🚘

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى - ج ٢

نور الدين علي بن أحمد السّمهودي

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى - ج ٢

المؤلف:

نور الدين علي بن أحمد السّمهودي


المحقق: خالد عبد الغني محفوظ
الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٢٨١
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي اختار رسوله محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم من أطيب الأرومات ، والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على أشرف الكائنات ، وعلى آله وصحبه الذين فدوه بالأنفس والأموال وبالآباء والأمهات. وعلى من اتبعه واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الفصل الرابع : الروايات في حنين الجذع

في خبر الجذع الذي كان يخطب إليه صلى‌الله‌عليه‌وسلم واتخاذه المنبر ، وما اتفق فيه ، وما جعل بدله بعد الحريق ، واتخاذ الكسوة له.

روينا في صحيح البخاري عن ابن عمر قال : كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب إلى جذع ، فلما اتخذ المنبر تحول إليه ، فحن الجذع ، فأتاه فمسح يده عليه. وفيه عن جابر أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة ، فقالت امرأة من الأنصار ، أو رجل : يا رسول الله ، ألا نجعل لك منبرا؟ قال : إن شئتم ، فجعلوا له منبرا ، فلما كان يوم الجمعة رفع إلى المنبر ، فصاحت النخلة صياح الصبي ، ثم نزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فضمّه إليه وهو يئن أنين الصبي الذي يسكن ، قال : كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها.

وفيه أيضا عنه : كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل ، فكان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا خطب يقوم إلى جذع منها ، فلما صنع له المنبر فكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت (١) العشار ، الحديث.

وعند النسائي في الكبرى عن جابر : اضطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج : أي التي انتزع ولدها منها. وعند ابن خزيمة عن أنس : فحنّت الخشبة حنين الواله (٢). وفي روايته الأخرى عند الدارمي : خار ذلك الجذع كخوار الثور.

وفي حديث أبي بن كعب عند أحمد والدارمي وابن ماجه : فلما جاوزه خار الجذع حتى تصدع وانشق. وفي حديثه : فأخذ أبيّ بن كعب ذلك الجذع لما هدم المسجد فلم يزل عنده حتى بلى وعاد رفاتا. وفي حديث أبي سعيد عند الدارمي : فأمر به أن يحفر له ويدفن ، وسيأتي أحاديث بذلك ، ولا تنافي بين ذلك ؛ لاحتمال أن يكون ظهر بعد الهدم عند التنظيف ، فأخذه أبيّ بن كعب.

__________________

(١) العشار : مفردها : العشراء ، من النّوق ونحوها : ما مضى على حملها عشرة أشهر. وفي التنزيل العزيز : (وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ) [التكوير : ٤].

(٢) الواله : الذي اشتد حزنه حتى ذهب عقله.

٣

وقال أبو اليمن بن عساكر في تحفته : وفي رواية فلما جلس عليه أي المنبر حنت الخشبة حنين الناقة على ولدها ، حتى نزل النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فوضع يده عليها ، فلما كان من الغد رأيتها قد حوّلت ، فقلنا : ما هذا؟ قال : جاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبو بكر وعمر فحولوها ، انتهى.

وفي مسند الدارمي من حديث بريدة : كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا خطب قام فأطال القيام ، فكان يشق عليه قيامه ، فأتى بجذع نخلة ، فحفر له وأقيم إلى جنبه قائما للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ فكان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا خطب فطال القيام عليه استند فاتكى عليه ، فبصر به رجل كان ورد المدينة فرآه قائما إلى جنب ذلك الجذع ، فقال لمن يليه من الناس : لو أعلم أن محمدا يحمدني في شيء يرفق به لصنعت له مجلسا يقوم عليه ، فإن شاء جلس ما شاء ، وإن شاء قام ، فبلغ ذلك النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : ائتوني به ، فأتوه به ، فأمر أن يصنع له هذه المراقي الثلاث أو الأربع ، هي الآن في مسجد المدينة ؛ فوجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في ذلك راحة ، فلما فارق النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم الجذع وعمد إلى هذه التي صنع له جزع الجذع فحنّ كما تحن الناقة ، حين فارقه النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فزعم ابن بريدة عن أبيه رضي‌الله‌عنه أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم حين سمع حنين الجذع رجع إليه فوضع يده عليه ، وقال : اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت ، وإن شئت أن أغرسك في الجنة ، فتشرب من أنهارها وعيونها فتحسن زينتك ، وتثمر ، فتأكل كل أولياء الله من ثمرتك وتخلد ؛ فعلت ؛ فزعم أنه سمع من النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يقول له : نعم قد فعلت ، مرتين ، فسئل النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : اختار أن أغرسه في الجنة.

ولفظه عند عياض : إن شئت أردك إلى الحائط الذي كنت فيه تنبت لك عروقك ، ويكمل خلقك ، ويجدد لك خوص وثمرة ، وإن شئت أغرسك في الجنة فتأكل أولياء الله من ثمرك ، ثم أصغى له النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسمع ما يقول ، فقال : بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله وأكون في مكان لا أبلي فيه فسمعه من يليه ، قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : قد فعلت ، ثم قال : اختار دار البقاء على دار الفناء ، فكان الحسن إذا حدث بهذا بكى وقال : يا عباد الله ، الخشبة تحن إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم شوقا إليه لمكانه ، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه ، وهو في كتاب يحيى بنحوه ، وفي حديث سهل بن سعد عند أبي نعيم : فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ألا تعجبون من حنين هذه الخشبة ، فأقبل الناس عليها فسمعوا من حنينها حتى كثر بكاؤهم.

وفي لفظ عند ابن عبد البر : فلما جاوزه خار الجذع حتى تصدع وانشق ، فرجع إليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فمسحه بيده حتى سكن ، ثم رجع إلى المنبر ، قال : فكان إذا صلّى صلى إليه ، فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب فلم يزل عنده حتى أكلته الأرضة وعاد رفاتا.

وهذا يبعد ما قدمناه من التأويل ؛ إذا ظاهره أنه لم يدفن.

ويحتمل : أن ذلك كان بعد دفنه ، ومشى يصلي إليه قريبا منه ؛ لأنه كان عند مصلّاه كما سنحققه.

٤

وفي كتاب يحيى عن أبي سعيد : كان صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب إلى جذع نخلة ، فأتاه رجل رومي ، فقال : أصنع لك منبرا تخطب عليه ، فصنع له منبره الذي ترون ، فلما قام عليه فخطب حنّ الجذع حنين الناقة إلى ولدها ، فنزل إليه النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فضمّه فسكن ، وأمر به النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يدفن ويحفر له.

وعن عائشة رضي‌الله‌عنها : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب إلى جذع يتساند إليه ، فمر رومي فقال : لو دعاني محمد لعملت له ما هو أرفق له من هذا ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأرسل إليه ، فدعاه ، فجعل له المنبر ، ثم ذكر حنين الجذع وتخيير النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم له ، قال:فقالت : فسمعنا النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يقول : فنعم ، فغار الجذع فذهب.

وعن أنس أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يخطب إلى الجذع ، فلما اتخذ المنبر وعدل إليه حن الجذع حتى أتاه فاحتضنه فسكن ، وقال : لو لم أفعل هذا لحنّ إلى يوم القيامة.

وذكر الأسفراييني أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم دعاه إلى نفسه ، فجاء يخرق الأرض فالتزمه ، ثم أمره فعاد إلى مكانه.

