🚘

موسوعة قرى ومدن لبنان - ج ٥

طوني مفرّج

موسوعة قرى ومدن لبنان - ج ٥

المؤلف:

طوني مفرّج


الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار نوبليس
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٨٠
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

الإصطلاحات أو الرموز المستعملة

في توضيح لفظ أسماء القرى والمدن

٥
٦

بكركي

BKIRKI

الموقع والخصائص

بكركي ، مركز المقرّ الشتويّ للبطريركيّة المارونيّة ، تقع على كتف مدينة جونيه الشرقيّ الجنوبيّ ، وسط غابة كثيفة من أشجار الصنوبر والسنديان ، مشرفة إشرافا مباشرا على خليج جونيه والشاطىء الممتدّ جنوبا حتى يظهر الرأس الذي تعتمره مدينة بيروت. وهي تشكل قسما عقاريا من منطقة غادير ـ جونيه.

يحتلّ مركز البطريركية المارونيّة سفحا رائع الإشراف على الخليج ، وقد يكون المنظر الممتد أمامه أحد أجمل المناظر التي يمكن لعين أن تراها في العالم. كما وأنّ الجغرافية الفريدة التي تختصّ بها بكركي ، وجوارها ، هي إحدى المزايا الهامة التي يتمتّع بها لبنان : قرب الشاطىء من الجبل. فإن بكركي التي ترتفع نحو ٣٠٠ متر عن سطح البحر ، ذات الطبيعة الحرجية الجبليّة ، لا يفصلها عن ملامسة الموج سوى أقلّ من ٠٠٠ ، ١ متر بخطّ مستقيم ، غير أن المسافة التي تفصلها عن بيروت عبر خطّ العربات تقارب ال ٢٥ كيلومترا ، وذلك عبر ساحل علما ـ جونيه.

إسم بكركي وتاريخها القديم

ما يجب توضيحه أوّلا ، أنّ إسم بكركي قد أطلق على المحلّة قبل أن تصبح مقرّا للكرسي البطريركيّ ، وقد تعدّدت الإجتهادات حول معنى إسمها ،

٧

فإنّ الأبوين يوسف حبيقة وإسحق أرملة قد ذكرا في مجلة المشرق (السنة ٣٧ ، عدد تموز / أيلول ١٩٣٩ ص ٣٨٧ ـ ٤١٢) أنّ إسم بكركي سريانيّ ومعناه : بيت الأسفار والأدراج ؛ والدكتور أنيس فريحة ، في معجمه الشهير" أسماء المدن والقرى اللبنانيّة وتفسير معانيها" ، بدأ ، في مجال معالجة هذا الإسم ، بردّ أصله إلى مقطعين سريانيّين اثنين : بيت كركي BET KERKE ، وترجمة العبارة : مكان تحفظ فيه الأدراج والأسفار والطوامير ، أي مكتبة لحفظ الكتب والسجلّات. وذكر البحّاثة أنّ" كون المكان مقام البطريركيّة المارونيّة يعزّز هذا الرأي". غير أنّ هذا التعزيز لا يمكنه أن يطابق الواقع ، لأنّ المحلّة قد عرفت بهذا الإسم قبل أن تصبح مركزا للبطريركيّة المارونيّة ، لا بل قبل أن يقوم على أرضها الدير الذي أنشئ في مكانه الكرسي البطريركيّ. فقد ورد في حوليّات البطريرك إسطفانوس الدويهي (بطريرك ١٦٧٠ ـ ١٧٠٤) ما معناه أنّه في سنة" ١٥٢٩ ، سار الأسقف سركيس إبن نجيم إلى قبرص بسبب تهمة باطلة اتّهمه بها أهالي بلدته بكركي التي تقع فوق جونيه ، فحرمهم وأخذ السكنى بقبرص ، وبسبب الحرم خربت بكركي. وكانت ضيعة جامعة وأهلها معتادون على السفر بالبرّ والمكاراة". وقد تكون أسرة نجيم الباقية حتى اليوم في منطقة ساحل علما الملاصقة لبكركي وفي غوسطا وسائر بلدات جونيه ، وخاصّة في كفرتيه من أعالي كسروان ، من سلالة الأسرة النجيميّة التي ورد ذكرها ، علما بأنّ آل نجيم يتحدّرون من الأسرة الجاجيّة ، وكان جدودهم قد انتقلوا من جاج إلى كسروان بعد الفتح العثمانيّ في العام ١٥١٦ ، ذلك أنّ منطقة كسروان القديمة برمّتها ، وهي التي تضمّ اليوم قضاءي كسروان ـ الفتوح والمتن الشمالي وجزءا من قضاء بعبدا حتّى مجرى نهر بيروت ، قد بقيت خالية من السكّان منذ العام ١٣٠٥ ، تاريخ اجتياح المماليك لها وتدميرها تماما ، حتّى تاريخ نهاية دولة المماليك على يد

