسند أبي هريرة ٢ / ٣٥٩ بلفظ قريب .

٨
 &

أموال الناس وأعراضهم ونفوسهم في سبيل إرضاء الْأَسياد الغربيّين ، وطمعاً في المزيد من التحكّم علىٰ البلاد والعباد ، والتمتّع بملذّات الحياة .

والكفر العالميّ ـ الذي يهابُ الإِسلامَ ، لِما يَعرف فيه من القوّة والصدق والحقّ والطهارة والجدّ ـ مترصّد منذ زمان ، للإِجهاز عليه ، لأَنّه بما فيه ، لو تحقّق له النفوذ والانتشار في العالم ، لم يبق للزيف والظلم والفساد في الْأَرض مجالٌ ، ولم يتمكّن أُولئك الطامعون من فرض إرادتهم علىٰ الشعوب المظلومة المضطهدة .

فالكفر ـ وهو بكلّ أديانه ومذاهبه وفرقه : ملّة واحدة ـ يخاف الدينَ الإِسلامي ، ويُحاولُ طمس معالمه ، وتشويه سمعته ، بين المسلمين ، وغير المسلمين من الْأُمم الْأُخرىٰ .

والْأَدوات التي يستخدمها ـ لتنفيذ خُطّته للكيد لهذا الدين ولمعتنقيه ـ متطوّرة بتطوّر الآلة الصناعية الحديثة ، ووسائل الإِعلام المقروءة والمسموعة والمرئيّة ، وحتّىٰ الثقافة والسياسة والاقتصاد ، أصبحت ـ كلّها ـ أسلحة للكفّار في ضرب الإِسلام والمسلمين .

ولم يكفّ الكفرُ لحظةً واحدةً من الكيد للإِسلام ، علىٰ طول القرون الْأَربعة عشر الماضية من عمره ، إلّا أنّ هذا العصر تميّز بأُمور خاصّة :

أوّلاً : بالسيطرة الكاملة الشاملة ، للقوىٰ الكافرة ـ مسيحيّة ويهودية ، أو ملحدةً ـ علىٰ كلّ مرافق الحياة في البلدان الإِسلامية

سواءٌ بصورة مُباشرة ، كخبراء اقتصاد ، أو مستشارين عسكريّين ، أو رجال أعمال ، ومُدراءَ بُنوك ، ومُهندسين ، أو أعضاء الْأُمم المتّحدة !! وحتّىٰ عمّال التنقيب عن الاثار ، وأطبّاء الصحّة ، وو . . .

أم بواسطة أياديهم المتعلّمين في مدارسهم ، أو المتربّين في أنديتهم ممّن رفعوهم إلىٰ مناصب عالية في الدول الإِسلامية من مُلوك وأُمراء ووُزراء ورُؤساء ، ومُدراء عامّين ، وقُوّاد حرس ، وضُباط جيش ، ورجال مباحث

٩
 &

واستخبارات عسكريّة ، ومدنيّة ، وما إلىٰ ذلك .

فتسلّلوا إلىٰ مراكز القوى ، والإِدارة ، والعمل ، الحسّاسة في البلاد .

ثانياً : الاختراق الثقافيّ ، ونشر الْأَفكار البديلة ، والتشكيكات والشبهات المعارضة للحقّ ، بأصوات وأبواق وأقلام سامّة ومأجورة ، مستخدمةً لِأَزياء برّاقة ، مثل أصحاب القبّعة الجامعية ، أو البدلة الطبيّة ، أو حتّىٰ البزّة الدينيّة ـ أحياناً ـ كما يقوم به علماء البلاط ووعّاظ السلاطين ، وغير ذلك من السمات الطيّبة ، والْأَزياء الفضفاضة ، والمقدّسة عند المجتمع .

كلّ ذلك بهدف زعزعة عقيدة الْأُمّة بالدين الحقّ ، ولأَجل تفريع الْأَدمغة وغسلها ، وملئها بأفكار مستوردة .