صانع المنبر

وفي كتاب ابن زبالة عن خالد بن سعيد مرسلا أن تميما الداري كان يرى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يشتد عليه وجع كان يجده في فخذيه يقال له الزجر ، فقال له تميم : يا رسول الله ألا أصنع لك منبرا تقوم عليه ، فإنه أهون عليك إذا قمت وإذا قعدت؟ قال : وكيف المنبر؟ قال : أنا يا رسول الله أصنعه لك ، قال : فخرج إلى الغابة فقطع منها خشبات من أثل ، فعمل له درجتين : أي غير المقعد ، فتحول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الخشبة التي كان يستند إليها إذا خطب ، ثم ذكر حنينها ، وقال : بلغنا أنها دفنت تحت المنبر.

وعن المطلب بن حنطب أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر بالجذع فحفر له تحت المنبر فدفن هنالك ، قال:والذي عمل المنبر غلام نصيبة المخزومي ، وكان المنبر من أثلة كانت قريبا من المسجد.

وعن سهل بن سعد الساعدي نحو ما في الصحيح أن رجالا أتوا سهلا وقد امتروا في المنبر مم عوده ، فسألوه عن ذلك ، فقال : والله إني لأعرف ممّ هو ، ولقد رأيته أول يوم وضع ، وأول يوم جلس عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أرسل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى فلانة امرأة من الأنصار قد سماها سهل : مري غلامك النجار ، أن يعمل لي أعوادا أجلس عليها إذا كلمات الناس ، فأمرته فعملها من طرفاء الغابة ، ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأمر بها فوضعت هاهنا ، ثم رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى عليها وكبر وهو عليها ، ثم ركع وهو عليها ، ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر ، هذا لفظ الصحيح ، وزاد فيه ابن زبالة : وقطعت خشب المنبر بيدي مع الذي بعثه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحملت إحدى الدرجات.

٥

ورواه يحيى بلفظ : عمل من أثل ، يعني المنبر ، وكنت ممن حمل درجته هذه ، ثم ذكر حنين الجذع ، وفي رواية للبخاري في كتاب الهبة «فجاءوا به ـ يعني المنبر ـ فاحتمله النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فوضعه حيث ترون».

وقال الحافظ ابن حجر : صحف بعض الرواة قوله إلى فلانة امرأة من الأنصار فقال إلى علاثة (بالعين المهملة والمثلاثة) وهو خطأ ، والمرأة لا يعرف اسمها ، ونقل ابن التين عن مالك أن النجار كان مولى لسعد بن عبادة ؛ فيحتمل أنه كان في الأصل مولى امرأته ، ونسب إليه مجازا ، واسم امرأته فكيهة بنت عبيد بن دليم ، وهي ابنة عمه ؛ فيحتمل أن تكون هي المرأة ، لكن رواه ابن راهواه عن ابن عيينة وقال : مولى لبني بياضة ، ووقع عند الكرماني قيل : اسمها عائشة ، وأظنه صحّف المصحف ، ثم وجدت في الأوسط للطبراني من حديث جابر أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يصلي إلى سارية في المسجد ، ويخطب إليها ، ويعتمد عليها ، فأمرت عائشة ، فصنعت له منبره هذا ، فذكر الحديث ، وإسناده ضعيف ، ولو صح لما دل على أن عائشة هي المرادة في حديث سهل هذا إلا بتعسف ، والله أعلم.

وأسند ابن سعد في الطبقات من حديث أبي هريرة ، ورجاله ثقات إلا الواقدي أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «كان يخطب وهو مستند إلى جذع ، فقال : إن القيام قد شق علي ، فقال تميم الداري : ألا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام؟ فشاور النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم المسلمين في ذلك ، فرأوا أن يتخذه ، فقال العباس بن عبد المطلب : إن لي غلاما يقال له كلاب أعمل الناس ، فقال : مره أن يعمل» الحديث.

موضع الجذع

وأسند يحيى منقطعا عن ابن أبي الزناد وغيره أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يخطب يوم الجمعة إلى جذع في المسجد كان موضعه عند الأسطوانة المخلّقة التي تلي القبر التي عن يسار الأسطوانة المخلّقة التي كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلي عندها التي هي عند الصندوق ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن القيام قد شق علي ، وشكا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ضعفا في رجليه ، قالوا : فقال تميم الداري ـ وكان رجلا من لخم من أهل فلسطين ـ يا رسول الله أنا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام ، قالوا : فلما أجمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وذو الرأي من أصحابه على اتخاذه قال العباس بن عبد المطلب : إن لي غلاما يقال له كلاب أعمل الناس ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : مره يعمل ، فأرسله إلى أثلة بالغابة فقطعها ثم عملها درجتين ومجلسا ، ثم جاء بالمنبر فوضعه في موضعه اليوم ، ثم راح رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم الجمعة ، فلما جاوز الجذع يريد المنبر حن الجذع ثلاث مرات كأنه خوار بقرة ، حتى ارتاع الناس ، وقام بعضهم على رجليه ، فأقبل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى مسه بيده ، فسكن ، فما سمع له صوت بعد ذلك ، ثم رجع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى المنبر فقام عليه ،

٦

فلم يزل كذلك في زمان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبي بكر وعمر ، فلما هدم عثمان المسجد اختلف في الجذع ، فمنهم من قال : أخذه أبي بن كعب ، فكان عنده حتى أكلته الأرضة ، ومنهم من قال : دفن في موضعه.

شهرة حديث حنين الجذع

وقال عياض : حديث حنين الجذع مشهور منتشر ، والخبر به متواتر ، أخرجه أهل الصحيح ، ورواه من الصحابة بضعة عشر.

وقال البيهقي : قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف ، ورواية الأخبار الخاصة فيها كالتكلف ، وفيه دليل على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكا كأشرف الحيوان.

وقد نقل ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن أبيه عن عمرو بن سواد عن الشافعي قال : ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا ، فقلت : أعطى عيسى إحياء الموتى ، قال : أعطى محمدا حنين الجذع حتى سمع صوته ؛ فهذا أكبر من ذلك.

الموضع الذي دفن فيه الجذع

ونقل ابن زبالة اختلافا في دفن خشبته ؛ فعن عثمان بن محمد : دفنت دوين المنبر عن يساره ، وقال بعضهم : دفنت شرقي المنبر إلى جنبه ، وقال بعضهم : دفنت تحت المنبر ، وتقدم في رواية أنه دفن في موضعه الذي كان فيه ، ومحصل الرواية المتقدمة في كلام يحيى أنه كان في جهة المشرق يسار المصلّى الشريف.

ونقل ابن زبالة عن عبد العزيز بن محمد أن الأسطوان الملطّخ بالخلوق ثلثاها أو نحو ذلك محرابها موضع الجذع الذي كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب إليه ، بينها وبين القبلة أسطوان ، وبينها وبين المنبر أسطوان.

بدعة اصطنعها الناس بسبب الجذع

قلت : وهذه الأسطوانة هي التي تقدم أنها علم المصلّى الشريف عن يمينه ، ولهذا روى عقبة ما قدمناه من القيام بمقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في الصلاة لمن عدل عنها قليلا ، وهذا مستند المطري في قوله : وكان هذا الجذع عن يمين مصلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لاصقا بجدار المسجد القبلي في موضع كرسي الشمعة اليمنى التي توضع عن يمين الإمام المصلّي في مقام النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والأسطوانة التي قبلي الكرسي متقدمة عن موضع الجذع ؛ فلا يعتمد على قول من جعلها في موضع الجذع ، قال : وفيها خشبة ظاهرة مثبتة بالرصاص سدادة لموضع كان في حجر من حجارة الأسطوانة مفتوح قد حوط عليه بالبياض والخشبة ظاهرة ، تقول العامة : هذا الجذع الذي حن إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وليس كذلك بل هو من جملة البدع التي يجب إزالتها

٧

لئلا يفتن بها الناس ، كما أزيلت الجزعة التي كانت في المحراب القبلي ، وذكر قصة الجزعة التي قدمناها.