٨

السلطان سليم الأوّل في معركة مرج دابق سنة ١٥١٦ ، ولم يقم في كامل هذه المنطقة طوال تلك الحقبة سوى بعض الأسر التركمانيّة التي زرعها المماليك في ما عرف بالأزواق ، وهي زوق مكايل وزوق مصبح وزوق الخراب وزوق عامر ، وكانت مهمّة أفرادها الأساسيّة منع دخول الأهالي إلى كسروان خوفا من اتّصال الإفرنج بهم عبر البحر ، وعودة الأخيرين إلى التغلغل بواسطتهم في جبل لبنان.

اتّضح لنا من الصكوك والوثائق أنّ بني نجيم وأقاربهم بني كميد الذين قطنوا غزير ، كانوا من أوّل القادمين إلى كسروان من جاج بعد الفتح العثماني ، في الوقت نفسه الذي انتقل فيه الشيخ حبيش جد آل حبيش سنة ١٥١٦ من يانوح إلى غزير مدبّرا عند الأمير عسّاف ، جدّ الأمراء العسّافيّين المنسوبين إليه وسليل أولئك التركمان الذين زرعهم المماليك في المنطقة قبل مائتي عام ، والذي انقلب عليهم مع سائر الأمراء اللبنانيّين الذين أعلنوا ولاءهم وجاهيّا للسلطان سليم العثماني فور انتصاره على المماليك في معركة مرج دابق ، وكان على رأسهم فخر الدين المعني الأوّل ، فأثبتهم على مقاطعاتهم وطلب إليهم إعادة إعمارها وإحيائها من جديد ، فكان ذلك فاتحة لعودة السكّان إلى منطقة كسروان وعلى رأسهم أحفاد أولئك الذين كانوا قد نزحوا عنها قبل أكثر من قرنين من ذلك التاريخ ، لاجئين إلى بلاد جبيل التي تمكّن مقدّموها من صدّ المماليك ومنعهم من الدخول إلى المنطقة الواقعة بين نهر ابراهيم وجسر المدفون. أمّا تدفّق الأسر المارونيّة بشكل كثيف إلى كسروان فلم يحصل قبل العام ١٥٤٥ يوم انتقل الشدياق سركيس الخازن وصحبه من جاج أيضا إلى كسروان ، فشهدت المنطقة إذ ذاك تحوّلا مفصليّا بدا معه تاريخ كسروان الحديث. وهكذا يتبيّن أنّ قرية بكركي كانت إحدى

٩

أوائل القرى الكسروانيّة القليلة التي أعيد بناؤها قبل العام ١٥٤٥ ، وما من شكّ في أنّها كانت قائمة قبل دخول المماليك إليها وتدميرهم لها ولسائر دساكر كسروان في العام ١٣٠٥.

أمام هذا الواقع ، لابدّ من فصل اسم بكركي عن كونها مقرّا للبطريركيّة المارونيّة وفيها مكتبة وأدراج وسجلّات. وفي هذا المجال اقترح الدكتور أنيس فريحة أن يكون أصل الإسم BET KARKE بدل BET KERKE ، وترجمتها عن السريانيّة : مكان مسوّر ومحصّن ومستدير ، من منطلق أنّ جذر كرك الساميّ المشترك الذي يرد في أكثر اللغات الساميّة ، يعني أصلا الاستدارة ، وفي الشرق الأدنى القديم مدن عدّة تعرف بالكرك أي المدينة المستديرة المحصنّة. ونحن نميل الى اعتبار معنى الإسم" المكان المستدير المحصّن" ، خاصّة وأنّ هذا الوصف ينطبق على موقع بكركي الجغرافيّ المحصّن طبيعيّا ، والقائم على رابية مستديرة ، وقد وافقنا الأب الدكتور بولس صفير هذا الرأي في كتابه" بكركي في محطّاتها التاريخيّة ١٧٠٣ ـ ١٩٩٠" ، مستبعدا ما أورده البعض من ردّ للإسم إلى طائر" الكركي" الكبير الطويل العنق والرجلين الأغبر اللون الأبتر الذنب القليل اللحم ، الذي قيل إنّه كان يشاهد قديما في الموقع الذي شيّد فوقه الدير.

