🚘

موسوعة قرى ومدن لبنان - ج ٦

طوني مفرّج

موسوعة قرى ومدن لبنان - ج ٦

المؤلف:

طوني مفرّج


الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار نوبليس
الطبعة: ٠
الصفحات: ٣٢٧
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

الإصطلاحات أو الرموز المستعملة

في توضيح لفظ أسماء القرى والمدن

٥
٦

بيروت

BEIRUT

BEYROUTH

الموقع والخصائص

عاصمة الجمهوريّة اللبنانيّة وقاعدة محافظة بيروت ، موقعها على الشاطئ الشرقيّ للبحر الأبيض المتوسّط على أنقاض بيروت الفينيقيّة والرومانيّة ، يحدّها من الغرب البحر ، من الشمال البحر ومجرى نهر بيروت الفاصل بينها وبين ساحل قضاء المتن ، ومن الشرق تتّصل بتخوم قضاء بعبدا ، ومن الجنوب بساحل قضاء عاليه.

موقعها الجغرافيّ في الدرجة الثالثة والثلاثين والدقيقة الرابعة والخمسين ، والثانية السابعة والعشرين ، من العرض الشماليّ ، وفي الدرجة الثالثة والثلاثين والدقيقة الثامنة والثانية الخمسين من الطول الشرقيّ. وهي تقوم فوق هضبة بشكل رأس يمتدّ في البحر مسافة تسعة كيلومترات ، وهي تعلو عن سطح البحر جنوبا بغرب ، ثمّ تنخفض شمالا بشرق. وإنّ مجرّد النظر إلى موقع بيروت في خريطة العالم يظهر أهميّة موقعها المميّز ، وسبب تسميتها" باب الشرق" على البحر المتوسّط. وهي تتوسّط إقليما معتدلا يعتبر من أجود المناخات الساحليّة.

٧

على أنّ موقع بيروت لم يكن دائما في مكان واحد ، فإنّ عوامل الطبيعة والظروف الديمو غرافيّة والعسكريّة كانت أحيانا تنقل بيروت من موقع إلى آخر. فهناك بيروت العتيقة التي كان موقعها حيث تقوم بلدة بيت مري اليوم. ولا يزال بين الأيدي سندات تمليك عقاريّة تحمل اسم بيروت العتيقة يرجع تاريخها إلى القرن التاسع عشر عند ما كانت البلاد جزءا من السلطنة العثمانيّة. وبيروت العتيقة هذه ما تزال تحتفظ بالمعبد الوثنيّ بعل مرقود في موقع دير القلعة الذي كان بيتا لإله بيروت أيّام الفنيقيّين. وهذا المعبد كان يسمّى آنذاك" بعل بيريت" وهو اليوم أنقاض.

وهناك بيروت القديمة التي كان موقعها مكان محلّة رأس بيروت الحاليّة. وكانت هذه المدينة منفصلة تماما عن بيروت داخل السور التي صنّفت اليوم باسم" وسط المدينة" أو" المنطقة الخضراء".

وهناك بيروت التي كانت تقوم في محلّة خلدة التي انتقل إليها سكّان بيروت وبنوا فيها مساكنهم على أثر الزلازل التي خرّبت مدينتهم الأصليّة في أواسط القرن السادس للميلاد ، وكذلك على أثر تدميرها من قبل تريفون السلوقي سنة ١٤٠ ق. م.

وهناك أيضا" بيروت القديمة" التي كانت مساكن البيروتيّين فيها قبل شقّ شوارعها إبّان الحرب العالميّة الأولى ١٩١٤ ـ ١٩١٨ ، وانتقالهم إلى خارج السور حيث الضواحي التي أصبحت جزءا متكاملا مع بيروت القديمة.

كما أنّ النموّ السكّانيّ لمدينة بيروت مع توالي السنين جعل المدينة تتجاوز حدودها التقليديّة من سنة إلى أخرى ، بحيث تضمّ إليها ضواحيها السابقة. ويمكن القول بأنّ بيروت الحاليّة باتت تشغل جميع المساحات التي كانت معروفة بالضواحي ، وهي التي عرفت في القرن التاسع عشر بأسماء

٨

مستقلّة إلى جانب اسم بيروت نفسها. وفي المدّة الأخيرة أدخلت الإدارات الحكوميّة البلدات الصغيرة المحاذية للمدينة من جميع جهاتها في تنظيم إداريّ جديد أطلق عليه اسم" بيروت الكبرى". أمّا بيروت موضوع بحثنا هنا فهي بيروت المحافظة الحاليّة من دون ضواحيها.

