🚘

رحلتان إلى الحجاز ونجد

محمد بهجة البيطار ومحمد سعود العوري

رحلتان إلى الحجاز ونجد

المؤلف:

محمد بهجة البيطار ومحمد سعود العوري


المحقق: تيسير خلف
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: التكوين للتأليف والترجمة والنشر
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

تقديم

لسنا في حاجة إلى تبيان خصائص أدب الرحلات ، لأن ما كتب عن هذا الصنف من الأدب كثير كثير ، ولكننا نود أن نشير إلى أن الرحلات إلى أرض الحجاز جد كثيرة ، والباعث عليها أداء فريضة الحج. ولكن القليل من هذه الرحلات تم لأسباب أخرى ، مثل الرحلة التي قام بها علّامة الشام الكبير محمد بهجة البيطار عام ١٩٢٠ م ، والذي زار الحجاز ومشارف نجد بمهمة وطنية سياسية لمقابلة العاهل السعودي الأمير عبد العزيز آل سعود [آنذاك] وتبليغه رسالتين : الأولى من المصلح الإسلامي الكبير محمد رشيد رضا ، والثانية من الأمير فيصل بن الحسين حاكم الشام آنذاك ، حول توحيد كلمة العرب والمسلمين لمواجهة المخاطر الخارجية. وقد صادفت الشيخ البيطار مشاق جمة وصفها في رحلته ، وهي صعوبات تتعلق بانفلات الأمن على طريق الحاج ، وتحكم روح الغزو ومنطق السلب والنهب بالكثير من الأعراب.

وهذا الوصف الذي قدمه الشيخ محمد بهجة البيطار كان آخر العهد بهذه الفوضى التي نشبت في جزيرة العرب منذ مطالع العهد العثماني ، عند ما نزعت السلطنة في الأستانة من أيدي زعامات العرب التقليدية جميع الامتيازات التي منحتها دولة المماليك لهم ، إذ كانوا في دولة المماليك أصحاب سلطة فعلية وألقاب شريفة ومخصصات معتبرة ، ولذلك كان الأمن

٥

مبسوطا في ربوع الجزيرة بما فيها بادية الشام ، وكان طريق الحاج آمنا من تعديات المتعدين ، ولكن السلطنة العثمانية بنزعتها المركزية ، وبعدم تقديرها لطبيعة أهل البادية وخصوصيتهم ، ومحاولاتها المستمرة لتحطيم البنى التقليدية للزعامات التاريخية ، التي تحتل في نفوس أهل البادية معان كبيرة ، ساهمت من حيث تدري أو لا تدري بخلق حالة الفوضى التي استمرت عدة قرون ، ولم يقيض لها أن تنتهي إلا في الثلث الأول من القرن العشرين ، في عهد الملك عبد العزيز آل سعود ، عند ما بسطت الدولة السعودية نفوذها على نجد والحجاز.

ولذلك شكلت هذه التجربة مصدر سعادة للكثير من العرب ، وخصوصا في بلاد الشام ، الذين كانوا في ذلك الزمن أي في عشرينيات القرن العشرين ، يتطلعون إلى بناء كيان عربي مستقل يشمل فيما يشمله الجزيرة العربية والهلال الخصيب ، حيث كانت أنظار الزعامات الوطنية والدينية ترنو إلى جزيرة العرب ، منتظرة أن يكون زعيم العرب أجمعين من هذه البلاد الشريفة ، ولم يكن مستغربا أن ينظر الكثيرون إلى الملك عبد العزيز آل سعود كمعقد أمل ورجاء في زمن تكالبت فيه المطامع الغربية على المنطقة العربية ، وهذا ما نلمسه بشكل واضح وجلي في الرحلة الثانية التي يضمها هذا الكتاب ، وهي رحلة الشيخ محمد سعود العوري قاضي القدس الشريف ، الذي حج إلى الأراضي المقدسة في الحجاز عام

٦

١٩٢٩ م مكرسا جانبا مهما من حديثه عن مزايا وخصال الملك عبد العزيز ، الذي كان يمثل بالنسبة أشبه بمخلّص للعرب من واقعهم المظلم ، مشددا في كل حديث له على ضرورة توحيد كلمة العرب ، وإيجاد مرجعية عليا لهم ، تشبه الاتحاد ، خصوصا أنه من أبناء فلسطين الذين كانوا يرون الصهاينة يقضمون الأرض شيئا فشيئا تحت نظر الانتداب البريطاني ، الذي كان يوفر الحماية لهم.