وقال المجد : إن الخشبة المذكورة كان يزدحم على زيارتها والتمسح بها ، ويعتقد الناس عامة أنها الجذع ، فظن بعض الفقهاء أن هذا من المنكر الذي يتعين إزالته ، وصرح بهذا في كتبه ، إلى أن وافق على ذلك شيخنا العز بن جماعة فأمر بإزالتها ، إلى آخر ما قدمناه عنه.

قال : وكان موضع الخشبة من الأسطوان المذكور على مقدار ذراعين من الأرض ارتفاعا ، وقد طلي عليه بالقصة ، ولا عين منه ولا أثر.

قلت : الذي يظهر ـ كما قدمته ـ أن هذه الخشبة كانت من العود الذي كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يضع يده عليه ويقول : عدلوا صفوفكم ، كما تقدم ، والله أعلم.

عود إلى الاختلاف في صانع المنبر

ونقل ابن زبالة الاختلاف في الذي عمل المنبر ، فقيل : غلام نصيبة المخزومي ، وقيل: غلام للعباس ، وقيل : غلام لسعيد بن العاص يقال له باقول (بموحدة وقاف مضمومة) وقيل : غلام لامرأة من الأنصار من بني ساعدة ، أو لامرأة لرجل منهم يقال له مينا ، وقوله «يقال له مينا» يحتمل المولى وزوج المرأة ، لكن عند يحيى قال إسماعيل بن عبد الله : الذي عمل المنبر غلام الأنصارية واسمه مينا ، وعند ابن بشكوال عن أبي بن أويس : عمل المنبر غلام لامرأة من الأنصار من بني سلمة أو بني ساعدة أو امرأة لرجل منهم يقال له مينا ، وهذا محتمل كالأول ، وقيل : عمله تميم الداري ، هذا حاصل ما ذكره ابن زبالة ، وفي رواية ليحيى : عمل المنبر صباح غلام العباس (بضم المهملة بعدها موحدة خفيفة) وتقدم تسميته كلابا ، ونقل المراغي عن بعض شيوخه أن الذي عمله باقوم (بالميم) باني الكعبة لقريش ، وفي الاستيعاب عن باقوم الرومي قال : صنعت لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم منبرا من طرفاء له ثلاث درجات : المقعدة ، ودرجتيه ، قال ابن عبد البر : وإسناده ليس بالقائم.

وفي طبقات ابن سعد أن الصحابة قالوا : يا رسول الله إن الناس قد كثروا ، فلو اتخذت شيئا تقوم عليه إذا خطبت ، قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما شئتم ، قال سهل رضي‌الله‌عنه : ولم يكن بالمدينة إلا نجار واحد ، فذهبت أنا وذاك النجار إلى الغابة فقطعنا هذا المنبر من أثلة ، وفي لفظ : فحمل سهل منهن خشبة ، قال المجد : إسنادهما صحيح ، وعند قاسم بن أصبغ : وكان بالمدينة نجار واحد يقال له ميمون ، فذكر الحديث ، وعند الطبراني عن سهل : كنت جالسا مع خال لي من الأنصار ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : اخرج إلى الغابة وأتني من خشبها فاعمل لي

٨

منبرا ، الحديث. وأخرج الطبراني بإسناد فيه متروك أن اسم صانع المنبر إبراهيم ، وفي أسماء الصحابة لابن شبة مرسلا : اسمه قبيصة أو قصيبة بتقديم الصاد ، المخزومي ، مولاهم ، وعند أبي داود بإسناد جيد أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما بدّن قال تميم الداري : يا رسول الله ألا تتخذ لك منبرا يحمل ـ أو يجمع ـ عظامك ، قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : بلى ، فاتخذ له منبرا مرقاتين : أي غير المقعدة.

قال الحافظ ابن حجر : وليس في الروايات التي سمي فيها النجار قوي السند إلا هذا ، وليس فيه تصريح بأن الذي اتخذ المنبر تميم ، بل قد تبين من رواية ابن سعد المتقدمة أن تميما لم يعمله ، وأشبه الأقوال بالصواب أنه ميمون ؛ لكون الإسناد من طريق سهل ، ولا اعتداد بالأقوال الأخرى لكونها واهية.

قلت : ولا ينافيه قوله في مقدمة الشرح «باقوم أشهر الأقوال» فقد يشتهر الواهي.

وفي التحفة لابن عساكر : روينا من حديث أبي كبشة السلولي عن معاذ رضي‌الله‌عنه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن أتّخذ منبرا فقد اتخذه أبي إبراهيم ، وإن اتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم ، صلى الله عليهما وسلم.

وأسند ابن النجار من حديث أنس : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب يوم الجمعة إلى جنب خشبة مسندا ظهره إليها ، فلما كثر الناس قال : ابنوا لي منبرا ، فبنوا له منبرا له عتبتان ، وهو يقتضي أن المنبر كان بناء ، ويحتمل أنه أطلق على تأليفه من الأخشاب اسم البناء ، لكن قال الحافظ ابن حجر : حكى بعض أهل السير أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم «كان يخطب على منبر من طين قبل أن يتخذ المنبر الذي من خشب» ويعكر عليه ما تقدم في الأحاديث الصحيحة من أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب.

قلت : يحتمل أن ذلك المنبر المتخذ من الطين كان إلى جانب الجذع ، وكأنه كان بناء مرتفعا فقط ، وليس له درج ومقعدة بحيث يكمل الارتفاق به ؛ فلا ينافي ما تقدم في سبب اتخاذ المنبر من خشب ، ويؤيد ذلك ما ورد في حديث الإفك في الصحيحين عن عائشة قالت : فثار الحيان الأوس والخزرج حتى كادوا أن يقتتلوا ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على المنبر ، الحديث ، وهذه القصة متقدمة على اتخاذ المنبر من الخشب ؛ فقد جزم ابن النجار بأن عمله كان سنة ثمان ، وجزم ابن سعد بأنه كان في السنة السابعة ، على أن ذكر تميم والعباس في عمله كما تقدم يقتضي تأخره عن ذلك أيضا ؛ فقد كان قدوم العباس بعد الفتح في آخر سنة ثمان ، وقدوم تميم سنة تسع ، وفي بعض طرق الحديث : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يجلس بين أصحابه ، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو ، فطلبنا إليه أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه ، فبنينا له دكانا من طين كان يجلس عليه ، الحديث. وفي بعض طرقه أنه جاء والنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب أي : على ذلك الدكان ، والله أعلم.

٩

وروى يحيى عن ابن أبي الزناد أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يجلس على المجلس ، ويضع رجليه على الدرجة الثانية ، فلما ولي أبو بكر قام على الدرجة الثانية ، ووضع رجليه على الدرجة السفلى ، فلما ولي عمر قام على الدرجة السفلى ، ووضع رجليه على الأرض إذا قعد ، فلما ولي عثمان فعل ذلك ست سنين من خلافته ؛ ثم علا إلى موضع النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

ثم قال : قالوا فلما استخلف معاوية زاد في المنبر ، فجعل له ست درجات ، وكان عثمان أول من كسا المنبر قبطية.