إسم بيروت

أقدم أثر ظهر فيه اسم بيروت هو كتابة هيروغليفيّة منقوشة على لوح من الأجرّ المشوي ، يحتفظ به المتحف البريطانيّ ، ذكرت فيه باسم" بيروتا" ، هذه الكتابة يرقى عهدها إلى الأسرة الثامنة عشرة من الأسر الفرعونيّة التي حكمت مصر في العهود القديمة. وقد تعدّدت الآراء والنظريّات حول أصل اسم بيروت ، فقد ذكر فريحة أنّه ورد ذكرها في رسائل تلّ العمارنة ـ BE ـ R TA ، وفي النقوش المصريّةBI *** ـ UR ـ TA ، وقد ورد في التوراة اسم BE ***EROTH وهي البيرة قرب رام الله. وفي حزقيّال BEROTHA قرب حماة ، وانتهى فريحة إلى ترجيح أن يكون أصل الإسم BRUOTA من الساميّة القديمة ومعناه" صنوبرة" ، كما احتمل أن يكون BE ***ROTH وهي كلمة آراميّة تعني" آبار" ، جمع بئر. أمّا حبيقة وأرملة فقد فضّلا إسم" صنوبرة". ولا تتوقّف الاجتهادات عند هذا الحدّ ، بل يقول بعض الباحثين بأنّ بيروت هو إسم إلهة جبيل ، وأنّ فيلون الجبيلي قد ذكرها في الفقرات الباقية من تاريخ سنكنيتن ، وهو يجمع بين إسمها واسم عشتروت معتبرا أنّهما إسمان لمسمّى واحد ، وقد أخذ العديد من الباحثين المحدثين بهذا الرأي ، فقد ذكر الأب مرتين اليسوعيّ أنّ الأساطير تقول إنّ اثنين من أعيان مملكة جبيل ، شاب وفتاة ، لمّا تزوّجا ، انتقلا من بلدتهما جبيل وسكنا في المكان الذي عرف في ما بعد باسم" بيروت" وهو اسم الزوجة ؛ ويقول آخرون بأنّ اسم بيروت قد اشتقّ من" بئروت" وهو

٩

بالعبرانية جمع" بئر" وذلك إمّا لما حفر بها أوّل سكانها من الآبار الباقية آثارها إلى يومنا ، وإمّا لعذوبة مياه هذه الآبار كما ذكر إسطفان البيزنطي من كتّاب القرن الخامس للميلاد ، وذكر كتّاب القرن التاسع عشر أنّ تلك الآبار لا تزال إلى يومنا هذا ينزل إليها من أماكن معلومة وينفذ بعضها إلى بعض على مسافة بعيدة ، ماؤها عذب كثير لا ينقطع ، تجتمع منه عيون في أنحاء البلد. وقد رجّح الأب لويس شيخو هذا الرأي. وارتأى سوى هؤلاء نظريّات أخرى عديدة يصعب الأخذ بها لبعدها الكبير عن لفظ اسم بيروت. ويقول الدكتور لورتيه LORTET : " كانت بيروت في العهود الوسطى تدعى" بيريتيس" أو" بيروتوس" أو" بيرووه" ، BEROEBERYTUS ,BEROUTOUS ، وهو اسم أعطي للإلاهة" بيروت" رفيقة" إلجون" أو ألزELJON ,ELS الذي لقّب في ما بعد ب" أدونيس" إله جبيل. ويقول الكاتب : كانت الإلاهة" بيروت" أعزّ الآلهة في لبنان ، الجبل المقدّس.

نحن نعتقد بأنّ أصل اسم بيروت من مقطعين : بيت عروت BET ***RUOT المقطع الأوّل يعني" مكان" و" محلّة" ، والثاني من جذر"***IR عير" الفينيقي الذي يعني" مدينة" ، ومعنى" عيروت" مدينة كبيرة. وهكذا يكون أصل الإسم فينيقيّا" بيت عروت BET ***RUOT " أصبح بعد الإدغام" بيروت BERUT " أي :" مكان فيه مدينة كبيرة" ، وهكذا عبارة كانت شائعة في التسميات الفينيقيّة. ونعزّز هذا الرأي بورود اسم بيروت في النقوش المصريّةBI *** ـ UR ـ TA ، حيث حرف العين كان لا يزال يلفظ ، ونعتتبر أنّ هذا الحرف قد ألغي من اللفظ في العهد الروماني لعدم وجوده في لغتهم ، فلفظوا"BE ***RUOT " المدغمة من مقطعي"BET ***RUOT " لفظوه"BERUT " ، ثمّ حوّلوه إلى"BERYTUOS " وجاء العرب فحوّلوه إلى بيروت.