نشوء دير بكركي

ذكر مؤرّخ الرهبانيّة الأنطونيّة الأب أنطون ضو الأنطوني أن تاريخ إنشاء دير بكركي يعود إلى مطلع القرن الثامن عشر" إذ شيّد المشايخ الخوازنة ديرا صغيرا سلّموه في ما بعد إلى الرهبان الأنطونيّين الذين وسّعوه بدورهم واشتروا له الأملاك". ويستخلص من تاريخ الرهبانيّة الأنطونية أنّ

١٠

الدير الذي بناه الخوازنة ، " لم يكن في مكانه الحالي ، بل كان قرب كنيسة سيدة البشوشة الكائنة اليوم في الحرج شرقي ـ شمالي موقع الصرح الحالي ، وعند ما استلمه الرهبان الأنطونيون في العام ١٧٢٦ ، جدّدوه بأن نقلوا بناءه إلى مكانه الحالي ، وقد ساعدهم بذلك المشايخ الخوازنة وبالأخصّ الشيخ هيكل وأخوه خطّار ، وقد أنفق على البناء واهتمّ به نصّار مفرّج الحادي من الزوق".

أمّا الأب الدكتور بولس صفير فقد فصّل تاريخ بناء الدير بشكل موثّق ، فاستخلص أنّ الدير القديم ، أو كنيسة سيدة البشوشة الواقعة على مسافة ٥٠٠ متر من الصرح الحاليّ شرقا بشمال ، قد شيّده الشيخ خطّار الخازن سنة ١٧٠٣ كنيسة على اسم سيدة بكركي فوق أرض من أملاكه ، وأنّ الغاية من إنشاء تلك الكنيسة كانت تمكين أهل قرية بكركي من ممارسة فروضهم الدينيّة من دون تكبّد الانتقال إلى قرى الجوار ، ثمّ اشترى الشيخ خطّار أملاكا من بيت الشمالي وبنى عليها بعض الغرف لسكن كاهن الكنيسة. وجاء وقتئذ رجل ميسور الحال من زوق مصبح اسمه نصّار بن مفرّج الحادي كان يرغب عن الزواج ويؤثر العزلة ، وفاوض الشيخ خطّار بأن يقف على سيدة بكركي كلّ ماله ويسكن فيها معتزلا ، فوافق الشيخ الخازنيّ وسمح لنصّار بأن يقيم في سيدة بكركي ، وفور انتقاله إلى الدير ، قام نصّار بإكمال البناء على نفقته ، وكان مؤلّفا من أربع غرف صفيرة ليس له شكل دير. فلمّا أنجز البناء استقدم الشيخ خطّار كاهنا من درعون يدعى القس يوحنّا ، ثمّ كاهنا آخر من درعون أيضا يدعى القس بطرس. في هذه الأثناء راح نصّار يشتري أملاكا ويوقفها على الآباء الكرمليّين ليجعلوا لهم أنطوشا عليها يقيم فيه منهم كاهن واحد على الأقلّ ، على أنّه لم يلبث أن صرف الكرمليّين ، فاستقدم الشيخ خطّار راهبا أنطونيّا من ريفون ليخدم الكنيسة ، لم يبق طويلا بسبب فظاظة

١١

نصّار ، وهكذا حصل مع عدّة رهبان أنطونيّين حتّى توفّي نصّار ، فسلّم البطريرك يعقوب الحصروني (بطريرك ١٧٠٥ ـ ١٧٣٣) الدير والكنيسة والأملاك برضى الشيخ خطّار الخازن إلى الرهبانيّة الأنطونيّة سنة ١٧٣٠ بموجب صكّ محفوظ ، وبقي بيدهم حتّى العام ١٧٥١ من دون أن يضيفوا إليه سوى غرفتين. وإثر خلاف وقع بين الراهبين الأنطونيّين اللذين كانا في دير سيدة بكركي وولدي الشيخ خطّار الخازن بعد وفاة الأخير ، اشترى المطران جرمانوس صقر الحلبي الدير من الرهبانيّة الأنطونيّة سنة ١٧٥١.

هنديّة عجيمي في دير بكركي.

