🚘

إتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب والفضائل

محمّد بن عبدالله الأكراوي القلشقندي الشافعي

إتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب والفضائل

المؤلف:

محمّد بن عبدالله الأكراوي القلشقندي الشافعي


المحقق: محمّد كاظم الموسوي
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام
المطبعة: نگار
ISBN: 964-8889-64-3
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ

إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)

صدق الله العلي العظيم

٣
٤

المقدم

القول بأنّ أهل البيت عليهم‌السلام قد أثّروا أعمق تأثير في حياة المسلمين في العصور الماضية ، قول لا يحتاج إلى بيان ولا مناقشة ، إذ يثبتها التاريخ بشهادات مؤكّدة يرويها المؤرّخون والمحدّثون وأصحاب التراجم والسير أيضا.

كما أنّ ما يقال عن تأثير الآباء والأجداد ، يقال نظيره عن تأثير ودور الأبناء والأحفاد ؛ لأنّهم يعدّون امتدادا طبيعيا لأولئك العظام الذين جسّدوا الشريعة السمحة ، ومثّلوا المرجعية العلمية والأخلاقية بأفضل تمثيل.

وهذا السلوك الحضاري الّذي سار عليه الأبناء والأحفاد ظلّ متداخلا وجامعا بين سماحة الشرع المقدّس ، ومكارم الخلق المحمّدي الأصيل ، ومحامد الأدب العلوي الشريف ، بصورة لا ينفكّ أحدها عن الآخرين ، ضمن مسير واحد ، أفرز عطاءات جمّة ، منها ما ساهم في بناء الحضارة الإسلامية ، ومنها ما شارك في تهيئة المناخات المناسبة لإلهام الأجيال المتعاقبة من الدروس والعبر ما يعينها لمواصلة البناء والتطوير.

ولم يقتصر تأثير أهل بيت محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله على جانب واحد من جوانب حياة

٥

المسلمين المتعدّدة ، وإنّما تجلّى في أكثر من ميدان من ميادين حضارة الإسلام : الاجتماعية والتربوية والاقتصادية والأخلاقية و.. و..

وبمعونة هذه الآثار الّتي خلّفوها ، والمواقف الّتي سجّلوها ، استطاع أجيال المسلمين المتلاحقة أن يتجاوزوا محنهم ، ويتقدّموا باتجاه مسايرة العالم الآخر ، من خلال مواكبة سير الحياة الجديدة القائمة على التقنية الحديثة ، والمنهجية المتطورة ، فاستلهموا من ثقافتهم الإسلامية الّتي عزّزها أبناء هذا البيت الشريف على مرّ العصور ، واستفادوا من تلك التقنيات في توظيف إمكانياتهم من أجل حلّ المشكلات المستحدثة ، والقضايا الراهنة ، وتقديم الأجوبة المناسبة لها.

أليس هذا التحوّل العميق في قضايا المسلمين اليوم ، وجوانب التقدّم الّتي أحرزوها على الصعيد العلمي والثقافي والتربوي والصحي و.. و.. يعدّ مظهرا من مظاهر التأثّر بالموروثات الأصلية الّتي خلّفها النبيّ الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته المطهّرون الذين لم يعرف عنهم قدح ولا جرح؟

إنّ نظرة شاملة ومتقصّية لكلّ توجّهات أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ومواقفهم الّتي سجّلها لهم التاريخ ، وحفظها عنهم أهل التراجم والسير ، وأقوالهم وأحاديثهم الّتي تناقلها أرباب الحديث والأدب الرفيع ، توقفنا جميعا على أنّ هذا السلوك بلغ من السموّ والرفعة ما لم يبلغه غيرهم ، والاحترام والتجليل ما لا يشهده سواهم.

وهذه المنزلة الّتي نزّلهم فيها المسلمون جميعا ، لم تكن لو لا وجود عنصرين رآهما فيهم الناس ، وهما :

١ ـ الأصالة في العقيدة والفكر والإبداع ، إذ لم يتحرّكوا في موقع من دون منهجية ، ولم يبدوا قناعتهم اعتباطا ، وإنّما يصاحبونه بالنظر العميق ، والموضوعية التامة ، والعناية بالمصلحة الإسلامية العليا. وكلّ ذلك في ظلّ الورع والتقوى ، والخوف من الله سبحانه.

٦

وبذلك فقد أسّسوا أشبه بمدرسة همّها الأول تربية الناس على اختلاف مشاربهم ، وتخريج كوادر لامعة في حقول الأدب والعلم والمعرفة الإنسانية : النظرية والتطبيقية.

