🚘

تراثنا ـ العددان [ 32 و 33 ] - ج ٣٢-٣٣

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العددان [ 32 و 33 ] - ج ٣٢-٣٣

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
🚘 نسخة غير مصححة

١

الفهرس

*نقد الحديث : بين الاجتهاد والتقليد ، ونظرة جديدة إلى أحاديث عقيدة المهديّ المنتظر.

.............................................. السيّد محمّدرضا الحسينيّ الجلاليّ ٧

*الكلام عند الاماميّة : نشأته ، تطوّره ، وموقع الشيخ المفيد منه (٢).

................................................... الشيخ محمّد رضا الجعفريّ ٧٧

*موجز تاريخ الطباعة ، وملحق بأقدم المطبوعات العربيّة في ايران منذ ظهور الطباعة حتّى عام ١٣٠٠ هـ.

.......................................................... عبدالجبّار الرفاعيّ ١١٥

٢

*حديث السباطة : سنداً ودلالةً.

................................. السيّد حسن الحسينيّ آل المجدّد الشيرازيّ ٢١٦

*الإعراب في اصطلاح النحاة.

...................................................... السيّد عليّ حسن مطر ٢٥٥

*من ذخائر التراث :

*مسند الحبريّ.

...................... استخراج وتقديم وتوثيق : السيّد محمّدرضا الحسينيّ الجلاليّ ٢٧٥

*الوجيزة في الدراية ـ للشيخ البهائيّ.

..................................................... تحقيق : ماجد الغرباويّ ٣٨٧

*من أنباء التراث

.................................................................... التحرير ٤٤٠

__________________

*صورة الغلاف : نموذج من مخطوطة الوجيزة في الدراية للشيخ البهائي ، المتوفّى سنة ١٠٣٠ هـ ، المنشورة في هذا العدد ، ص ٣٨٧ ـ ٤٣٩.

٣
٤

٥
٦

نقد الحديث

بين الاجتهاد والتقليد

ونظرة جديدة إلى أحاديث عقيدة : «المهدي المنتظر» (١)

السيد محمد رضا الحسيني الجلالي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ، محمد بن عبد الله الصادق الأمين ، وعلى الأئمة من آله الطيبين الطاهرين ، وعلى عباد الله الصالحين.

النقد بين الاجتهاد والتقليد :

إن ما يصدره المشتغلون بعلوم الحديث الشريف ، في عصرنا الحاضر ، من دراسات وبحوث وتحقيقات ، وما يقومون به من أعمال وجهود وخدمات ، في

__________________

(١) كتب هذا المقال ردا على ما كتبه الأستاذ السائح علي حسين أستاذ كلية الدعوة الإسلامية في ليبيا ، بمجلة الكلية ، في العدد العاشر الصادر سنة ١٩٩٣ ، في الصفحات ١٦٦ ـ ٢١٣ ، بعنوان «تراثنا وميزان النقد» تعرض فيه لموضوع «المهدي المنتظر» وأحاديثه ، بالنقد ، كما أورد فيه اتهامات للطائفة الشيعية خصوصا ولمن أثبت صحة الحديث عموما.

وقد بعثنا نسخة من هذا الرد إلى مجلة كلية الدعوة الإسلامية ، لإعلانها عن الترحيب بمناقشة ما ورد فيها من آراء ، ونقدمه إلى قراء «تراثنا» المحترمين.

٧

سبيله ، لأمر معجب ويدعو إلى الفخر والزهو ، حيث إن هذا الكنز الغني من «تراثنا» ينشر ، وتعرف من خلاله مصادر فكرنا الخالد ، وروافده الموثوقة ، المتصلة بمعين الوحي الإلهي.

لكن قد يكدر صفو هذا الزهو والإعجاب ما ينشره بعض المتطفلين على علوم الحديث ، من أعمال لا تتسم بالمسؤولية العلمية ، ولا تعتمد موازين الفن فتصبح أعمالهم كعمل (التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا) [النحل ١٦ : ٩٢] أو (كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء) [النور ٢٤ : ٣٩] ، من قبيل لجوء بعضهم إلى ما يسميه «نقد متن الحديث» على حساب «سند الحديث».