قبل شراء الدير من قبل المطران جرمانوس الحلبي ، كانت حضرت إلى لبنان راهبة حلبيّة إسمها هندية العجيميي ، قيل إنّ أصل عائلتها من بشرّي ، وبمعيّتها بادري يسوعي هو الأب فانتوري ، ونزلت في دير عينطورة للراهبات ، وقد ألحّ عليها البادري اليسوعي بالإنضمام إلى تلك الرهبانيّة ، لكنها أصرّت على الرفض لأنّها كانت تخطّط لتأسيس رهبانيّة مستقلّة باسم راهبات قلب يسوع ، ولم تشأ أن تلتحق بأيّة رهبانيّة أجنبيّة. وإذ رأى منها البادري اليسوعي ذلك الإصرار ، أرسلها مع إحدى النساء إلى دير حراش للراهبات المارونيّات ، راجيا أن تلاقي هناك ما يريحها لتعود إلى عينطورة. وفي دير حراش ، لاقت الراهبة هنديّة من المصاعب ما استطاعت أن تتغلب عليها ، إلى أن تعرّفت إلى المطران جرمانوس صقر واتّخذته مرشدا لها وأطلعته على غايتها ، فساعدها الأسقف الماروني على تحقيق أمنيتها ، وهنا يتبيّن أنّ دافعه لشراء دير سيدة بكركي كان مساعدة الراهبة هنديّة على تحقيق غايتها ، إذ سرعان ما قدّم الدير لها ، فاتخذته مركزا أساسيّا لرهبانيتها

١٢

(لحد خاطر ، آل السعد في تاريخ لبنان ، مطبعة الرهبانيّة المارونيّة اللبنانيّة). ويذكر الحتّوني في" المقاطعة الكسروانيّة" أنّه كان لهنديّة شقيق مترهّب في الرهبانيّة اليسوعية ، قد عارض مشروعها بشدّة ، إلّا أنّه تركها في النهاية وشأنها.

ما أن تسلّمت الراهبة هنديّة الدير حتّى بدأت في إنشاء مبنى جديد لدير سيدة بكركي" على أسلم بناء وأجمل أسلوب ، ثمّ جمعت إليه الشابّات واعتنت بتثقيفهن وإدخالهنّ في رهبانيّتها ، ولم يلبث مشروعها أن ازدهر ازدهارا عجيبا بتوافر عدد المنتميات والمنتمين إليه ، وصار لها ذكر قداسة فائقة في كلّ مكان". وأخذت النذور تتدفّق على دير سيدة بكركي ، حتّى أضحى من" أغنى الأديرة وأبعدها شهرة" ، وما لبثت هنديّة أن ضمّت إليه ثلاثة أديرة أخرى هي دير سيدة البزاز ودير مار جرجس ساحل علما ودير مار يوسف الحصن. وأصبحت بكركي في عهد رهبانيّة هنديّة مركزا ممتازا للنقل والترجمة والتأليف ، وقد اعتبر بحاثون ذلك المركز" امتدادا لحركة النقل التي شهدتها حلب في القرن الثامن عشر. وأهمّ ما نقل في ديرها إلى الفكر العربي : التصوّف ، اللاهوت ، القانون ، الكتاب المقدس والفلسفة ، وقد تطعّم هذا التراث في بكركي بروح شرقية لبنانية".

عند ما برزت أعمال هندية الناشطة واحتلت تلك المرتبة الرفيعة ونالت شهرتها الواسعة" ظهر لها أعداء أقوياء على رأسهم بعض المرسلين الأجانب ، فتصدى للوقوف في وجههم الإكليروس المارونيّ ، وعلى رأس رجاله بطريرك الطائفة سمعان عوّاد (١٧٤٣ ـ ١٧٥٦) ورفع الخصوم الشكاوي ضد هنديّة الى روما التي وجّهت سنة ١٧٥٣ الأب ديسيدور من كازا باشانا قاصدا رسوليّا ليحقق في أمر الراهبة عن كثب ، فقام ذلك القاصد

١٣

بمهمّته ، وقدّم إلى الكرسي الرسولي تقريره الذي جاء فيه : " إني حضرت الى دير سيدة بكركي وفحصت عن أعمال ومعتقد وسيرة راهباته وباقي جمهوره المنتمين إلى قانون قلب يسوع ، فكنت أخالني ألقي شبكتي على نهر يتدفق بالفضائل ، فإذا بها ألقيت على بحر يموج بالأعمال الصالحة ولوائح القداسة".

