🚘

تراثنا ـ العدد [ 14 ] - ج ١٤

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العدد [ 14 ] - ج ١٤

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
🚘 نسخة غير مصححة

١

الفهرس

كلمة التحرير

كرامة الاسلام والمسلمين....................................................... ٧

من أدب الدعاء في الاسلام

.................................................... السيد محمدرضا الحسيني ١٠

أهل البيت ـ عليهم السلام ـ في المكتبة العربية (٧)

.................................................... السيد عبدالعزيز الطباطبائي ٣٥

معجم ما كتب عن الزهراء عليها السلام

............................................................ عبدالجبّار الرفاعي ٥٧

التحقيق في نفي التحريف (٨)

........................................................ السيد علي الميلاني ١٠٥

٢

من التراث الادبي المنسي في الاحساء

تخميس قصيدة «لاُمّ عمرو» ـ للشيخ محمد الصحّاف

....................................................... الشيخ جعفر الهلالي ١٥٠

النكت الخفيّة في النادرة الشريفية

.................................................. السيد محمدرضا الحسيني ١٦٣

من ذخائر التراث

كتاب الليل والنهار لابن فارس

..................................................... تحقيق : حامد الخفّاف ١٧٣

وصيّة نافعة ـ للشهيد الثاني

...................................................... تحقيق : رضا المختاري ٢٠٠

من أنباء التراث............................................................. ٢٢٥

٣
٤

٥
٦

كلمة التحرير

نظرا لتأخر صدور هذا العدد لأسباب فنية ، ولمناسبة صدوره مع حركة المرتد سلمان رشدي كانت كلمة التحرير حول :

كرامة الإسلام والمسلمين

الإسلام ... دين الله الحنيف الذي ختم به رسالاته ، وارتضاه لجميع عباده ، دينا قيما يسلك بالبشرية سبل الهدى ، ويهديها إلى سعادتها في الدنيا والآخرة.

والقرآن .. كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. كتاب أعجز الأولين والآخرين أن يأتوا بسورة من مثله ... وما كان من صناديد العرب وذؤبانها ، وهم أمراء البيان وأصحاب اللسان ، فإنهم لم يستطيعوا مقارعة حجته ولا الإتيان بما يرد واضح أدلته ، فاجتالتهم الشياطين وحاربوه بحد السيف إلى أن أتى أمر الله وهم كارهون ، وعم الإسلام ربوع الجزيرة وانساح منها في أقطار الأرض ، وانداحت دائرته إلى أن استغرق من العالم جزءه الأكرم ، فأذعنت بلاد الحضارات لناصع بيانه وساطع برهانه ودخل أهلها تحت رايته أفواجا.

والمسلمون .. الأمة التي كرمها الله بدينه ، وصارت خير أمة أخرجت للناس ... ما دامت تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر .. فإن خالفت خولف بها.

واستمر الإسلام وكتابه مشعل هدى ، وري صدى ، وبلسم جراح ... يهدي الضالين ، ويبرد غلة الباحثين عن الحق ، ويشفي جراح الإنسان.

٧

وعاش الناس الذين عبدوا أنفسهم لله ـ قرونا متطاولة ـ يتفيؤن ظلال رحمة القرآن الكريم ، وهم إخوة ، لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى ... (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

ولكن .. الشيطان الذي حذر الله آدم وذريته من كيده ومكره ، وواتر لهم الحجج ، رسولا على أثر رسول .. وإماما .. الشيطان الرجيم لم يرق له أن يعيش الناس سعداء تظلهم رحمة الله ، ويعيشوا إخوانا في دين الله ... فكان ينبغ رأسه بين الفينة والفينة مطلعا قرنه من لسان أحد أعداء الله والإنسان ، ممن كفر ظاهرا وباطنا ، وممن استسلم ولم يسلم ، فلا يلبث أن تجتث شجرته ، ويقطع فرعه وأصله ، وتورده سيوف الله موارد البوار ، فيصير لعنة الأجيال.