إن «نقد الحديث» عموما : يعتبر من أهم ما اضطلع به علماء الإسلام ، لتصفية هذا المصدر الثر من كل الشوائب والأكدار.

وهو ـ بشروطه ومقرراته ـ من بدائع فكر المسلمين ، ومميزات تراثهم وحضارتهم ، ومما يفتخرون به من مناهج البحث والتنقيب العلمي ، على جميع الأمم والحضارات القديمة والحديثة ، سواء الإلهية المرتبطة بالأديان السماوية ، أم البشرية الوضعية المستندة إلى قوانين لأرض.

فقرروا قواعد ، وأسسا ، وموازين ، مضبوطة محكمة صحيحة ، لنقد الحديث ـ سندا ومتنا ـ لمعرفة صحيحه من زيفه ، وحقه من باطله ، حتى أصبح «نص» الحديث ، من أوثق ما يعتمد عليه من النصوص القديمة وحتى الحديثة ، اعتمادا على سبل الإثبات المعقولة والمتعارفة.

وقد بذل الأسلاف الكرام جهودا مضنية في سبيل تنقية الحديث ، وتنقيحه ، حتى أن الواحد منهم كان ينتخب ما يثبته في كتابه ، بعد التثبت ، من بين عشرات الآلاف من الأحاديث المتوفرة ، وبعد سنوات عديدة من الفحص والتأكد ، والترحال ، فيجمع في كتابه «الجامع» ما يراه حجة بينه وبين الله.

فخلفوا كنوزا وذخائر عظيمة من التراث الحديثي المنقح ، والمنقود ، والمنظم ، والمدون ، وألفوا الأصول والمصنفات ، والمسانيد ، والجوامع.

٨

وجاء الجيل الثاني ، وبذل جهودا مضنية كذلك معتمدا «الطرق» المأمونة والموثوقة ، متكبدا الصعوبات وراكبا الرحلات ، فاستدرك على الأوائل ما فاتهم ، سواء في الجمع ، أم في النظم ، فألفوا المعاجم ، والمستدركات ، والجوامع المتأخرة.

ووقف الناس في عصر متأخر على كل تلك الثروة الغالية ، للاستفادة والتزود في مجالات العلم والعمل.

وانقسم المتأخرون في التعامل مع الحديث المجموع :

فمنهم من استند إلى ما قام به الأقدمون من النقد والاختيار ، واقتنعوا بما توثق منه أولئك من كتب الحديث ومصادره ، ولم يحاولوا إجراء قواعد النقد عليها من جديد ، فأصبحوا ملتزمين بالتقليد لأولئك القدماء في هذا الأمر ، كما التزموا بتقليد الفقهاء الأربعة ، في آرائهم الفقهية ، والأحكام الشرعية ، وحصروا طرق معارفهم الدينية بما توصل إليه الأقدمون ، من دون تجاوز ، أو نقد!

ومنهم من عارض منهج التقليد في المصادر ، وهم طائفة ممن يلتزم بإطلاق سراح الفكر والنظر ليجول ويبدع ، ويقول بفتح باب الجد والاجتهاد في علوم الإسلام كافة.

وهؤلاء لا يلتزمون بالتقليد ، حتى في الفقه ومعرفة الأحكام ، ومصادر المعرفة كافة ، ومنها الحديث.

فليست لهم مذاهب فقهية معينة ومحددة يلتزمون بها ، بل يعملون بما يوصل إليه الاجتهاد.

وكذلك لا يلتزمون بما يسمى من الكتب «صحيحا» ، بل ينقدون أسانيد كل حديث يصل إلى مسامعهم ، معتمدين طرق النقد المعروفة عند علماء الحديث.

ولكل من الفريقين ـ أهل التقليد ، وأهل الاجتهاد ـ أدلته وحججه ، ومن اعتمد على دليل معتبر ، فهو معذور ومأجور على قدر جهده.

