🚘

أقضية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم

محمّد بن فرج المالكي القرطبي

أقضية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم

المؤلف:

محمّد بن فرج المالكي القرطبي


المحقق: الشيخ طالب عوّاد
الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: دار الكتاب العربي
ISBN: 9953-27-352-9
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ترجمة المؤلف

هو الإمام الحجّة محمد بن فرج ، أبو عبد الله مولى محمد بن يحيى ، المعروف بابن الطّلّاع ، القرطبي الفقيه المالكي ، مفتي الأندلس ومسندها في الحديث.

ولد في سلخ ذي القعدة سنة أربع وأربعمائة.

ذكره ابن بشكوال فقال : بقية الشيوخ الأكابر في وقته ، وزعيم المفتين بحضرته.

روى عن : يونس بن عبد الله القاضي ، ومكي بن أبي طالب ، وأبي عبد الله بن عابد ، وحاتم بن محمد ، وأبي عليّ الحدّاد الأندلسيّ ، وأبي عمرو المرشانيّ ، ومعاوية بن محمد العقيليّ ، وأبي عمر ابن القطّان.

قال : وكان فقيها عالما ، حافظا للفقه ، حاذقا بالفتوى ، مقدّما في الشّورى ، مقدّما في علل الشّروط ، مشاركا في أشياء ، مع دين وخير وفضل ، وطول صلاة ، قوّالا بالحقّ وإن أوذي فيه ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، معظّما عند الخاصّة ، والعامّة يعرفون له حقّه. ولي الصّلاة بقرطبة ، وكان مجوّدا لكتاب الله. أفتى النّاس بالجامع ، وأسمع الحديث ، وعمّر حتّى سمع منه الكبار والصّغار ، وصارت الرّحلة إليه. ألّف كتابا في أحكام النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرأته على أبي رحمه‌الله عنه.

تفقه على مذهب الإمام مالك وأصحابه حتى حذق الفتوى وبرع فيها ، وصار مقدما في الشورى ، عارفا بعقد الشروط وعللها ، ذاكرا لأخبار شيوخ بلده وفتاويهم ، مشاركا في أشياء من العلم ، مع خير وفضل ودين.

وقال القاضي عياض : كان صالحا قوّالا بالحقّ ، شديدا على أهل البدع ، غير هيوب للأمراء ، شوّر عند موت ابن القطّان ، إلى أن دخل المرابطون فأسقطوه من الفتيا لتعصّبه عليهم ، فلم يستفت إلى أن مات.

سمع منه عالم كثير ، ورحل النّاس إليه من كلّ قطر لسماع «الموطّأ» ولسماع «المدوّنة» لعلوّه في ذلك.

وحدّث عنه أبو عليّ بن سكّرة ، وقال في مشيخته الّتي خرّجها له عياض : سمع يونس بن عبد الله بن مغيث ، وحمل عنه «الموطّأ» و «سنن النّسائيّ». وكان أسند من بقي ، صحيحا ،

٥

فاضلا ، عنده بله تامّ بأمر دنياه وغفلة. ويؤثر عنه في ذلك طرائف. وكان شديدا على أهل البدع ، مجانبا لمن يخوض في غير الحديث.

وروى اليسع بن حزم عن أبيه قال : كنّا مع ابن الطّلّاع في بستانه ، فإذا بالمعتمد بن عبّاد يجتاز من قصره ، فرأى ابن الطّلّاع ، فنزل عن مركوبه ، وسأل دعاءه ، وتذمّم وتضرّع ، ونذر وتبرّع ، فقال له : يا محمد انتبه من غفلتك وسنتك.

توفي رحمه‌الله لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة ٤٩٧ ه‍ ، وشهده جمع عظيم.

من تصانيفه : نوازل الأحكام النبوية ، وكتاب في الوثائق ، وكتاب في الأقضية وهو كتابنا هذا الذي نقدمه في ثوبه الجديد متمنين على الله أن ينفع به إنه على ما يشاء قدير ، وبالإجابة جدير ، والحمد لله رب العالمين (١).

__________________

(١) انظر عن محمد بن فرج : الصلة لابن بشكوال (٢ / ٥٦٤) رقم (١٢٣٩) ، والمغرب في حلى المغرب (١٦٥) ، والمعين في طبقات المحدثين (١٤٦) رقم (١٥٨٨) ، وسير أعلام النبلاء (١٩ / ١٩٩ ـ ٢٠٢) رقم (١٢١) ، وشذرات الذهب (٣ / ٤٠٧) ، وشجرة النور الزكية لابن مخلوف (١ / ١٢٣).

٦

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله كما حمد نفسه وأضعاف ما حمده خلقه حتى يفنى حمدهم ويبقى حمده ، لا إله إلا هو وحده. هذا كتاب أذكر فيه ـ إن شاء الله تعالى ـ ما انتهى إليّ من أقضية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم التي قضى بها ، أو أمر بالقضاء فيها ، إذ لا يحل لمن تقلّد الحكم بين الناس أن يحكم إلا بما أمر الله به عزوجل في كتابه ، أو بما ثبت عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه حكم بها ، أو بما أجمع العلماء عليه ، أو بدليل من هذه الوجوه الثلاثة.

واتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي ـ رحمهم‌الله تعالى ـ على أنه لا يجوز لحاكم أن يحكم بين الناس حتى يكون عالما بالحديث والفقه معا مع عقل وورع.

وكان مالك رحمه‌الله يقول في الخصال التي لا يصلح القضاء إلا بها : لا أراها تجتمع اليوم في أحد ، فإذا اجتمع منها في الرجل خصلتان رأيت أن يولّى العلم والورع.

قال عبد الملك بن حبيب ـ رحمه‌الله تعالى ـ : فإن لم يكن فعقل وورع ، فبالعقل يسأل وبه تصلح خصال الخير كلها ، وبالورع يعف. وإن طلب العلم وجده ، وإن طلب العقل إذا لم يكن فيه لم يجده.