١٠

ويبدو أنّ بيروت قد عرفت في حقبات تاريخيّة قصيرة بأسماء أخرى ، عدا عن الأقاب التي أطلقت عليها في أزمنة مختلفة. ويقول الأب لويس شيخو اليسوعيّ إنّه شاع لبيروت بين السريان خصوصا إسم" دربي" كما يرويه بر بهلول وبر علي في معجمهما. ثمّ يقول شيخو : و" دربي" إحدى مدن اليونان. ومن الأسماء التي عرفت بها بيروت في بعض الحقبات إسم" ورديدون". فلقد جاء في كتاب" تاريخ سورية" لجرجي ينّي : " ... أورد صاحب" سفر الأخبار" نصّ رسالة بعث بها زاميتاس قائد جيوش نيكوفورس فوقا ، قيصر القسطنطينيّة المعروف عند العرب باسم الشمقمق إلى الشودشاهان ملك أرمينية يخبره عن استخلاص بعض مدن سورية باسم مولاه. وقد ورد في تلك الرسالة ذكر بيروت باسم" ورديدون".

نشوء بيروت

يعتبر أكثر المؤرخين أنّ الجبيليّين هم الذين بنوا بيروت بعد مدينتهم جبيل ، ونسبوا بناءها إلى إلههم" إبل" وذلك بالاستناد إلى كلام سنكنيتن وننّوس وغيرهما من المؤرّخين القدماء. ويقول الأب لويس شيخو إنّ بيروت كانت أحد المراكز لعبادة البعل ، وهو الإله إبل نفسه ، يتزاحم فيها الأهلون لتأدية فروضات دينهم لهذا الإله في هيكل عظيم شيّدوه على إسمه. وبنوا له هيكلا آخر فوق مدينتهم على مسافة خمسة أميال منها كانوا يحجّون إليه زرافات ، ولا تزال آثار هذا المقام إلى يومنا بجوار قرية بيت مري وهي تعرف بدير القلعة.

إلّا أنّ هنري غيز الذي كان قنصلا لفرنسا في بيروت في أواسط القرن التاسع عشر ميلادي يقول : ما دمنا نفتقر إلى معلومات مفصّلة ، فلنكتف الآن

١١

بالقول مع المصنّفين النصارى ، إنّ بيروت أسّسها جرسيه GERSE المعروف باسم جريس GERIS ابن كنعان الخامس. أمّا إذا أتّبعنا قول المصنّفين الوثنيّين فتكون" بيرووه"BEROE زوجة أوجيكس هي التي سمّتها" بيروتوس"BEROUTOUS.

لمحة موجزة عن تاريخها القديم

في عهدها الأوّل ، نشأت بيروت مدينة فينيقيّة مسوّرة مستقلّة ، ويعتبر أكثر الباحثين أنّ سورها كان في نفس المكان الذي كان يقوم فيه السور العربيّ والذي سنأتي على تحديد موقعه لاحقا. ونطالع أنّه في حوالى ٢٩٨٠ ق. م. أرسل أحد الفراعنة سفنه إلى الشاطئ الفينيقي لتجلب له خشبا من أرز لبنان. وفي سنة ٢٧٥٠ ق. م. غزا الملك سرجون الأكادي سوريا ووصل إلى ساحل البحر. وفي العام نفسه جهّز الفرعون شيهور من الأسرة الخامسة أسطولا غزا به السواحل الفينيقيّة. ثمّ خضعت بيروت للسيطرة الفرعونيّة منذ ١٨٥٠ ق. م. أي منذ بدء الفتوحات المصريّة الكبرى ، وكان الفينيقيّون حلفاء للمصريّين في عهد السلالة الفرعونيّة الثانية عشرة ، منذ تحوتمس الأوّل (نحو ١٥٣٠ ـ ١٥٢٠ ق. م.). ويعطي الدليل على قيام علائق طيّبة بين الفينيقيّين والمصريّين وجود ثلاثة صروح في بيروت ، أهمّها تمثال لأبي الهول ذي رأس بشري من الرخام الأسود والأبيض ، كتب بين قدميه الإسم الأوّل للفرعون أمنحوتب الرابع (١٣٧٢ ـ نحو ١٣٥٤ ق. م.). وفي سنة ١٣٠٠ ق. م. ترك رعمسيس الثاني نقشا على صخور نهر الكلب يروي عن إخضاعه للمدن الفينيقيّة. وتطالعنا المدوّنات بأخبار الغزوات الآشوريّة لبيروت وسائر المدن الفينيقيّة سنة ٨٥٨ وسنة ٨٢٤ ق. م. ؛ وأخبار الغزو