٩

لكن الغريب والمؤسف : أنا نجد في عصرنا هذا شرذمة ممن تصدى للحديث الشريف بالنقد ، ولم يسلك مسلكا واضحا محددا في تعامله مع هذا المصدر ، الثر ، الغني ، من مصادر الفكر الإسلامي ، بل هو يتأرجح «بين التقليد والاجتهاد» في نقد الحديث :

فتارة يحاول أن يعرض أسانيد ما وصله من الأحاديث على طاولة النقد ، فيشرح عللها ، ويراجع كلمات علماء الرجال في شأن رواتها ، ويحاول المقارنة بين مدلولاتها ، ويوافق على ما يعقله ، ويسميه صحيحا ، ويحكم بالضعف بل الوضع على ما لا يدركه بعقله ، ويميز بين الحديث الصحيح وبين غيره حسب رأيه.

وبهذا يساير أهل الاجتهاد!

وتارة أخرى : يلجأ إلى كتب القدماء مما أسموها «الصحاح» ليستشهد بعملهم ، وإيرادهم للحديث على صحة حديث ما ، وبعدم وجود الحديث فيها على تضعيفه ، بل الحكم بوضعه.

وبهذا يكون من أهل التقليد!

ومن هؤلاء كاتب مقال «تراثنا وموازين النقد» المنشور في العدد العاشر من مجلة كلية «الدعوة الإسلامية» الليبية (٢).

__________________

(٢) لقد وقفت على هذا العدد من المجلة ، فوجدته مشحونا بالبحوث العلمية القيمة نذكر من أمثلتها :

بحث «التنوع في أساليب القرآن الكريم» في الصفحات ١٠ ـ ٣٤ ، فإنه بحث مبدع في عرض بلاغة القرآن ، ويتبنى الذوق والدقة.

بحث «منهج التقارب بين المذاهب الفقهية من أجل الوحدة الإسلامية» فإنه بحث إصلاحي قيم ، يعتمد الهدوء والمتانة في الأسلوب والعرض.

لكن مقال «تراثنا وموازين النقد» عكر صفو الجودة والإتقان في المجلة ، حيث إنه مقال :

معاد الموضوع ، مكرر في كتب ومجلات سابقة ، كما ستقف على ذلك ضمن عرضنا لما كتب في الموضوع.

١٠

فقد حاول في مقاله هذا إثبات ضرورة النقد العقلي للحديث ، إضافة إلى النقد السندي ، وقدم لبحثه مسائل فيها من الدعاوي العريضة ما لا يخلو من مناقشات ومناقضات واضحة.

ثم مثل لنتيجة رأيه بما اسمه أحاديث «المهدي المنتظر» الذي «كتبت من أجله آلاف الصحائف ، ورويت مئات الأسانيد ، وأثر في تاريخ أمتنا أبلغ الأثر» كما يقول الكاتب نفسه في مقاله ، ص ١٨١.

وحاول التمهيد لنفي الصحة عن تلك الأحاديث بتكرار ما قاله أحمد أمين المصري من اتهام الشيعة بخلق فكرة المهدي ، ثم تقليد ابن خلدون في إنكار أحاديثه وصحتها ، وتزييف دعوى تواترها.

وأهم ما اعتمده في بحثه محاولته النقد العقلي لما نقل من أحاديث في أمور ترتبط بالمهدي من النسب والسيرة في الحكم.

باعتبار عدم موافقتها لعقله ، ووضوح فساد ما نقل عنده.

وبالتالي فإنه يركز في المقال على السلبيات الموجودة فيما يرتبط بقضية المهدي من أحاديث وتاريخ ودعاوى بالمهدوية.

وقد أوهم في بحثه أنه من أنصار البحث العلمي الرصين! ويجعل كل ذلك دليلا على ما يؤمن به من إنكار «المهدي المنتظر» ونسبة أحاديثه إلى الوضع ، وتسخيف عقول من يخالف رأيه باعتبارها «العقول المتحجرة»!

__________________

وهو حاد اللهجة ، وسيئ الأدب في التعبير عما لا يراه.

وهو يتسم بالاستفزاز والتحرش ، والسخرية والاستهزاء بآراء الآخرين.

ولا يحتوي على شئ جديد ، لا في المادة والفكرة ، ولا في الأسلوب والعرض ، كما سنثبت ذلك في ردنا هذا.

فلذلك ، إنا نربأ بتلك المجلة القيمة من أمثال هذا المقال الهابط المستوى ، ونهيب بهيئة التحرير على تقديم الأفضل دائما ، والله الموفق والمعين.