وبعد أنْ كَشّر الكفرُ العالمي ـ بزعامة الصهيونية الحاقدة علىٰ الإِسلام والمسلمين ، في هذا العصر ـ عن أنيابه ، ورفع أقنعة الدجل عن وجه تصرّفاته العُدوانيّة ، وأعلن عن خطورة الدين الإِسلاميّ الحنيف علىٰ نظامه الجديد ، ونزعاته الإِلحادية ، وأطماعه في الْأَرض ، نزلَ ـ بكلّ صلافةٍ ـ بقوّاته في المياه الإِسلامية ، وعلىٰ الْأَرض المقدّسة ، وغزا البلاد الإِسلاميّة ، وصبَّ علىٰ أجزاء منها آلاف الْأَطنان من حقده الْأَسود .

وفي خِضَمِّ تلك التدابير اللئيمة ، وهذه الاعتداءات الْأَليمة ، نواجه نحن «الشيعة» هجوماً مركّزاً خاصّاً من قوىٰ الكفر والعمالة ، تستهدف «المؤسّسة الدينيّة الشيعية» بالذات ، بسهام حقدها وشغبها ، باعتبارين :

الْأَوّل : أنّ الصحوة الإِسلاميّة المُتنامية ، إنمّا بدأت في مطلع هذا القرن من خلال انتصار الثورة الإِسلاميّة في إيران ، فكانت بداية التحرّك المعاصر لإِحياء الإِسلام وتجديده في قلوب الملايين من المسلمين المضطهَدين والمغلوبين علىٰ أمرهم ، بحيث أنتج المدَّ الإِسلاميَّ العارمَ ، والجارفَ لكثير من قواعد الفساد والشرّ والإِلحاد التي زرعتها أيدٍ عميلة في الْأَرض الإِسلامية ، وبدأت تنشر الوعي الإِسلامي الصائب ، وتصدّر هذا الوعي ليعمّ كلّ الْأَرض

١٠
 &

الإِسلامية وحتّىٰ غير الإِسلامية .

وهذا ما يُشكّل أعظم الْأَخطار علىٰ الكفر العالمي وأهدافه القريبة والبعيدة ، وينسف كلّ مخطّطاته وتدبيراته ، ويدمّرها .

الثاني : أنّ المؤسّسة الدينيّة الشيعية ، هي المؤسّسة الإِسلامية الوحيدة التي تتمتّع بكامل الحرّيّة من سيطرة أيّة سُلطة رسميّة أو غير رسميّة ، وإنّما تعتمد حرّية الرأي واتّخاذ القرار وفقاً لموازين الإِسلام الحقّ ، والمصلحة الإِسلامية من دون التأثّر بأيّ شيء من المضاعفات والْأَلاعيب السياسية وغيرها .

وبذلك تمكّنت من مواجهة التحدّيات الكبرىٰ التي دبّرتها العناصر الاستعمارية منذ دخولها أرض الإِسلام ، وكذلك كان لها الموقف الحازم تجاه الْأَحداث والمجريات في داخل العالم الإِسلامي .

ومن أجل كلّ هذا ، أصبح «التشيّع» وبالْأَخصّ «المرجعيّة» مستهدفة ، في هذا القرن ، من قبل أعداء الدين الإِسلامي ، إذ جعلوها مركز الهدف في كلّ حملاتهم الشعواء ضدّ الإِسلام ، ومحور كلّ الْأَلاعيب السياسيّة والتغييرات والتحوّلات في خارطة المنطقة الإِسلاميّة ، والعنوان الكبير في قائمة أعمال كلّ المؤتمرات والمجالس والاجتماعات واللقاءات داخل المنطقة وخارجها .

وكأنّ الإِسلام ، قد انحصر وبرز في هذا الهدف بالذات !

ومهما يكنّه هذا من حقيقة ، فإنّ المفارقة الواضحة فيه أنّ المسلمين في العالم ، والمؤمنين بالحركة الإِسلامية بخاصة ، وإن استلهموا من الشيعة روح العودة إلى الإِسلام ، وتيقّظوا لإِحيائه ، وملأوا أنفسهم بالْأَمل ، لكنّهم إنّما يسيرون علىٰ مناهج تخصّهم ، والتزامات ذاتية تحكمها ظروفهم ، وإن كان الجامع هو الولاء للإسلام الدين الحقّ ، والدفاع عن الوطن الإِسلامي ، الذي أصبح مجالاً للاستعمار واعتداءاته .