أراد معاوية أن ينقل المنبر إلى الشام

قالوا : فلما قدم معاوية عام حج حرك المنبر ، وأراد أن يخرجه إلى الشام ، فكسفت الشمس يومئذ ، حتى بدت النجوم ، فاعتذر معاوية إلى الناس ، وقال : أردت أنظر إلى ما تحته ، وخشيت عليه من الأرضة. قال بعضهم : وكساه يومئذ قبطية أو لينة. ثم أسند عن سعيد ابن عمرو قصة تحريك معاوية للمنبر ، وأن الشمس كسفت ، واعتذاره بأن خشي عليه الأرضة ، وأنه كساه يومئذ قبطية يكون عليه أو لينة ، فكان يقال : هو أول من كساه ، قال يحيى : وأثبتهما عندنا أن عثمان هو أول من كساه ، وقد نقل ذلك ابن النجار عن الواقدي عن ابن أبي الزناد ، قال : فسرقت الكسوة امرأة ، فأتى بها عثمان ، فقال لها : هل سرقت؟ قولي لا ، فاعترفت ، فقطعها ، واتفق لامرأة مع ابن الزبير مثل ذلك.

وفي تاريخ الواقدي : أراد معاوية رضي‌الله‌عنه سنة خمسين تحويل منبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى دمشق ، فكسفت الشمس يومئذ ، وكلمه أبو هريرة رضي‌الله‌عنه فيه ، فتركه ، فلما كان عبد الملك أراد ذلك فكلمه قبيصة فتركه ؛ فلما كان الوليد أراد ذلك فأرسل سعيد بن المسيب إلى عمر بن عبد العزيز فكلمه فيه فتركه ، فلما كان سليمان قيل له في تحويله قال : لا ؛ ها الله ، أخذنا الدنيا ونعمد إلى علم من أعلام الإسلام نريد تحويله؟ ذاك شيء لا أفعله ؛ وما كنت أحب أن يذكر هذا عن عبد الملك ولا عن الوليد! ما لنا ولهذا؟

رفع المنبر ست درجات

وأسند ابن زبالة عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال : بعث معاوية رضي‌الله‌عنه إلى مروان يأمره أن يحمل إليه منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأمر به أن يقلع ، فأظلمت المدينة ، وأصابتهم ريح شديدة ، قال : فخرج عليهم مروان فخطبهم ، وقال : يا أهل المدينة إنكم تزعمون أن أمير المؤمنين بعث إلى منبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأمير المؤمنين أعلم بالله من أن يغير منبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ما وضعه عليه ، إنما أمرني أن أكرمه وأرفعه ، قال : فدعا نجارا فزاد فيه الزيادة التي هو عليها اليوم ، ووضعه موضعه اليوم.

وفي رواية له عن ابن قطن : قلع مروان بن الحكم منبر رسول الله ، وكان درجتين

١٠

والمجلس ، وأراد أن يبعث به إلى معاوية ، قال : فكسفت الشمس حتى رأينا النجوم ، قال : فزاد فيه ست درجات ، وخطب الناس فقال : إني إنما رفعته حين كثر الناس.

وعند يحيى في رواية أخرى : كتب معاوية رضي‌الله‌عنه إلى مروان وهو على المدينة أن أرسل لي بمنبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فخرج مروان فقلعه ، فأصابتنا ريح مظلمة بدت فيها النجوم نهارا ، ويلقى الرجل الرجل يصكه فلا يعرفه ، وذكر اعتذار مروان المتقدم ، وقال : إنما كتب إلي يأمرني أن أرفعه من الأرض ، فدعا له النجاجرة ، فعمل هذه الدرجات ورفعوه عليها ، وهي ـ أي الدرجات التي زادها ـ ست درجات ، قال : ثم لم يزد فيه أحد قبله ولا بعده.

وقال ابن زبالة عقب حديث رواه من طريق سفيان عن كثير بن زيد عن المطلب ما لفظه : والذي زاد في درج المنبر معاوية بن أبي سفيان.

قال سفيان : قال كثير : فأخبرني الوليد بن رباح قال : كسفت الشمس يوم زاد معاوية في المنبر حتى رؤيت النجوم.

وروى ابن النجار زيادة مروان فيه ، وأنه صار تسع درجات بالمجلس ، عن ابن أبي الزناد ، ثم قال : ولما قدم المهدي المدينة سنة إحدى وستين ومائة ، فقال لمالك بن أنس : إني أريد أن أعيد منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم على حاله ، فقال له مالك : إنما هو من طرفاء ، وقد سمّر إلى هذه العيدان وشد ، فمتى نزعته خفت أن يتهافت ويهلك ، فلا أرى أن تغيره ، فانصرف المهدي عن تغييره.

وروى ابن شبة قصة المهدي عن محمد بن يحيى عن محمد بن أبي فديك.

عدد درجات المنبر

قلت : وجميع ما قدمناه من كلام المؤرخين مقتض لاتفاقهم على أن منبره صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان درجتين غير المجلس ونقله ابن النجار عن الواقدي ، لكن سبق في رواية الدارمي «هذه المراقي (١) الثلاث أو الأربع» على الشك ، وفي صحيح مسلم «هذه الثلاث درجات» من غير شك ، وقال الكمال الدميري في شرح المنهاج : وكان صلى‌الله‌عليه‌وسلم منبره ثلاث درج غير الدرجة التي تسمى المستراح ، ولعل مأخذه ظاهر ذلك مع حديث أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم رقي المنبر فلما رقي الدرجة الأولى قال : آمين ، ثم رقي الدرجة الثانية فقال : آمين ، ثم رقي الدرجة الثالثة فقال : آمين ، فقالوا : يا رسول الله سمعناك قلت آمين ثلاث مرات ، قال : لما رقيت الدرجة الأولى جاء جبريل عليه‌السلام فقال : شقي عبد أدرك رمضان فانسلخ عنه فلم يغفر له ، قلت :

__________________

(١) المراقي : وسائل الرقي أو آلاته ، مفردها : مرقاة.

١١

آمين ، ثم قال : شقي عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك ، قلت : آمين ، ثم قال : شقي عبد أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة ، فقلت : آمين ، رواه يحيى بن الحسن عن جابر ، ورواه الحاكم عن كعب بن عجرة (١) وقال : صحيح الإسناد ، ولفظه : قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : احضروا المنبر ، فحضرنا ، فلما رقي درجة قال : آمين ، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال : آمين ، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال : آمين ، فلما نزل قلنا : يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه ، قال : إن جبريل عرض لي فقال : بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له ، قلت : آمين ؛ فلما رقيت الثانية قال : بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك ، فقلت : آمين ، فلما رقيت الثالثة قال : بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة ، قلت : آمين ، ويمكن حمله على أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ارتقى حينئذ على المجلس وهي الدرجة الثالثة.

مساحة المنبر

قال ابن زبالة : وطول منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة ذراعان في السماء ، وعرضه ذراع في ذراع ، وتربيعه سواء ، وفيه مما كان يلي ظهره إذا قعد ثلاثة أعواد تدور ، ذهب إحداهن ، وانقلعت إحداهن سنة ثمان وتسعين ومائة ، وأمر به داود بن عيسى فأعيد ، وفيما عمل مروان في حائط المنبر الخشب عشرة أعواد لا يتحركن ، وطول منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم مرتفع في السماء مع الخشب الذي عمله مروان ـ أي الأعواد المتقدمة ـ ثلاث أذرع ونصف.