وأبدأ في ذلك بأقضيته صلى‌الله‌عليه‌وسلم في الدماء لما جاء في الحديث الصحيح الذي ذكره مسلم وغيره : «إن أول ما يقضي الله تبارك وتعالى بين الناس يوم القيامة في الدماء». وأول ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة ، فمن وجدت له صلاة نظر في سائر عمله ، ومن لم توجد له صلاة لم ينظر في شي من (١) عمله.

وليس بعد الشرك بالله عزوجل أعظم من قتل النفس (٢).

روي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «زوال الدنيا بجميع ما فيها أهون على الله عزوجل من

__________________

(١) رواه البخاري (٦٥٣٣) و (٦٨٦٤) ، ومسلم (١٦٧٨) ، والترمذي (١٣٩٦) مختصرا على الفقرة الأولى.

ورواه النسائي (٣٩٩١) مطولا ، من حديث عبد الله بن مسعود رضي‌الله‌عنه.

(٢) رواه مالك في الموطأ (١ / ١٧٣) في قصر الصلاة. باب جامع الصلاة. بلاغا. وإسناده منقطع. وله شواهد.

٧

قتل امرئ مسلم» (١). رواه ابن الأحمر في مسنده.

وفي مسند بقي والبزار أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لو أن أهل السموات والأرض اجتمعوا على قتل مسلم لأدخلهم الله النار أجمعين» (٢)

وقال عليه‌السلام : «من أعان في قتل امرئ مسلم بنصف كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله» (٣).

وفي البخاري قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» (٤) ، هكذا رواه الأصيلي : من دينه ، ورواه القابسي : من ذنبه.

وفي كتاب الخطابي : قال سفيان بن عيينة : نصف كلمة هو أن يقول أق أي : اقتل ، وهذا كقول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «كفى بالسيف شا» (٥) أي شاهدا.

وفي غير كتاب الخطابي وقال عليه‌السلام : «من لقي الله لم يشرك به شيئا ولم يتندّ بدم مسلم كان حقا على الله أن يغفر له» (٦).

وفي الخطابى وقال عليه‌السلام : «لا يزال المؤمن صالحا معنقا ما لم يصب دما حراما ، فإذا أصاب دما حراما بلّح» (٧).

وقال الخطابي : معنى بلح أعيا. ويقال : أعيا الفرس إذا انقطع جريه ، وبلّح الغريم إذا أفلس.

__________________

(١) رواه بن ماجه (٢٦١٩) من حديث البراء بن عازب رضي‌الله‌عنه. وإسناده صحيح. ورواه الترمذي (١٣٩٥) من حديث عبد الله بن عمرو. مرفوعا وموقوفا. وقال الترمذي والأصح موقوفا.

(٢) رواه الترمذي (١٣٩٨) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وقال هذا حديث غريب. ورواه الطبراني في الصغير (٥٦٦). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧ / ٢٩٧) وقال : رواه الطبراني في الصغير. وفيه جسر بن فرقد ضعيف.

(٣) رواه ابن ماجه (٢٦٢٠) والبيهقي في السنن (٨ / ٢٢) ، والعقيلي في الضعفاء (٤٥٧) وفي إسناده يزيد بن زياد الشامي. قال البخاري : منكر الحديث. وقال البيهقي : يزيد منكر الحديث. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (٢ / ١٠٤) من حديث أبي هريرة ، وعمر ، وأبي سعيد. وأعلها كلها.

(٤) رواه البخاري (٦٨٦٢) من حديث ابن عمر رضي‌الله‌عنهما.

(٥) رواه أبو داود (٤٤١٧) ، وابن ماجه (٢٦٠٦) من حديث عبادة بن الصامت رضي‌الله‌عنه وإسناده ضعيف.

(٦) رواه الطبراني في الكبير (١٧ / ٣٣٩ و ٣٥١). وقال البيهقي في مجمع الزوائد (١ / ١٩) : رواه الطبراني في الكبير. وإسناده حسن. من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي‌الله‌عنهما.

(٧) رواه أبو داود (٤٢٧٠) ، والبيهقي في السنن (٨ / ٢٢) من حديث أبي الدرداء رضي‌الله‌عنه. وهو حديث صحيح.

٨

قال مالك ـ رحمه‌الله ـ : من لقي الله (تعالى) ولم يشرك في دم مسلم لقي الله خفيف الظهر.

ونبدأ بأول أسباب الحكم في القتل : وهو السجن. اختلف أهل الأمصار هل سجن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبو بكر رضي‌الله‌عنه أحدا أم لا؟ فذكر بعضهم أنه لم يكن لهما سجن ، ولا سجنا أحدا ، وذكر بعضهم أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سجن في المدينة في تهمة دم. رواه عبد الرزاق والنسائي في مصنفيهما من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.

وذكر أبو داود عنه في مصنفه قال : حبس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ناسا من قومي في تهمة بدم (١).

وبهز بن حكيم مجهول عند بعض أهل العلم ، وأدخله البخاري في كتاب الوضوء ، فدل أنه معروف.

وفي غير المصنف عن عبد الرزاق بهذا السند أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم حبس رجلا في تهمة ساعة من نهار ثم خلى عنه (٢).

ووقع في أحكام ابن زياد عن الفقيه أبي صالح أيوب بن سليمان : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سجن رجلا أعتق شركا له في عبد فأوجب عليه استتمام عتقه ، وقال في الحديث : حتى باع غنيمة له (٣).

وفي كتاب ابن شعبان عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن رجلا قتل عبده متعمدا ، فجلده النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مائة جلدة ، ونفاه سنة ، ولم يقده به ، وأمره أن يعتق رقبة (٤).

وقال ابن شعبان في كتابه : وقد رويت عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه حكم بالضرب والسجن. ومن غير كتاب ابن شعبان.

وثبت عن عمر بن الخطاب ـ رضي‌الله‌عنه ـ أنه كان له سجن ، وأنه سجن الحطيئة على الهجو ، وسجن صبيغا التميمي على سؤاله عن الذاريات والمرسلات والنازعات وشبههن ، وأمر الناس بالتفقه ، وضربه مرة بعد مرة ، ونفاه إلى العراق وقيل : إلى البصرة ، وكتب أن لا يجالسه أحد.