لكن .. وما عشت أراك الدهر عجبا ... تعال وانظر إلى عصر الحضارة .. عصر حقوق الإنسان .. عصر التمدن .. العصر الذي أصبح قياد الناس فيه في أيدي شياطين طلعوا علينا من مغرب شمس الفضيلة ، لا أصل شريف ولا فرع عفيف ..

تعال معي إلى سلمان رشدي المرتد المهدور الدم الذي لا يختلف في ارتداده اثنان من المسلمين بل من المليين .. وإلى آياته الشيطانية التي أوحى له بها أسياده من شياطين الإنس .. وخدعوه عن عقله ، وسرقوا منه كرامته لو كانت له كرامة أو أثارة من عقل.

فهل يتصدى عباد الله ممن أسلموا وجوههم لله تعالى .. هل يتصدى واحد ـ أو جماعة ـ منهم لمحو هذا العار ، وأداء واجب القضاء على هذه البذرة الخبيثة التي استخفت بكرامة مليار مسلم ، ولم تحسب لهذه الأمة الطويلة العريضة حسابا.

أما الإسلام ورسوله وكتابه فمحفوظون بحفظ الله ، فالإسلام محفوظ بقوله تعالى (ليظهره على الدين كله) والرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله محفوظ بقوله تعالى (والله يعصمك من الناس) والقرآن محفوظ بتولي الله لحفظه (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).

٨

ولكنها كرامتنا وبياض وجوهنا أمام الله ودينه ورسوله وكتابه.

ولينصرن الله من ينصره ..

٩

من أدب الدعاء في الإسلام

ضبطه عند التحمل والأداء

وتنزيهه عن اللحن والتحريف

ودعوة إلى إحيائه وتحقيق كتبه

السيد محمد رضا الحسيني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلى الله على سادتنا محمد وآله الأطهار.

١ ـ حقيقة الدعاء والأدعية المأثورة :

إن الدعاء ـ في حقيقة ـ يمثل المعاني القيمة ، التي تتبلور في نفس الداعي ، ويستتبع التوجه العميق إلى الذات الإلهية ، فالفناء في وجوده الواجب ، ثم الرجوع إلى عالم المادة ، لأداء مهمة الروح العليا ، روح العدالة والحق والصدق وبالتالي : الخلاص من كل العبوديات.

وفي هذا السفر السريع البطئ ، والطويل القصير ، لا حاجة إلى أي شئ ، سوى التركيز على نقطة المبدأ ، ومركز الانتهاء.

فلا يمكن أن نقيد الدعاء ـ بعد أن كان عملا روحيا ـ بأي قيد ، من زمان أو مكان أو لفظ ، ولا بأية لغة أو صيغة أو نص.

وقد رسم الإمام الصادق ، أبو عبد الله جعفر بن محمد عليه‌السلام ، لهذه

__________________

فصل من كتاب (الدعاء في الإسلام : ما هو؟ وكيف؟ ولماذا؟) للسيد محمد رضا الحسيني.

١٠

الفكرة خطة واضحة ، في الحديث التالي :

عن زرارة ، قال ، قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : علمني دعاء؟ فقال : إن أفضل الدعاء ما جرى على لسانك (١).

فإذا كان الداعي لم يطق أن يستوعب أكثر مما يجري على لسانه ، فإن ذلك يكفيه ، والمهم أن يكون ملتفتا إلى أساس الدعاء ولبه وهو التركيز على نقطة المبدأ ومركز الانتهاء ، في سيره الروحي.

وقد أفصح الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن هذه الحقيقة لما سأل رجلا : كيف تقول في الصلاة؟

فأجاب الرجل : أما إني أقول : (اللهم إني أسألك الجنة ، وأعوذ بك من النار).

وأضاف الرجل : أما إني ـ والله ـ لا أحسن دندنتك ، ولا دندنة معاذ.

فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حولها ندندن (٢).