وتعلق أهل الشام بزعامات الجزيرة العربية في ذلك الزمن لم يكن محصورا بأشخاص معينين ، بل كان يشكل مصدر إجماع بين جميع أطياف العمل السياسي ، ولكن الخلاف كان على الأسماء ، فهناك أحزاب كانت تؤيد أشراف مكة ، وأحزاب أخرى كانت تؤيد السعوديين ، ففي سورية كان الخلاف بين الزعماء الوطنيين في العشرينيات والثلاثينيات أيام الانتداب الفرنسي ، على اسم زعيم سوريا المستقبلي ؛ هل هو أحد أشراف مكة أم أحد أبناء الملك عبد العزيز آل سعود ، إذ كان الزعيم شكري القوتلي من أبرز المنادين بتسلم الملك فيصل بن عبد العزيز الحكم في سوريا بعد أن تصبح مملكة دستورية ، في حين كان الحزب المنافس له يدعو للها شميين؟.

ولذلك فالرحلتان اللتان يضمهما هذا الكتاب ، يضافان إلى جملة الوثائق التاريخية التي تخص تلك المرحلة الحساسة والمفصلية من تاريخ العرب الحديث ، ويصوران بشكل أو بآخر

٧

حقيقة المشاعر والتطلعات التي كانت تشغل أبناء الشام في تلك الحقبة الخطيرة.

صدرت الرحلة الأولى في دمشق عام ١٩٦٧ م أي بعد كتابتها بنحو ٤٧ سنة ، وقد ذكر الشيخ البيطار أنه تركها كما هي لم يغير في صياغتها شيئا «لتبقى لها صورتها الأولى ولتحمل جوها الأصيل» ، في حين صدرت الرحلة الثانية في القاهرة عام ١٩٣٠ م في المطبعة السلفية بعد أن نشرت على حلقات في جريدة «الصراط المستقيم» ، كما أشار إلى ذلك الشيخ العوري في معرض حديثه.

ورغم التفاوت بين الرحلتين من حيث الأسلوب وسعة الأفق ، إلا أن ما يجمعها أنهما يخصان عالمين من بلاد الشام ، كانت لديهما رؤية متقاربة لواقع ومستقبل العرب والمسلمين في ذلك الوقت ، على الرغم من أن عقدا من الزمن يفصل بين الرحلتين. وهو عقد شهد تحقق المشاريع الاستعمارية الغربية في بلاد الشام على أرض الواقع ، وتقسيم هذا الإقليم العربي إلى سبع دول مختلفة ، قبل أن تتحد أربع منها في الدولة السورية.

ولم نتدخل في صياغات الرحلتين ، وما فعلناه فقط هو تخريج الآيات القرآنية الواردة في النصين ، كما عرّفنا ببعض الأسماء الواردة قدر المستطاع.

تيسير خلف

دمشق ١٠ شباط ٢٠٠٩ م.

٨

الرحلة النجدية الحجازية

صور من حياة البادية

١٣٣٨ ه‍ ـ ١٩٢٠ م

بقلم

محمد بهجة البيطار الدمشقي

٩
١٠

الفهرس

مقدمة........................................................................ ١٣

طريق السفر................................................................... ١٥

واقعتنا مع الأعراب من بني عطية.................................................. ٢٢

الساعة الثانية الرهيبة............................................................ ٣٠

الساعة الثالثة المشؤومة.......................................................... ٣٤

عود إلى وصف الطعام والمنام والركوب............................................. ٤٢

نبذة من أخبار المتدينة........................................................... ٤٥

قرية الحائط.................................................................... ٤٧

حال البلد الطيب العلمية........................................................ ٥٤

المدارس الأميرية................................................................. ٥٤

العلماء الغرباء في طيبة الغراء..................................................... ٥٦

رجوعي من المدينة المنورة إلى دمشق............................................... ٥٧

الرسالة الأولى.................................................................. ٥٨

الرسالة الثانية.................................................................. ٦٢

الرسالة الثالثة.................................................................. ٦٤

ترجمة محمد بهجة البيطار الدمشقي................................................ ٦٩

١١
١٢

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حق حمده ، سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه ، نحمده ونشكره ، ونتوب إليه ونستغفره ، ونصلي ونسلم على من أرسل رحمة للعالمين سيدنا محمد ، وعلى سائر إخوانه الأنبياء والمرسلين ، ومن تبعهم بإحسان.