__________________

(١) رواه أبو داود (٣٦٣٠) ، والترمذي (١٤١٧) ، والنسائي (٨ / ٦٧) من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي‌الله‌عنه وإسناده حسن.

(٢) رواه الحاكم في المستدرك (٤ / ١٠٢) وصححه. وقال في التلخيص : إبراهيم بن خثيم متروك ؛ والعقيلي (١ / ٥٣) من حديث أبي هريرة رضي‌الله‌عنه. وإسناده ضعيف.

(٣) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٦ / ٤٨٦) ، وعبد الرزاق في المصنف رقم (١٦٧١٦) ، والبيهقي في السنن (١٠ / ٢٧٦) وهو حديث حسن.

(٤) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٩ / ٢٥٤) ، والدارقطني (٣ / ١٤٣ و ١٤٤) وفي إسناده إسماعيل بن عياش وهو ضعيف.

٩

قال المحدث : فلو جاءنا ونحن مائة لتفرقنا عنه. ثم كتب أبو موسى إلى عمر أنه قد حسنت توبته ، فأمره عمر فخلى بينه وبين الناس (١).

وسجن عثمان بن عفان ـ رضي‌الله‌عنه ـ ضابئ بن الحارث وكان من لصوص بني تميم وفتاكهم حتى مات في السجن.

وسجن علي بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه بالكوفة.

وسجن عبد الله بن الزبير بمكة ، وسجن أيضا في سجن دارم : محمد ابن الحنفية إذ امتنع من بيعته.

ووقع في كتاب الخطّابي عن علي بن أبي طالب ـ رضي‌الله‌عنه ـ أنه سجن ، وأنه بنى سجنا من قصب ، فسماه : نافعا ، ففتقته اللصوص ، ثم بنى سجنا من مدر وسماه : مخيسا ، ثم قال : ألا تراني كيسا مكيسا بنيت بعد نافع مخيسا حصنا حصينا وأميرا كيسا.

وفي مصنف أبي داود عن النضر بن شميل عن هرماس بن حبيب عن أبيه عن جده قال : أتيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بغريم لي فقال لي : «الزمه». ثم قال : «يا أخا بني تميم ما تريد أن تصنع بأسيرك» (٢).

واحتج بعض العلماء ممن يرى السجن بقول لله عزوجل : (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) [النّساء : الآية ١٥].

وبقول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم في الذي أمسك رجلا للآخر حتى قتله : «اقتلوا القاتل واصبروا الصابر» (٣). وقال أبو عبيد : قوله اصبروا الصابر يعني احبسوا الذي حبسه للموت حتى يموت. وكذلك ذكره عبد الرزاق في مصنفه عن علي بن أبي طالب : يحبس الممسك في السجن حتى يموت.

«باب حكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في المحاربين من أهل الكفر»

في البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قدم عليه نفر من عكل ، أو من عرينة ، وفي مصنف عبد الرزاق من بني فزارة ، قد ماتوا هزالا. وفي حديث آخر من بني سليم فأسلموا واجتووا المدينة فأمرهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها ، ففعلوا وصحّوا وسمنوا ، فارتدوا وقتلوا الراعي ، واستاقوا الإبل ، فبعث في آثارهم فما ترجّل

__________________

(١) رواه البزار (٢٢٥٩) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧ / ١١٣) وقال : رواه البزار وفيه أبو بكر بن أبي سبرة متروك.

(٢) رواه أبو داود (٣٦٢٩) في الأقضية ، وابن ماجه (٢٤٢٨) وإسناده ضعيف.

(٣) رواه أبو عبيد في الغريب عن إسماعيل بن أمية مرسلا ، والدارقطني في السنن (٣ / ١٤٠) من حديث إسماعيل بن أمية مرسلا. وهو ضعيف.

١٠

النهار حتى جيء بهم ، فأمر بهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : فقطّعت أيديهم وأرجلهم ، وسملت أعينهم ، ثم أمر بحبسهم حتى ماتوا (١).

وفي حديث آخر : أمر بمسامير فأحميت ، فكحّلهم ، وقطع أيديهم وأرجلهم وما حبسهم ، وألقوا في الحرّة يستسقون فما سقوا حتى ماتوا (٢).

وفي حديث آخر : سمل أعينهم. قال أبو قلابة : سرقوا وقتلوا ، وكفروا بعد أيمانهم ، وحاربوا الله ورسوله (٣).

قال سعيد بن جبير في مصنف عبد الرزاق ، ومحمد بن سيرين في كتاب أبي عبيد : كان هذا قبل أن ينزل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم في المائدة : (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) [المائدة : الآية ٣٣].

وفي البخاري ومسلم : كانوا ثمانية نفر ، وسملوا أعين الرعاء. قاله أنس (٤).

وفي مصنف عبد الرزاق : قلت لأنس : ما سمل؟ قال : تحرّ مرآة الحديد ثم تقرّب إلى عينيه حتى تذوبا (٥).

«باب كيف يساق القاتل إلى السلطان وكيف يقرره على القتل»

في كتاب مسلم وعن سماك بن حرب أن علقمة بن وائل حدّثه أن أباه قال : إني لقاعد مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة فقال : يا رسول الله هذا قتل أخي ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أقتلته؟» فقال : إنه إن لم يعترف أقمت عليه البينة ، قال : نعم قتلته. قال : «كيف قتلته؟» ، قال : كنت أنا وهو نختبط من شجرة فسبّني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هل لك من شيء تؤدّيه عن نفسك؟» ، قال : ما لي مال إلا كسائي وفأسي. قال : «أفترى قومك يشترونك؟». قال : أنا أهون على قومي من ذلك. فرمي إليه بنسعته وقال : «دونك صاحبك». فانطلق به الرجل فلما ولّيا قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن قتله فهو مثله». فبلغ الرجل ذلك فرجع فقال : يا رسول الله بلغني أنك قلت : «إن قتله فهو مثله» ، وإنما أخذته بأمرك. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟» قال : يا نبيّ الله! لعلّه قال بلى ، قال : «فإن ذاك كذاك». قال : فرمى بنسعته ، وخلّى سبيله (٦).