توفّي البطريرك سمعان عواد سنة ١٧٥٦ ، فخلفه في اعتلاء السدّة البطريركيّة طوبيّا الخازن الذي اشتهر بدرايته ودماثة خلقه ووداعته ، فمرّت السنوات العشر التي استمرّ فيها بطريركا يحسّن فيها علاقة الكرسي البطريركي مع جميع الأطراف ، ولم تحرّك ضدّ الأم هنديّة في تلك المدّة أيّة اعتداءات. وفي ٩ حزيران ١٧٦٦ توفي البطريرك الخازنيّ ، فانتخب خلفا له المطران يوسف اسطفان الغسطاوي تلميذ روما ورئيس أساقفة أبرشيّة بيروت ، وكان ذلك البطريرك" صلب العود صعب المراس عنيدا لا يهادن في الحق ولا يداور ولا يعرف مرونة أو لينا ... وعلى ذلك اختلف مع فريق من أساقفته بسبب ما اتّخذه من ذرائع جديدة للإصلاح في أبرشياتهم ، فألّفوا" حزبا" ضدّه ضمّ فريقا من مختلف الطبقات. وإذ رأوه يعطف على هنديّة لما بلغه من ثناء عليها وبقصد خير الطائفة التي أصابها تقدّما على يد تلك الراهبة النشيطة ، انضمّ" الحزب" المناهض للبطريرك إلى الخصوم السابقين للراهبة هنديّة ، وجعلوا يناصبون البطريرك العداء ويرمونه بكل افتراء ، فأنزل بهم التأديبات الكنسيّة دون هوادة ، فاحتدم النزاع حتى أجمع خصوم البطريرك على تنظيم عرائض ضدّه شحنوها بشتّى الإتّهامات ، منها ما يتعلق بموالاته لهندية في ارتكابها بعض منكرات كانت تذيعها بعض الألسن الخبيثة عن أديار الراهبة وأتباعها من إكليريكيّن وعلمانيّين ، ورفعوا العرائض إلى

١٤

الكرسي الرسولي وإلى الأمير يوسف شهاب" ، حتى اضطرت روما إلى إرسال قاصد آخر سنة ١٧٧٨ للفحص والتدقيق من جديد. وبعد التمحيص ، وجد القاصد الرسولي في كتاب اللاهوت النظري المؤلف من الأمّ هنديّة" ما يدلّ على وجوب الشبهة التي اتّهمت بها لأنّه وجد في جملة عبارات الكتاب ما مضمونه : أنّ الإنسان المسيحي الكاثوليكيّ إذا اقتبل سرّ القربان المقدّس وحصل على النعمة المبرّرة فإنه يتّحد باللاهوت إتحاد لاهوت المسيح مع ناسوته سندا على قول بولس الرسول في رسالته إلى أهل قورنثيه ـ إنّ من التصق بربّنا فيكون معه روحا واحدا ـ. فمن هذه العبارة ، كانت الشبهة بعدم سلامة إيمان الراهبة. وقد شارك في معاداة البطريرك والراهبة الأمير يوسف شهاب الذي كان يطمع بثروة الدير" ، على حدّ قول الحتّوني. فأتى حكم الكرسي الرسولي ببطلان رهبانيّة هنديّة التي نفيت وماتت في العذاب والشقاء دون أن تكون قد ارتكبت في حياتها أي ذنب ، وضاعت أعمالها الجبّارة هدرا في مهبّ رياح الغايات والأحقاد والمصالح السياسيّة والفرديّة. وممّا يجدر ذكره في هذا المجال ، على حدّ ما ذكره لحد خاطر ، أنّ فريقا من أعداء البطريرك والراهبة قد قابل القاصد الرسولي وهو في طريقه إلى دير مار أنطونيوس حريصا الذي نزل فيه ، وحشوا رأسه بشتّى التهم ضد البطريرك ورهبانيّة هنديّة ، ما جعل القاصد يميل سلفا إلى مماشاتهم في تأييد ما نسبوه إلى البطريك من شكايات وافتراءات.

وسرعان ما تذرّع الخصوم بتقرير القاصد الرسولي ، فاستحصلوا مجدّدا من روما على أوامر بالتحقيق مع الراهبات ، وقد روى صاحب بصائر الزمان أنّ من تولّوا التحقيق" توسّلوا في تحقيقاتهم مع الراهبات جميع طرق التعذيب والتهديد حتّى قوّلوهن جميع ما أرادوا أن يؤيّدوه ، ممّا كان بعضه مغايرا للحقيقة والواقع".