وبعد ، فلما انقضى عهد الحكومة التركية في ديار الشام ، وحلّت محلها الحكومة العربية الأولى التي ترأسها الأمير فيصل بن الحسين ، قبل أن يصير ملكا ، دعا إليه الإمام السيد محمد رشيد رضا من مصر ليكون عونا له في الشؤون العربية والإسلامية ، فكان منهما أن اعتزما إرسال كتابين باسمهما مع رسولين أمينين يبلغان رسالتيهما كتابة ومشافهة إلى الأمير عبد العزيز آل سعود في نجد ، قبل أن يكون ملكا أيضا ، وهما يدعوان إلى نصر الإسلام ، وعقد اتفاق عام بين جميع أمراء الجزيرة العربية وأئمتها الكرام دفعا للعدوان الأجنبي. وتم اختيارهما لهذا الضعيف ليبلغ الرسالة الدينية التي كتبها السيد محمد رشيد رضا صاحب «المنار» ، وللأخ شلاش النجدي الذي كان مؤتمن الأمير فيصل لإيصال الرسالة السياسية ، فسافرنا بمشيئة الله متوكلين عليه ، مسلّمين أمرنا إليه ، ولقينا من المخاطر والأهوال ما تشيب له النواصي ، وكنا نحتسب ذلك عند الله ، ونرجو أن يكون ذلك جهادا في سبيله ، وابتغاء رضوانه ومثوبته ، ويجد القارئ وصفا لذلك كله في

١٣

مذكراتي هذه المفصلة عن هذه الرحلة التي امتدت خمسين يوما.

وقد أشار عليّ بعض الإخوان بنشر هذه الرحلة لطرافتها ولتصويرها الواقعي الأمين لفترة مضطربة رهيبة من حياة الجزيرة العربية ، كانت تتخطف فيها لأرواح وتسلب الأموال وتنتهك الحرمات ، ولتذكير المسلمين بالخط الحديدي الحجازي الذي يربط بين الأقطار ويقرب الأمصار ، عسى أن يكونوا أكثر جدا في تجديده ، وأوفر حرصا على إعادته لفوائده الروحية والاقتصادية والاجتماعية. وقد آثرت أن تطبع الرحلة كما كتبت أول مرة ، ولم أعمل فيها يد التنقيح أو التهذيب لتبقى لها صورتها الأولى ولتحمل جوها الأصيل.

وفي آخر الرحلة ثلاثة كتب مهمة في موضوعها. ورأيت أخيرا أن أكتب ترجمة موجزة لحياتي وألحقها بها. والحمد لله رب العالمين.

محمد بهجة البيطار

١٤

يوم السبت في ٨ جمادى الثانية عام ١٣٣٨ ه‍ «١٩٢٠ م»

باسمه تعالى وبحمده

سرنا على بركة الله ويمنه ، وسار بنا القطار الحجازي الخاص من «محطة القنوات» في دمشق الشام ، الساعة الثالثة وعشر دقائق صباحا ، ومررنا بالمحطات (١) التالية :

«الكسوة» في الساعة الرابعة والدقيقة العشرين.

«دير علي» الساعة الخامسة. ثم «المسمية» في الساعة الخامسة والنصف ، وقد شاهدنا بها آلة ميكانيكية لاستخراج الماء. وفيها ماء عذب خفيف.

«جباب» الساعة السادسة ، ولم نقف عندها ، أما في المحطات الأولى فقد وقفنا في كل منها بضع دقائق.

«خبب» في الساعة السادسة والربع ، ثم «المحجة» بعد ربع ساعة ، ثم «إزرع» في تمام الساعة السابعة ، ثم «خربة الغزالة» في السابعة والدقيقة الخامسة والعشرين ، وهي أول قرية اجتمعنا فيها بإخواننا الميدانيين (٢) ، ثم وصلنا إلى «درعا» الساعة الثامنة ، وهي أرقى من كل ما سبقها من المحطات ، وأبنية الحكومة فيها فخمة ، وقد تجولنا فيها قليلا ، ولم

__________________

(١) بالتوقيت الغروبي لا الزوالي.

(٢) نسبة لحي الميدان الدمشقي.

