دروس في علم الأصول - ج ٢

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر

دروس في علم الأصول - ج ٢

المؤلف:

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر

المحقق: لجنة التحقيق التابعة للمؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر المترجم:
الموضوع : أصول الفقه الناشر: مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر
نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

٥
٦

٧
٨

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمّد ، وعلى الهداة الميامين من آله الطاهرين.

٩
١٠

الحلقة الثالثة

الجزء الأوّل

تمهيد

حجّية القطع

الأدلّة المحرزة

١١
١٢

١ ـ الجزء الأوّل

تمهيد

تعريف علم الاصول.

موضوع علم الاصول.

الحكم الشرعي وتقسيماته.

تنسيق البحوث المفبلة.

١٣
١٤

تعريف علم الاصول

عُرِّف علم الاصول بأ نّه «العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي» (١). وقد لوحظ على هذا التعريف :

أوّلاً : بأ نّه يشمل القواعد الفقهية ، كقاعدة أنّ (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده).

وثانياً : بأ نّه لا يشمل الاصول العملية ؛ لأنّها مجرّد أدلّةٍ عمليةٍ وليست أدلّةً محرزة ، فلا يثبت بها الحكم الشرعيّ ، وإنّما تحدَّد بها الوظيفة العملية.

وثالثاً : بأ نّه يعمّ المسائل اللغويّة ، كظهور كلمة «الصعيد» ـ مثلاً ـ لدخولها في استنباط الحكم.

أمّا الملاحظة الاولى فتندفع : بأنّ المراد بالحكم الشرعيّ الذي جاء في التعريف : جعل الحكم الشرعيّ على موضوعه الكلّي ؛ فالقاعدة الاصولية ما يستنتج منها جعل من هذا القبيل ، والقاعدة الفقهية هي بنفسها جعل من هذا القبيل ، ولا يستنتج منها إلاّتطبيقات ذلك الجعل وتفصيلاته.

ففرق كبير بين حجّية خبر الثقة والقاعدة الفقهية المشار اليها ؛ لأنّ الاولى

__________________

(١) انظر القوانين ١ : ٥ ، وورد ما يقاربه في الفصول : ٩ ، وهداية المسترشدين : ١٢.

١٥

يثبت بها جعل وجوب السورة تارةً ، وجعل حرمة العصير العنبيّ اخرى ، وهكذا ، فهي اصولية. وأمّا الثانية فهي جعل شرعيّ للضمان على موضوعٍ كلّي ، وبتطبيقه على مصاديقه المختلفة ـ كالإجارة والبيع مثلاً ـ نثبت ضماناتٍ متعدّدةً مجعولةً كلّها بذلك الجعل الواحد.

وأمّا الملاحظة الثانية فقد يجاب عليها : تارةً بإضافة قيدٍ إلى التعريف ، وهو (أو التي ينتهى اليها في مقام العمل) ، كما صنع صاحب الكفاية (١). واخرى بتفسير «الاستنباط» بمعنى الإثبات التنجيزي والتعذيري ، وهو إثبات تشترك فيه الأدلّة المحرزة والاصول العملية معاً (٢).

وأمّا الملاحظة الثالثة فهناك عدّة محاولاتٍ للجواب عليها :

منها : ما ذكره المحقّق النائينيّ (٣) ـ قدّس الله روحه ـ من إضافة قيد الكبروية في التعريف لإخراج ظهور كلمة (الصعيد) ، فالقاعدة الاصولية يجب أن تقع كبرى في قياس الاستنباط ، وأمّا ظهور كلمة (الصعيد) فهو صغرى في القياس وبحاجةٍ إلى كبرى حجّية الظهور.