١١

وقد حاولت الرد على ما في هذا المقال من مزاعم واتهامات للمناهج المتبعة في البحث العلمي تحت العناوين التالية :

١ ـ التأرجح بين الاجتهاد والتقليد في نقد الحديث.

٢ ـ هل أحاديث «المهدي» اختصت بالشيعة؟

٣ ـ أحاديث «المهدي» بين الصحة والضعف.

٤ ـ أحاديث «المهدي» بين الأصل والتفاصيل.

٥ ـ مسألة «المهدي» بين السلبيات والإيجابيات.

٦ ـ نقد الحديث ، والعقل.

٧ ـ هل مسألة «المهدي» من العقائد؟

٨ ـ نقاط للتأمل :

* مسألة جمع الحديث وتدوينه.

* مسألة وضع الحديث ، من المتهم به؟

* مسألة الوحدة الإسلامية ورواية الحديث.

* مسألة غيبة الإمام المنتظر عند الشيعة.

٩ ـ كلمة الختام.

١٢

١ ـ التأرجح بين الاجتهاد والتقليد في نقد الحديث :

مع أن الكاتب يحاول أن يظهر كمجتهد في نقد الحديث ، ويسعى للتخلص من هيمنة ما يسميه ب «المصادر المشهورة» ويحاول أن يجعل من البخاري ومسلم وابن حنبل ـ من أئمة المحدثين ـ «بشرا غير معصومين من الخطأ» [كما في ص ١٧٩].

فمع ذلك كله نجده يلاحظ «أمرا مهما» :

هو «أن البخاري ومسلما رحمهما‌الله لم يثبتا حديثا واحدا من الأحاديث التي تبشر بظهور المهدي» [ص ١٨٥].

فمن ينعى على الآخرين «الاصرار على أي عمل بشري ـ مهما كان مؤلفه ـ بأنه خال عن أي خطأ أو سهو» [ص ١٧٩].

فهو ينفي عصمة البخاري ومسلم عن الخطأ.

فكيف يحق له أن يستند إلى مجرد عدم إثباتهما لحديث معين في كتابيهما ، ليجعل ذلك دليلا على بطلان ذلك الحديث حتى إذا رواه غيرهما؟ وصححه!

مع أن البخاري ومسلما ـ خاصة ـ لم يلتزما باستيعاب كل الأحاديث الصحيحة في كتابيهما.

بل ، إنما انتخبا ما رأياه لازما وضروريا ، واستوعبه جهدهما وتعلق به غرضهما من الأحاديث.

وقد صرحا بأن ما تركاه من الأحاديث الصحيحة أكثر مما أورداه! (٣).

__________________

(٣) أنظر : علوم الحديث ، لابن الصلاح ، ص ١٩ ، فإنه قال : لم يستوعبا [أي : الباري ومسلم] الصحيح في صحيحيهما ، ولا التزما ذلك.

طبعة دار الفكر ، تحقيق نور الدين عتر ، ط. الثالثة ١٤٠٤ ه.

١٣

فكيف يكون عدم وجود حديث في كتابيهما دليلا على عدم صحته؟! مع أن الحديث الصحيح كما أنه موجود في البخاري ومسلم ، فهو كذلك موجود خارجهما ، وفي الكتب المؤلفة بعدهما ، وخاصة فيما استدرك عليهما ، مما فاتهما وهو على شرطهما ، ولم يورداه.

ذكر هذا الشيخ عبد المحسن العباد ، وذكر من الكتب الجامعة للصحيح : الموطأ ، وصحيح ابن خزيمة ، وابن حبان ، وجامع الترمذي ، وسنن أي داود ، والنسائي ، وابن ماجة ، ومستدرك الحاكم ، والدارقطني ، والبيهقي ، وغيرهم (٤).

إن عملية «نقد الحديث» ليست سهلة ومتاحة لكل من يراجع كتب الرجال ويقلبها فقط ، وإنما هي بحاجة إلى ملكة الاجتهاد في الفن ، وانتخاب منهج رجالي ثابت ، واستيعاب قواعد النقد المتينة.

وإذا كان الناقد من أهل الاجتهاد في علم الرجال ، وصح له أن يبدي رأيه في «نقد الحديث» فلا يجوز له أن يعود إلى حضيض التقليد في التزام حديث أو ردّه.