وقال عقب كلامه الآتي في ذرع ما عليه المنبر اليوم ، يعني زمنه ، ما لفظه : وطول المجلس ـ أي مجلسه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ شبران وأربع أصابع في مثل ذلك. مربع ؛ فقوله أولا : «وعرضه ذراع في ذراع» إنما أراد به مقعد المنبر ؛ لما قاله هنا في وصف المقعد بدون درجتيه ؛ ولأنه قال هنا عقب ما تقدم : وما بين أسفل قوائم منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم الأول إلى رمانته خمسة أشبار وشيء ؛ وعرض درجه شبران ، وطولها شبر ، وطوله من ورائه ـ يعني محل الاستناد ـ شبران وشيء ؛ فيؤخذ من ذلك أن امتداد المنبر النبوي من أوله ـ وهو ما يلي القبلة ـ إلى ما يلي آخره في الشام أربعة أشبار وشيء ؛ لقوله : إن عرض درجه شبران ، وإن المجلس شبران وأربع أصابع ، وقوله : «وما بين أسفل قوائم منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ إلى آخره» معناه أن من طرف المنبر النبوي الذي يلي الأرض إلى طرف رمانته التي يضع عليها يده الكريمة خمسة أشبار وشيء ؛ وذلك نحو ذراعين ونصف ، وقد تقدم أن ارتفاع المنبر النبوي خاصة ذراعان ؛ فيكون ارتفاع الرمانة نحو نصف ذراع.

وقال ابن النجار : طول منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذراعان وشبر وثلاث أصابع ، وعرضه ذراع

__________________

(١) أبو محمد ، القضاعي ، البلوي ، المدني ، حليف القوافل ، مات سنة إحدى وخمسين روى عنه البخاري ومسلم.

١٢

راجح ، وطول صدره ـ وهو مستند النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ ذراع ، وطول رمانتي المنبر اللتين كان يمسكهما بيده الكريمتين إذا جلس شبر وأصبعان ، وعرضه ذراع في ذراع ، يريد وتربيعه سواء ، ولا يخفى ما فيه من المخالفة لكلام ابن زبالة.

وقال ابن زبالة في الكلام على فضل ما بين القبر والمنبر ، بعد ذكر المرمر الذي حول المنبر ، ما لفظه : وفي المنبر من أسفله إلى أعلاه سبع كوى (١) مستطيرة من جوانبه الثلاث ، وفي جنبه الذي عمل مروان من قبل المشرق ثماني عشرة كوة (١) مستديرة شبه المربعة ، ومن قبل المغرب ثماني عشرة كوة مثل ذلك ، وكان فيه خمسة أعواد تدور ، فذهب بعضها وبقي اثنان منها ، فسقط أحدهما في سلطان داود بن عيسى على المدينة في سنة ثمان وتسعين ومائة ، فأمر به فأعيد.

وقال في موضع آخر : وفيما عمل مروان في حائط المنبر الخشب عشرة أعواد لا يتحركن ، ثم قال : وفي منبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة خمسة أعواد من جوانبه الثلاث ، فذهب بعضها.

وقال بعد ما تقدم عنه في ذرع منبره صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما لفظه : وذرع طول المنبر اليوم أربع أذرع ، وعرضه ذراع وشيء يسير ، وما بين الرمانة المؤخرة والرمانة التي كانت في منبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم القديم ذراع وشيء ، وما بين رمانة منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الرمانة المحدثة في مقدم المنبر ذراعان وعظم الذراع ، وما بين الرمانة والأرض ثلاث أذرع وشيء ، وطول المنبر اليوم من أسفل عتبته إلى مؤخره سبع أذرع ـ أي بتقديم السين ـ وشبر ، وطوله في الأرض إلى مؤخره ست أذرع ، هذه عبارته بحروفها ، ويتعين حمل كلامه على أن امتداد المنبر في الأرض من أسفل عتبته الرخام التي أمامه إلى مؤخر المنبر سبعة أذرع وشبر ، وطول امتداده وهو في الأرض إلى مؤخره مع إسقاط العتبة ست أذرع ، حتى يلتئم كلامه ، وقد ذكر فيما قدمناه عنه أن حول المنبر مرمر مرتفع قدر الذراع ، وفيه شيء محدث غير مرتفع زاده الحسن بن زيد.

وقال في موضع آخر : والمنبر مبني فوق رخام ، وهو في وسط الرخام ، فسمي المرمر رخاما ، وقال : إن هذا الرخام حده من الأسطوانتين اللتين في قبلة المنبر ـ أي خلفه ـ إلى الأسطوانتين اللتين تليانهما مما يلي الشام ـ أي أمام المنبر ـ وقد سمى ابن النجار هذا الرخام الذي عليه المنبر دكة ، وقال : إن طولها شبر وعقد ، يعني في الارتفاع ، وسمى ذلك أبو الحسين بن جبير في رحلته حوضا ، وكأنه أخذ هذه التسمية مما ورد في أن المنبر على الحوض ، وذكر في طول هذا الرخام وعرضه ما يقرب مما قدمناه في حدود المسجد النبوي ، قال : وارتفاعه شبر ونصف.

__________________

(١) الكوى جمع كوّة : الخرق في الحائط.

(١) الكوى جمع كوّة : الخرق في الحائط.

١٣

قلت : ولما حفر متولي العمارة في زماننا أرض المسجد الشريف وسواها بأرض المصلى الشريف وجد هذا الرخام المذكور ، وارتفاعه عن أرض المصلى الشريف نحو ما ذكره ابن النجار وابن جبير ؛ ثم لما أرادوا تأسيس المنبر الرخام الآتي ذكره حفروا حول الدكة المذكورة فظهر أنها منخفضة عن أرض المصلّى الشريف التي استقر عليها الحال اليوم يسيرا ، وخلفها من جهة القبلة إفريز نحو ثلث ذراع ، وطولها سبع أذرع ، بتقديم السين ، وشبر ، وهي مجوفة شبيهة بالحوض ، فصح ما ذكره ابن جبير في تسميتها حوضا ، وصح أيضا ما سيأتي عنه من أن سعة المنبر خمسة أشبار ؛ لأن جوف هذا الحوض الذي وجدناه بما دخل من عمودي المنبر في أحجاره خمسة أشبار ، وقول ابن زبالة أولا «وذرع طول المنبر اليوم أربع أذرع» مراده ارتفاعه في الهواء مع الدرج الست التي زادها مروان ؛ فيكون طول الدرج الست ذراعين ؛ فتكون كل درجة ثلث ذراع ، فيقرب مما قدمه ابن زبالة في طول درج منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو الذي تقتضيه المناسبة.

ونقل الزين المراغي عن ابن زبالة أنه قال : طول منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بما زيد فيه أربعة أذرع ، ومن أسفل عتبته إلى أعلاه تسعة أذرع وشبر.