ويرد عليه : أنّ جملةً من القواعد الاصولية لا تقع كبرى أيضاً ، كظهور صيغة الأمر في الوجوب ، وظهور بعض الأدوات في العموم أو في المفهوم ، فإنّها محتاجة إلى كبرى حجّية الظهور ، فما الفرق بينها وبين المسائل اللغوية؟ وكذلك أيضاً مسألة اجتماع الأمر والنهي ؛ فإنّ الامتناع فيها يحقّق صغرى لكبرى التعارض بين خطابَي : «صلِّ» و «لا تغصب» ، والجواز فيها يحقّق صغرى لكبرى

__________________

(١) كفاية الاصول : ٢٣.

(٢) المحاضرات ١ : ٩.

(٣) فوائد الاصول ١ : ٢٩.

١٦

حجّية الإطلاق.

ومنها : ما ذكره السيّد الاستاذ من استبدال قيد الكبروية بصفةٍ اخرى ، وهي : أن تكون القاعدة وحدها كافيةً لاستنباط الحكم الشرعيّ بلا ضمّ قاعدةٍ اصوليةٍ اخرى (١) ، فيخرج ظهور كلمة (الصعيد) ؛ لاحتياجه إلى ضمِّ ظهور صيغة «افعل» في الوجوب ، ولا يخرج ظهور صيغة «افعل» في الوجوب وإن كان محتاجاً إلى كبرى حجّية الظهور ؛ لأنّ هذه الكبرى ليست من المباحث الاصولية ؛ للاتّفاق عليها (٢).

ونلاحظ على ذلك :

أوّلاً : أنّ عدم احتياج القاعدة الاصولية إلى اخرى : إن اريد به عدم الاحتياج في كلّ الحالات فلا يتحقّق هذا في القواعد الاصولية ؛ لأنّ ظهور صيغة الأمر في الوجوب ـ مثلاً ـ بحاجةٍ في كثيرٍ من الأحيان إلى دليل حجّية السند حينما تجيء الصيغة في دليلٍ ظنّيّ السند.

وإن اريد به عدم الاحتياج ولو في حالةٍ واحدةٍ فهذا قد يتّفق في غيرها ، كما في ظهور كلمة «الصعيد» إذا كانت سائر جهات الدليل قطعيّة.

وثانياً : أنّ ظهور صيغة الأمر في الوجوب وأيّ ظهورٍ آخر بحاجةٍ إلى ضمِّ قاعدة حجّية الظهور ، وهي اصوليّة ؛ لأنّ مجرّد عدم الخلاف فيها لا يخرجها عن كونها اصوليّة ؛ لأنّ المسألة لا تكتسب اصوليّتها من الخلاف فيها ، وإنّما الخلاف ينصبّ على المسألة الاصوليّة.

وهكذا يتّضح أنّ الملاحظة الثالثة واردة على تعريف المشهور.

__________________

(١) المحاضرات ١ : ٨.

(٢) المحاضرات ١ : ٦.

١٧

والأصحّ في التعريف أن يقال : «علم الاصول هو العلم بالعناصر المشتركة لاستنباط جعلٍ شرعي» ، وعلى هذا الأساس تخرج المسألة اللغوية كظهور كلمة «الصعيد» ؛ لأنّها لا تشترك إلاّفي استنباط حال الحكم المتعلّق بهذه المادّة فقط ، فلا تعتبر عنصراً مشتركاً.

١٨

موضوع علم الاصول

موضوع علم الاصول ـ كما تقدم في الحلقة السابقة (١) ـ «الأدلّة المشتركة في الاستدلال الفقهي». والبحث الاصوليّ يدور دائماً حول دليليّتها.

وعدم تمكّن بعض المحقّقين (٢) من تصوير موضوع العلم على النحو الذي ذكرناه أدّى إلى التشكّك في ضرورة أن يكون لكلّ علمٍ موضوع ، ووقع ذلك موضعاً للبحث ، فاستدلّ على ضرورة وجود موضوعٍ لكلّ علمٍ بدليلين :

أحدهما : أنّ التمايز بين العلوم بالموضوعات ، بمعنى أنّ استقلال علم النحو عن علم الطبّ إنّما هو باختصاص كلٍّ منهما بموضوعٍ كلّيٍّ يتميّز عن موضوع الآخر ، فلابدّ من افتراض الموضوع لكلّ علم.