لكنّ القوىٰ الشرّيرة ، والمستكبرة ، ترىٰ كلّ ما حدث ـ ويحدث ـ في العالم الإِسلامي لصالح المسلمين ، من عين «الشيعة» و «مرجعيّتها الدينيّة» .

١١
 &

وقد جعلَت من هذا مبرّراً رسميّاً لهجومها الإِعلامّي والسياسيّ والاقتصاديّ ، بل العسكري ! ضدّ المسلمين الشيعة ، في كلّ نقاط العالم ، وبشتّىٰ الْأَشكال والمستويات !

وشاءت الإِرادة الإِلهيّة أن تكون الْأَعوام الخمسة الماضية ، أعوام حُزْنٍ متوالية ، للشيعة ، فبعد عروج آية الله العظمىٰ السيّد الإِمام الخميني إلىٰ الرفيق الْأَعلىٰ ، كان رحيل مرجعَي الطائفة ، آية الله العظمىٰ السيّد الخوئي ، وآية الله العظمىٰ السيّد الكلبايكاني ، قدّس الله أسرارهم ، فقد احتلّ كلٌّ منهم «المرجعية الدينية» بجدارة ، وتزعّموا إدارة «المؤسّسة الدينيّة» في ظروفها الصعبة والحرجة .

واليوم ، قام عفريت الكفر من جديد ، ليستغلّ ما يتصوّره من فراغ في «المرجعية العليا» بمحاولات شيطانية ماكرة :

فبعث شياطينه ، ليثيروا الشُبَه والتشكيكات بين «الشيعة» حول أصل «المرجعية» وٱنهمك خبراء الْأَجهزة السرّيّة والاستخبارت بتهيئة الكوادر للعمل في مجال الإِعلام ، لتأليف الكتب ، وإعداد المقالات ، وبثّ الْأَحاديث ، واللقاءات والاجتماعات ، عن «المرجعية الدينية عند الشيعة» فامتلأت آلاف الصفحات من المجلّات والجرائد بالحديث عن ذلك ، وبأقلام مزيّفة ، وجاهلة وبعيدة عن الفكر الشيعي والفقه الشيعي والتراث الشيعي .

وقامت بالتهجّم علىٰ الفكر الشيعي ، بصورة متخلّية عن أبسط قواعد الْأَدب والخلق والشرف .

والغرض من وراء ذلك : التشويش على «الشيعة» وعلىٰ «المرجعية» ومحاولة زعزعة الإِيمان المستقرّ في قلوب الملايين من المؤمنين ، وتشكيكهم بالتزاماتهم وقناعاتهم العقيدية ، وصرفهم عن إسناد المرجعية الدينيّة ، التي كانت ـ ولا تزال ـ هي السدّ المنيع لمواجهة تحدّيات الكفر العالمي وأساليبه المتطوّرة ضدّ الدين الإِسلاميّ الحنيف وقيمه الإِلٰهيّة .

١٢
 &

وقد وجد الاستعمار في أهل النصب والعداء للشيعة ، والبغض والكراهية لهم ، من أصحاب الْأَقلام وممّن يسمّي نفسه «مسلماً» . . وجد فيهم أنصاراً وأعواناً ، وقفوا معه في صفٍّ ، يشنّون الحملات علىٰ «الشيعة» و «المرجعية الشيعية» حاملين أسنّة أقلامهم المليئة بالحقد الْأَسود يكتبون ما لا يليق ، محاولين تزييف عقائد الشيعة بكلّ طريقة باطلة ومبتذلة ومفضوحة !

ورغم أنّ أُولئك المتحاملين علىٰ الشيعة ، يدّعون حماية الإِسلام والسلفيّة والدفاع عنهما ، فهم يوالون النصارىٰ ويوادّونهم ، واستهوتهم المسيحية الحاقدة علىٰ الإِسلام ، ويحاولون التزلّف إلىٰ اليهود ، والتصالح مع الصليبيّة المعتدية علىٰ مقدّسات المسلمين وكرامتهم .