١٢

البابلي سنة ٦٠٦ وسنة ٥٦٢ ق. م. ؛ وبعد ما فتحها الاسكندر المقدوني خرّبها تريفون المحازب لبالا سنة ١٤٠ ق. م. لثبات أهلها على طاعتهم لديميتريوس خصم بالا ، وقد صبّ جام غضبه على المدينة وأعمل فيها النار والدمار. ولمّا أعيد بناؤها نقلت إلى ناحية الجنوب وبنيت عند الخان القديم بين وادي الشويفات ونهر الغدير ، ولعلّ الآثار التي اكتشفت قبل عدّة سنوات في منتصف الطريق بين الأوزاعي وخلدة هي من بقايا تلك الحقبة من بيروت. أمّا السيطرة الرومانيّة على بيروت فبدأت سنة ٦٤ ق. م. عند ما اجتاح القائد الروماني بومبايوس المنطقة وسيطر عليها بالكامل.

بيروت الرومانيّة

رمّم الرومان بيروت في مكانها الأساسيّ وأعادوا لها رونقها ، وجعلوها ترتقي في سلّم الحضارة إلى أن جعلها أوغوسطوس قيصر (٦٣ ق. م. ـ ١٤ م.) مدينة ذات امتيازات أولى ، فأعطى أهلها حقوق الرومانيّين وخصّهم بامتيازات دون سواهم ، وولّى أمرها القائد مرقس فسبسيانس أغريبا بعد أن زوّجه إبنته جوليا فدعا بيروت باسمها" جوليا فيليكس" أي جوليا السعيدة ، وراح أغريبا يباري القيصر في رفع شأن المدينة بمساعدة هيرودس الكبير (٧٢ ـ ٤ ق. م.) ولم يدخّر كلاهما وسعا ليجعلاها من أبهى مدن الشرق. وبقيت على ذلك إلى أن تولّى أمرها بعد ولادة المسيح هيرودس أغريبا الأوّل (١٠ ق. م ـ ٤٤ م.) ثم هيرودس اغريبا الثاني (٢٧ ـ ١٠٠ م.) اللذان زادا في إعمار بيروت وتزيينها. وامتدّ نفوذها حتى حدود البقاع. وأصبحت في ذلك العهد المرفأ الأساسي ومرسى العمارة لحماية الجهة الشرقية من البحر الأبيض المتوسّط. وفي هذه الحقبة اتّسع نطاق التجارة فيها وكان من أبرزها تجارة الحرير والمنسوجات والخمرة. وقد روى نونس الشاعر أنّ الكرمة