١٥

تتيسر لنا زيارتها كلها ، ولا زيارة إخواننا الميدانيين فيها ، وفيها نزل لطيف ، وقد أنسنا فيها بلقاء أبناء عمنا الأفندية حمدي وبشير وفهمي ، وجلسنا عندهم نحو نصف ساعة ، وابتعنا من مخزنهم وغيره بمقدار مائتين وخمسين قرشا ، وابن عمنا حسني أفندي هو محاسب حوران الآن سلمهم الله ، وفي درعا فرع للخط من جهة الغرب إلى حيفا.

وتابعنا سيرنا فبلغنا «المفرق» في الساعة الحادية عشرة والدقيقة الخامسة عشرة ، وقد شاهدنا بأم العين آثار المعارك الدموية الهائلة التي جرت في تلك البقعة بين العرب والترك ، من عظام بالية ، وقطارات معطلة ، وتحصينات مخربة ، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

وبلغنا «خربة السمرا» الساعة الثانية عشرة مساء ، ثم «الزرقاء» في الساعة الواحدة ليلا ، وهي قرية يسكنها الجركس ، والذي اشتهرت به هو عينها الشهيرة بعين «الزرقاء» ، وهي نهر في الجنوب الغربي ويمتد من البلقاء إلى بحيرة لوط (١). ثم «عمّان» الساعة الثانية ليلا ، وفيها آلة ميكانيكية لاستخراج الماء ، وقد تناولنا في المحطة طعام العشاء ، وشربنا الشاي والقهوة ، ودار بيننا حديث في أخلاق الحجازيين ، والشاميين والنجديين ، واتفقنا على أنه لا معصوم إلا من عصم الله ، ثم بتنا ليلتنا في قطارنا ، وقد جالت في

__________________

(٣) أي البحر الميت.

١٦

صدري هذه الآبيات التي وجهت بها إلى صديقنا الأستاذ عبد الحكيم الطرابلسي مدير مدرسة التوفيق وهي :

«فاتحة القول»

ديونك يا عبد الحكيم فأنصف

وبادر إلى توفير مال بها يفي

وإن شئت أن تحيا عزيزا مكرّما

فكن رجلا في كل حال وموقف

«دمعة حب ، ولوعة شوق»

أتذكر إذ ودعتكم ظهر «جمعة»

وحبّيك يا هذا لقد كان متلفي

ونيران شوقي بعد بعدي وغربتي

أثارت لهيبا في الحشا ليس ينطفي

«الدواء الناجع»

لئن كنت يا خلي ، و «بهجة» مهجتي

مشوقا كشوقي مع مزيد تلهف

فعندك من أصحابنا من يذيبه

ولو شوق يعقوب إلى شخص يوسف

«خاتمة القول»

سلام على أهلي وصحبي ومعهد

على بعدهم عني يزيد تأسفي

سأذكرهم ذكرا حثيثا يهزني

سريعا إلى ذاك المكان المشرّف

يوم الأحد في ٩ جمادى الثانية عام ١٣٣٨ هـ

صلينا فريضة الفجر مع الإخوان في القطار ، ثم تجولنا في المحطة ورأينا فيها منشآت الحكومة ، وهي أرقى من كل ما سبقها ما عدا درعا ، ودور موظفي الحكومة مبنية كلها بالقرميد والحجر ، فوق سفح الجبل ، بناء هندسيا ، وفيها نزل لطيف مشتمل على غرفتين للمنام ، وحجرتين للطعام. وفيها

١٧

قطار معطل مع شاحناته ، اشترينا منها بمائة قرش طعاما ، وبارحناها في الرابعة والدقيقة العشرين صباحا.

جرى القطار بنا بعد عمان بقليل في نفق ببطن الجبل نحو دقيقتين ، ومررنا على جسر القصر ، ثم بلغنا «القصر» الساعة الخامسة والنصف ، ثم «لبّن» الساعة السادسة والربع ، ثم «الجيزة» الساعة السادسة والنصف وفيها آلة ميكانيكية لجر الماء. ثم «ضبعة» في الساعة الثامنة والدقيقة العشرين ، وقد لقينا فيها شيخا من عرب بني صخر واسمه الشيخ السطل ، وقدم لنا جرعة من اللبن ، ولم يقبل الثمن ، ودعانا لتناول الطعام عنده فشكرنا له ، وهو محافظ الخط هناك ، وأعراب بني صخر منتشرون من حدود عمّان ، إلى القطرانة ، وقد رأينا بعضهم في الطريق.