على أن دعواه أن البخاري ومسلما «لم يثبتا حديثا يبشر بالمهدي».

دعوى باطلة.

فإن البخاري ومسلما أوردا أحاديث ترتبط بخروج المهدي :

قال الشيخ عبد المحسن العباد في الفصل الخامس من مقاله : ذكر بعض

__________________

وانظر المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ١ / ٢ فقد قال : لم يحكما [أي : البخاري ومسلم] ولا واحد منهما : أنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجه.

طبعة دار الفكر ، بيروت ١٣٩٨ ه.

(٤) الشيخ عبد المحسن العباد ، المدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، كتب في مجلة الجامعة ، مقالين حول أحاديث المهدي ، وسيأتي ذكر كلامه فيهما.

أنظر : الرقم ٥ ، في العدد ٤٥ من المجلة ، والرقم ٣٨ في العدد ٤٦.

١٤

ما ورد في الصحيحين [البخاري ومسلم] من الأحاديث التي لها تعلق بشأن المهدي :

فروى البخاري ، في باب نزول عيسى ، عن أبي هريرة : كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم ، وإمامكم منكم (٥).

وعن مسلم ، في كتاب الإيمان ، عن أبي هريرة ، مثله (٦).

وعن مسلم ، عن جابر : لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين (٧).

وقال العباد : وقد جاءت الأحاديث في السنن والمسانيد وغيرها مفسرة لهذه الأحاديث ، ودالة على أن ذلك الرجل الصالح يقال له : «المهدي».

والسنة يفسر بعضها بعضا.

وروى مسلم عن جابر وأبي سعيد : يكون في آخر الزمان خليفة يحثو المال حثيا لا يعده عدا (٨).

وبهذا يعلم مدى بعد «الكاتب» عن المصادر الأصيلة التي اهتم بأمرها ، والتي اعتمد عمل مؤلفيها حجة ، إلى حد الاستدلال بمجرد عدم ذكرهم لرواية دليلا على ضعفها ، بل وضعها!!

فقد وقع في أشد مما نعاه على الآخرين من دعوى خلو الكتابين من الخطأ ، حيث إنه اعتمد على حجية ما لم يفعلاه! ونفى صحة حديث بمجرد

__________________

(٥) صحيح البخاري ٦ / ٣٥٨.

(٦) صحيح مسلم ـ بشرح النووي ـ ٢ / ١٩٣ ، ورواه أحمد في المسند ١ / ٣٣٦.

(٧) صحيح مسلم ٢ / ١٩٣ ، وأورده أحمد في المسند ٣ / ٣٨٤.

(٨) صحيح مسلم برقمي ٢٩١٣ و ٢٩١٤ في كتاب الفتن ، باب لا تقوم الساعة ...

وأنظر مسند أحمد ٣ / ٣٨ و ٣١٣ و ٣١٧.

ونقل الحديث عن مسلم في التاج الجامع للأصول ٥ / ٣٤٢.

وانظر مقال «نظرة في أحاديث المهدي» في مجلة التمدن الإسلامي ، الصادرة في دمشق.

١٥

دعوى أنهما لم يورداه!

وتبين عدم اطلاعه على المصدرين الأساسيين ، وهو يظهر أنه مطلع عليهما ، بدعواه عدم إثباتهما شيئا مما يرتبط بالمهدي ، مع أنهما أثبتاه وأورداه! ثم إن في كلامه ما يدل على عدم معرفته بالمصطلحات المعروفة بين أهل فن الحديث ، كما سيأتي في كلامه عن «المتواتر» و «الموضوع».

إن كل هذا ، قد حصل للكاتب على أثر التأرجح بين الاجتهاد والتقليد في أمر «نقد الحديث».

* * *

٢ ـ هل أحاديث المهدي مختصة بالشيعة؟

ثم إن أحاديث المهدي لم تختص بروايتها طائفة من المسلمين ، بل هي من أكثر الأحاديث اشتراكا بين المسلمين ، كافة.

ومن المؤكد أن الأحاديث في المهدي المنتظر المروية بطرق أهل السنة ، والمبشرة بالمهدي لا تقل عن التي روتها الشيعة.

