🚘

التّفسير الكاشف - ج ٤

محمّد جواد مغنية

التّفسير الكاشف - ج ٤

المؤلف:

محمّد جواد مغنية


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الأنوار ، طباعة ـ نشر ـ توزيع
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

سورة التوبة

٥
٦

سورة التّوبة

وتسمى أيضا براءة والفاضحة لأنها فضحت أمر المنافقين ، عدد آياتها ١٢٩ ، وهي مدنية.

واتفق الصحابة والقراء على إسقاط البسملة من أولها ، لأن السورة نزلت لرفع الأمان ، والبسملة أمان ، لمكان الرحمن الرحيم ، وقيل : انها والأنفال سورة واحدة.

براء من الله ورسوله الآية ١ ـ ٤ :

(بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤))

٧

اللغة :

المراد بالبراءة هنا انقطاع العصمة. والسّيح السير على مهل. والاخزاء الإذلال. والأذان الاعلام.

الإعراب :

براءة خبر لمبتدأ محذوف أي هذه براءة. واربعة أشهر ظرف متعلق بفسيحوا. واذان خبر لمبتدأ محذوف أي وهي اذان. ورسوله مبتدأ والخبر محذوف أي ورسوله بريء ، ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في بريء لأنه اسم فاعل. الا الذين عاهدتم (الذين) منصوب على الاستثناء من المشركين. وشيئا مفعول مطلق.

المعنى :

في العام الثامن للهجرة فتح النبي (ص) مكة ، وفي التاسع نزلت هذه السورة ، وفي العاشر حج النبي حجة الوداع ، وفي الحادي عشر توفي صلى الله عليه وآله. فهذه السورة ليست آخر سورة نزلت من القرآن ، ولكنها من الأواخر ، ولذا تضمنت أحكاما نهائية في العلاقات بين المسلمين والمشركين .. قال طه حسين في كتاب «مرآة الإسلام» :

«زاد اقبال العرب على الإسلام بعد الحجة التي حجها ابو بكر سنة تسع ، ففي هذه الحجة أرسل النبي عليا ليلحق بأبي بكر ، ويتلو على الناس قرآنا ، فكان فصلا بين عهدين : عهد كان يقوى الإسلام فيه شيئا فشيئا ، وكان للشرك مع ذلك بقاء في بعض قبائل العرب ، وعهد آخر خلصت فيه الجزيرة كلها للإسلام .. وهذا القرآن ـ أي الذي تلاه عليّ على الناس والذي فرّق الله به بين هذين العهدين ـ هو هذه الآيات الكريمة من سورة التوبة ، فأعلن فيها براءة الله ورسوله من المشركين وحرم فيها أن يقرب المشركون البيت ، أو يلموا به ، او يطوف به عريان».

٨

(بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). قدمنا ان هذه السورة نزلت في العام التالي للفتح ، حيث عظم أمر الإسلام ، وانتشر في الجزيرة العربية كلها ، وكانت له الكلمة العليا ، ومع ذلك بقي للشرك جيوب في بعض قبائل العرب ، وكيلا تكون هذه الجيوب طابورا خامسا في المجتمع الاسلامي أمر الله نبيه ـ في هذه السورة ـ أن يعلن البراءة من المشركين ، وبالأصح أن ينذر بالحرب كل مشرك يقيم في الجزيرة العربية ، حتى يقول : لا إله إلا الله ، ويدخل فيما دخل فيه الناس. ويشمل هذا الانذار جميع المشركين ، حتى الذين عاهدهم النبي (ص) على الهدنة والمسالمة إلا في حال واحدة أشار اليها سبحانه بقوله : (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً) ويأتي التفسير.

(فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ). فسيحوا أي قولوا أيها المسلمون للمشركين : سيروا في الأرض آمنين طوال هذه المدة .. بعد إعلان الحرب على المشركين أمهلهم الله سبحانه أربعة أشهر يتنقلون فيها آمنين ، حيث يشاءون لا يمسهم أحد بسوء ، فإن أسلموا بعدها فقد سلموا ، وفازوا دنيا وآخرة ، وان أصروا على الشرك فجزاؤهم القتل في الدنيا ، والعذاب الأليم في الآخرة ، ولن يجدوا من ذلك مهربا.