ثم «خان الزبيب» الساعة التاسعة. ومن عجيب ما رأينا في هذا المكان في بركة ماء توضأنا منها حيات ماء بحجم سلك الكهرباء ، قد انتظمت في بطنها حبات سوداء ، بمقدار العدسة. وتبلغ الحية طولا أكثر من عشرة أذرع ، ممتدة في الماء بشكل خطوط مستقيمة ، ومنكسرة ، ومنحنية ، فسبحان الخلاق العظيم.

ثم «سواقة» الساعة العاشرة وعشر دقائق ، ثم محطة القطرانة الساعة الحادية عشرة وخمس دقائق ، وفيها آلة ميكانيكية لإخراج الماء وحمله إلى الخزانات. وقد لقينا فيها الأستاذ فارس الذي كان معلم الإنكليزية في «المدرسة

١٨

الكاملية» ، وهو موظف في إدارة الحكومة ، وسألني عن كتب نافعة له في الدروس العربية والأدبية ، فذكرت له ما حضرني ، وعرّفني بحضرة المهندس المقيم هناك خليل بك المقدسي فحصلت بيننا المعرفة والأنس ، وكتبت هناك مكتوبين أحدهما لآلي ، والثاني لأخينا الطرابلسي وسلمتهما لدائرة البريد ، وبتنا في القطرانة ، وحملوا منها الأخشاب والحديد والرمل ، والبنزين لإصلاح السكة الحديدية في عدة مواضع.

يوم الاثنين في ١٠ جمادى الثانية عام ١٣٣٨ هـ

تحرك بنا القطار الساعة الثالثة صباحا ، فبلغنا «منزلة» الساعة الرابعة ، ثم «فريفرة» الساعة الخامسة ، ثم «الحسا» الخربة الساعة السادسة ، ثم «جروف» الخربة الساعة الثامنة ، ثم «عنزة» الخربة الساعة التاسعة ، ثم «وادي الجردون» الساعة العاشرة وخمس دقائق ، ثم «معان» المغرب ، وكان القطار يقف بنا في الطريق وقوفا طويلا ، لإصلاح ما تعطل من السكة الحديدية ، وقيده من قبل المهندس خليل بك الذي ركب معنا هو ومعنا هو ومعاونه رمزي أفندي التركي من أجله ، واستقبلنا في معان الشيخ إسماعيل بك القزاز ، قائد الحملة هناك ، وهو رجل مكي الزي والأصل ، يحسن اللغة التركية ، ثم دعانا فتناولنا طعام المساء عنده ، وبتنا ليلة الثلاثاء في القطار ، بمحطة معان.

١٩

يوم الثلاثاء في ١١ جمادى الثانية عام ١٣٣٨ ه

تجولنا صباح الثلاثاء في قرية «معان» التي هي في غرب الخط على مسافة نصف ساعة منه ، وهي منقسمة إلى قسمين «جنوبي» يسمى «معان المصرية» وشمالي يسمى «معان الشامية» وبينهما مقدار ربع ساعة ، وفي كل منهما مكتب بسيط وغالب بائعيها من أهل مكة المكرمة ، وقد تناولنا الشاي في دار شاب نجيب من أهل «المدينة المنورة» واشتريت منها طعاما بأربع ليرات عثمانية ذهبا.

وقد قضينا يوم الثلاثاء في «معان» منتظرين جنود القزاز ، التي جهزها بما يلزم لتصحبنا إلى «مدائن صالح» ثم إلى «المدينة المنورة» وتناولنا الطعام مساء عند القزاز أيضا ، فحياه الله ، ثم بتنا ليلة الأربعاء في قطارنا بمعان أيضا.

يوم الأربعاء في ١٢ جمادى الثاني عام ١٣٣٨ ه

جرى بنا القطار الساعة الثالثة من صباح الأربعاء ، صحبة رفقائنا من دمشق ، وهم الشيخ شلاش العقيلي النجدي من قرية «بريدة» وقريبه الشاب عبد الله النجدي من قرية «الرّس» ، وهما رفيقا نجد ، والشيخ محمد أمين الرّبو التاجر المدني ، وسليمان بن زيد وأصله نجدي من «قرية حائل» وهما يؤمان البلد الطيب ، وقد صحبنا جنود القزاز ، وهم ثمانية نفر ، ومعهم زاد السفر ، وقد تدججوا بالسلاح ،

٢٠