لكن الإسلام قد حدد للدعاء المختار حدودا ، وقرر له شروطا ، راعى في ذلك بلوغه إلى الكمال المطلوب ، ومن ذلك ما يرتبط بألفاظه ولغته.

ففي الوقت الذي أكد على جوانب معناه وأهدافه ، لم يهمل جانب أدائه وصيغته.

والحق ، أنا إذا أردنا نركز التفاتنا كاملا ، فإن كل الحواس ـ وهي ترتبط بواسطة الأعصاب بعضها بالأخرى ـ لا بد أن تتجه وتلتفت سواء الحواس الخارجية وجوارحها ، أم الحواس الباطنية وقابلياتها ، وحاسة النطق ـ وهي المعبرة عن الجميع ـ وآلتها اللسان ، لا بد أن تتحرك أعصابه ، فتكون كلمة الداعي

__________________

(١) وسائل الشيعة ٤ / ١١٧١.

(٢) الأسماء المبهمة ـ للخطب البغدادي ـ : ١١٦ رقم ٦٣ وانظر : كنز العمال ٢ / ٨٨.

١١

حاسمة ، وتكون ألفاظ الدعاء مركزة موجهة.

أليست الألفاظ تعبيرا عن مكامن الضمير ، وسرائر الوجدان؟ أليست الكلمات النابعة عن طلبات الروح ، أصدق دليل على التركيز في التوجه والالتفات؟

ومن يدري؟!

فلعل العبد الداعي يكون أقرب إلى مولاه الجليل ، عند بعض الحالات ، وأداء بعض النغمات ، وتلاوة بعض الكلمات ، وفي بعض المقامات والأوقات؟ دون غيرها؟!

إن النية الواحدة ، قد تصاغ بأشكال مختلفة ، وتؤدى بأساليب متنوعة ، وقد تصحبها أنغام متفاوتة.

فأيا منها نختار؟ لنتوسل به إلى هذا السر الروحي ، ونتزود منه على هذا الطريق الصعبة ، ونتوصل بسببه إلى النتيجة المنشودة.

ما أروع للداعي ، لو عرف ، أو تنبه إلى أجمل لفظة في أبدع أسلوب ، وإلى أليق تعبير في أرق نغمة ، وكان دعاؤه نابعا من أعماق الضمير ، ليكون أرغب إلى مقام الأنس ، وأقرب إلى حظيرة القدس ، وآكد في تحقيق رغبات النفس.

أليس هذا هو الأحسن ، والأضمن لحصول الإجابة؟

لكن ليس الافراط في المحافظة على اللفظ ، والتوغل في مراعاة أداء الحروف وضبط الحركات ، هدفا للمتكلم الواعي ، ولا غاية للإنسان الهادف ، فضلا عن المسلم الذي يقوم بمهمة عظيمة مثل الدعاء.

فإن الدعاء ـ قبل أن يبلور في الجمل والكلمات ـ إنما هو نور مضي ينقدح فيفيض عفى اللسان ، ولو كان القلب كدرا لم ينقدح فيه ذلك النور ، فأين له أن يظهر على لسان صاحبه ، الدعاء؟!

قال الإمام الصادق عليه‌السلام : تجد الرجل لا يخطي بلام ولا واو ،

١٢

خطيبا مصقعا ولقلبه أشد ظلمة من الليل المظلم (٣).

وهكذا الانهماك في تطبيق القواعد اللفظية ، بما يصرف توجهه عن المعاني ويقطع التفاته عن الهدف.

وهو ما ذكره الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما روي عنه ، من قوله : من انهمك في طلب النحو سلب الخشوع (٤).

نعم ، أن أغفال جانب اللفظ وحسن التعبير ، وصحح النص وسلامة العبارة عيب ، بلا ريب ، في الدعاء يحطه عن مرتبة الكمال اللازم في كل جوانب الدعاء من لفظه ومعناه ، ولابد للداعي العارف ، المتمكن من ذلك أن يتصف به ، فيكون دعاؤه بمستوى ما يطلب من المقام الرفيع المنشود.