وتسأل : ان قتال المشرك ، حتى ينطق بكلمة التوحيد لا يتفق مع قوله تعالى في الآية ٢٥٦ من سورة البقرة : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) وقوله في الآية ٩٩ من سورة يونس : (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) .. ان الإسلام دين السلم لا دين الحرب؟.

الجواب : أجل ، ان الإسلام لا يكره أحدا على قول لا إله الا الله ، وانما يدعو اليه بالحكمة والدليل : (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) ـ ٢٩ الكهف». ولكن قد تستدعي مصلحة المجتمع الاسلامي في ظروف خاصة ان لا يكون فيه مشركون ، لأنهم يسعون في الأرض فسادا .. وفي هذه الحال يجوز للمسلمين أن يكرهوا المشركين على النطق بكلمة التوحيد .. ومشركو الجزيرة العربية كانوا آنذاك طابورا خامسا في المجتمع الاسلامي الجديد. ومن أجل

٩

هذا كان الحكم فيهم القتل أو اظهار الإسلام ، وبه يكون لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما عليهم. وبكلمة ان الحكم خاص بمشركي الجزيرة آنذاك ، لسبب خاص ، وتقدم الكلام عن ذلك في ج ١ ص ٣٩٦ عند تفسير الآية ٢٥٦ من سورة البقرة.

(وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ). يوم الحج الأكبر هو يوم النحر ، أي العاشر من ذي الحجة ، وكان ابتداء الأشهر الأربعة بهذا اليوم من سنة تسع للهجرة ، وانتهاؤها في عاشر ربيع الآخر من سنة عشر ، وبعد هذه المهلة تعين مصير المشركين في الجزيرة العربية الإسلام أو القتل ، والخيار لهم بين هذين ، لأن الأوضاع في الجزيرة آنذاك كانت تستدعي ذلك كما أشرنا.

وذكر المفسرون ، ومنهم الطبري والرازي وابو حيان الأندلسي : انه لما نزلت سورة التوبة امر النبي (ص) عليا ان يذهب الى اهل الموسم في مكة ليقرأها عليهم ، فقيل له : لو بعثت بها أبا بكر. فقال : لا يؤدي عني إلا رجل مني. وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة ، وقال : ايها الناس اني رسول رسول الله إليكم ، وتلا الآيات.

(إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ). بعد أن امر نبيه ان يمهل المشركين اربعة أشهر ، حتى الذين نقضوا عهد المسلمين وغدروا بهم ـ بعد هذا استثنى سبحانه من المشركين قوما كان بينهم وبين المسلمين عهد المهادنة والمسالمة إلى أمد ، وحافظوا على هذا العهد ، ولم يغدروا ويخونوا ، استثنى هؤلاء ، ولم يمهلهم اربعة أشهر فقط ، بل امهلهم الى مدتهم ، مهما بلغت جزاء على وفائهم. وقال كثير من المفسرين «ان هؤلاء المشركين الأوفياء هم قوم من كنانة ، وكان قد بقي من عهدهم تسعة أشهر ، فأتم النبي (ص) لهم العهد.

وتدل هذه الآية على ان المعاهد لا يجب عليه الوفاء بالعهد إلا إذا وفي به الطرف الآخر نصا وفحوى ، فان اخل بشيء منه يعدّ خائنا وناقضا له ، ولا عهد لمن خان العهد (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) وهم الذين يتقون نقض العهد ؛ وسائر المفاسد.

١٠

فاذا انسلخ الأشهر الحرم الآية ٥ ـ ٨ :

(فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨))

اللغة :

انسلاخ الأشهر انقضاؤها. والحصر المنع من الخروج. والمراد بالمرصد هنا الممر والمجاز الذي يرصد فيه. وظهر عليه غلبه وظفر به. والمراد بالمراقبة هنا المحافظة. والإلّ الجوار وقيل القرابة. والذمة والذمام العهد.