لكن الكاتب يحاول ـ بشتى الطرق والأساليب ـ أن ينسبها إلى الشيعة ، ويحسبهم ـ فقط ـ المسؤولين عنها ، فهو يقول :

«وقد تقبل الفكر الشيعي سيلا من الأساطير والأحاديث» الموضوعة «عن طريق الموالي ، وتسرب» بعض «منه إلى بعض محدثي أهل السنة الذين تساهلوا في الرواية من أصحاب الفرق المخالفة» [ص ١٨٥].

إن في كلامه :

١ ـ الحكم على الفكر الشيعي ـ فقط ـ بتقبل هذه الأحاديث.

٢ ـ الحكم على من نقلها من محدثي أهل السنة بالتساهل ، وتسرب

١٦

بعض الأحاديث إليهم.

٣ ـ الحكم على الأحاديث كلها بالوضع.

إنها أحكام قاسية ، لا يحق لأحد ـ له أدنى معرفة بعلوم الحديث ـ أن يطلقها بكل رخاء!

وسنجيب عن كل واحد من هذه الأحكام بتفصيل ، إلا أنا نحاول أن نظهر ما في كلام الكاتب القصير ـ هذا ـ من التهافت الواضح :

فإذا كان الشيعة هم المتقبلين لأحاديث المهدي ، وإنما «البعض» منها «تسرب» إلى بعض محدثي أهل السنة! :

فلماذا يقول الكاتب ـ بعد ثمانية أسطر فقط ـ :

تمكن الإشارة إلى «ضخامة» هذا «الركام» الذي رواه أهل السنة «وحدهم» [ص ١٨٦].

فكيف انقلب «البعض المتسرب» إلى «ركام ضخم» بعد ثمانية أسطر فقط من الكلام الأول؟!

وإذا كانت الأحاديث موضوعة!

فلماذا يقول ـ بعد صفحة واحدة فقط ـ :

أشير إلى أن «الكثير» من هذه الأحاديث مخرج في «الصحاح» ـ باستثناء البخاري ومسلم! ـ كما خرج بعضها الحاكم في المستدرك ، وابن حنبل في مسنده ، بالإضافة إلى سنن الداني ، ونعيم بن حماد ، وغيرها كثير. [ص ١٨٦].

ولا حاجة إلى التعليق على هذا ، بعد وضوح التهافت :

بين كون الأحاديث «موضوعة» ، وتسرب «البعض» منها إلى «المتساهلين» من أهل السنة.

وبين كون «الكثير» من هذه الأحاديث ، مخرجا في «الصحاح».

لما بين «الموضوعة» وبين «الصحاح».

١٧

وبين «البعض» المتسرب ، وبين «الكثير» المخرج.

من التهافت والتنافي.

إن مثل هذه العبارات ، لا يصدر من عارف بمصطلح الحديث ، كما إن مثل تلك الأحكام القاسية لا يصدر ممن يعرف ما يخرج من رأسه! ويجري به قلمه.

على أن الحكم «بالتساهل» على أصحاب «الصحاح» ليس إلا جهلا بتاريخ الحديث وتاريخ المحدثين ، وعدم وقوف على ما عاناه أهل الحديث في سبيل جمعه وضبطه وتدوينه وتحريره.

إن من ينزل إلى هذه التخوم الدانية في المعرفة بالمصطلحات الحديثية وبتاريخ الحديث وأهله وقواعده ، لا يحق له أن يقتحم بحر «النقد» الواسع.

وسنبين في الفقرات التالية وجوه البطلان في أحكامه القاسية تلك.

* * *

٣ ـ أحاديث المهدي بين الصحة والضعف :

إن الكاتب يصف أحاديث المهدي بأنها «موضوعة» ويكر نسبة «الوضع» لها إلى الشيعة!

ولكن من المسلم به عند دارسي علوم الحديث ـ كافة ـ أن مثل أحاديث المهدي ، المثبتة في الكتب المعتمدة ومنها الصحاح والمسانيد والسنن ، مما له طرق عديدة وأسانيد متعددة ، إن لم تكن صحيحة ، فهي لا توصف كلها بالوضع ، وإنما يعبر عنها بالضعف ، وقد يكون فيها الموضوع!

والواقع الملموس : أن أسانيد أحاديث المهدي فيها الصحيح المتفق عليه ، وفيها الحسن ، وفيها الضعيف.