قلت : كذا رأيته بخط الزين ، وضبط قوله : «تسعة أذرع» بتقديم التاء الفوقية ، وهو غلط في النسخة التي وقعت له ؛ لأن الذي قدمناه عن ابن زبالة إنما هو من أسفل عتبته إلى مؤخره ، وقررناه بما تقدم ، وإنما قضينا على ذلك بالغلط لأنه حينئذ لا يلتئم أطراف كلامه ، ولأنه يقتضي أن يكون ارتفاع المنبر في الهواء تسعة أذرع ، بتقديم التاء ، وشبرا ، فإذا قام عليه القائم يقرب من سقف المسجد ، ويبعد كل البعد كون منبر في ذلك الزمان ارتفاعه هذا القدر ، وأيضا فابن زبالة قد صرح بأن الذي زاده مروان ست درج ، فيلزم أن يكون كل درجة ذراعا وشيئا ، وهو في غاية البعد ، وما نقلناه عن ابن زبالة يقرب مما ذكره ابن النجار ؛ فإنه قال عقب ما قدمناه عنه في وصف منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما لفظه : وطول المنبر اليوم ثلاثة أذرع وشبر وثلاث أصابع ، والدكة التي عليها من رخام طولها شبر وعقد ، ومن رأسه ـ أي المنبر ـ دون دكته إلى عتبته خمسة أذرع وشبر وأربع أصابع ، وقد زيد فيه اليوم عتبتان وجعل عليه باب يفتح يوم الجمعة ، انتهى ؛ فهو قريب مما ذكره ابن زبالة من أن طول المنبر ـ يعني في الهواء ـ أربعة أذرع ، وامتداده هو خاصة في الأرض من عتبته إلى مؤخره ستة أذرع ، ويوافق أيضا ما ذكره الفقيه أبو الحسين محمد بن جبير من حديث القدر ، فإنه قال : رأيت منبر المدينة الشريف في عام ثمان وسبعين وخمسمائة ، وارتفاعه من الأرض نحو القامة أو أزيد ، وسعته خمسة أشبار ، وطوله خمس خطوات ، وأدراجه ثمانية ، وله باب على هيئة الشباك مقفل يفتح يوم الجمعة ، وطوله ـ أي الباب ـ أربعة أشبار ونصف شبر ، وهذا

١٤

المنبر هو الذي وصفه ابن النجار فيما يظهر ؛ لأنه وضع تاريخه سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة ، وتوفي قبل حريق المسجد سنة ثلاث وأربعين وستمائة ، وكان احتراق المسجد كما سيأتي سنة أربع وخمسين وستمائة ، وفيه احترق هذا المنبر ، وفقد الناس بركته.

وقد زاد ابن جبير على ابن النجار في وصف هذا المنبر فقال : وهو مغشّى بعود الآبنوس ، ومقعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من أعلاه ظاهر قد طبق عليه لوح من الآبنوس غير متصل به يصونه من القعود عليه ؛ فيدخل الناس أيديهم إليه ويمسحونه بها تبركا بلمس ذلك المقعد الكريم ، وعلى رأس رجل المنبر الأيمن حيث يضع الخطيب يده إذا خطب حلقة فضة مجوفة مستطيلة تشبه حلقة الخياط التي يضعها في أصبعه إلا أنها أكبر منها ، وهي لاعبة تستدير في موضعها ، انتهى.

والظاهر : أن هذا المنبر غير الذي وصفه ابن زبالة لأنه لم يصفه بذلك ، ويوضح ذلك ما ذكره في الطراز لسند من المالكية حيث قال : إن منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم جعل عليه منبر كالغلاف ، وجعل في المنبر الأعلى طاق مما يلي الروضة ، فيدخل الناس منها أيديهم يمسحون منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويتبركون بذلك ، انتهى ؛ فهذا شيء حدث بعد ابن زبالة.

وقد قال المطري : حدثني يعقوب بن أبي بكر من أولاد المجاورين ، وكان أبوه أبو بكر فراشا من قوام المسجد ، وهو الذي كان حريق المسجد على يده ، أن المنبر الذي زاده معاوية ورفع منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم تهافت على طول الزمان ، وأن بعض خلفاء بني العباس جدده ، واتخذ من بقايا أعواد منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمشاطا للتبرك ، وعمل المنبر الذي ذكره ابن النجار فيما تقدم.

قال يعقوب : سمعت ذلك من جماعة بالمدينة ممن يوثق بهم ، وأن المنبر المحترق هو الذي جدده الخليفة المذكور ، وهو الذي أدركه ابن النجار ؛ لأن وفاته قبل الحريق.

قلت : وظاهر كلام ابن عساكر في تحفته أنه كان قد بقي من المنبر الشريف بقايا فقط إلى احتراق المسجد ، وهو من أدرك حريقه ، وأورد في كتابه ما ذكره شيخه ابن النجار ، ولفظه : وقد احترقت بقايا منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم القديمة ، وفات الزائرين لمس رمانة المنبر التي كان صلى‌الله‌عليه‌وسلم يضع يده المقدسة المكرمة عليها عند جلوسه عليه ، ولمس موضع جلوسه منه بين الخطبتين وقبلهما ، ولمس موضع قدميه الشريفتين بركة عامة ونفع عائد ، وفيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم عوض من كل ذاهب ودرك من كل فائت ، انتهى. وهو صريح في بقاء ما ذكره إلى حين الحريق ، ويؤيده ما تقدم عن رحلة ابن جبير وصاحب الطراز ، بل ظفرنا بما يشهد لصحة ذلك ؛ فإنه لما أراد متولي العمارة تأسيس المنبر الرخام الآتي ذكره حفروا على الدكة التي تقدم أن المنبر

١٥

كان عليها فوجدت مجوفة كالحوض ، وبه عبر ابن جبير عنها ، فوجدوا فيما يلي القبلة منها قطعا كثيرة من أخشاب المنبر المحترق ـ أعني الذي كان فيه بقايا منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فوضعها الأقدمون في جوف ذلك المحل حرصا على البركة ، وبنوا فوقها بالآجر بحيث سدوا جوف ذلك الحوض كله ، فصار دكة مستوية ، ووضعوا المنبر الآتي ذكره عليها ، وشاهدت آثار قائمتي المنبر الشريف اللتين كان بأعلاهما رمانتاه قد نحت لهما في الحجر المحيط بالحوض المذكور على نحو ذراع وثلث من طرف باطن الحوض المذكور مما يلي القبلة ، وسعة الحوض المذكور خمسة أشبار كما ذكره ابن جبير في سعة المنبر ، وعرض جدار الحوض المذكور خلف المنبر نحو نصف ذراع ، وقد حرصت على وضع ما وجد من تلك الأخشاب في محلها ، فوضع ما بقي منها في محله من الحوض المذكور ، وبنوا عليه كما سيأتي ، والله أعلم.

ولما احترق المنبر المذكور في جملة الحريق أرسل الملك المظفر صاحب اليمن في سنة ست وخمسين منبرا له رمانتان من الصندل ، فنصب في موضع منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما ذكره المطري فمن بعده ، قال : ولم يزل يخطب عليه عشر سنين ، فلما كان في سنة ست وستين وستمائة أرسل الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري هذا المنبر الموجود اليوم أي : زمن المطري ، فقلع منبر صاحب اليمن ، وحمل إلى حاصل الحرم ، ونصب هذا المنبر مكانه ، وطوله أربع أذرع في السماء ، ومن رأسه إلى عتبته سبع أذرع يزيد قليلا ، وعدد درجاته تسع بالمقعد.

قال المجد : وله باب بمصراعين ، في كل مصراع رمانة من فضة ، ومكتوب على جانبه الأيسر اسم صانعه «أبو بكر بن يوسف النجار» وكان من أكابر الصالحين الأخيار ، وهو الذي قدم بالمنبر إلى المدينة ، فوضعه في موضعه ، فأحسن وضعه ، وأتقن نجارته وصنعته ، ثم انقطع في المدينة.