الإعراب :

كل مرصد منصوب على الظرفية متعلقا باقعدوا ، تماما كالصراط في قوله : لأقعدن لهم صراطك المستقيم. وأحد فاعل فعل محذوف دل عليه ما بعده ، أي

١١

وان استجارك أحد من المشركين استجارك. كيف يكون (كيف) خبر كان ، وعهد اسمها. فما استقاموا لكم (ما) مصدرية ظرفية ، والظرف متعلق بفاستقيموا لهم ، والتقدير فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم. وكيف وإن (كيف) خبر كان محذوفة هي واسمها أي كيف يكون لهم عهد. وإلا مفعول يرقبوا.

المعنى :

(فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ). وجدتموهم ادركتموهم ، وخذوهم ائسروهم ، واحصروهم احبسوهم ، واقعدوا لهم كل مرصد راقبوهم وترصدوهم في كل طريق يمرون به ، ولا تدعوا أحدا يفلت منهم. أما الأشهر الحرم فقد ذكرنا عند تفسير الآية ١٩٤ من سورة البقرة : ان الله حرّم القتال في أربعة أشهر : ذي القعدة ، وذي الحجة ، والمحرم ، ورجب. وهذه الأشهر غير مرادة هنا ، وانما المراد بالأشهر الحرم في هذه الآية الأشهر الأربعة التي حرّم الله فيها قتال مشركي الجزيرة العربية ، وأباح لهم طوال هذه المدة ان يسيحوا في الأرض آمنين ابتداء من عاشر ذي الحجة سنة ٩ ه‍ الى عاشر ربيع الآخر سنة ١٠ ه‍ ، وبعدها أمر المسلمين بقتل المشركين وأسرهم وحبسهم وملاحقتهم انّى اتجهوا إذا لم يسلموا او يهاجروا من الجزيرة قبل انتهاء المدة اتقاء لشرّهم وفسادهم.

(فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). أي ان أظهروا الإسلام قبل انقضاء الأجل المضروب لهم ، وأقاموا الشعائر الاسلامية وأهمها اقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، ان فعلوا ذلك فهم في أمن وأمان يجري عليهم ما يجري على المسلمين ، دون تفاوت.

(وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ). ان اي مشرك ممن يجوز قتله إذا استجار وطلب الأمان من المسلمين فعليهم ان يجيروه ويعطوه الأمان على نفسه وماله ، وان يدعوه إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة ، فان قبل جرت عليه أحكام المسلمين ، وان رفض فلا يحل قتله ، ويجب

١٢

أن يوصله المسلمون إلى مكان يأمن فيه على نفسه (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) ذلك اشارة إلى اجارة المسلم للمشرك ، وإسماعه كلام الله ، وإبلاغه مأمنه ، وقوله : (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) بيان للسبب ، وهو جهل المشركين المستجيرين بالإسلام وحقيقته.

وأفتى الفقهاء بأن للمسلم ان يؤمّن حين القتال آحادا من المشركين المقاتلين شريطة عدم المفسدة في الأمان بأن لا يكون المستجير جاسوسا ، ولا يتعطل الجهاد والقتال بأمانه.

(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ). هذه الآية مكملة للآية الأولى والرابعة من هذه السورة ، فقد أوجب سبحانه في الآية الأولى نقض العهد مع المشركين الذين خانوه ولم يفوا به ، وهؤلاء الناكثون هم المعنيون بقوله تعالى هنا : (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ). وأوجب سبحانه في الآية الرابعة الوفاء بعهد المشركين الذين وفوا بالعهد ولم ينقصوا منه شيئا ، وهم قوم من كنانة كما أشرنا ، وهؤلاء الأوفياء هم المعنيون بالاستثناء في قوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ). أي ابقوا معهم على عهد المهادنة والمسالمة ما بقوا عليه ، لأن الله يكره أهل الخيانة والغدر ، ويحب الأوفياء والأتقياء ، وقوله : عند المسجد الحرام يشير الى المكان الذي تم فيه الاتفاق مع كنانة ، لأن النبي (ص) عاهدهم مع من عاهد في الحديبية ، وهي قريبة من مكة المكرمة.

(كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ). ضمير يظهروا ويرقبوا يعود الى الناكثين ، وقد وصفهم عظمت صفاته أولا باللؤم والشراسة ، لأنهم لو قدروا على المسلمين لفعلوا بهم الأفاعيل في غير مراعاة لعهد ولا لانسانية ، ووصفهم ثانية بالنفاق وانهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، وثالثا وصفهم بالفسق ، وكل صفة من هذه الثلاث تقضي عليهم بأشد العقوبات ، وبإسقاطهم من جميع حقوق الانسانية ، لا من حق الوفاء لهم بالعهد فقط ، فكيف إذا اتصفوا بالرذائل الثلاث مجتمعة! وتسأل : ان الكفار كلهم فاسقون ، لأن الكفر فسق وزيادة ، فكيف استثنى سبحانه البعض بقوله : (وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ)؟.

١٣

الجواب : ان معنى قوله (وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ). ان اكثرية الكفار يستمرون على الكفر والفسق ولا ترجى هدايتهم بحال ، وقليل منهم من يرجع عن غيّه ، وعلى هذا يكون المراد بالفسق هنا الاستمرار عليه وعدم الرجوع عنه ، وهذا النوع من التعبير كثير في القرآن الكريم.

اشتروا بآيات الله الآية ٩ ـ ١٥ :

(اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥))

١٤

الإعراب :

ساء فعل ماض ، وما مصدرية ، والمصدر المنسبك فاعل لساء أي ساء عملهم. وإخوانكم خبر لمبتدأ محذوف أي فهم إخوانكم. وأول مرة منصوب على الظرف متعلقا ببدءوكم. والمصدر المنسبك من ان تخشوه مجرور بحرف جر محذوف ، والمجرور متعلق بأحق أي فالله أحق بالخشية. ويعذبهم مجزوم جوابا للأمر ، وهو قاتلوهم. ويتوب بالرفع ، لأن الكلام مستأنف ، ولا يجوز عطف يتوب على يعذبهم لأن قبول التوبة ليست جوابا للقتال كالتعذيب والخزي.

المعنى :

(اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ). الضمير يعود الى المشركين الذين أمر الله بقتلهم ، والمعنى ان هؤلاء رفضوا الإسلام وحاربوه وصدوا عنه خوفا على مصالحهم التي آثروها على ما جاءهم من آيات الله وبيناته .. ولا تختص هذه الآية بالمشركين وأهل الكتاب ، بل تشمل الذين يحرفوّن الدين وفقا لاهواء المستعمرين والمستغلين ، وسبق نظير هذه الآية في سورة آل عمران الآية ١٨٧ ج ٢ ص ٢٢٦.

(لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ). وتسأل : ان هذه الآية نظير الآية السابقة ٨ ، وهي (وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً) فلما ذا أعاد؟.

الجواب : خاطب الله سبحانه في الآية السابقة صحابة النبي (ص) ، وقال لهم : لو ظفر المشركون بكم لفعلوا الأعاجيب .. وربما توهم متوهم ان المشركين يضمرون الحقد والعداء للنبي والصحابة بالخصوص ، أي لأشخاصهم فقط ، فدفع سبحانه هذا التوهم بأن عداء المشركين للمسلمين آنذاك هو عداء مبدأي لا شخصي ، انه عداء الكفر للايمان ، والباطل للحق : (وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) ـ ٨ البروج».

(فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ

١٥

لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). تتفق هذه الآية مع الآية الخامسة من هذه السورة في فعل الشرط ، وهو (فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ) وتفترق في جواب الشرط ، فالجواب في السابقة (فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) أي دعوهم وشأنهم ولا تتعرضوا لهم بسوء ، والجواب في هذه الآية (فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ) اي أنتم وهم سواء في الحقوق ، لا سيد ومسود ، وآكل ومأكول ، كما كانت الحال بين المشركين. ومع الاختلاف في جواب الشرط ينتفي التكرار ، على ان التكرار في القرآن غير عزيز.

(وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ). الايمان بفتح الهمزة العهود والمواثيق ، والإمام هو السيد والقائد ، وعبّر سبحانه عن قتال أهل الكفر بقتال أئمتهم لأنهم هم الذين يقودونهم إلى الحرب ، وينكثون العهد ، ويطعنون ويجرّؤون أتباعهم على الطعن في النبي والقرآن ، وقوله تعالى : (لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) يشير إلى ان القصد من القتال هو ردع المشركين عن الإصرار على قتال المسلمين : (وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا) ـ ٢١٧ البقرة».

(أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) ألا أداة طلب مثل هلا ، والخطاب موجه للمسلمين ، وضمير نكثوا وهموا وبدأوا عائد الى كفار قريش لأنهم عاهدوا رسول الله (ص) على ترك القتال عشر سنين ، يأمن فيها الفريقان على أنفسهم وحلفائهم ، وكان ذلك سنة ست للهجرة ولكنهم لم يلبثوا ان نكثوا العهد ، وايضا هم الذين هموا بقتل الرسول حتى اضطروه إلى الهجرة ، وهم الذين بدأوا القتال يوم بدر.

وبعد ان ذكّر سبحانه المسلمين بما فعل المشركون من نكث العهد ، وإخراج الرسول وبدء القتال ـ حثهم على الجهاد والقتال ، حيث لا رادع سواه ، ثم أذهب سبحانه الخوف من قلوب المسلمين بقوله : (أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). وقوله : (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) يشير إلى ان الخوف من الله حقا وواقعا لا يكون ولن يكون إلا ممن يؤمن بالله حقا وواقعا ، اما غيره فإنه لا يخاف الله إطلاقا ، وان خافه فخوفه خيال عابر. قال الإمام علي (ع) : «كل خوف محقق إلا خوف الله فانه معلول» اي ان خوف الإنسان من غير الله له واقع

١٦

ملموس ، أما خوفه من الله فلا واقع له ، وانما هو مجرد خيال يعبر ويزول بأدنى شاغل.

(قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ). هذه الأوصاف تناسب فتح مكة ، لأن الله أذل واخزى به صناديد قريش ، ونصر المسلمين ، وشفى صدور المؤمنين الذين استضعفهم جبابرة الشرك قبل الهجرة ، وأذاقوهم ألوانا من العذاب والتنكيل.

(وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). كانت مكة عاصمة الحجاز ، ومركز كل نشاط في الجزيرة العربية ، وكان سادتها يشهرون سيف البغي والإرهاب على كل من تحدثه نفسه بالانضمام إلى محمد (ص) ، وبعد أن فتحها انتشرت عليها ظلال الإسلام واستسلم أولئك السادة الطغاة ، بل ان بعضهم أسلم طوعا ، لا خوفا ، وظاهرا وواقعا ، وهؤلاء هم الذين تاب الله عليهم ، وأثابهم على إخلاصهم وصدق ايمانهم.

وبعد ، فإن كل حكم تضمنته هذه الآيات فهو خاص بمشركي العرب آنذاك ، لأنهم هم الذين أخرجوا الرسول (ص) وحاربوه وخانوا عهده .. وعلى افتراض انها توجب جهاد المشركين في كل زمان ومكان : فإن هذا الجهاد لا يجوز إلا بقيادة دولة اسلامية برئاسة المعصوم أو من ينوب عنه .. فأين هي الآن؟. وقد دعا اليها من دعا ، وألّف حزبا من أجلها بزعمه ، ثم تبين انه عميل ، فحوكم على عمالته وخيانته للأمة والوطن ، وتخلى عنه من خدع به من المغفلين ، ولم يعرف أين مكانه الآن .. أجل ، ان جهاد الإنسان ودفاعه عن حريته وماله ووطنه لا يتوقف على وجود دولة اسلامية ، ولا يحتاج إلى الإذن من المعصوم ، وغير المعصوم ، لأن الدفاع عن النفس والوطن ، ونضال المستعمرين والمستثمرين حق تقدسه جميع الشرائع والقوانين ، وأشرنا الى ذلك في ج ١ ص ٢٩٩ وج ٢ ص ٩٠ ، وعند تفسير الآية ٤٩ من الأنفال ، فقرة : هل الفدائيون مخربون؟.