١٣

كانت تكسو روابي لبنان المشرفة على المدينة والداخلة في منطقة نفوذها. وأحاط الرومان بيروت بأسوار وحصون منيعة ، وابتنوا في ظاهر أسوارها أروقة كان سكان المدينة يقضون بعض أوقات الفراغ في ظلّها. أمّا في حقل العلوم فكانت بيروت قد سبقت سائر المدن الفينيقيّة في تحقيق المرتبة الأولى ، والمقول إنّ سنكنيتن قد دوّن تاريخه الشهير فيها. وكان فيها أشهر معهد رومانيّ للقانون في الأمبراطوريّة الرومانيّة خارج إبطاليا. وكانت قبلة أنظار طلّاب القانون من جميع أنحاء المشرق. وكانت دراسة القانون إحدى المتطلّبات الأساسيّة للتوظيف العالي في الحكومة. وقد خرّج معهد بيروت للحقوق كثيرين من القضاة والحكّام في المقاطعات الشرقيّة للأمبراطوريّة. ومن المرجّح أن يكون الأمبراطور سبتيموس سفيروس (١٩٣ ـ ٢١١) مؤسّس هذا المعهد. فقد أنشئ في المدينة هيكل على اسمه تخليدا لذكراه ، وكذلك أقيم له تمثال تذكاري. هذا المعهد كان أقدم معهد من نوعه في المقاطعات الرومانيّة وأشهرها. وقد عمّر أكثر من أيّ معهد آخر ، وكان يحتلّ الصدارة بين مختلف معاهد الأمبراطوريّة. وقد تحوّل إلى معهد فكريّ خلّاق ، وجذب إليه هالة من العقول الممتازة من طلّاب وأساتذة قدّموا في حقل التشريع تقدمات عظيمة للتراث الروماني العالمي : الشرائع الرومانيّة. ومن أبرز المشترعين الرومانيّين الذين درّسوا في معهد بيروت الحقوقيّ البيروتيّ عالمان مشهوران : إميليوس بابنيانوس ودوميتيوس أولبيانوس. ويظهر أنّ بابنيانوس كان من أهالي حمص ومن أقرباء جوليا دومنا زوجة الأمبراطور سفيروس ، الذي استدعاه عام ٢٠٣ ليكون مستشاره القانونيّ في روما. وقد رافق الأمبراطور ، بصفته مستشارا قانونيّا ، أثناء حملته العسكريّة ضدّ بريطانيا. وهناك في بريطانيا وهو على فراش الموت ، أوصى الأمبراطور أن يعهد بتربية ولديه كركلّا وجيتا إلى بابينيانوس ، وبعد أن تسنّم كركلّا العرش

١٤

(٢١١ ـ ٢١٧) صرف بابنيانوس من الخدمة لأنّ عاتيا مستبدا مثل كركلّا لا يطيق أن يرى إلى جانبه حارسا دقيقا يحاسبه على كلّ هفوة ، وبعد صرفه بمدّة وجيزة أمر بقطع رأسه سنة ٢١٢ لأنّه انتقد الأمبراطور بعنف عند ما قتل أخاه جيتا. وبالرغم من أنّه قتل وهو بعد في السابعة والثلاثين ، فإنّه ترك للعالم إرثا تشريعيّا أعظم وأغنى من أيّ إرث آخر خلّفه المشترعون الرومان ، فإنّه في عام ٥٣٣ ، عند ما وضعت مجموعة الشرائع المعروفة بشرائع يوستينيان الكبير ، أدخل فيها لا أقلّ من ٥٩٥ مادّة أو بندا من المواد القانونيّة التي خلفها بابينيانوس في مؤلّفاته. ومعلوم أنّ شرائع يوستينيان هي الأساس الذي تقوم عليه أغلب الشرائع الأوروبيّة في عهدنا هذا. وكان خليفة بابنيانوس في التعليم بمعهد الحقوق ببيروت رجلا فاضلا من مواطنيه :دوميتيوس أولبيانوس الصوري الذي ، برعاية تلميذه الأمبرطور اسكندر سفروس اللبناني المولد ، شهر حربا شعواء ضدّ الرذائل والاستغلال ، وقام بتعديل القوانين وإصلاح المجتمع ، وقد قضى شهيدا على أيدي أفراد الحرس الأمبراطوري سنة ٢٢٨ حين حاول أن يسنّ قوانينا تكبح جماحهم في استغلالهم مراكزهم لمصالحهم الشخصيّة. وقد اقتبس المشترعون الذين وضعوا مجموعة قوانين يوستينيان أكثر من ٥٠٠ ، ٢ بندا وفقرة من كتاباته ومؤلّفاته ، ما يشكّل ثلث المجموعة التي في مقدّمتها ذكر لرجل كان أستاذا في معهد الحقوق البيروتي اسمه أنطوليوس ، كان عمله أن يجمع القوانين من هنا وهناك ، وقد مات في زلزال ٥٥٧ في القسطنطينيّة. كما كان المسؤول الأوّل الذي نيط به جمع القوانين لمجموعة يوستينيان أستاذا آخر من أساتذة معهد بيروت اسمه دوروثيوس. فلا عجب والحالة هذه أن يلقّب يوستينيان بيروت بأمّ الشرائع ومرضعتها.