١٨

ولم يعبر أحد عنها كلها بالوضع ، ولم يصفها بأنها كلها موضوعة إلا ثلة من المتأخرين ، ممن لا خبرة له بالحديث ومصطلحاته ، وتبعهم الكاتب في التعبير (٩).

فالكاتب قد جانب الإنصاف في أمرين :

الأول : أنه وصف الأحاديث بأنها موضوعة ، من دون أن يعرف معنى «الوضع» ولا أن يفرق بينه وبين «الضعف».

وهذا ممن يدعي الاجتهاد في نقد الحديث أمر بعيد! إلا أن نحمله على اعتماد التقليد في هذه التسمية لمن لا خبرة له في المصطلح كأحمد أمين ، وابن محمود القطري وأضرابهما.

الثاني : أنه نقل عن بعض من سبقه الحكم بضعف أحاديث المهدي ، كابن خلدون ، وابن حجر ، وغيرهما.

ولم يشر ـ لا من قريب ولا بعيد ـ إلى أن هناك جمعا غفيرا من المحدثين الذين صححوا أحاديث المهدي.

أهذا التصرف يصدر ممن يحاول «نقد الحديث» بالطرق العلمية الرصينة؟!

وهو إن اكتفى بذكر تخريجها في الصحاح ـ مع استثناء البخاري ومسلم! لكنه قال : الداعي لتخريجها ـ في نظري! ـ هو ما ذكره ابن عبد البر كما سبق [ص ١٨٦].

ومراده ما سبق أن نقله عن ابن عبد البر من قوله : «وأهل العلم ما زالوا يسامحون أنفسهم في رواية الرغائب والفضائل عن كل أحد ، وإنما يتشددون في أحاديث الأحكام» [ص ١٧٣].

__________________

(٩) وقد عددهم الشيخ العباد ، وفند مزاعمهم في الرقم ٤٠ من رده على ابن محمود القطري : أولهم رشيد رضا ، وأحمد أمين ، وتبعهم ابن محمود والكاتب.

١٩

ومع أن أحاديث المهدي ، ليست من الرغائب ولا الفضائل ، وإنما هي من أمور الغيب التي لا تعلم إلا من قبل الشارع ، فهي بمنزلة الأحكام في هذه الجهة ، وإن دخلت في العقائد فهي أشد أمرا.

إلا أن غرضنا توضيح ما عليه الكاتب من لتطرف تجاه موضوع بحثه حيث ينحاز إلى التضعيف ويحاول أن يهون أمر تخريجه في الصحاح! إلى هذا الحد.

ثم نراه يقول : فضلا عن أنها ـ يعني أحاديث المهدي ـ لا يترتب عليها فعل ولا ترك [ص ١٨٦].

وهذا مناف لما ذكره سابقا من أن المهدي المنتظر «أثر في تاريخ أمتنا أبلغ الأثر ... فإنه لا يزال حيا يشغل حيزا كبيرا من تفكير الناس ومعتقداتهم» [ص ١٨١].

فإذا لم يكن مهما عند المحدثين ، فما بالهم ملأوا من أجله «آلاف الصحائف» ورويت من أجله «مئات الأسانيد»؟!

وما للكاتب يشغل ما يقرب من «خمسين» صفحة من مجلة علمية قيمة ليبحث عنه؟!

إنه لتهافت بين.

ومهما يكن أمر أهميته ، فلماذا يحاول الكاتب أن يهون أمر تصحيح أسانيده ، بينما هو يصر على تضعيفها وينقل تضعيف ابن خلدون لها ، وبعد أن ينقل مقطعا من كلامه حول أحاديث المهدي ، يقول : «وقد تتبع ابن خلدون هذه الأحاديث بالنقد وضعفها حديثا حديثا» [ص ١٨٧].

ثم ينسب إلى ابن حجر أنه أحصى الأحاديث المروية في المهدي فوجدها نحو «الخمسين» وقال : إنها لم تثبت صحتها عنده (١٠).

__________________

(١٠) نقل الكاتب ذلك في هامش مقاله عن : المهدي والمهدوية لأحمد أمين ، ص ١٠٨ ، دار المعارف ـ مصر ، سلسلة إقرأ.

٢٠