١٧

أم حسبتو ان تتركوا الآية ١٦ ـ ١٨ :

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦) ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨))

اللغة :

وليجة الرجل خاصته وبطانته من دون الناس ، والمراد بها هنا بطانة السوء وتعلق على الواحد والكثير.

الإعراب :

قال الطبرسي : أم حسبتم معطوف على قوله : الا تقاتلون في الآية ١٣. وشاهدين حال من فاعل يعمروا. وفي النار متعلق بخالدون ، وفيه تقديم ، والأصل وهم خالدون في النار.

المعنى :

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ). تقدم تفسيره في ج ٢ ص ١٦٥ الآية ١٤٢ من سورة آل عمران.

١٨

(وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً). أفضل الطاعات عند الله جهاد المبطلين أعداء الحق والانسانية ، وإلى هذا الجهاد أشار بقوله سبحانه : (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ). وأكبر المعاصي الركون اليهم ، واليه أشار تعالى بقوله : (وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ ...) الخ) ، وكل من يلجأ الى أهل البغي والعدوان ويربط مصلحته بمصالحهم فهو عدو لله ولرسوله وللمؤمنين ، وعلى كل مخلص أن يشهر به ، ويكشف عن دوره في التخريب والعمالة ، ليميز الناس بينه وبين المكافح الأمين ، ويضعوا كلا في المكان الذي يستحقه. (وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ). أجل ، انه خبير عليم ، ولكنه لا يعاقب أحدا على ما يعلم منه ، بل على ما تكشف عنه بفعله وسلوكه.

(ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ). جاء في كتب اللغة. يقال : عمر المنزل بأهله أي صار مسكونا بهم ، وعمر فلان ربه أي عبده. وشاع على ألسنة الناس : المساجد عامرة بذكر الله. وفي الحديث : «قال الله : بيوتي في الأرض المساجد ، وان زواري فيها عمارها». وعلى هذا المعنى يحمل قوله تعالى : (يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ) أي ليس للمشركين أن يدخلوها ، ويقيموا فيها عبادتهم الوثنية ، كما كانوا يفعلون أيام الجاهلية ، وبالأولى أن لا يكون لهم التولية عليها ، ويؤيد ارادة هذا المعنى قوله تعالى : (شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) لأن عبادتهم الأصنام ودعاءهم اللات والعزّى شهادة من أنفسهم على أنفسهم بأنهم كافرون بالله ، ومن كفر بالله لا يحق له ان يدخل بيوت الله (أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) لأن الله لا يقبل مع الشرك عملا (وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ) لأن الشرك أحبط جميع أعمالهم ، حتى ما كان حسنا لولا الشرك.

(إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ). أي لا يجوز لأحد أن يدخل المساجد ويتعبد فيها أو يتولى شيئا من أمورها إلا إذا اجتمعت فيه هذه الصفات ، وهي الإيمان بالله واليوم الآخر ، وإقامة الشعائر الدينية ، وأهمها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، والخوف من الله أي الإخلاص له في الأقوال والأفعال (فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) إلى الحق والعمل به ، وكلمة عسى من الله تفيد اليقين ، لأن الشك محال عليه.

١٩

سقاية الحاج الآية ١٩ ـ ٢٢ :

(أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢))

اللغة :

تطلق السقاية على الآلة تتخذ لسقي الماء ، وايضا تطلق على سقي الناس الماء ، وهذا المعنى هو المراد هنا.

الإعراب :

سقاية الحاج على حذف مضاف اي اصحاب سقاية الحاج. ودرجة تمييز ، وخالدين حال من الضمير في لهم.

المعنى :

(أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ). المراد بسقاية الحاجّ سقي الناس الماء في الحجّ ، وبعمارة المسجد

٢٠