لكنّهم يُهاجمون «الشيعة» ويحادّون «مرجعيّتها» التي تمثّل الإِسلام في عالم اليوم .

إنّ الناصبين لآل محمّد العداء ، يحسبون أنّ هذه أهمّ فرصة لهم ، لضرب «الشيعة» ولو بالتعاون مع الكفّار الْأَجانب ، مُتناسين أنّ «التشيّع» إنّما استُهدف ـ اليومَ ـ باعتباره يمثّل الإِسلام ، وهو الواجهة والسدّ للدفاع عن المسلمين !

وهُم ـ بدافع من الكفّار ـ يُصدرون بين الحين والآخر فتاوىً مزيّفة ضدّ «الشيعة» وعقائدها ، ومُتغافلين عمّا يجري ـ تحت آذانهم ـ من نعيق الشيطان بالكفر والفساد ، والتعدّي علىٰ مقدّسات الإِسلام ، وانتهاك أعراض المسلمين ، وانتهاب أموالهم !

ووجد الكفر ـ هذه المرّة ـ منفذاً إلىٰ بعض من يتسمّىٰ بالتشيّع ، ويدّعي الانتماء اليه ، ليتّخذه عوناً في حملته هذه ، ممّن استهوته الدنيا ، وباع حظّهُ من الآخرة بالثمن الْأَوكس ، علىٰ حساب دينه ، وأُمّته ، ووطنه ، طمعاً في منصبٍ ، أو مالٍ ، أو لذّةٍ ، أو لجوءٍ وإقامة في بلدٍ !!!

وفي هذا الإِطار ما يُنشر من كتب ومقالات وأحاديث عن «المهديّ

١٣
 &

المنتظر» باعتباره المنطلق الْأَساس لفكرة «المرجعيّة» !

زعماً أنّ بالإِمكان تشتيت وحدة الصفّ الشيعيّ ، والتدخّل في أمر قيادتها الدينية بهذه الْأَساليب الماكرة .

وجهلاً بأنّ الشيعة قد وجدوا الطريق الآمنة ، المطمئنّة ، منذ البداية ، وقد عرفوا أعداءهم ـ الداخلين والخارجين ـ وواجهوا أمثال هذه الْأَحابيل ، وتلك الْأَساليب ، والْأَلاعيب ، مرّات عديدة في طول تاريخهم ، فلم تزدهم إلّا صموداً علىٰ الحقّ الذي عرفوه وتبنّوه ، وتأكّدوا منه ، وأقاموا عليه ألف دليل ودليل .

وما الشيعة في العالم ـ اليوم ـ من القلّة أو الضعف بحيث تخفىٰ عليهم أساليب الْأَعداء الماكرة ، ولا تخدعُهم الْأَقنعة المزيّفة التي يرتديها الجهلة ، ولا تغرّهم الدموع الكاذبة التي يصبّها الْأَعداء علىٰ «المرجعيّة» .

ولا تخدعهم النصائح المسمومة ، ولا الإِيعازات ، والتمريرات ، ولا المحاولات اللئيمة ، التي تهدف إلىٰ تضعيف الصفّ الشيعيّ وتشتيت قواه ، تمهيداً للإِجهاز عليه !

وكيف يغترّ أحدٌ بكلماتهم المعسولة ، وقد تلطّخت أيديهم ـ حتّىٰ المرافق ـ بدماء المسلمين والشيعة الْأَبرياء في إيران الإِسلام وفي العراق وجنوب لبنان ، وأفغانستان ، وها هم يُجْرون أنهاراً من دماء المسلمين في البوسنة ، والجزائر ، والْأَرض المقدّسة في القدس تئنُّ من سنابك جيوشهم .

والغريب أنّ كلّ هذا الظلم والاعتداء ، يجري في العالم أمام أعين «الزعامة الدينيّة» للمسيحيّة ، بل ما يجري في «البوسنة» تحت إرنبة آذان «الفاتيكان» ولا يحاول البابا أن يسمع أصوات القنابل والصواريخ ، ولا أن يفيق من سُباته العميق ، فضلاً عن أن يسمع أنين الجرحىٰ ، أو نشيج اليتامىٰ ، ولا آهات الثواكل !!