١٥

وقد أطنب الكتّاب الأقدمون في مدح بيروت الرومانيّة ، فوصفوا نخيلها وخمرتها الجيدة وأنسجتها ومصانعها. وقد بقيت بيروت راتعة في منازل السعد إلى أن توالت عليها الزلازل في سنوات ٣٤٩ و ٤٩٤ و ٥٠٢ و ٥٤٣ و ٥٥١ لا سيّما في سنة ٥٥٥ إذ دمّرها زلزال هائل خرّب قسما كبيرا من مدن الشرق ، وقضى على كلّ ما تبقّى منها حريق شبّ فيها سنة ٥٦٠ م. أثناء إعادة بنائها ، وقد رثاها محام إغريقيّ من آسية الصغرى معاصر لتلك النكبات بقوله : بيروت ، أجمل المدن ، الدرّة في تاج فينيقية ، فقدت لألأها ورونقها. بناياتها التي تعدّ آيات في فنّ العمارة تداعت وسقطت ولم يبق فيها جدار واقفا. لم يثبت منها سوى الأساسات.

وقد كان لهذه الفاجعة صدى تردّد في جميع أنحاء الأمبراطوريّة ، وقد رثى بيروت أيضا شاعر إغريقيّ معاصر من إسبانيا بشعر تخيّل فيه المدينة تتفجّع نائحة :

ها أنذا ، المدينة التاعسة ، كومة خرائب ، أبنائي أموات. يا للحظّ العاثر المشؤوم. آلهة النار أحرقتني بعد أن هزّت آلهة الزلزال أركاني. يا لتعاستي ، بعد أن كنت مجسم الجمال أصبحت رمادا. هل تبكون عليّ أيّها العابرون الماشون فوق أطلالي؟ هل تسكبون عليّ دمعة حزن؟ هل تأسفون لمجد بيروت؟ بيروت التي لا وجود لها؟ أيّها الملّاح لا تمل بشراعك نحو شاطئي ، لا تنزل شراع مركبك ، فإنّ المرفأ الأمين أصبح أرضا يابسة قفراء ، أصبحت لحدا موحشا ، أمل عنّي ، سر إلى المواني المرحة التي لا تعرف البكاء ، إلى موانيها سر على صوت قرع المجذاف ، هكذا شاء الإله بوسيدون ، إله البحر والزلزال ، وهكذا شاءت الآلهة السمحاء. وداعا يا ملّاحي البحار. وداعا أيّتها القوافل الآتية من وراء الجبال ...

١٦

بيروت إثر ظهور المسيحيّة

كانت صور أوّل مدينة فينيقيّة اعتنق بعض أهلها الدين المسيحيّ في عصر يسوع ، وقامت فيها جالية مسيحيّة في عهد بولس الرسول. وتابعت المسيحيّة انتشارها شمالا رغم مقاومة الأباطرة الرومان ، وقد جاء في تقاليد قديمة أنّ السيّد المسيح قد دخل بيروت لمّا كان متجوّلا لبشارة الإنجيل في تخوم صور وصيدا ، ولكنّ هذا التقليد ليس ثابتا. بيد أنّه ليس من شكّ في أنّ الرسل قد مرّوا ببيروت مرارا في غضون أسفارهم ونشروا فيها الدين السماويّ ، ولا سيّما بطرس وبولس ، ذلك أنّ المبشّرين الأول كانوا يمرّون في بيروت عند مجيئهم إلى أنطاكية أو عند رجوعهم منها إلى أورشليم. ويخبرنا التاريخ عن عدد من الطلّاب الوثنيّين الذين كانوا يحضرون مدارس بيروت ، لا سيّما مدرسة الفنون عند منصرم القرن الثالث ، غير أنّهم تنصّروا في بيروت واستشهدوا مع من استشهد من المسيحيّين أثناء الاضطهاد الكبير الذي قام به ديوكليشان ومكسيميان سنة ٣٠٣ ، غير أنّ بيروت قد أصبحت في منتصف القرن الرابع م. ، ولمّا حدث فيها زلزال سنة ٣٤٩ شعر بعض السكّان الذين لم يكونوا قد اعتنقوا المسيحيّة بعد أنّها غضبة من السماء حلّت عليهم ، فرجعوا عن وثنيّتهم واعتنقوا الدين المسيحيّ ، وفي القرن الرابع أصبحت بيروت مقرّا أسقفيّا. وورد في أعمال القديس كوراتوس الذي يذكره بولس في رسالته إلى الرومانيّين (١٦ : ٢٣) أنّه أوّل أسقف أقيم على بيروت وأنّه كان من عداد التلامذة الإثنين والسبعين. ومن شهداء المسيحيّة في بيروت أبيانوس الذي درّس الفقه في معهدها. والقدّيسان يوحنّا وأركاديوس. ومنهم أيضا القديس رومانوس الشماس. وممن ورد ذكرهم في عدد شهداء المدينة يهوذا الرسول ، ومريانا البيروتية الشهيدة التي كان لها في المدينة عبادة خاصة. وجاء في تاريخ البطريرك ساويرس أن بيروت كانت