٢ ـ النزعة التقريبية في تعاملهم مع الآخرين. فرغم المعاناة الّتي تلقّاها بعضهم ، وسوء المعاملة الّتي أبداها بعض السلاطين حيال بعضهم ، إلّا أنّهم حافظوا على هدوئهم وتقاربهم مع الناس ولو كانوا على خلاف رأيهم ، وإن حدث نقاش وحوار مع أطراف أخرى مالوا نحو أدب الاعتراض القائم على الحوار العلمي والمناقشة الموضوعية ، من غير تعصّب ولا عواطف شخصية.

وبذلك جسّدوا بصورة عملية ثقافة التقريب ، حيث لم يلتزموا مواقف حادّة تثير التشنّج والاضطراب في المجتمع الإسلامي ، أو القيام بمبادرات من شأنها أن تمزّق وحدة المسلمين ، وإضعاف دولة الاسلام الفتية.

لذا دعونا نقول : إنّهم أثبتوا الخطوة الأولى للحركة التقريبية في تاريخ الإسلام.

ولعلّ أوّل شخصية من شخصيات أهل البيت عليهم‌السلام الّتي قامت بتثبيت هذه الخطوة ، وأسّست الانطلاقة الأولى في هذا الدرب ، هي السيدة فاطمة الزهراء عليها‌السلام ابنة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله.

لقد شهدت الزهراء البتول ظروف الدعوة الإسلامية ، وتفاصيل انبعاث الفجر المنير ، وشطرا من بناء الدولة الإسلامية الحديثة ، لكنّها عليها‌السلام رغم ما جرى عليها من أمور متميّزة تتعلّق بجوانب من حقوقها ، آثرت ترجيح مصلحة الإسلام والدولة الفتية على مصلحتها الشخصية رغم حاجتها الماسّة إليها ، وفزعت إلى جانب الحوار الهادئ والنقاش الموضوعي الصحيح ، ولم تبغ ضجّة ولا اضطرابا في المجتمع الجديد ، وكانت بمقدورها ذلك وهي سليلة النبيّ الأكرم ، العالمة والمفوّهة الناطقة.

فليس غريبا أن يفرد لها أبوها النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله شطرا كبيرا من وقته ليجالسها

٧

ويحادثها ، ويختصّها بمناقب عظيمة لم ولن تبلغه امرأة في الإسلام.

وليس عجيبا أن يتهافت المحدّثون والعلماء وأصحاب التراجم والسير إلى تصنيف الكتب الّتي تتحدّث عن فضائلها ، والمؤلّفات الّتي تروي شمائلها الرفيعة ، وتنقل أحاديث أبيها وهو يمجّدها ويطريها ويدعو لها.

وهذا الكتاب ـ الماثل بين يديك عزيزنا القارئ ـ يعدّ إحدى تلك المصنّفات الّتي يعود تاريخها إلى القرن العاشر أو الحادي عشر الهجري ، لمؤلّفه محمّد بن محمّد بن عبد الله الأكراوي القلقشندي الشافعي (ت ١٠٣٥ ه‍) الشهير بالحجازي وبالواعظ ، الّتي تحكي عمق العلاقة القائمة بين علماء الأمة وآل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ممّا ساهمت ـ كغيرها ـ في إنشاء تيار من الوعي الثقافي والفكري والحضاري للأجيال المتعاقبة ، وتعزيز للروابط الصادقة والعواطف السامية بين أبناء الأمّة وأهل بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

فمؤلّف الكتاب أضاف شاهدا آخر على مدى حبّ الأمّة على اختلاف مشاربها ومذاهبها لأهل بيت محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله من أبناء عليّ وفاطمة عليهما‌السلام ، وتهافت الجميع : سنّة وشيعة على الالتفات حول بيت نبيّهم حبّا وتجليلا وتقديسا.

والكتاب وإن روى بعض مناقب وفضائل هذه السيّدة الطاهرة المطهّرة ، بضعة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبيّن مقامها ووجاهتها عند أبيها رسول الإسلام محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومكانتها في الإسلام الحنيف ، إلّا أنّه يثير فينا الأفكار الّتي تدور حول ضرورة متابعة دراسة حياتها أكثر فأكثر ، واستخلاص الدروس والعبر من سلوكياتها الرزنة ، ومواقفها الشريفة الّتي سجّلتها إبّان العصر الإسلامي الأوّل ، والدرس «التقريبي» الّذي علّمت أجيال المسلمين وحتّى يومنا الحاضر.