إنّ «زعامة دينيّة» لا تحاول أن تعترف بوقوع الجريمة ، وقد اعترف بها العالم ، وكلّ المنظّمات الدولية وشجبتها ، وهي تقع علىٰ أيدي أتباع هذه

١٤
 &

الزعامة ، والصرب النصارىٰ بالذات ، فلا يفتح «البابا» فمه ، لينهاهم ، ويوقف ـ بكلمة واحدة ـ حمّام الدم ، لكنّه يكتفي بقوله : «إنّه يدعو !» .

أمّا هو ـ وعداءاً للإِسلام ، وتنكيلاً بالمسلمين ـ يعترف في نفس هذه اللحظة ، بدويلة إسرائيل ، رسميّاً ، يقيم معها علاقات دبلوماسيّة ، ولا يحاول أن يكتفي بالدعاء لها !؟

إن هؤلاء ، وذيولهم في المنطقة الإِسلاميّة ، يريدون أنْ يتدخّلوا في تنصيب «زعامة دينيّة» للشيعة ، ويعيّنوا «مرجعاً» لهم علىٰ غرار البابا أو أكثر غفلة !

إنّه الجَهل ، والحقد ، واللؤم ، والمكر ، والغباء ، الذي يتّصف به أعداء الإِسلام ، وأعداء التشيّع ، من الكفرة والناصبين العداء لمحمّد وآل محمّد وشيعتهم ، وإنّ تزيّوا بأزياء البابويّة ، والسلفيّة ، وحتّىٰ مَنْ تظاهر بالتشيّع ممّن تعمّم باليأس ، والقنوط ، ولفّته الحيرة في عالم اللجوء السياسي ، وعمّه التعب والإِرهاق النفسي ، ويئس ـ بعد مظاهر الشيب والكبر ـ من أن تصل يده إلىٰ بعض ما كان يأمل من كرسي ـ للحكم المهزوز ـ يجلس عليه ولو لحظات ، فحاول اللجوء إلىٰ الكفّار المعادين للإِسلام ، من عملاء الْأُمم المتّحدة ، ليعيّنوا له «مرجعاً» دينيّاً ، هنا أو هناك .

لقد أوضح التاريخ ـ عبر القرون والتجارب ـ أنّ هذه الْأَساليب ، فاشلة أمام الصمود الشيعيّ ، والحقّ العلويّ ، والواقع الإِسلاميّ ، والحقيقة «المرجعيّة» .

وبالرغم من العراقيل المقطعيّة ، والعداءات والحواجز والْأَجواء العابرة ، وظروف العُسر والشدّة ، فإنّ الحقّ يعلو ولا يُعلىٰ عليه كما هو الوعد المحتوم .

ونحن ندعو المؤمنين إلىٰ المزيد من الثبات واليقظة والحذر ، والاعتماد علىٰ الله ، والثقة به ، والتمسّك بالقرآن ، واتّباع سُنّة الرسول وآل الرسول ، والجدّ

١٥
 &

في سبيل تحقيق الْأَهداف العالية ، والتعاون في توحيد الصفّ ، ورعاية الضعفاء لرفع الشدّة والعسر عنهم ، والانتظار ـ المدعوم باليقين والعمل ـ للفرج وتوقّع اليُسر ، بعد كلّ هذه «الشدة» وهذا «العُسر» .

فإنّ «انتظار الفرج عبادة» و «إنّ مع كلّ عُسرٍ يُسرين» .

والله المستعان .

هيئة التحرير

١٦
 &

هوامش على كتاب :

المرتضىٰ

سيرة أمير المؤمنين سيّدنا أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرّم وجهه

بقلم : أبو الحسن علي الحسني الندوي .

السيّد عليّ الحسينيّ الميلانيّ

بسم الله الرحمٰن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين ، من الْأَوّلين والآخِرين .