١٧

تحتوي كنيسة باسم القديس يهوذا أخي يعقوب البار في القرن السادس. ويفتخر سكّان بيروت بمار جرجس الذي كان من شهداء القرن الثالث للمسيح ، وكان جنديّا في عسكر الملك ديو كلتيانوس ، وقيل إنّه استشهد في بيروت أيضا ، وإنّه من أهاليها وقيل غير ذلك ، وربّما سمّي خليج مار جرجس الواقع إلى الجهة الشرقية الشمالية من المدينة بهذا الإسم ، اعتقادا بقتل القديس للتنين في تلك البقعة ، وقد أقيم هناك معبد على اسم الشهيد حيث يقوم جامع الخضر المعروف حتّى اليوم ، والخضر هو الإسم الإسلامي لجرجس نفسه ، وكان في جنوبي الخليج كنيسة قديمة للموارنة على اسم مار جرجس ضبطها مع وقوفاتها علي باشا الدفتردار أوّل باشا نصّب سنة ١٦٦٠ على مدينة صيدا التي كانت تابعة لأمير جبل لبنان وجعلها جامعا سنة ١٦٦١.

وفي بيروت حدثت معجزة صورة المصلوب التي طعن اليهود جنبها بالحربة بعد ما أهانوها بتلك الإهانات التي أهان بها أجدادهم المسيح ، فسال منها دم كثير ، شفي المرضى الذي دهنوا به ، ومنهم رجل مخلّع ، ولمّا رأى اليهود ذلك آمنوا وذهبوا فاخبروا أسقف المدينة بكلّ ما صار واعتمدوا منه. وأخذ الأسقف الأيقونة وكرّس المنزل الذي كانت فيه على اسم المخلّص. وقد أخبر بهذا اثناسيوس أسقف إسكندرية الذي كان من جملة آباء المجمع المسكوني السابع وهو مجمع نيقيا الثاني المنعقد سنة ٧٨٧ ضد محاربي الأيقونات ، وقد أثبت المجمع هذه الآية التي كرّس لها عيد يحتفل به في كنائس الشرق والغرب ، والسنكسار الروماني يذكرها في اليوم التاسع من ت ٢ ، ويذكرها السنكسار الماروني في اليوم العاشر من شهر آذار.

العرب في بيروت.

في العام ١٣ ه‍ / ٦٣٥ م. فتح العرب بيروت وصيدا وجبيل وعرقا بقيادة يزيد بن أبي سفيان وعلى مقدّمة جيشه أخوه معاوية ، وشحنها بالمقاتلة.