قال الزين المراغي : وبقي منبر الظاهر بيبرس يخطب عليه من سنة ست وستين وستمائة إلى سنة سبع وتسعين وسبعمائة ، فكانت مدة الخطبة عليه مائة سنة واثنتين وثلاثين سنة ، فبدأ فيه أكل الأرضة ؛ فأرسل الظاهر برقوق صاحب مصر هذا المنبر الموجود اليوم : أي زمن المراغي ، أرسله في آخر سنة سبع وتسعين وسبعمائة ، وقلع منبر الظاهر بيبرس ، انتهى.

قلت : ولم يزل هذا المنبر موجودا إلى ما بعد العشرين وثمان مائة ، كما أخبرني به جماعة من مشايخ الحرم منهم الشيخ صالح المعمر الجمال عبد الله بن قاضي القضاة عبد الرحمن بن صالح ، قال : فأرسل سلطان مصر الملك «المؤيد شيخ» هذا المنبر الموجود اليوم عام اثنين وعشرين وثمان مائة.

ثم رأيت في كلام الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر أن المنبر الموجود اليوم أرسله المؤيد

١٦

سنة عشرين وثمان مائة ؛ فهذا هو المعتمد ، لكن لم يطلع ابن حجر على ما ذكره المراغي من منبر الظاهر برقوق ، وجعل إتيان منبر المؤيد هذا بدلا عن منبر الظاهر بيبرس ، وكلام المراغي أولى بالاعتماد في ذلك ؛ فإنه كان بالمدينة حينئذ ، وعلى هذا فمدة الخطبة على منبر الظاهر برقوق ثلاث أو أربع وعشرون سنة ، ثم وضع منبر المؤيد.

وأخبرني السراج النفطي أنه صنعه أهل الشام ، وجاءوا به المؤيد ليجعله بمدرسته المؤيدية ، فوجدوا أهل مصر قد صنعوا لها منبرا ، فجهز المؤيد منبر أهل الشام إلى المدينة الشريفة ، وقال لي الجمال عبد الله بن صالح : شاهدت وضعه موضع المنبر الذي كان قبله.

قلت : ويدل على صحة ذلك ما قدمناه من اختبار ذرع ما بينه وبين المصلى الشريف ؛ إذ المنقول أن بينهما أربعة عشر ذراعا وشبرا ، وقد اختبرته من ناحية المصلى الشريف إلى ما حاذاه من المنبر في المغرب فكان كذلك ؛ فوضعه من هذه الجهة صحيح لا شك فيه ، وأما من جهة القبلة فقد قال المطري : إن المنبر الذي أدركه بينه وبين الدرابزين الذي في قبلة الروضة مقدار أربعة أذرع وربع ذراع ، وقد ذكر الزين المراغي في كتابه ما ذكره المطري من الذرع ، ولم يتعقبه ؛ فاقتضى أن المنبر الذي تقدم وضعه في زمنه وضع موضع المنبر الذي كان في زمان المطري ، وأقر أيضا قول المطري في حدود المسجد أن المنبر لم يغير عن منصبه الأول.

وقد ذكر ابن جماعة أيضا ذرع ما بين المنبر والدرابزين ، وهو يعني المنبر الموجود زمن المطري ، فقال : إن بينهما ثلاثة أذرع بذراع العمل ، وهو أزيد مما ذكره المطري بربع ذراع راجح ؛ لأن ذراع العمل كما تقدم ذراع ونصف ، وكأن المطري يعني ذراع المدينة اليوم كما يؤخذ من كلام المراغي فيوافق كلام ابن جماعة ، والذي بين هذا المنبر الموجود اليوم وبين الدرابزين المذكور ذراعان وثلث بذراع العمل ، وذلك ثلاثة أذرع ونصف من الذراع الذي قدمنا أنه المراد عند الإطلاق ؛ فيحتمل أن يكون هذا المنبر مقدم الوضع لجهة القبلة على المنبر الذي كان قبله ، وهو مقتضى ما نقله الأثبات ، لكني أستبعده للأخبار ممن لقيناه بوضعه موضع ذاك.

ثم تبين عند انكشاف الدكة التي تقدم ذكرها من آثار المنبر المحترق قديما ما علمنا به صواب ما ذكره المطري وغيره أن هذا المنبر مقدم الوضع على الذي قبله من جهة القبلة بما يقرب من ذراع ، وكذا ظهر زيادته من جهة الشام أيضا على الدكة الأصلية المتقدم وصفها بقريب من ذراع ، ووجد محرفا عنها من طرفه الشامي نحو المغرب قدر شبر لما فيها من التيامن الذي تقدمت الإشارة إليه في التنبيه الثالث من الفصل قبله ، وكنت قد أيدت وضعه بكونه أقرب إلى ما ورد فيما كان بين المنبر والجدار القبلي كما سيأتي فانكشف الحق لذي

١٧

عينين ، والذي لقيناه وأخبر بوضعه موضع المنبر الذي كان قبله هو الجمال بن صالح في آخر عمره ، وكان غير تام الضبط حينئذ ، وكنت قد أيدت خبره بأنا قد قدمنا إلى الصندوق الذي في قبلة المصلى الشريف في عرض الجدار ، وأن المصلى الشريف لم يغير باتفاق ، وأن منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان بينه وبين الجدار القبلي ممر الشاة أو ممر الرجل منحرفا ، وأقصى ما قيل فيه ذراع وشيء كما قدمناه ، فإذا أسقطت قدر ما بين طرف المصلى الشريف والدرابزين الذي أمامه مما بين المنبر اليوم والدرابزين المذكور وهو ثلاثة أذرع ونصف بقي ذراع ، وهو نحو القدر المنقول فيما بين المنبر القديم وجدار المسجد الشريف ، ثم تبين لنا مما سبق في حدود المسجد النبوي وبانكشاف المرمر الذي في قبلة المنبر تقدم الدرابزين المذكور عن ابتداء المسجد النبوي بأزيد من ذراع كما قدمناه في حدود المسجد النبوي ؛ فالصواب ما ذكره المطري ومن تبعه.

وطول هذا المنبر في السماء سوى قبته وقوائمها ، بل من الأرض إلى محل الجلوس ، ستة أذرع وثلث ، وارتفاع الخافقتين اللتين يمين المجلس وشماله ذراع وثلث ، وامتداد المنبر في الأرض من جهة بابه إلى مؤخره ثمانية أذرع ونصف راجحة ، وعدد درجه ثمانية ، وبعدها مجلس ارتفاعه نحو ذراع ونصف ، وقبته مرتفعة ، ولها هلال قائم عليها مرتفع أيضا ، وما أظن منبرا وضع قبله في موضعه أرفع منه ، وله باب بصرعتين.

وقد احترق هذا المنبر في حريق المسجد الثاني الحادث في رمضان عام ستة وثمانين وثمان مائة ، فكانت مدة الخطبة عليه نحو سبع وستين سنة.

