🚘

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى - ج ١

نور الدين علي بن أحمد السّمهودي

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى - ج ١

المؤلف:

نور الدين علي بن أحمد السّمهودي


المحقق: خالد عبد الغني محفوظ
الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
ISBN: 2-7451-3818-9
الصفحات: ٢٩٤
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

تقديم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيّد ولد آدم محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أمّا بعد.

فهذا كتاب في تاريخ المدينة المنوّرة مدينة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو كتاب اختصره مؤلّفه من كتاب آخر له بعنوان «اقتفاء الوفا بأخبار دار المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وسلم».

اختصره مع توسّط غير مفرط كما يقول في مقدمة الكتاب.

وقد رتّبه على ثمانية أبواب مفصّلة في المقدمة.

وإذ نعيد ـ في دار الكتب العلمية ـ نشر هذا الكتاب ، نشير إلى أنّنا لم نثقل حواشيه إلا بما دعت الضرورة إليه ، كضبط الغريب وشرحه ، وتخريج الآيات الكريمة ، وبعض التعاليق الموجزة ، ووضع بعض العناوين الفرعية.

راجين من الله سبحانه وتعالى أن يجعل عملنا هذا في سجلّ حسناتنا ، وأن ينفع به القرّاء الكرام ، إنه على كل شيء قدير.

والحمد لله أولا وآخرا.

٣
٤

ترجمة المصنّف (١)

هو الإمام الحجّة نور الدين أبو الحسن علي بن عبد الله بن أحمد الحسني الشافعي السمهودي. مؤرخ المدينة المنوّرة ومفتيها.

ولد في سمهود (بصعيد مصر) سنة ٨٤٤ ه‍ (١٤٤٠ م) ونشأ في القاهرة ، واستوطن المدينة سنة ٨٧٣ ه‍.

من مؤلفاته :

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وسلم : وهو الكتاب الذي بين أيدينا.

خلاصة الوفاء : اختصر به الأول.

جواهر العقدين : في فضل العلم والنسب.

الفتاوى : وهي مجموع فتاواه.

الغماز على اللماز : رسالة في الحديث.

درّ السموط : رسالة في شروط الوضوء.

الأنوار السنية في أجوبة الأسئلة اليمنية.

العقد الفريد في أحكام التقليد.

وغيرها.

توفي السمهودي في المدينة المنورة سنة ٩١١ ه‍ (١٥٠٦ م).

__________________

(١) انظر الأعلام للزركلي ٤ / ٣٠٧.

٥
٦

بسم الله الرّحمن الرّحيم

وبه نستعين ، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه.

خطبة المؤلف

أما بعد : حمد الله على آلائه (١) ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف أنبيائه ، وعلى آله وأصحابه وأصفيائه ؛ فقد سألني من طاعته غنم ، ومخالفته غرم ، أن أختصر تأليفي المسمى ب «اقتفاء الوفا ، بأخبار دار المصطفى» ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم! وزاده شرفا وفضلا لديه! ـ اختصارا مع توسط غير مفرط ، هذا مع كونه بعد لم يقدّر إتمامه بتكامل أقسامه ؛ لسلوكي فيه طريقة الاستيعاب ، وجمع ما افترق من معاني تلك الأبواب ، وتلخيص مقاصد جميع تواريخ المدينة التي وقفت عليها ، وإضافة ما اقتضى الحال أن يضاف إليها ، مع عروض الموانع ، وترادف الشواغل والقواطع ، فأجبته إلى سؤاله ؛ لما رأيت من شغفه (٢) بذلك وإقباله ، مع ما رأيت في ذلك من الإتحاف بأمور لا توجد في غيره من المختصرات بل ولا المبسوطات ، سيما فيما يتعلق بأخبار الحجرة الشريفة ، ومعالمها المنيفة ، فإني قد استفدته عيانا ، وعلمت أخبارها إيقانا ، بسبب ما حدث في زماننا من العمارة التي سنشير إليها ، ونقف في محلها عليها ؛ لاشتمالها على تجديد ما كاد أن يهي (٣) في الحجرة الشريفة من الأركان ، وإحكام ما أحاط بها من البنيان. وتشرفت بالخدمة في إعادة بنيانها ، وتجنبت شهود نقض أركانها ، وحظيت بالوقوف على عرصتها ، وتمتعت بانتشاق (٤) تربتها ، ونعمت العين بالاكتحال بأرضها الشريفة ، ومحال الأجساد المنيفة ، فامتلأ القلب حياء ومهابة ، واكتسى من ثياب الذال أثوابه ، هذا وقد جبلت القلوب (٥) على الشغف بأخبار هذا المحل وأحواله ، كما هو دأب كل محب مغرم واله (٦) ، ولله درّ القائل :

__________________

(١) الآلاء : جمع الألى أي النعم.

(٢) شغف به : أحبه وأولع به».

(٣) يهي : يسقط.

(٤) انتشق تربتها : شم تربتها.

(٥) جبل الله الخلق : خلقهم وطبعهم. وفي الأثر : «جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها».

(٦) الواله : الذي اشتد حنينه حتى ذهب عقله.