ومن هنا ورد التأكيد البليغ على اتصاف الدعاء بالأدب ، ويراد به (الأدب العربي) في مراعاة القواعد اللغوية والنحوية والبلاغية ، إذا بلغ الداعي مرتبة عالية من العلم والمعرفة ، وبلغ من الدين والعقيدة مبلغا يحسن مثل هذا الطلب منه.

قال الإمام أبو جعفر محمد بن علي الجواد عليه‌السلام : ما استوى رجلان في حسب ودين ـ قط ـ إلا كان أفضلهما عند الله آدبهما.

قال الراوي : جعلت فداك ، قد علمت فضله عند الناس ، في المنادي والمجالس ، فما فضله عند الله عزوجل؟!

قال عليه‌السلام : بقراءة القرآن كما أنزل ، ودعائه الله عزوجل من حيث لا يلحن ، وذلك أن الدعاء الملحون لا يصعد إلى الله عزوجل (٥).

إن الكمال اللازم يجب أن يعم أدب الداعي ومعارفه ، فيكون كاملا في لغته التي يتقدم بالدعاء بها ، بعيدا عن اللحن المزري ، فإن الله يحب أن يرى

__________________

(١) الكافي ـ الأصول ـ ٢ / ٤٢٢.

(٢) بحار الأنوار ١ / ٧ ـ ٢١٨.

(٣) عدة الداعي : ١٨ ، وسائل الشيعة ٤ / ١١٠٧ ، وانظر : كنز العمال ٢ / ٢٩٣.

١٣

عباده يناجونه أليس عباده يناجونه بأحسن ما يناجي به أحد أحدا.

أليس القرآن ـ وهو كلام الله ـ نزل بأبلغ ما يكون الكلام وأعذبه ، فليكن ما يخاطب به العبد مولاه ـ كذلك ـ في أوج ما يقدر عليه من الكلام الطيب والذكر البديع ، المنزه عن عيب اللحن ، والوهن.

إن الإسلام ـ في الوقت الذي ينص على الاكتفاء بما يجري على اللسان من الدعاء ، إذا لم يعرف الداعي نصا مأثورا ، لأن ذلك أدنى ما يأتي منه ـ فإنه لا يكتفي ممن يمكنه الوصول إلى المأثور ، أن يقنع بادعاء الذي يخترعه من عند نفسه.

عن عبد الرحيم القصير ، قال : دخلت على إلي عبد الله عليه‌السلام ، فقلت : جعلت فداك ، إني اخترعت دعاء!

قال عليه‌السلام : دعني من اختراعك.

إذا نزل بك أمر فافزع إلى رسول الله عليه وآله وصل ركعتين تهديهما إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ... (٦).

وعلمه دعاء يتلوه.

إن الدعاء المأثور ، هو ـ بلا ريب ـ أقوى ، وأصدق ، وأضبط ، فهو أوصل إلى المطلوب ، مما يخترعه ذهن الإنسان العادي ، ويلوكه لسانه.

٢ ـ المحافظة ، على نص المأثور :

فإذا كان الدعاء المأثور بهذه الدرجة ممن الضرورة ، فلا بد أن تكون المحافظة عليه شديدة جدا ، ولا بد أن يواظب الداعي على نصه ، كي لا يتجاوزه في حرف أو حركة ، وإلا لم يبلغ المنشود المترقب من ذلك الدعاء ، وقد عرفنا (أن الدعاء الملحون لا يرفع).

__________________

(١) الكافي ، كتاب الصلاة ، باب صلاة الحوائج ٣ / ٤٧٦ ح ١.

١٤

وقد جاء النهي الصريح عن تجاوز نص الدعاء المأثور ، أو تخطيه ، ولو بالزيادة فضلا عن النقيصة ، أو بتغيير لفظ إلى ما يرادفه ، أو بوضع جملة مكان أخرى ، وإن كانا يهدفان غرضا واحدا.