١٨

ثمّ صار المسلمون يتكاثرون فيها. فقد أجلى معاوية بعض الروم والموالين لهم عن السواحل ، بما في ذلك بيروت ، وأسكن محلّهم أقواما من أهل بعلبك وحمص وأنطاكية ، وأقام حاميات في نقاط استرتيجيّة ، وعند ما ارتقى معاوية سدّة الخلافة الإسلاميّة جلب إليها قوما من الفرس وأسكنهم فيها مثلما فعل بغيرها من مدن الساحل السوريّ وبعلبك. وقد اشتهر من سكّان بيروت في هذه الحقبة جماعة من العلماء أشهرهم الإمام عبد الرحمن الأوزاعي الذي ولد في بعلبك سنة ٨٨ ه‍ / ٧٠٧ م. ونشأ في البقاع ، فنقلته أمّه إلى بيروت حيث انقطع للزهد والعبادة ، وتوفي سنة ١٧٥ ه‍ / ٧٧٤ م. ودفن في المكان المعروف باسمه في ظاهر المدينة إلى جنوبها الغربي. وكان العرب بعد سيطرتهم على البلاد قد قسّموها في مؤتمر الجابية ، إلى أربع مناطق عسكريّة سمّيت المنطقة منها" جند" ، وكان التقسيم استمرارا لتقسيم الروم للبلاد. أمّا الأجناد الأربعة فكانت فلسطين ، والأردنّ ، ودمشق ، وحمص. وأضيف إليها في زمن يزيد بن معاوية (٦٨٠ ـ ٦٨٣) جند قنّسرين الذي اقتطع من جند حمص. وعلى هذا التقسيم كانت بيروت تابعة لجند دمشق. وقبل أن يصبح معاوية خليفة أدرك أنّه ينبغي له أن ينشئ أسطولا لحماية الشواطئ من غزوات الروم المتكرّرة ، فجهّز أسطولا بحريّا بناه له من خشب الأرز وكان ملّاحوه فينيقيّون لبنانيّون ، اشتركوا مع العرب في مهاجمة قبرص. وفي هذه الحقبة غدا مرفا بيروت مرسى للأسطول العربيّ. ويروي المؤرّخون أنّ بيروت قد خضعت للفاطميّين قبل سقوطها بيد الإفرنج ، فقد جاء أنّها كانت إقطاعه للفاتح عوض الملقّب بمبارك الدولة من قبل الحاكم بأمر الله سنة ٤٠٥ ه‍ / ١٠١٤ م. وكانت إقطاعه لمعزّ الدولة من قبل المستنصر بالله خليفة مصر سنة ٤٤٣ ه‍ / ١٠٥١ م.

١٩

بيروت بين الفرنجة وصلاح الدين

بقيت بيروت في أيدي العرب حتّى مجيء الصليبيّين إلى بلاد الشرق ، وكانت يومئذ في عهدة التّنوخيين الذين أرسلهم العبّاسيّون إلى لبنان لحماية الشواطئ من غزوات الإفرنج ، ولمّا مرّ الصليبيّون ببيروت بطريقهم إلى القدس سنة ١٠٩٩ ، قدّم لهم متسلّم المدينة حاجاتهم ، فتجاوزوها إلى أورشليم ، ثمّ ارتدّ إليها بغدوين ، ثاني ملوك الفرنجة في القدس ، فافتتحها بعد حصار شديد سنة ١١١٠. وقد بنى الصليبيّون في بيروت المعابد والمباني وحصّنوا أسوارها ووسّعوا نطاق تجارتهم فيها مع الغرب. وبعد حصار لم يدم أكثر من ثمانية أيّام ، فتح صلاح الدين الأيّوبي بيروت سنة ٥٨٣ ه‍ / ١١٨٧ م. بعد أن سأله الإفرنج الذين فيها الأمان فأمّنهم ، فنقلوا إلى صور. ثمّ عادوا فتملّكوها لمّا كان واليها أسامة بن منقذ سنة ٥٩٣ ه‍ / ١١٩٧ م. وبقيت بيدهم هذه المرّة أقلّ من مائة سنة بقليل. وكانت بيروت في خلال حكم الصليبيّين سنيوريّة تابعة لمملكة بيت المقدس ، وكان نهر المعاملتين يفصل بين إمارة بيروت آخر سنيوريّات بيت المقدّس شمالا عن كونتيّة طرابلس ، وقد دلّت وثيقة هدنة لعشر سنوات بين ملكة بيروت الصليبيّة وبين السلطان المملوكي الملك الظاهر ركن الدين بيبرس وقّعت سنة ٦٦٧ ه‍ / ١٢٨٦ م. أنّها كانت ضمن مملكة بيروت الصليبيّة التي كانت تمتدّ من حدود جبيل إلى حدود صيدا ، وتضمّ مناطق" جونية ـ الجديدة ـ العصفوريّة ـ سن الفيل ـ الشويفات وورد اسمها السرح والشويف ـ إنطلياس ـ الناعمة ـ البوشريّة وورد اسمها البشريّة ـ الدكوانة وورد اسمها الدكوانة وبرج قراجار ـ بسوس وورد اسمها حسوس ـ فقّي وورد اسمها رأس الفيقه ـ المنصوريّة وورد اسمها النصرانيّة ـ بيروت ـ وطى المصيطبة وورد اسمها الوطى المعروف بمدينة بيروت. ويستدلّ من هذه الوثيقة وسواها أنّ سنيوريّة أو إمارة بيروت كانت تمتدّ من نهر

٢٠