فلا غرابة إذا أن يبدي المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية ، عبر مركزه العلمي ، اهتمامه تجاه هذا الأثر الكريم ، ويتعاطى معه بدرجة كبيرة

٨

من العناية الخاصّة على مستوى تحقيقه وإخراجه ، وطبعه ونشره بما يوائم وذوق العصر الحديث.

ولقد أبلى حسنا الأخ الفاضل محمّد كاظم الموسوي في توثيق الكتاب وتخريج مروياته في المصادر المعتمدة الأخرى ، وقيامه بالتعليق في بعض الموارد الّتي رآها ضرورية ، وبالتعاون مع قسم التاريخ والرجال التابع للمركز العلمي ، تمّ إخراجه بهذه الصورة الجميلة ، من أجل أن تعمّ فائدته للجميع ، ويزيد من تماسك أبناء الأمّة بعضهم البعض ، والالتفاف حول رموز أهل البيت عليهم‌السلام حبّا وجلالة وتقديسا.

ولا يسعنا هنا إلّا تقديم الشكر والتقدير للمحقّق الفاضل على جهوده الّتي بذلها في هذا الكتاب ، ولقسم التاريخ والرجال التابع للمركز بجميع أفراده الذين قدّموا ما بوسعهم من أجل إخراج الكتاب بأجمل صوره ، حتّى يظهر بالشكل الّذي يليق باسمه.

نسأل الله تعالى التوفيق للاستمرار بتقديم الأفضل من الأعمال الثقافية الّتي من شأنها تعزيز الوحدة والتحابّ بين المسلمين ، وتمتين وشائج الأخوّة بين جميع المسلمين ، والامتثال لأوامر رسولنا الكريم وأهل بيته الطاهرين وأصحابه المنتجبين الذين ساروا على نهجه ، ومن تابعهم على ذلك ، إنّه ولي التوفيق.

مركز التحقيقات والدراسات العلمية

التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

٩
١٠

كلمة المحقّق

المؤلّف في سطور

هو محمّد بن محمّد بن عبد الله الأكراوي القلقشندي الشافعي ، المعروف بمحمّد حجازي الواعظ ، فقيه عالم بالتفسير والحديث ، ولد سنة ٩٧٥ ه‍ في أكرى ـ من منازل الحج على طريق الحجاز ـ وسكن قلقشندة (١).

قال عنه المحبّي في خلاصة الأثر : الإمام المحدّث المقرئ ، خاتمة العلماء ، كان من الأكابر الراسخين في العلم ، واشتهر بالمعارف الإلهية ، وبلغ في العلوم الحرفية النهاية القصوى ... له مشايخ كثيرون يبلغون ثلاثمائة شيخ ، وعنه أخذ عامة شيوخ المتأخّرين بمصر ، ألّف كتبا كثيرة نافعة ، منها : شرح الجامع الصغير للسيوطي ، وشرح ألفية الحديث ، وإتحاف السائل ، توفّي بمصر سنة ١٠٣٥ ه‍ ، ودفن عند والده في جامع الشيخ محمّد الفارقاني (٢).

__________________

(١) قلقشندة : قرية من قرى الوجه البحري من القاهرة ، تابعة لمديرية القليوبية ، وتعرف أيضا بقرقشندة ، بينها وبين القاهرة مقدار ثلاثة فراسخ. خرج منها علماء وفقهاء ومؤرّخون ، أشهرهم : الليث بن سعد إمام أهل مصر في الفقه والحديث ، من أصحاب مالك بن أنس. ومنهم : شهاب الدين القلقشندي المعروف بابن أبي غدة ، صاحب كتاب نهاية الإرب في معرفة أنساب العرب ، وهو أحسن ما ألّف في علم الأنساب ، ومنهم : أحمد بن علي القلقشندي مؤلّف كتاب صبح الأعشى في الأدب.

(٢) خلاصة الأثر ٤ : ١٧٤ ، وراجع معجم المؤلّفين ٩ : ١٧٧ ، وإيضاح المكنون ١ : ١٩.

١١

نسبة الكتاب للقلقشندي

إنّ كلّ من ترجم للأكراوي القلقشندي ذكر له كتاب الإتحاف من بين كتبه وتصانيفه ، ونسبه له من دون تردّد ، كالمحبّي في «خلاصة الأثر» (١) وعمر رضا كحالة في «معجم المؤلفين» (٢). والبغدادي في كتابيه : «إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون» (٣) و «هدية العارفين في أسماء المؤلّفين وآثار المصنّفين» (٤).