وذلك كله تقيدا بالمأثور ، وأداء لما ورد كما ورد.

فعن البراء بن عازب : أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : يا براء ، كيف تقول إذا أخذت مضجعك؟

قال : قلت : الله ورسوله أعلم.

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا آويت إلى فراشك طاهرا ، فتوسد يمينك هم قل :

(اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك ، آمنت بكتابك الذي أنزلت ، وبنبيك الذي أرسلت).

من قالها في ليلته ثم مات ، مات على الفطرة.

قال البراء : فقلت ـ استذكرهن ـ : (.. ورسولك الذي أرسلت ...).

فقال بيده في صدري : (لا ، ونبيك الذي أرسلت) (٧).

وعن إسماعيل بن الفضل ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن قول الله عزوجل (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) (طه ٢٠ : ٣٠).

فقال فريضة على كل مسلم أن يقول قبل الشمس عشر مرات ،

__________________

(٧) أورده البخاري في صحيحه في مواضع : كتاب الوضوء ١ / ٣٠٨ ، وكتاب الدعوات ١١ / ٩٣ و ٩٧ و ٩٨ ، وكتاب التوحيد ١٣ / ٣٨٨ ، ومسلم في صحيحه ، كتاب الذكر والدعاء ٤ / ٢٠٨١ ، وأبو داود في السنن ، أبواب الدعوات ٢ / ٢٤٥ ، وأحمد في المسند ٤ / ٢٨٥ و ٢٩٠ و ٢٩٢ و ٢٩٦ و ٣٠٠ و ٣٠١ و ٣٠٢ من طبعة الحلبي.

والطبراني في المعجم الصغير : ٣ ، والخطيب في الكفاية : ٢٧٠ طبعة مصر.

١٥

وقبل غروبها عشر مرات : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو حي لا يموت بيده الخير ، وهو على كل شئ قدير).

قال : فقلت : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ويميت ويحيى ...

فقال : يا هذه ، لا شك في أن الله يحيي ويميت ويميت ويحيي ، ولكن قل كما أقول (٨).

وعن العلاء بن كامل : قال (سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول) (الأعراف ٧ : ٢٠٥) عند الماء : لا الله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ويميت ويحيي ، وهو على كل شئ قدير.

قال : قلت : ... بيده الخير.

قال : إن بيده الخير ، ولكن قال كما أقول ... (٩).

وعن عبد الله بن سنان ، قال : قال الصادق عليه‌السلام : ستصيبكم شبهة ، فتبقون بلا علم يرى ولا إمام هدى ، لا ينجو منها إلا من دعاء بدعاء الغريق.

قلت : كيف دعاء الغريق؟ قال : تقول : (يا الله ، يا رحمن ، يا رحيم ، يا مقلب القلوب ، ثبت قبلي على دينك).

فقل : يا مقلب القلوب والأنصار ثبت قلبي على دينك.

فقال : إن الله عزوجل مقلب القلوب والأنصار ، ولكن قل كما أقول كما أقول : (يا

__________________

(٨) الخصال ـ للصدوق ـ : ٤٥٢ ح ٥٨ من أبواب العشرة ، والوسائل ، الصلاة أبواب الذكر باب ٤٩ ، ٧ / ٢٢٦.

(٩) الكافي ـ الأصول ـ ٢ / ٣٨٣ ح ١٧ ، الوسائل ٧ / ٢٢٧ ح ٦.

١٦

مقلب القلوب ، ثبت قلبي على دينك) (١٠).

تدل هذه الأحاديث على أن الأدعية المأثور توقيفية ، وقع التعبد بخصوص ألفاظها الواردة ، وأن أدنى تغيير أو تبديل في كلماتها ، أو أي لحن أو تحريف في حركاتها وحروفها ، وإن لم يغير المعنى ، يوجب أن لا يكون أداؤه صحيحا ، فلا يتوقع منه ما يترقب منه فيما لو كان أداؤه تاما من الآثار الروحية.