١٥

وأخيرا ، وبعد أحداث عدّة ، صدر حكم الكرسي الرسولي في تموز ١٧٧٩ بإلغاء رهبانيّة قلب يسوع التي أنشأتها هنديّة وبإقفال أديرتها ، وبتحويل دير سيدة بكركي ودخله إلى ما هو أولى بخير الطائفة المارونية.

دير سيّدة بكركي مقرّ البطريركيّة المارونيّة

أوّل بطريرك دفن في بكركي ، كان فيليبوس الجميّل الذي توفّي في عجلتون سنة ١٧٩٦ فنقل إلى بكركي ودفن فيها. غير أنّ دير سيدة بكركي ، حتى ذلك التاريخ ، لم يكن قد أصبح مقرّا ثابتا للبطريركيّة المارونيّة ، غير أنّه قد عقد فيه عام ١٨٥٦ بعهد البطريرك بولس مسعد (بطريرك ١٨٥٤ ـ ١٨٩٠) مجمعا عامّا عرف بالمجمع البلدي. ويعدّ هذا المجمع ، بحسب أكثر المؤرّخين الموارنة ، " أنجح وأطول مجامع الموارنة بعد المجمع اللبناني". أمّا المجمع اللبناني الذي عقد سنة ١٧٣٦ ، فكان قد اتّخذ من جملة مقرّراته التنظيميّة قرارا يقضي بأن يكون مقرّ البطاركة الموارنة الدائم في دير سيدة قنّوبين ، وبأن" يكون هذا المقرّ ثابتا لا يترك ولا يبدّل ولا يتقل إلى مكان آخر إلّا لداع شرعيّ مثبّت في مجمع كامل".

أمّا السبب الذي دعا المجمع اللبناني إلى اتّخاذ هذا القرار فكان ، برأينا ، كثرة تبديل البطاركة الموارنة لمراكز إقامتهم قبل ذلك التاريخ ، وقد لاحظنا من خلال البحث في هذا الموضوع أنّ البطاركة قبل انتقال البطريرك يوحنّا الجاجي من دير سيدة إبليج في ميفوق إلى دير سيدة قنّوبين في ظروف دراماتيكيّة سنة ١٤٠٠ بسبب مداهمة عسكر والي طرابلس لدير إبليج ، غالبا ما كان واحدهم يختار محلا للكرسي البطريركي في مسقط رأسه ، أو في أيّ مكان آخر قريب منه ، أو في أيّ دير يستنسبه ، فهناك ثلاثة بطاركة من لحفد

١٦

جبيل جعلوا مقرّ الكرسي في لحفد ، والبطريرك الجاجي نفسه قد جعل كرسيه في جاج قبل انتقاله إلى سيدة مبفوق ، وكان بطريركان سابقان من جاج قد جعلا بدورهما مقرّ إقامتهما في جاج. أضف إلى ذلك أنّ مضايقات من قبل الأسر الحاكمة قد اضطرّت بعض البطاركة منذ أواسط القرن السابع عشر إلى الانتقال من قنّوبين إلى مناطق أخرى كالشوف وجزّين وكسروان ، وقبل العام ١٤٠٠ ، تاريخ انتقال البطريرك الجاجي من سيدة قنّوبين ، كان مقرّ البطريركيّة قد تنقّل بين كفرحي ويانوح وهابيل وجاج ولحفد وإبليج وسواها.