__________________

(١) رواه البخاري (٢٣٣) و (١٥٠١) ، ومسلم (١٦٧١ و ١٠ و ١٢) ، وأبو داود (٤٣٦٤) ، والترمذي (٧٢).

(٢) رواه البخاري (٦٨٠٤) من حديث أنس رضي‌الله‌عنه.

(٣) رواه البخاري (٣٠١٨) من حديث أنس رضي‌الله‌عنه.

(٤) رواه البخاري (٣٠١٨).

(٥) رواه عبد الرزاق في المصنف (١٧١٣٢) من حديث أنس رضي‌الله‌عنه موقوفا.

(٦) رواه مسلم (١٦٨٠).

١١

وفي حديث آخر نحوه وقال فيه : فلما أدبر به الرجل قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «القاتل والمقتول في النار». قال : فأتى رجل الرجل فأخبره بمقالة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فخلى عنه (١).

قال إسماعيل بن سالم : فذكرت ذلك لحبيب بن أبي ثابت قال : حدثني بن أشرع أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إنما سأله أن يعفو عنه فأبى.

وفي مسند ابن أبي شيبة في حديث وائل بن حجر الحضرمي كذلك أيضا وقال فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لوليّ المقتول : «أتعفو عنه؟» قال : لا ، قال : «أتأخذ الدية؟» قال : لا. قال : «فتقتله؟» قال : نعم. فأعاد عليه ثلاثا ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن عفوت عنه يبوء بإثمه» (٢).

وفي المسند أيضا في حديث أبي هريرة قال : قتل رجل على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فدفعه إلى وليّ المقتول فقال القاتل : يا رسول الله ما أردت قتله. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم للولي : «أما إنه إن كان صادقا ثم قتلته دخلت النار». قال : فخلّى سبيله ، وكان مكتوفا بنسعة قال : فخرج يجر نسعته قال : فسمي : ذا النسعة (٣).

وفي غير المسند قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «عمد يد وخطأ قلب» وقع هذا في الواضحة.

وفي مصنف النسائي : والله يا رسول الله ما أردت قتله. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم للولى : «إن كان صادقا فقتلته دخلت النار». وكذلك ذكر النسائي : أن القاتل قال : يا رسول الله ما أردت قتله. ثم ذكر باقي الحديث كما في حديث أبي هريرة.

وذكر ابن إسحاق أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سار إلى الطائف على نخلة اليمانية ثم على قرن ثم على المليح ثم على حرة الرعاء من لبة فابتنى بها مسجدا وصلى فيه. وحدثني عمرو بن شعيب أنه أقاد يومئذ بحرة الرعاء بدم ، وهو أول دم أقيد به في الإسلام رجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل فقتله به.

قال في الواضحة : إنما قتله بالقسامة. وفي الواضحة والسير : أن محلم بن جثامة قتل عامر ابن الأضبط الأشجعي فأقسم ولاته ثم دعاهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الدية فأجابوا فوداه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمائة من الإبل.

قال في السير : بخمسين. وقال : خمسين في سفرنا وخمسين إذا رجعنا. فلم يلبث محلّم إلا قليلا.

__________________

(١) رواه مسلم رقم (١٦٨٠ / ٣٣).

(٢) رواه أبو داود (٤٤٩٩) والنسائي (٤٧٢٤) ، والبيهقي في السنن (٨ / ٦٠) .. وهو حديث صحيح.

(٣) رواه أبو داود رقم (٤٤٩٨) ، والترمذي (١٤٠٧) ، وابن ماجه (٢٦٩٠) ، من حديث أبي هريرة رضي‌الله‌عنه. وهو حديث صحيح.

١٢

قال في السير : أقل من سبع حتى مات فدفن فلفظته الأرض.

قال في السير : وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد قال : «اللهم لا تغفر لمحلّم» ثلاثا ، فلفظته الأرض ثلاث مرات (١) ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يجعله لكم عبرة». فألقوه بين ضوجي جبل فأكلته السباع (٢).

«حكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيمن قتل أحدا بحجر»

في البخاري عن أنس بن مالك أن يهوديا رضّ رأس جارية بين حجرين (٣) ، وفي حديث آخر : خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة فرماها يهودي بحجر ، فجيء بها إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبها رمق فقال لها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أقتلك فلان؟» فأشارت برأسها : أن لا ، ثم قال الثانية فأشارت برأسها : أن لا ، ثم سألها الثالثة فأشارت برأسها أن نعم ، فجيء باليهودي فلم يزل به حتى أقر ، فرض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم رأسه بالحجر.

وفي حديث آخر فقتله بين حجرين (٤).

وفي كتاب مسلم ومصنف عبد الرزاق : فأمر به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يرجم (فرجم) حتى مات (٥).

في هذا الحديث من الفقه أن يقتل القاتل بمثل ما قتل من حجر أو عصا أو خنق أو شبهه وهو قول مالك ، بخلاف قول أهل العراق الذين يقولون : لا قود إلا بحديدة. وفيه أن الإشارة المفهومة كالكلام ، وفيه أن يقتل الرجل بالمرأة.

«حكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيمن ضرب امرأة

حاملا فطرحت جنينها»

من الموطأ والبخاري ومسلم عن مالك عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة : أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها ، فقضى فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بغرة (٦) عبد أو وليدة (٧).

__________________

(١) رواه أحمد في المسند (٦ / ١٠) ، وأبو داود (٤٥٠٣) ، والبيهقي في السنن (٩ / ٨١٦) وإسناده ضعيف.

(٢) رواه ابن كثير في البداية والنهاية (٤ / ٢٢٥ و ٢٢٦) وإسناده ضعيف.

(٣) رواه البخاري (٢٤١٣) من حديث أنس رضي‌الله‌عنه.