وينبئك بمدى تأثير الألفاظ المختلفة للنتائج المتغايرة ، وإن كان الأثر الشرعي المترتب على جميعا واحدا ، ما ورد في باب (اليمين) وهو ما رواه الكليني بسنده عن صفوان الجمال ، قال :

حملت أبا عبد الله عليه‌السلام الحملة الثانية إلى الكوفة وأبو جعفر المنصور بها ، فلما أشرف على الهاشمية ـ مدينة أبي جعفر ـ أخرج رجله من غرر الرحل ثم نزل ، ودعا ببغلة شهباء ، ولبس ثياب بيض وكمه بيضاء ، فلما دخل قال أبو جعفر : لقد تشبهت بالأنبياء.

فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : وأني تبعدني عن أبناء الأنبياء؟

فقال : لقد هممت أن أبعث إلى المدينة من يعقر تخلها ويسبي ذريتها.

فقال : ولم ذلك ، يا أمير المؤمنين؟

فقال : رفع إلي أن مولاك المعلى بن خنيس ، يدعو إليك ويجمع لك الأموال.

فقال : والله ما كان.

فقال : لست أرضى منك إلا بالطلاق والعتاق والهدي والمشي.

فقال : أبالأنداد من دون الله تأمرني أن أحلف؟! إنه من لم يرض بالله فليس من الله في شئ.

__________________

(١٠) إكمال الدين ـ للصدوق ـ (المطبوع باسم «كمال الدين» خطأ) ١ / ٣٥٢ باب ٣٣ ، ح ٤٩ وعنه بحار الأنوار ٥٢ / ١٤٩ ح ٧٣.

١٧

فقال : أتتفقه علي!

فقال : وأنى تبعدني من الفقه ، وأنا ابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟!

فقال : فإني أجمع وبين من سعى بك.

قال : فافعل.

فجاء الرجل الذي سعى به ، فقال له أبو عبد الله : يا هذا!

فقال : نعم ، والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم ، لقد فعلت.

فقال له أبو عبد الله عليه‌السلام : ويلك ، تمجد الله ، فيستحيي من تعذيبك ولكن قل : «برئت من حول الله وقوته ، ولجأت إلى حولي وقوتي».

فحلف بها الرجل ، فلم يستتمها حتى وقع ميتا.

فقال أبو جعفر : لا أصدق بعدها عليك أبدا ، وأحسن جائزته ورده (١١).

وقريب منه في قصة يحيى العلوي مع عبد الله بن مصعب الزبيري لما وشى به عند هارون الرشيد العباسي ، فحلفه يحيى (١٢).

٣ ـ مشكلة تجويزهم نقل الحديث بالمعنى؟

قد ثبت لدى علماء الحديث تجويز نقل الحديث بالمعنى :

قال الشيخ العاملي : قد ذهب جمهور السلف والخلف ، والطوائف كلها ، إلى جواز الرواية بالمعنى ، إذا قطع بأداء المعنى بعينه ... لما رويناه بطرقنا عن محمد بن يعقوب ... عن محمد بن مسلم ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : أسمع الحديث منك ، فأزيد وأنقص؟

قال عليه‌السلام : إن كنت تريد معانيه ، فلا بأس (١٣).

__________________

(١١) الكافي ، كتاب الزي والتجمل ، باب لباس البيض ٦ / ٥ ـ ٤٦٦ ح ٣.

(١٢) الحدائق الوردية ـ للمحلي ـ ١ / ١٩٢.

(١٣) وصول الأخيار إلى الأخيار : ١٥٢ عن الكافي ١ / ١٥.

١٨

وروينا بالسند عن داود بن فرقد ، قال :

قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : إني أسمع الكلام منك ، فأريد أن أرويه كما سمعت منك ، فلا يجئ.

قال : فتتعمد ذلك؟ قلت : لا.