في عهد البطريرك يوسف إسطفان (بطريرك ١٧٦٦ ـ ١٧٩٣) ، وهو من غوسطا في كسروان ، عقدت ثلاثة مجامع عامّة للطائفة المارونيّة قرّر في خلالها الآباء المجتمعون نقل المقرّ البطريركي من دير سيدة قنّوبين إلى دير سيدة بكركي. ونلاحظ أنّ المجامع الثلاثة المذكورة قد ترأسّها أحبار وبطاركة كسروانيّون ، فالمجمع الأوّل عقد في ميفوق في تمّوز ١٧٨٠ وترأسه النائب البطريركي المطران ميخائيل حرب الخازن بحضور قاصد رسوليّ ؛ والمجمع الثاني عقد في عين شقيق بالقرب من وطى الجوز في كسروان في أيلول ١٧٨٦ وترأسه البطريرك يوسف اسطفان الغسطاوي ؛ أمّا المجمع الثالث فقد عقد في دير سيدة بكركي بالذات سنة ١٧٩٠ على عهد البطريك يوسف إسطفان وبرئاسته أيضا وبحضور قاصد رسوليّ. ورغم بعض الاعتراضات التي برزت في المجمع الثالث ، فقد تقرّر في المجامع الثلاثة المذكورة نقل مقرّ الكرسي البطريركي الماروني إلى دير سيدة بكركي على أن يكون هذا الدير" مقرّا ثابتا لهذا الكرسي ، وأن تكون كلّ خيراته الثابتة والغير ثابتة ملكا مؤبّدا لكرسينا البطريركي ... وأن يقيم البطريرك دائما في هذا الدير ولا يذهب إلى غير أمكنة إلّا لأسباب داعية صوابيّة ، وفي مدّة غيابه الوجيزة

١٧

يستمرّ السادة الوكلاء في المكان نفسه ، وأن ينقل كلّ مقتناه إلى هذا الكرسي ويوجّه إليه كلّ المداخيل البطريركيّة".

وفي هذا المجال يذكر صاحب كتاب" بكركي في محطّاتها التاريخيّة" الأب الدكتور بولس صفير أنّ قرار جعل مقرّ الكرسي البطريركي في دير سيدة بكركي" لم ينفّذ بالسرعة المرجوّة ، بل ظلّ البطاركة يواجهون صعوبات كثيرة لتنفيذه طوال ما فوق الربع قرن ... فالبطريرك يوسف اسطفان لم يبرح مقرّ سكناه في دير مار يوسف الحصن غوسطا ... وأمّا خلفه البطريرك مخايل فاضل (بطريرك ١٧٩٣ ـ ١٧٩٥) فكان يتردّد إلى بكركي ولكنّه ظلّ مقيما في دير مار يوحنّا حراش حيث مات ودفن ، وبينما البطريرك فيليبّوس الجميّل (بطريرك لسنة واحدة ١٧٩٥ ـ ١٧٩٦) قد انتخب وعاش ومات ودفن في دير بكركي ... فإنّ البطريرك يوسف التيّان (بطريرك ١٧٩٦ ـ ١٨٠٩) قد جعل مقرّ سكناه تارة في بكركي وطورا في دير مار شلّيطا مقبس قرب غوسطا ، وفي أيّام هذا البطريرك حاول الأساقفة برئاسته أن ينقضوا القرار السابق وينقلوا مقرّ سكنى البطريرك إلى دير مار شلّيطا مقبس. وبعد التيّان انتخب الطريرك يوحنّا الحلو (بطريرك ١٧٠٩ ـ ١٧٢٣) الذي رأى أنّ دير قنّوبين الكرسي القديم أشرف على الخراب بسبب هجر البطاركة له ، فغادر كسروان وذهب إليه ، فرمّمه وسكن فيه طوال سني ولايته. ولكن خلفه البطريرك يوسف حبيش (بطريرك ١٨٢٣ ـ ١٨٤٥) عاد فسكن في دير بكركي ، و" بدأ ، منذ هذا التاريخ ، البطاركة خلفاؤه يقضون بطريقة متواصلة حتّى يومنا هذا ، فصل الشتاء في دير سيدة بكركي".

فمنذ انتخب البطريرك يوسف حبيش سنة ١٨٢٣ ، عني بترميم دير بكركي على أمل جعله مقرّا بطريرطيّا شتويّا ، وأخذ يقيم فيه في فصل الشتاء