وهذا الدليل أشبه بالمصادرة ؛ لأنّ كون التمايز بين العلوم بالموضوعات فرع وجود موضوعٍ لكلّ علم ، وإلاّ تعيّن أن يكون التمييز قائماً على أساسٍ آخر ، كالغرض.

والآخر : أنّ التمايز بين العلوم إن كان بالموضوع فلابدّ من موضوعٍ لكلّ علمٍ إذن لكي يحصل التمايز ، وإن كان بالغرض على أساس أنّ لكلّ علمٍ غرضاً يختلف عن الغرض من العلم الآخر فحيث إنّ الغرض من كلّ علمٍ واحد ، والواحد لا يصدر إلاّمن واحدٍ فلابدّ من افتراض مؤثِّرٍ واحدٍ في ذلك الغرض. ولمّا كانت

__________________

(١) ضمن مباحث التمهيد ، تحت عنوان : موضوع علم الاصول وفائدته.

(٢) كالمحقّق العراقي رحمه‌الله في نهاية الأفكار ١ : ٩ ـ ١٢ ، والسيّد الخوئي رحمه‌الله في المحاضرات ١ : ٢٠.

١٩

مسائل العلم متعدّدةً ومتغايرةً فيستحيل أن تكون هي المؤثّرة بما هي كثيرة في ذلك الغرض الواحد ، بل يتعيّن أن تكون مؤثّرةً بما هي مصاديق لأمرٍ واحد. وهذا يعني فرض قضيةٍ كلّيّةٍ تكون بموضوعها جامعةً بين الموضوعات ، وبمحمولها جامعةً بين المحمولات للمسائل ، وهذه القضية الكلّية هي المؤثرة ، وبذلك يثبت أنّ لكلّ علمٍ موضوعاً ؛ وهو موضوع تلك القضية الكلّية فيه (١).

وقد اجيب على ذلك : بأنّ الواحد على ثلاثة أقسام : واحد بالشخص ، وواحد بالنوع وهو الجامع الذاتيّ لأفراده ، وواحد بالعنوان ، وهو الجامع الانتزاعيّ الذي قد ينتزع من أنواعٍ متخالفة. واستحالة صدور الواحد من الكثير تختصّ بالأوّل (٢) ، والغرض المفترض لكلّ علمٍ ليست وحدته شخصيّة ، بل نوعيّةً (٣) أو عنوانيّة (٤) ، فلا ينطبق برهان تلك الاستحالة في المقام.

وهكذا يرفض بعض المحقّقين (٥) الدليل على وجود موضوعٍ لكلّ علم ، بل قد يبرهن على عدمه : بأنّ بعض العلوم تشتمل على مسائل موضوعها الفعل والوجود ، وعلى مسائل موضوعها الترك والعدم ، وتنتسب موضوعات مسائله إلى مقولاتٍ ماهويّةٍ وأجناسٍ متباينة ، كعلم الفقه الذي موضوع مسائله الفعل تارةً

__________________

(١) تجد خلاصة هذا البيان مع الإيراد عليه في ألسنة جملة من الاصوليّين ، منهم المحقّق الإصفهاني رحمه‌الله في نهاية الدراية ١ : ٣٤ ، والسيّد الخوئي رحمه‌الله في هامش كتاب أجود التقريرات ١ : ٤.

(٢) كما ادّعاه السيّد الخوئي رحمه‌الله في المصدر السابق.

(٣) كما ادّعاه السيّد الخوئي رحمه‌الله في المصدر السابق.

(٤) كما ادّعاه المحقّق الإصفهاني رحمه‌الله في نهاية الدراية ١ : ٣٤.

(٥) منهم المحقّق العراقي رحمه‌الله في المقالات ١ : ٣٧ ، والسيّد الخوئي رحمه‌الله في المحاضرات ١ : ٢٠.

٢٠