فالجميع نسبوا الكتاب للأكراوي القلقشندي على نحو الجزم واليقين.

لكن الأستاذ عبد اللطيف عاشور نسب الكتاب في طبعته الأولى إلى العلّامة محمّد بن عبد الرءوف المناوي المتوفّى سنة ١٠٣١ ه‍ والمعاصر للقلقشندي.

إلّا أنّا لم نجد أحدا نسب هذا الكتاب للمناوي ، ولم يذكره أحد في ضمن تصانيفه وكتبه المذكورة في ترجمته ، بل أنّ المحبّي في «خلاصة الأثر» (٥) ترجم للمناوي ترجمة وافية مفصّلة ، وذكر جميع مؤلّفاته وتصانيفه على كثرتها ، ولم يذكر من بينها هذا الكتاب ، بل نسبه للقلقشندي في ترجمته ، كما تقدّم.

وكذا فعل البغدادي في «هدية العارفين» فقد ترجم للمناوي وذكر تصانيفه مفصّلا ، ولم يذكر منها كتاب الإتحاف (٦).

وقد تنبّه العلّامة المحقّق السيد عبد العزيز الطباطبائي للخطأ الواقع في نسبة الكتاب للمناوي ، وقطع بنسبته للقلقشندي (٧) ، كما هو الصحيح.

ولم يحتمل أحد تعدّد الكتاب ، وأنّ كلّا من المناوي والحجازي ألّف بهذا العنوان ،

__________________

(١) خلاصة الأثر ٤ : ١٧٤.

(٢) معجم المؤلّفين ٩ : ١٧٧.

(٣) إيضاح المكنون : ١ : ١٩.

(٤) هدية العارفين ٢ : ٢٧٤.

(٥) خلاصة الأثر ٢ : ٤٢١.

(٦) هدية العارفين ١ : ٥١٠.

(٧) أهل البيت في المكتبة العربية : ١٨.

١٢

فلم نقف على شاهد في ذلك ، ويبعده تطابق النسخ تماما ، إلّا في مورد أو موردين ، ومن البعيد حصول ذلك اتّفاقا ، بل هو من المحال.

وأمّا احتمال اتّحاد المناوي مع الحجازي ، وهما اسمان مشتركان لرجل واحد ، فهذا هو الّذي احتمله الأستاذ عبد اللطيف عاشور ، ودعاه لنسبة الكتاب للمناوي ؛ لشهرة هذا اللقب دون غيره ، وهما لرجل واحد. لكن هذا باطل جزما ، فكلّ كتب التراجم تترجم لرجلين ، الأول باسم : عبد الرءوف المناوي ، والآخر : عبد الله الأكراوي ، وبينهما فوارق كثيرة ، واختلاف في سنة الولادة والوفاة ، ومحلّ الدفن ، وأسماء المصنّفات ، ولكلّ منهما خصوصيات أخرى ، ومن راجع تراجم الرجلين يقطع ببطلان اتّحادهما.

فالصحيح أنّ كتاب «إتحاف السائل» هو للعلّامة محمّد حجازي الأكراوي القلقشندي الشافعي ، كما ذكر المحبّي والبغدادي وغيرهم.

منهج التحقيق

(الف) : اعتمدنا في تحقيقنا لهذه الطبعة على ثلاث نسخ.

١ ـ نسخة مطبوعة حقّقها الأستاذ عبد اللطيف عاشور ـ وهي الّتي نسبها لعبد الرءوف المناوي ـ وهي مطابقة للنسخة المصوّرة بدار الكتب المصرية برقم ٢٠٩ ، فيلم ٢٧٣٩٥ ، ورمزنا لها بحرف (م) ـ مصر.

٢ ـ نسخة مصحّحة صحّح متنها على مصوّرة دار الكتب المصرية ومصوّرة المكتبة الأحمدية بجامع الزيتونة بتونس ، رقم الفهرس ١ : ٤٥٥ من مجموعة رقمها ٥٦٨٨ ، ورمزنا لها بحرف (ز) ـ زيتونة.

٣ ـ نسخة على مصوّرة دار الكتب المصرية ، وهي الّتي جعلناها متنا وأصلا في

١٣

هذه الطبعة ، وهي مطابقة تماما لنسخة الأستاذ عاشور إلّا في موارد نادرة ، ورمزنا لها بحرف (ص) ـ أصل.