(٤) رواه البخاري (٦٨٧٧) ، وأبو داود (٤٥٢٧ و ٤٥٢٨) ، والترمذي (١٣٩٤) من حديث أنس.

(٥) رواه مسلم (١٦٧٢ / ١٦) ، من حديث أنس رضي‌الله‌عنه.

(٦) الغرة عند الفقهاء ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية من العبيد والإماء.

(٧) رواه البخاري (٥٧٥٨ و ٥٧٥٩ و ٥٧٦٠) ، ومسلم (١٦١٨) ، والموطأ (٢ / ٨٥٥) ، والترمذي (١٤١٠) ، وأبو داود (٤٥٧٦ و ٤٥٧٧) ، والنسائي (٨ / ٤٧ و ٤٨).

١٣

وفي حديث آخر في كتاب مسلم : فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها ، وفي حديث آخر : ضربتها بعمود فسطاطا وهي حبلى ، وكانت ضرّتها فقتلتها فجعل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم دية المقتولة على عصبة القاتلة وغرة لما في بطنها. وفي كتاب النسائي : ضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها ، فقضى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في جنينها بغرة وأن تقتل بها. وكذلك ذكر غير النسائي أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قتلها مكانها. وقيمة الغرة التي قضى بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خمسون دينارا أو ستمائة درهم قاله قتادة وغيره ، وبه قال مالك بن أنس ، وفي مصنف عبد الرزاق عن عكرمة : أن اسم الهذلي الذي قتلت إحدى امرأتيه الأخرى : حمل بن مالك بن النابغة. واسم القاتلة : أم عفيف ابنة مسروح من بني سعد بن هذيل ، والمقتولة : مليكة بنت عويمر من بني لحيان بن هذيل (١).

وفي البخاري ما يدل أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يقتل الضاربة ، وذلك أنه قال : حدثنا عبد الله بن يوسف عن الليث عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : قضى في جنين امرأة من بني لحيان بغرة عبد أو وليدة ثم إن المرأة التي عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها (٢).

«حكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في القسامة فيمن لم يعرف قاتله»

من موطأ مالك بن أنس عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل عن سهل بن أبي حثمة : أنه أخبره رجال من كبراء قومه : أن عبد الله بن سهل ، ومحيّصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهما ، فأتي محيصة ، فأخبر أن عبد الله بن سهل قتل وطرح في فقير بئر بئر أو عين ، فأتى يهود ، فقال : أنتم والله قتلتموه ، فقالوا : والله ما قتلناه ، فأقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك ، ثم أقبل هو وأخوه حويصة ، وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل : أخوه المقتول ، فذهب محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمحيصة : «كبّر كبّر» ، يريد السن ، فتكلم حويصة ثم تكلّم محيصة فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إما أن يدوا (٣) صاحبكم أو يأذنوا بحرب من الله» ، فكتب إليهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في ذلك ، فكتبوا : إنا والله ما قتلناه ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن : «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟» كذا روى يحيى بن يحيى (٤).

وفي حديث ابن أبي ليلى وفي حديث يحيى بن سعيد خاصة : «وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم». وفي البخاري : «وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم». وفي مصنف أبي داود : «دم

__________________

(١) رواه عبد الرزاق في المصنف رقم (١٨٣٥٦) من كلام عكرمة رضي‌الله‌عنه.

(٢) رواه البخاري (٦٧٤٠) من حديث أبي هريرة رضي‌الله‌عنه.

(٣) يدوا : أي يعطوا الدية.

(٤) رواه مالك في الموطأ (٢٣٥٢ و ٢٣٥٣) في القسامة وإسناده صحيح.

١٤

صاحبكم» وتكرر فقالوا : لا. وفي حديث آخر : لم نشهد ولم نحضر ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فتحلف لكم يهود» ، وفي حديث آخر : «فتبريكم يهود بخمسين يمينا». فقالوا : يا رسول الله ليسوا بمسلمين. وفي حديث آخر : كيف نقبل أيمان قوم كفار ، فوداه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من عنده فبعث إليهم بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار. قال سهل : لقد ركضتني منها ناقة حمراء. وتكرر الحديث في كتاب مسلم وقال فيه : «تستحقون صاحبكم أو قاتلكم» ، وذكر من طريق مالك : «دم صاحبكم» مثل رواية يحيى ، وفي حديث آخر قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته». وفي البخاري ومسلم : فوداه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من إبل الصدقة ، وفي كتاب أبي داود والمصنف : فألقى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ديته على اليهود لأنه وجد بينهم. وفي البخاري أيضا فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «تأتون بالبينة على من قتله» ، قالوا : ما لنا بينة ، قال : «يحلفون» ، قالوا : لا نرضى بأيمان اليهود. فكره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يبطل دمه فوداه من إبل الصدقة ، وفي مصنف عبد الرزاق : أن النبيّ بدأ بيهود فأبوا أن يحلفوا فرد القسامة على الأنصار ، فأبوا أن يحلفوا فجعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم العقل على اليهود وحويصة ومحيصة ابنا عم القتيل وعبد الرحمن أخوه ، وفي مصنف عبد الرزاق : وهو أول من كانت فيه القسامة في الإسلام (١).

في هذا من الفقه : القتل بالقسامة لقوله عليه‌السلام : «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم». وفي الحديث الآخر في كتاب مسلم : «فيدفع برمته» ، وفيه تبدية المدعين بالأيمان بخلاف الحقوق ، وفيه أن لا يقضى بالنكول دون رد الأيمان ، وفيه محاربة أهل الذمة إذا منعوا حقا ، وفيه أن من بعد عن السلطان أن لا يشخص ويكتب إلى الموضع الذي هو به ، وفيه إباحة كتاب القاضي بغير شهود ، وفيه القضاء على الغائب بخلاف قول أهل العراق ، وفيه أن لا يحلف في القسامة رجل واحد ، وفيه الحكم على أهل الذمة بحكم الإسلام وإنما أعطى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الدية من إبل الصدقة من حق الغارمين الذين جعل الله عزوجل لهم سهما في الصدقة إذا لم يتيقن أن يهوديا قتله ، وفيه أن يعطي الرجل من الزكاة أكثر من نصاب.