١٨

بطريقة متواصلة ، ويقضي فصل الصيف في دير سيدة قنّوبين. وخلف البطريك حبيش البطريرك يوسف راجي الخازن (بطريرك ١٨٤٥ ـ ١٨٥٤) الذي خلفه البطريرك بولس مسعد (١٨٥٤ ـ ١٨٩٠) ثمّ ابطريرك يوحنّا الحاج (١٨٩٠ ـ ١٨٩٨) فجعل كلّ منهم دير سيدة بكركي مقرّا شتويّا دائما له ، ونلاحظ أنّ جميع هؤلاء البطاركة الأربعة : حبيش والخازن ومسعد والحاج ، هم من كسروان. وقد قام البطريرك يوحنّا الحاج بتجديد الدير على طراز حديث" حتى أصبح مقرّا فسيح الأرجاء متقن البناء يعزّ وجوده في هذه المنطقة" على حدّ تعبير بعض مؤرّخي البطريركيّة المارونيّة. ومنذ ذلك التاريخ ، بدأت بكركي تبرز في الكيان اللبناني ، من جميع نواحيه ، جهة أساسية وهيأة هامّة وركيزة المحور. وعند وفاة البطريرك يوحنا الحاج ، " استدعى قداسة البابا المطران الياس الحويك ، النائب البطريركي الذي كان وقتئذ في روما يهتم بتدبير المدرسة المارونية ، و" أوعز اليه بأن يسافر الى لبنان لحضور المجمع الإنتخابي" ، وفي ٦ كانون الثاني ١٨٩٩ انتخب المطران الياس الحويك بطريركا ، وقد قام في أوائل عهده بجر المياه من درعون إلى الصرح البطريركي في بكركي فتحوّلت أراضيه المحيطة به إلى حدائق غنّاء. كما زوّد كنيسة الكرسي البطريركي بالآنية الثمينة والزينات والملابس المختلفة. فأصبحت مع ما زانها به الفنّان يوسف الحويك ، إبن شقيق البطريرك ، من رسوم بديعة من أجمل كنائس لبنان. وقد شاد البطريرك الحويّك ، إبن حلتا البترون ، في الديمان قرب حصرون ، قصرا فخما أسماه" كرسي جديدة قنّوبين ، " محافظة على استمرار إسم كرسي قنّوبين المنقولة من وادي قنّوبين الى قمّة الديمان ، وجرّ إليه المياه الغزيرة التي حوّلت أراضيه الواسعة الى جنائن خضراء. ثم عني بتجديد أراضي البطريركية في بكركي ودرعون وحارة صخر واشترى أملاكا في درعون والحازمية وسبرين

١٩

وجبيل والحميدي والمشنقة وسلعاتا. وجدّد في الديمان وجوارها بيوت الشركاء وأمر بغرس أراضي الكرسي زيتونا وكرما وأرزا وخضارا وشجرا مثمرا ، منها في قنّوبين وكفرزينا والدامور وكفرشخنا ومجدليا. وفي عهده جرى التحقيق في دعوى تطويب عبيد الله نعمة الله كساب الحرديني ، وشربل مخلوف من بقا عكفرا ، ورفقا الريس من حملايا. وافتتح في غزير مدرسة إكليريكية وجعلها بإستلام الآباء اليسوعيّين. وأنشأ جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات. ومن مشاريع البطريرك الحويّك الخالدة إفامة معبد سيدة لبنان في حريصا بالتعاون مع القاصد الرسولي. وقد شاطر هذا البطريرك أمّته ويلاتها في الحرب العالمية الأولى ، فوزع المال على فقرائها واحتمل الأهوال من استبداد جمال باشا الذي نفاه وحاول تصفيته رغم ارتجاج البلاد لو لا تدخل قداسة البابا بنديكتوس الخامس عشر الذي أوفد من قبله مندوبا إلى عاصمة النمسا إستنهض همّة الأمبراطور شارل حتى تدخل مع حليفه السلطان العثماني وحمله على إصدار" إرادة سنية" تقضي بالكفّ عن إزعاج البطريرك الماروني. ومن أهم أعمال البطريرك الياس الحويك التي خلّدها التاريخ ، مساعيه في سبيل إستقلال لبنان ، إذ ، على أثر اجتماع قوميّ عامّ في بكركي ، نظّم اللبنانيون الوكالات لغبطته ليعضدهم في السعي لخدمة الوطن واستعادة استقلاله ، فسافر الى فرنسا مكلّفا من قبل اللبنانيّين على مختلف انتماءاتهم ، مطالبا لدى مؤتمر الصلح بإرجاع حقوق اللبانيّين المهضومة إليهم وتأييد إستقلال لبنان المطلق. وقد استمرّ غبطته في مسعاه إلى أن تسلّم وثيقة تضمن استقلال لبنان وسيادته ، فعاد حاملا البشرى إلى اللبنانيّين ، وأعلن المندوب السامي الفرنسي لبنان الكبير مستقلا ، وتمّ له ما كان يصبو اليه من استقلال وسيادة وقومية. وبعد جهاد طويل في خدمة الدين والوطن ، قضى البطريرك الياس الحويك وله من العمر تسعون عاما ، بعد أن اعتلى السدّة

٢٠