(ب) : قابلنا النصّ على النسخ الثلاث المتقدّمة ، ونبّهنا في الهامش لموارد الاختلاف بين النسخ.

(ج) : خرّجنا الأحاديث والأقوال من أصولها ومصادرها ، وعلّقنا على بعض الموارد الّتي نراها بحاجة لذلك.

والحمد لله ربّ العالمين ، ونسأله أن يجعله خالصا لوجهه الكريم ، آمين آمين.

١٤

مقدّمة المؤلّف

بسم الله الرحمن الرحيم ، وبه نستعين

الحمد لله الّذي انقاد كلّ شيء لأمره خاضعا ذليلا ، ولم يجعل لخلقه إلى معرفته سبيلا ، بل ما خطر في الضمائر ، وحاك في الخواطر ، ما تراه عليه ممتنعا مستحيلا ، كل ما في عالم الإمكان ناطق بتمجيده : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) (١) كما قال تقدّس (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً) (٢).

وأشهد أن لا إله إلّا الله ، شهادة يكسب قائلها عنده تبجيلا ، ويكون نورها لظلام الريب مزيلا ، وأنّ محمّدا عبده ورسوله ، الممنوح على جميع العالم تفضيلا ، المجموع له من المناقب ما لا يستطيع المصقع (٣) له تفصيلا صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعلى آله وصحبه الذين أحكموا الشريعة تفريعا وتأصيلا ، صلاة وسلاما دائمين بكرة وأصيلا.

وبعد ، فقد سألني بعض المتّقين من الأولياء أهل التمكين أن أجمع له ما تيسّر من

__________________

(١) الإسراء : ٤٤.

(٢) النساء : ١٢٢.

(٣) المصقع : البليغ ، يقال : خطيب مصقع ، أي خطيب ماهر (تاج العروس ٢ : ٦٢ و ٥ : ٤١٥).

١٥

مناقب فاطمة الزهراء رضي‌الله‌عنها ، فأجبته إلى ذلك ، معتمدا على فيض الربّ المالك ، وسمّيتها «إتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب والفضائل». جعله الله خالصا لوجهه الكريم ، موجبا للفوز بجنّات النعيم.

وينحصر المقصود في أبواب :

١٦

الباب الأوّل

في ولادتها ، وتسميتها ، ومحبّته صلى‌الله‌عليه‌وآله لها

ومتعلّقات ذلك

١٧
١٨

في ولادتها وتسميتها

في ولادتها

ذكر أبو عمر (١) : أنّها ولدت سنة إحدى وأربعين من المولد (٢) ، وتعقّب بما ذكره ابن إسحاق وغيره : أنّ أولاد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ولدوا قبل النبوّة إلّا إبراهيم (٣).

__________________

(١) هو ابن عبد البرّ ؛ يوسف بن عبد الله القرطبي المالكي ، من كبار حفّاظ الحديث ، صاحب الاستيعاب والتمهيد والاستذكار ، توفّي في مدينة شاطبة بالاندلس سنة ٤٦٣ ه

(٢) الاستيعاب ٤ : ٤٤٨ ، وراجع : ذخائر العقبى : ٦٤ ، مستدرك الحاكم ٣ : ١٨٧.

(٣) سيرة ابن إسحاق : ٨٢ ، وفيه : «فولدت له قبل أن ينزل عليه الوحي ولده كلّهم».

غير أنّ أغلب العلماء قد ذهب إلى أنّ فاطمة عليها‌السلام ولدت في الإسلام وبعد المبعث ، وأنّ خديجة ولدت أكثر أولاده بعد المبعث ، وأنّ أصغرهم فاطمة.

ففي الاستيعاب ٤ : ٣٨٠ : «قال الزبير : ولد لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله القاسم وهو أكبر ولده ، ثمّ زينب ، ثمّ عبد الله وكان يقال له : الطيّب ، ويقال له : الطاهر ، ولد بعد النبوّة ، ثمّ فاطمة ، ثمّ رقية ، هكذا الأول فالأول». ومثله عن ابن إسحاق نقله في الاستيعاب ٤ : ٣٨٠ قال : «قال مصعب الزبيري : ولد لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله القاسم ، وبه كان يكنّى ، وعبد الله وهو الطيّب والطاهر ؛ لأنّه ولد بعد الوحي ، وزينب ، وأم كلثوم ، ورقية ، وفاطمة».