واتفق مالك والشافعي رحمهما‌الله تعالى على تبدية المدعين الدم بالقسامة إلا أنه لا يقسم عند الشافعي بقول الميت : دمي عند فلان وقال : إذا كانت بين المدعين والمدعى عليهم عداوة كما كانت بين اليهود والمسلمين وجبت القسامة وإلا فلا. وقال ابن لبابة : قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم «لو يعطى الناس بدعواهم لا دعى قوم دماء قوم وأموالهم» (٢) يبطل التدمية.

وفي مسند البزار : أن قوما احتفروا بئرا بأرض اليمن فسقط فيها الأسد فأصبحوا ينظرون

__________________

(١) رواه البخاري (٣١٧٣) و (٦١٤٣) و (٦٨٩٨) ومسلم (١٦٦٩) ، وأبو داود (٤٥٢٠ و ٤٥٢١ و ٤٥٢٣) ، والترمذي (١٤٢٢) ، والنسائي (٨ / ٥ و ١٢) باب تبرئة أهل الدم في القسامة.

(٢) رواه البخاري (٤٥٥٢) ، ومسلم (١٧١١) ، وأبو داود (٣٦١٩) ، والنسائي (٨ / ٢٤٨) ، والترمذي (١٣٤٣) من حديث ابن عباس رضي‌الله‌عنهما.

١٥

فوقع رجل في البئر فتعلق برجل آخر فتعلق الآخر بآخر حتى كانوا أربعة ، فسقطوا جميعا فجرحهم الأسد فقتله رجل برمحه فقال الناس للأول : أنت قتلت أصحابنا وعليك ديتهم فأبى ، فتحاكموا إلى علي بن أبي طالب فقال : اجمعوا ممن حفر البئر من الناس ربع دية. وثلث دية. ونصف دية ودية كاملة ، للأول ربع دية لأنه هلك فوقه ثلاثة. وللثاني ثلث دية لأنه هلك فوقه اثنان ، وللثالث نصف دية لأنه هلك فوقه واحد ، وللآخر الدية تامة ، فأتوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم العام المقبل فقصّوا عليه فقال رجل منهم : إن عليّ بن أبي طالب قضى بيننا بكذا ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هو ما قضى بينكم» (١).

«حكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيمن تزوج امرأة أبيه»

وإرساله عليّ بن أبي طالب إلى ابن عم مارية ليقتله

إن وجده عندها ، فوجده مجبوبا لا ذكر له فتركه

وفي كتاب النسائي ومسند ابن أبي شيبة قال البراء : لقيت خالي أبا بردة ومعه الراية فقال : أرسلني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى من تزوج امرأة أبيه ، وفي كتاب النسائي : إلى رجل يأتي امرأة أبيه أن أقتله (٢). وفي غير الكتابين أن جئ برأسه واستفئ ماله. وفي كتاب الصحابة لابن السكن ، وذكره أيضا ابن أبي خيثمة : أن خالد بن أبي كريمة حدث عن معاوية بن قرة عن أبيه : أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعث أباه جد معاوية إلى رجل عرّس بامرأة أبيه ، فضرب عنقه وخمّس ماله ، قال يحيى بن معين : هذا حديث صحيح (٣).

وفي كتاب ابن السكن وكتاب ابن أبي خيثمة أن ابن عم مارية أم ولد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يتهم بها فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعلي بن أبي طالب : «اذهب فإن وجدته عند مارية فاضرب عنقه». فأتاه علي فإذا هو في ركيّ يتبرّد فيها ، فقال له عليّ : هات يدك ، فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب لبس له. ذكر فكفّ عنه علي ثم أتى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : يا رسول الله إنه مجبوب ما له ذكر (٤). رواه

__________________

(١) رواه البزار (١٥٣٢) ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦ / ٢٨٧) وقال رواه البزار. وقال في آخره لا يروى عن علي إلا بهذا الإسناد. قلت ولم يقل عن علي يعني أن حنشا لم يقل عن علي. وفي إسناده حنش بن المعتمر قال البخاري ـ يتكلمون في حديثه. وقال النسائي ليس بالقوي. وقال أبو حاتم ليس أراهم يحتجون بحديثه.

(٢) رواه أحمد في المسند (١٨٥٥٧) ، وابن أبي شيبة (١٠ / ١٠٤ و ١٠٥) ، والنسائي (٦ / ١٠٩) ، والترمذي (١٣٦٢) ، وأبو داود (٤٤٥٧) من حديث البراء رضي‌الله‌عنه. وإسناده حسن.

(٣) رواه النسائي في الكبرى (٧٢٧٤) ، والبيهقي في السنن (٨ / ٢٠٨) ، وابن ماجه (٢٦٠٨) من حديث معاوية بن قرة عن أبيه رضي‌الله‌عنه. وإسناده صحيح.

(٤) رواه أحمد في المسند (٣ / ٢٨١) (١٣٩٨٩) ، ومسلم (٢٧٧١ و ٥٩) من حديث أنس رضي‌الله‌عنه.

ورواه الطحاوي في مشكل الآثار (٤٩٥٣) ، وأبو نعيم في الحلية (٧ / ٩٣) من حديث علي رضي‌الله‌عنه. وإسناده حسن.

١٦

ثابت البناني عن أنس ، وفي حديث آخر فوجده في نخلة يجمع تمرا وهو ملفوف بخرقة فلما رأى السيف ارتعد وسقطت الخرقة فإذا هو مجبوب لا ذكر له.

«حكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في القتيل يوجد بين قريتين»

في مسند ابن أبي شيبة عن أبي سعيد قال : وجد قتيل بين قريتين فأمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فذرع ما بينهما فوجد إلى أحدهما أقرب فكأني أنظر إلى شبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فألقاه على أقربهما (١) ، وفي مصنف عبد الرزاق قال عمر بن عبد العزيز : قضى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما بلغنا في القتيل يوجد بين ظهراني ديار قوم أن الأيمان على المدّعى عليهم ، فإن نكلوا حلف المدّعون واستحقوا ، فإن نكل الفريقان ، كانت الدية على المدعى عليهم وبطل النصف إذا لم يحلفوا (٢).

«حكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالقصاص بالجرح»

وقوله : أن لا يقاد من جرح إلا بعد البرء في مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال : قضى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في رجل طعن آخر بقرن في رجله فقال : يا رسول الله أقدني ، فقال : «حتى تبرأ جراحك» ، فأبى الرجل إلا أن يستقيد ، فأقاده النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. فصح المستقاد منه وعرج المستقيد فقال : عرجت وبرأ صاحبي : فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ألم آمرك أن لا تستقيد حتى تبرأ جراحك فعصيتني فأبعدك الله عزوجل ، وبطل عرجك». ثم أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من كان به جرح بعد الرجل الذي عرج أن لا يستفاد منه حتى يبرأ جرح صاحبه فالجرح على ما بلغ حتى يبرأ ، فما كان من شلل أو عرج فلا قود فيه ، وهو عقل ، ومن استقاد بجرح فأصيب المستقاد منه فعقل ما فضل من ديته على جرح صاحبه له (٣)

قال عطاء بن أبي رباح : الجروح قصاص. وليس للإمام أن يضربه ولا يسجنه إنما هو القصاص ، وما كان ربك نسيا ، ولو شاء لأمر بالضرب والسجن.

وقال مالك : يقتص منه ويعاقب لجراءته.

«حكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في السن وما لم ير فيه قصاصا»

في البخاري ومسلم عن أنس بن مالك : أن ابنة النضر أخت الرّبيّع لطمت جارية فكسرت

__________________

(١) رواه أحمد في المسند (٣ / ٣٩) و (١١٣٤١) ، والبزار (١٥٣٤) ، والعقيلي في الضعفاء (١ / ٧٦) ، والبيهقي في السنن (٨ / ١٢٦). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦ / ٢٩٠) وقال : رواه أحمد والبزار.

وفيه عطية العوفي ضعيف. نقول : وفي إسنادهما أيضا أبو إسرائيل الملائي الكوفي ضعيف.

(٢) رواه عبد الرزاق في المصنف (١٨٢٩٠) عن ابن جريج ، قال : أخبرني عبد العزيز بن عمر أن عمر وذكره ... بلاغا.

(٣) رواه عبد الرزاق في المصنف (١٧٩٩١) ، والبيهقي في السنن (٨ / ٦٨) ، والدارقطني (٣ / ٨٨) من طريق محمد بن حمدان ، عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وسنده حسن.

١٧

ثنيتها. وفي حديث آخر في كتاب مسلم : سحلت أسنانها ، فاختصموا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأمر بالقصاص ، فقالت أم الربيع : يا رسول الله أيقتص من فلانة؟ والله لا يقتص منها. فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «سبحان الله يا أم الربيع القصاص في كتاب الله». قالت : والله لا يقتص منها أبدا ، قالت : فما زالت حتى قبلوا الدية ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» (١).

وفي الكتابين : أن رجلا عضّ يد رجل ، فنزع يده من فيه فوقعت ثنّيتاه ، فاختصموا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «يعص أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟ لا دية لك» (٢).

وفي مصنف أبي داود قضى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية (٣). وفي المدونة والموطأ عن زيد بن ثابت بمائة دينار (٤) ، وقال مالك : ليس فيها إلا الاجتهاد (٥)

«حكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيمن أقر بالزنا وهو محصن»

في موطأ مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، أنه قال : إن رجلا من أسلم جاء إلى أبي بكر الصديق ، فقال له : إن الآخر قد زنى ، فقال له أبو بكر : هل ذكرت ذلك لأحد غيري؟ فقال : لا. فقال له أبو بكر : فتب إلى الله واستتر يستر الله عليك ، فإن الله يقبل التوبة عن عباده. فلم تقرره نفسه حتى جاء إلى عمر بن الخطاب ، فقال له مثل ما قال لأبي بكر ، فقال له عمر مثل ما قال له أبو بكر ، فلم تقرره نفسه حتى أتى إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال له : إن الآخر زنى ، قال سعيد : فأعرض عنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثلاث مرات. كل ذلك يعرض عنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى إذا أكثر عليه ، بعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى أهله : «أجنة يشتكي؟ أبه جنون؟» فقالوا : لا والله يا رسول الله إنه لصحيح. فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أبكر أم ثيب؟» فقال : بل ثيب يا رسول الله. فأمر به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فرجم (٦).

ووقع في البخاري ، أخبرنا محمود ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري عن أبي سلمة ، عن جابر : أن رجلا من أسلم جاء إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فاعترف بالزنا ، فأعرض عنه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى شهد على نفسه أربع مرات ، فقال له النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أبك جنون؟» قال : لا ، قال :

__________________

(١) رواه البخاري رقم (٢٧٠٣) و (٢٨٠٦) ، ومسلم (١٦٧٥).

(٢) رواه البخاري (٦٨٩٢) ، ومسلم (١٦٧٣) من حديث عمران بن حصين رضي‌الله‌عنه.

(٣) رواه أبو داود (٤٥٦٧) ، والنسائي (٨ / ٥٥) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وسنده حسن.

(٤) رواه مالك في الموطأ (٢٢٦٦) في القسامة من كلام زيد بن ثابت رضي‌الله‌عنه موقوفا.

(٥) رواه مالك في الموطأ (٢٢٦٧) من كلام مالك بن أنس رحمه‌الله موقوفا عليه.

(٦) رواه مالك في الموطأ (١٧٥٦) في الحدود ، وهو حديث مرسل. ويشهد له ما بعده.

١٨

«أحصنت؟» قال : نعم ، فأمر به فرجم في المصلّى ، فلما أذلقته الحجارة فرّ فأدرك فرجم حتى مات فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم خيرا وصلّى عليه. ولم يقل يونس ولا ابن جريج عن الزهري : وصلى عليه (١).