وبعد :

فإنّه يصلنا بين كلّ يومٍ وآخر كتاب عن الشيعة وأئمّتها وعقائدها ، من مختلف البلدان ، الإِسلامية منها وغير الإِسلامية ، يكتبها «دكاترة» و «مشايخ» يحاولون الصدّ من انتشار التشيّع ، والوقوف أمام توجّه أبناء الفرق الْأُخرى إليه . . .

وكذلك الحال في كلّ زمان ومكان . . فما خرج «منهاج السُنّة» من الشام ولا «الصواعق المحرقة» من مكّة ، ولا «التحفة الاثنا عشرية» من الهند ، ولا غير هذه الكتب في الْأَزمنة والْأَمكنة المختلفة . . إلّا لهذا السبب . . .

يقول ابن حجر المكّي في مقدّمة كتابه : «سئلت قديماً في تأليف كتاب يبيّن حقيقة خلافة الصدّيق وإمارة ابن الخطّاب ، فأجبت إلى ذلك مسارعةً في

١٧
 &

خدمة هذا الجناب . . ثمّ سئلت في إقرائه في رمضان سنة ٩٥٠ بالمسجد الحرام ، لكثرة الشيعة والرافضة ونحوهما الآن بمكّة المشرّفة ، أشرف بلاد الإِسلام ، فأجبت إلى ذلك رجاءً لهداية بعض من زلّ به قدمه عن أوضح المسالك» !!

وكأنّ هذا السبب الآن أقوى من أيّ وقتٍ مضى . . فما أكثر الكتب والمقالات في المجلّات . . وحتّى الْأَشرطة . . التي تُنشر ضدّ هذا المذهب على مختلف المستويات . . في هذه الْأَيّام . . لكنّها ـ في الْأَغلب ـ تكرار لِما تقوّله الْأَقدمون ، واجترار لِما لفظه الغابرون ، وتهجّمات لا يقوم بها إلّا الجاهلون . . ولا جواب لها . . إلا «السلام» .

إلّا أنّا نجد من بين تلك الكتب كتباً نادرةً يبدو أنّ مؤلّفيها شعروا بأنّ التهريج والافتراء لا يلائم روح العصر ، وأنّه لا يجدي إنْ لم يثمر العكس . .

فجاءوا يدّعون العلميّة والتحقيق ، ويتظاهرون للنبيّ وآله بالولاء والتصديق . . فكانت كتبهم بظاهرها جديرةً بالقراءة والدراسة . .

لكنّك إذا لاحظتها وجدتها لا تختلف في واقعها عن غيرها . . إلّا من ناحية الْأُسلوب ، أعني خلوصها ـ إلى حدٍّ ما ـ من السبّ والشتم . .

أمّا خلوصها من التحريف ، من الكذب ، من كتم الحقائق ، من إنكار الْأُمور المسلَّمة . . فلا . .

ولقد وقع اختياري من بين هذه الكتب المعدودة من هذا القبيل على كتيّب وضعه أحدهم حول حديث «إنّي تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي . . .» ونشرت في ردّه كتاب «حديث الثقلين : تواتره ، فقهه» ، وكتاب آخر وضعه بعضهم حول كتاب «المراجعات» وأنا مشغول بالنظر فيه ، وهذا كتاب ثالث أنا بصدد التنبيه على بعض ما فيه ، والله المستعان .

الكتاب عنوانه «المرتضى : سيرة أمير المؤمنين سيّدنا أبي الحسن عليّ ابن أبي طالب ، رضي الله عنه وكرّم وجهه» ومؤلّفه : «أبو الحسن علي الحسني

١٨
 &

الندوي» من منشورات «دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع ، بدمشق» .

وهو في فصول عشرة :

الفصل الْأَول : عليّ بن أبي طالب في مكّة ، من الْأُسرة والولادة إلى الهجرة ،

١٣ ـ ٣٥ .

الفصل الثاني : عليّ في المدينة من الهجرة إلى وفاة الرسول ،

٣٧ ـ ٥٥ .

الفصل الثالث : سيّدنا عليّ في خلافة أبي بكر ،

٥٧ ـ ٩٣ .