وفي تاريخ اليعقوبي ٢ : ٢٠ قال : «وولدت ـ خديجة ـ له قبل أن يبعث : القاسم ورقية وزينب وأم كلثوم ، وبعد ما بعث : عبد الله وهو الطيّب والطاهر ؛ لأنّه ولد في الإسلام ، وفاطمة».

هذا وقال الحافظ ابن حجر : «ولدت فاطمة في الإسلام» (فتح الباري ٧ : ٤٧٦). وفي مستدرك الحاكم ٣ : ١٨٧ قال : «ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله». وبمثله في ذخائر العقبى لمحبّ الدين الطبري

١٩

وقال ابن إسحاق : ولدت وقريش تبني الكعبة ، قال : وبنتها قبل المبعث لسبع سنين ونصف (١).

وقيل : ولدت تمام المبعث. وقيل غير ذلك (٢).

كذا نقله الجلال السيوطي عن ابن إسحاق وأقرّه ، وفيه بالنسبة لقوله : «قبل المبعث بسبع سنين ونصف» ما فيه ، بل لا يكاد يصحّ ؛ لأنّ بناء قريش للكعبة ،

__________________

الشافعي ١ : ٢٦.

هذا مع اتّفاقهم على أنّ فاطمة أصغر ولد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. قال ابن كثير في السيرة النبوية ٤ : ٦٠٧ : «ولدت ـ خديجة ـ فاطمة وكانت أصغرهم».

وقال الحافظ المزي : «والّذي تسكن إليه النفس من ذلك ، على ما توارثت به الأخبار في ترتيب بنات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أنّ الأولى زينب ، ثمّ الثانية رقية ، ثمّ الثالثة أمّ كلثوم ، ثمّ الرابعة فاطمة» (تهذيب الكمال ٣٥ : ٢٨٤).

وقال عبد الرزاق عن ابن جريج : «قال غير واحد : كانت فاطمة أصغر بنات النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأحبّهنّ إليه وقال أبو عمر :

اختلفوا أيّتهنّ أصغر ، والّذي يسكن إليه اليقين : أنّ أكبرهنّ زينب ، ثمّ رقية ، ثمّ أم كلثوم ، ثمّ فاطمة». (الإصابة ٤ : ٣٧٧).

وقال الزبير بن بكّار : «الطاهر ولد بعد النبوّة ومات صغيرا ، ثمّ أم كلثوم ، ثمّ فاطمة». (المعجم الكبير ٢٢ : ٣٩٧ برقم ٩٨٧). فإذا كانت فاطمة أصغر أولاده صلى‌الله‌عليه‌وآله أو أصغر بناته ، وقد صرّح الزبيري وغيره كما تقدّم أنّ الطاهر وأم كلثوم قد ولدا في الإسلام ، وفاطمة أصغر منهما سنّا ، بل هي أصغر أولاده صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فذلك يقتضي أنّها ولدت في الإسلام ، وهذا ما يقتضيه التدقيق في عبارات العلماء والجمع بينها.

(١) لم نعثر عليه في سيرة ابن إسحاق ، لكن نقله عنه المزي في تهذيب الكمال ٣٥ : ٢٥١ ، والهيثمي في مجمع الزوائد ٩ : ٣٣٩ برقم ١٥٢٢٢ ، والطبراني في المعجم ٢٢ : ٣٩٩ برقم ٩٩٨.

(٢) ذهبت الإمامية إلى أنّها ولدت بعد الاسلام ، وبالتحديد في السنة الخامسة للبعثة ؛ لما روي في الخبر الصحيح عن الباقر عليه‌السلام ، قال حبيب السجستاني : سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول : «ولدت فاطمة بنت محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد مبعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بخمس سنين ، وتوفّيت ولها ثماني عشرة سنة وخمسة وسبعون يوما». راجع الكافي ١ : ٤٥٧ حديث ١٠ ، وقال الشيخ الكليني قدس‌سره بعد رواية الخبر : ولدت فاطمة عليها وعلى بعلها السلام بعد مبعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بخمس سنين.

وكذا قال ابن شهرآشوب في المناقب ٤ : ١٣٢ ، والطبرسي في تاج المواليد : ٢١ ، والأربلي في كشف الغمة ٢ : ٧٦ ، والمجلسي في البحار ٤٣ : ٧ ، وابن جرير الطبري في دلائل الإمامة : ٧٩ ، وابن الخشّاب في تاريخ مواليد الائمة : ٩.

٢٠