وفي كتاب مسلم : فرده أربع مرات ، وفي حديث آخر : فرده مرتين. وفي حديث آخر : فرده مرتين أو ثلاثا ، ثم قام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خطيبا من العشي قال : «أو كلما انطلقنا غزاة في سبيل الله تخلّف رجل في عيالنا له نبيب كنبيب التيس ، عليّ ألّا أوتي برجل فعل ذلك إلا نكلت به». قال : فما استغفر ولا سبه (٢).

وفي حديث آخر فلبثوا يومين أو ثلاثة ثم جاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم والناس جلوس فقال : «استغفروا لماعز بن مالك». فقالوا : غفر الله لماعز بن مالك ، قال : فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم». وفي مصنف أبي داود : «والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها» (٣).

وفي الموطأ لمالك ، عن يعقوب بن زيد ، بن طلحة عن أبيه زيد بن طلحة عن عبد الله بن أبي مليكة ، أنه أخبره : أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخبرته أنها زنت ، وهي حامل. فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اذهبي حتى تضعيه» ، فلما وضعته جاءت ، فقال لها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اذهبي حتى ترضعيه». فلما أرضعته جاءته فقال : «اذهبي فاستودعيه». ثم قال : فاستودعته ثم جاءت فأمر بها فرجمت (٤).

وفي كتاب مسلم فأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فحفر لها حفرة إلى صدرها ، ثم رجمت وصلى عليها فقال له عمر : تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت! قال : «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم. وهل أفضل من أن جادت بنفسها لله». وفي كتاب النسائي : وحضر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم رجمها ورماها بحجر قدر الحمصة وهو راكب على بغلته (٥).

وفي حديث الموطأ من الفقه : أن من أقر بالزنا مرة واحدة أقيم عليه الحد ، ولا ينتظر أن يقر أربع مرات ، وأن لا يجلد من وجب رجمه ، وأن المجنون لا يلزمه إقراره بدليل قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أبه جنة؟».

«حكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على اليهود بالرجم في الزنا»

في الموطأ مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه قال : إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم

__________________

(١) رواه البخاري (٦٨٢٠) ، ومسلم (١٧٠١) من حديث جابر بن عبد الله رضي‌الله‌عنهما.

(٢) رواه مسلم (١٦٩٢) ، وأبو داود (٤٤٢٢) من حديث جابر بن سمرة رضي‌الله‌عنه.

(٣) رواه مسلم (١٦٩٥) ، وأبو داود (٤٤٣٣) من حديث بريدة رضي‌الله‌عنه.

(٤) رواه مالك في الموطأ (٢ / ٨٢١) و (١٧٥٩) في الحدود ، وهو مرسل ولكن يشهد له ما بعده.

(٥) رواه مسلم (١٦٩٦). وأبو داود (٤٤٤٠) من حديث عمران بن الحصين رضي‌الله‌عنه.

١٩

فذكروا أن رجلا منهم وامرأة قد زنيا ، فقال لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم». فقالوا : نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام : كذبتم إن فيها آية الرجم ، فأتوا بالتوراة ، فأتوا بالتوراة فنشروها ، فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، ثم قرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك ، فرفع يده ، فإذا فيها آية الرجم ، فأمر بهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فرجما ، فقال عبد الله بن عمر : فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة. قال مالك : معنى يحني ظهره : يكب عليها حتى تقع الحجارة عليه (١).

وذكر البخاري ومسلم نحوه (٢) وفي كتاب النسائي عن ابن عباس أنه قال : الرجم في كتاب الله عزوجل حق ، ولا يغوص عليه إلا غوّاص (٣) قوله تعالى (يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ) [المائدة : الآية ٦٥]. وقال مالك في غير الموطأ : لم يكن اليهوديان أهل ذمة. وذكر البخاري أنهما أهل ذمة ، ووقع في معاني القرآن للزجاج : أن الزنا كثر في أشراف اليهود بخيبر ، وكان في التوراة أن على المحصنين الرجم ، فزنى رجل وامرأة فطمعت اليهود أن يكون نزل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الجلد على المحصنين ، وهي تأويل قول الله عزوجل : (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ) [المائدة : الآية ٤١]. يقولون : إن أوتيتم هذا فخذوه أي أوتيتم هذا الحكم المحرّف فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا.

وفي مصنف أبي داود ، نا يحيى بن موسى البلخي ، نا أبو أسامة عن مجالد ، عن عامر ، عن جابر بن عبد الله قال : جاءت يهود برجل وامرأة منهم زنيا فقال : «ايتوني بأعلم الرجلين منكم» ، فأتوه بابني صوريا ، فناشدهما الله كيف تجدان أمر هذين في التوراة فقالا : نجد في التوراة أنه إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما ، قال : «فما يمنعكما أن ترجموهما» ، قالا : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل. فدعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالشهود فجاء أربعة فشهدوا فأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم برجمهما. وفي حديث آخر بأربعة منهم ، وفي رواية أخرى قال لليهود : «ايتوني بأربعة منكم» ، ويقال إن مجالدا غير مقبول الحديث وإنما رجمهما النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بغير شهادة اليهود إما بوحي أو بشهادة مسلمين أو بإقرارهما (٤).

في مسند البزار أنهم أتوا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بابني صوريا فقال لهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أنتما أعلم من وراءكما؟» فقالا : كذلك يزعمون ، فناشدهما بالله الذي أنزل التوراة على موسى كيف تجدان أمر

__________________

(١) رواه مالك في الموطأ (١٧٥٥) في الحدود وهو حديث صحيح.

(٢) رواه البخاري (٦٨١٩) ، ومسلم (١٦٩٩) من حديث ابن عمر رضي‌الله‌عنهما.

(٣) رواه الحاكم في المستدرك (٤ / ٣٥٩) وصححه الحاكم. وقال في التلخيص : صحيح.

(٤) رواه أبو داود (٤٤٥٢) من حديث جابر رضي‌الله‌عنه. وهو حديث صحيح.

٢٠