الفصل الرابع : سيّدنا عليّ في خلافة عمر ،

٩٥ ـ ١١٤ .

الفصل الخامس : سيّدنا عليّ في خلافة عثمان ،

١١٥ ـ ١٣٦ .

الفصل السادس : سيّدنا عليّ في خلافته ،

١٣٧ ـ ١٥٧ .

الفصل السابع : سيّدنا عليّ إزاء الخوارج وأهل الشام إلى شهادته ،

١٥٩ ـ ١٧٤ .

الفصل الثامن : سيّدنا عليّ بعد الخلافة ،

١٧٥ ـ ١٩٢ .

الفصل التاسع : سيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين

١٩٣ ـ ٢١٩ .

الفصل العاشر : سادة أهل البيت وأولاد عليّ ،

٢٢١ ـ ٢٥٠ .

فالكتاب كلّه يقع في ٢٥٠ صفحة !

والمتعلّق منه بالموضوع ـ وهو سيرة المرتضى أمير المؤمنين ـ ١٩٠ صفحة فقط !!

تناولت هذا الكتاب . . وأنا مستغرب كيف تمكّن المؤلّف من أنْ يودع «سيرة المرتضى أمير المؤمنين» في ١٩٠ صفحة فقط ؟!

فوجدته يقول في المقدّمة :

«ومن هذه الشخصيّات المظلومة أو المهضومة حقّها : شخصيّة سيّدنا عليّ بن أبي طالب ، التي تراكمت عليها حجب كثيفة !! على مدى القرون

١٩
 &

والْأَجيال ، لأَسباب مذهبيّة طائفيّة ونفسيّة ، ولم ينصف لها حقّ الإِنصاف ، ولم تعرض للدارسين والباحثين ـ وحتّىٰ للمحبّين المُجِلِّين ـ في صورتها الحقيقية ، وإطارها الواسع الشامل ، وفي استعراض ـ أمين دقيق محايد ـ للعصر الذي نبغت فيه ، والْأَحداث التي عاشتها ، والمجتمع ورجاله وقادته الّذين عاصرتهم وتعاونت معهم ، والمعضلات والمصاعب التي واجهتها ، والقيم والمُثل التي تمسّكت بها أشدّ التمسّك ، والخطّة السياسيّة والإِدارية التي آثرتها ، ولم يبحث عن أسبابها ونتائجها ، ولم تقارن بنقيضها وضدّها ونتائجه ، لو فضّله وسار عليه» .

قرأت هذه الفقرة وازداد تعجّبي واستغرابي ، وخشيت أن يكون هذا المؤلّف أيضاً ممّن لم ينصف تلك الشخصية المظلومة أو المهضومة حقّها» !! بل يكون هو أيضاً من الظالمين لها والهاضمين لحقّها !!

ثم رأيته يقول :

«ولكنّي بدأت بعد ذلك أشعر ـ بشدّةٍ ـ بفراغ مثير للاستغراب والدهشة في المكتبة الإِسلامية العالمية ، فيما يختصّ بموضوع سيرة سيّدنا عليّ بن أبي طالب ، سيرةً موسّعة مؤسّسة على دراسة تاريخية جديدة واسعة ، يتخطّى فيها المؤلّف الحدود المرسومة التي قيّد فيها المؤلّفون كتاباتهم . . .» .

فقلت : وهل مَلأْتَ الفراغ المثير للاستغراب والدَّهشة ، وجئتَ بـ «سيرةٍ موسّعة مؤسّسة على دراسة . . .» في فصولٍ لا تبلغ المائة ورقة ؟!

وحينئذٍ عزمت على مواصلة القراءة ، لأَفهم ـ قبل كلّ شيء ـ كيف تكون المعجزة ؟! . . . «سيرة موسّعة» . . . «تملأ الفراغ» . . . لشخصيّة «مظلومة أو مهضومة حقّها . . .» «في إطارها الواسع الشامل . . .» . . . «في استعراضٍ أمينٍ دقيقٍ محايد . . .» . . . في ١٩٠ صفحة !!

*       *      *

٢٠