قال : تريد المعاني؟ قلت : نعم.

قال : فلا بأس (١٤).

وقد روى العامة الترخيص في رواية الحديث بالمعنى ، عن الأكثر ، ونقلوه عن جماعة من الصحابة منهم الإمام أمير المؤمنين علي عليه‌السلام ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وواثلة بن الأسقع (١٥) ونسبه بعضهم إلى الجمهور (١٦).

وقد استدل الصحابي واثلة ، على ذلك ، باستدلال ظريف ، لما قيل له : حدثنا بحديث سمعته من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس فيه وهم ، ولا تزيد ولا نسيان!

قال : هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئا؟!

قال الراوي : فقلنا : نعم ، وما نحن له بحافظين جدا ، إنا لنزيد الواو والألف ، وننقص!

قال : فهذا القرآن مكتوب بين أظهركم ، لا تألون حفظا ، وأنتم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون ، فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عسى أن لا نكون سمعناها منه إلا مرة واحدة ، حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى (١٧).

فالحديث وهو يحتوي على الأحكام الشرعية وهو ثاني مصادر التشريع في

__________________

(١٤) المصدر ، نفس الموضع.

(١٥) قواعد التحديث ـ للقاسمي ـ : ٢٠٧.

(١٦) توجيه النظر ـ لطاهر الجزائري : ٧٦.

(١٧) تدريب الراوي ـ للسيوطي ـ : ٣١٢.

١٩

الإسلام ، مع ما لذلك من الخطورة ، التي تحتم مزيد المراقبة والاحتياط فيها إذا أن أدنى تغيير فيه يؤدي إلى تحريف الأحكام وتبديل شريعة الإسلام.

هذا الحديث إذا جاز نقله بالمعنى ، فالدعاء ، وهو ليس بتلك الأهمية قطعا لا بد أن يجوز فيه ذلك؟!

وإذا لم يجز ذلك في الدعاء ، والتزم بنقل نصه المأثور ، فليكن ذلك في الحديث ، وخاصة أحاديث الأحكام ، كذلك ، بطريق أولى.

والحاصل : أن روايات الدعاء هي من الحديث الشريف ، فإذا جوزنا رواية الحديث ونقله بالمعنى ، شمل روايات الدعاء أيضا.

والجواب عن هذه المشكلة ، من وجوه :

الأول : أن أحاديث المحافظة على الدعاء تخصص ما دل على جواز نقل الحديث بالمعنى ، فكل حديث يجوز نقله بالمعنى إلا أحاديث الدعاء.

وهذا بناء على دخول الدعاء في الحديث ، بمعناه العام واضح لا غبار عليه ، وإلا فهو خارج تخصصا.

الثاني : أن تجويزهم لنقل الحديث بالمعنى ، إنما هو فيما لم يتعبد بلفظه من نصوص الحديث ، مما أريد به لفظه الخاص من متون الأحاديث ، حيث لا يجوز نقله بالمعنى ، بل يروى بعين لفظه ، كالخطب التي تلقى بمناسبات خاصة ، والتي يستعمل فيها أساليب إنشائية بلاغية ، وكذلك الكلمات القصار المحتوية على جوامع الحكم ، والنصائح والمواعظ المذكورة في جمل قصيرة ، مما فيه سجع معين يدل على العناية بخصوص الكلمات والألفاظ الواردة فيها ، وكذلك نصوص الأدعية المأثورة الواردة في ظرف معين من زمان أو مكان أو مناسبة خاصة ، وقد أمر الشارع بتلاوتها بعينها ، فلا يجوز تخطيها الذي يريد العلم بما أمر الشارع ، وبذلك يمتاز الدعاء عن مطلق الحديث.

الثالث : أن الحديث يتفاوت عن الدعاء بأمر جذري ، فإن الحديث إنما يرويه الراوي وينقله ناسبا معناه إلى المروي عنه ، وناقلا له عنه ، لكن الدعاء إنما

٢٠