ولما نظف أهل المدينة محله جعلوا في موضعه منبرا من آجر مطلي بالنورة ، واستمر يخطب عليه إلى أثناء شهر رجب سنة ثمان وثمانين ، فهدم رابع الشهر المذكور ، وحفروا لتأسيس المنبر الرخام الموجود اليوم ظاهر الدكة المتقدم ذكرها ، فوجدت على النحو المتقدم ، ونقضوا من بعضها قريب القامة فلم يبلغوا نهايتها ، ووجدوها محكمة التأسيس في الأرض ، فأعادوها كما كانت ، إلا ما كان فوقها من نحو أزيد من نصف ذراع من الآجر ، وسوّوا ما وجد مجوفا منها كالحوض بالبناء بعد وضع ما تقدم ذكره مما وجد بمقدمها من بقايا المنبر القديم المحترق في الحريق الأول بمقدمها أيضا ، وكانوا قد سألوني عن ابتداء حد المنبر القديم من جهة القبلة والروضة فأخبرتهم بذلك ، وأن ذلك الحوض وما به من محل قوائم المنبر الأصلي إمام يقتدى به لموافقته ما ذكره المؤرخون قديما وحديثا ، فشرعوا في وضع رخام المنبر عليها على سمت ما ظهر من الفرضة التي وجدوها في الحوض المذكور على الاستقامة من غير انحراف ، وبينها وبين طرف الدكة الشرقي خمسة أصابع ، لما ظهر من أن المنبر الأصلي كان بالحوض المذكور ، ومشاهدة محل قوائمه نقرا في الحجر وبقايا الرصاص

١٨

الذي كانت القوائم مثبتة به ، وما وصفه المؤرخون في أمر المنبر الأصلي شاهد لذلك ، ومعلوم أن الحوض الموجود في باطن تلك الدكة لا يمكن وضع المنبر فيه إلا على الاستقامة ، سيما وقد طابقت سعته ما ذكره ابن جبير في سعة المنبر الأصلي ، وإحكام تلك الدكة بحيث إنهم حفروا منها قرب القامة ، ولم يدركوا آخرها ، وإتقان فرضتي الحوض المذكور بالرصاص ، وترخيم تلك الدكة قديما ، كله قاض بجعل السلف لها من أجل وضع المنبر فيها ، كما صرح به المؤرخون ، ولم يكن السلف مع عظيم إتقانهم يجعلونها لوضع المنبر ويحرفونها عن وضعه ؛ لأن وضعها تابع لوضعه إذ جعلت من أجله ، وقد كان وضعه مشاهدا لهم ؛ لوجود المنبر النبوي بين أظهرهم وإتقانها وما سبق من المتقدمين في ذكر ترخيمها شاهد بعملها في عمارة عمر بن عبد العزيز للمسجد إن لم يكن من زمن معاوية رضي‌الله‌عنه عند تحريكه المنبر كما سبق ، ولم أرتب عند مشاهدتها في وضع المنبر بها كذلك ، وتيامن حوضها الذي كان المنبر به يسير جدا لا يخرج صدر المستقبل عن القبلة ، وقد أشار يحيى فيما قدمناه عنه في التنبيه الثالث إلى تصويب وضعه ، وأيضا فقد يكون النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وضعه متيامنا لما أوضحناه في الرسالة الموسومة بالنصيحة ، والمنبر جماد ليس بمصل حتى يحرر أمره في الاستقبال ويترك ما وجد من حدوده الأصلية المجمع عليها في الأعصر الماضية المترتب عليها حدود الروضة الشريفة ، فشرعوا في وضع رخام المنبر المذكور على النحو الذي ذكرته ، غير أنهم جعلوا جداره من جهة القبلة على الأحجار التي خلف الحوض من جهة القبلة ؛ لاقتضاء نظرهم ذلك ، ولو كان لي من الأمر شيء ما وافقت عليه.

ثم وقع من بعض ذوي النفوس ما أوضحناه في الرسالة الموسومة (بالنصيحة الواجبة القبول ، في بيان وضع منبر الرسول) صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

والحاصل : أنهم نقضوا ما سبق ، وزادوا خلف أحجار الحوض المذكور نحو ربع ذراع العمل حتى ساوى ذلك محل المنبر المحترق من جهة القبلة ، وحرفوه على تلك الدكة لجهة المغرب أزيد من تحريف المنبر المحترق ، وجعلوا هذا المنبر في محل المحترق من جهة القبلة ومساو لطرفها الشرقي مما يلي القبلة أيضا ، وزعموا أنه لا يعول على كلام من قدمناه من الأئمة ، ويتحرر مما سبق أنه مقدم على محل المنبر الأصلي لجهة القبلة بعشرين قيراطا من ذراع الحديد ، وهو نحو ذراع اليد ، وأن المنبر النبوي لم يقع في محله نغير إلا من تاريخ وضع المنبر المحترق في زماننا لأنه خفي على واضعه ما في جوف الدكة المذكورة ، ولم يدركه أحد من مؤرخي المدينة ، وكان مفرط الطول بحيث كان قاطعا للصف الباقي من الروضة ، وقد اقتدى به واضع هذا المنبر لكونه من آبائه ، ولم يبال ولي الأمر بتفويته المنقبة العظيمة في إعادة وضع منبر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم على ما كان عليه ، وهذا المنبر ـ أعني الرخام ـ أقصر من امتداد المنبر المحترق في الأرض بنحو ثلاثة أرباع ذراع ، وعدد درجه مع مجلسه كالمحترق ، ومحل عود

١٩

المنبر الأصلي منه مما يلي الروضة وهو الذي كان بأعلاه رمانة المنبر النبوي قبل عمود هذا المنبر بأزيد من قيراط ، وذلك على نحو ذراعين وشيء من طرف المنبر المذكور من القبلة.

وقد اشتهر محله من أحجار الدكة المذكورة بسبب تحريف المنبر المذكور بحيث تغيرت حدود الروضة الشريفة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

كسوة المنبر

وفي يوم الجمعة يجعل على باب المنبر ستر من حرير أسود مرقوم بحرير أبيض وقد قدمنا أول من كسا المنبر.

وأسند ابن زبالة عن هشام بن عروة أن ابن الزبير كان يلبس منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم القباطي فسرقت امرأة قبطية فقطعها ، وقال ابن النجار : ولم يزل الخلفاء إلى يومنا هذا يرسلون في كل سنة ثوبا من الحرير الأسود له علم ذهب يكسى به المنبر ، قال : ولما كثرت الكسوة عندهم أخذوها فجعلوها ستورا على أبواب الحرم.

ستور الأبواب كسوة الحجارة

قلت : قد استقر الأمر بعد قتل الخليفة المستعصم على حمل الكسوة من مصر كما قاله الزين المراغي قال : والأبواب مستقلة اليوم بستور ، قال : وإنما يظهرونها في أوقات المهمات كقدوم أمير المدينة ، وذكر ما سيأتي في كسوة الحجرة من وقف قرية بمصر على ذلك وعلى كسوة الكعبة الشريفة ؛ فالكعبة تكسي كل عام مرة ، والحجرة والمنبر في كل ست سنين مرة.

وقال المجد : والمنبر يحمل له في كل سبعة أعوام أو نحوها من الديار المصرية كسوة معظمة ملوكية يكساها من الجمعة إلى الجمعة ، ورايتان سوداوان ينسجان أبدع نسج يرفعان أمام وجه الخطيب في جانبي المنبر قريبا من الباب.

قلت : في زماننا تمضي السبع سنين والعشر وأكثر من ذلك ولا تصل كسوة ، والذي يجعل اليوم على المنبر إنما هو الستر المتقدم ذكره مع الرايتين اللتين ذكرهما المجد ، والله أعلم.

الفصل الخامس

في فضائل المسجد الشريف

قال الله تعالى : (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة : ١٠٨].

المسجد الذي أسس على التقوى

روينا في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال : دخلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في بيت لبعض نسائه ، فقلت : يا رسول الله ، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال : فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض ، ثم قال : هو مسجدكم هذا ، لمسجد المدينة.

٢٠