٧

أملياني حديث من سكن الجز

ع ولا تكتباه إلا بدمعي

فاتني أن أرى الدّيار بطرفي

فلعلّي أرى الديار بسمعي

ولعمري إن الاعتناء بذاك وضبطه وإفادته من مهمّات الدين ، وإن النظر فيه مما يزيد في الإيمان واليقين ؛ لما فيه من معرفة معاهد دار الإيمان ، ونشر أعلامها المرغمة للشيطان ، وتذكر آياتها الواضحة التبيان ، والمرجو من الله تعالى أن يكون كتابنا هذا تحفة لمحبّي دار الأبرار ، ومن سكن بها من الأخيار ، ووفد عليها من الوفّاد ، وقد بذلت الجهد في تهذيبه وتقريبه ، رجاء دعوة تمحو الأوزار (١) ، وتقيل العثار ، ونظرة قبول من المصطفى المختار ، صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى آله الأطهار ، وصحابته الأخيار!

وسميته «وفاء الوفا ، بأخبار دار المصطفى» صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وشرف وعظم!

ورتّبته على أبواب :

أبواب الكتاب

الباب الأول : في أسماء هذه البلدة الشريفة.

الباب الثاني : في فضائلها ، وبدء شأنها ، وما يؤول إليه أمرها ، وما يتعلق بذلك ، وفيه ستة عشر فصلا : الأول : في تفضيلها على غيرها من البلاد ، الثاني : في الحث على الإقامة بها ، والصبر على لأوائها (٢) وشدتها ، وكونها تنفي الخبث والذنوب ، ووعيد من أرادها وأهلها بسوء أو أحدث بها حدثا أو آوى محدثا ، الثالث : في الحديث على حفظ أهلها وإكرامهم ، والتحريض على الموت بها ، واتخاذ الأصل ، الرابع : في بعض دعائه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لها ولأهلها ، وما كان بها من الوباء ، ودعائه بنقله ، الخامس : في عصمتها من الدجال والطاعون ، السادس : في الاستشفاء بترابها وتمرها ، السابع : في سرد خصائصها ، الثامن : في صحيح ما ورد في تحريمها ، التاسع : في بيان عير وثور اللذين وقع تحديد الحرم بهما ، العاشر : في أحاديث أخر تقتضي زيادة الحرم على ذلك التحديد وأنه مقدر ببريد ، الحادي عشر : في بيان ما في هذه الأحاديث من الألفاظ المتعلقة بالتحديد ، ومن ذهب إلى مقتضاها ، الثاني عشر : في حكمة تخصيص هذا المقدار المعين بالتحريم ، الثالث عشر : في أحكام هذا الحرم الكريم ، الرابع عشر : في بدء شأنها ، وما يؤول إليه أمرها ، الخامس عشر : فيما ذكر من وقوع ما ورد من خروج أهلها وتركهم لها ، السادس عشر :

__________________

(١) الأوزار : جمع وزر : الذنب. و ـ الحمل الثقيل.

(٢) اللأواء : ضيق المعيشة. و ـ شدة المرض.

٨

في ظهور نار الحجاز التي أنذر بها النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فظهرت من أرضها ، وانطفائها عند وصولها إلى حرمها.

الباب الثالث : في أخبار سكانها في سالف الزمان ، ومقدمه صلى‌الله‌عليه‌وسلم إليها ، وما كان من أمره بها في سني الهجرة ، وفيه اثنا عشر فصلا. الأول : في سكانها بعد الطوفان ، وما ذكر في سبب سكنى اليهود بها ، وبيان منازلهم ، الثاني : في سبب سكنى الأنصار بها ، الثالث : في نسبهم ، الرابع : في ظهورهم على اليهود ، وما اتفق لهم مع تبّع ، الخامس : في منازلهم بعد إذلال اليهود ، وشيء من آطامهم (١) وحروبهم ، السادس : في ما كان بينهم من حرب بغاث ، السابع : في مبدأ إكرام الله لهم بهذا النبي الكريم ، وذكر العقبة الصغرى ، الثامن : في العقبة الكبرى وما أفضت إليه (٢) ، التاسع : في مبدأ هجرته صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، العاشر : في دخوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أرض المدينة وتأسيس مسجد قباء ، الحادي عشر : في قدومه باطن المدينة المنيفة ، وسكناه بدار أبي أيوب الأنصاري ، وخبر هذه الدار ، ومؤاخاته بين المهاجرين والأنصار ، الثاني عشر : في ما كان من أمره صلى‌الله‌عليه‌وسلم في سنين الهجرة.

الباب الرابع : فيما يتعلق بأمور مسجدها الأعظم ، والحجرات المنيفات ، وما كان مطيفا بها من الدور والبلاط ، وسوق المدينة ، ومنازل المهاجرين ، واتخاذ السور ، وفيه سبعة وثلاثون فصلا : الأول : في أخذه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لموضع مسجده الشريف ، وكيفية بنائه ، الثاني : في ذرعه وحدوده التي يتميز بها عن سائر مسجده اليوم ، الثالث : في مقامه الذي كان يقوم به قبل تحويل القبلة وبعده ، وما جاء في تحويلها ، الرابع : في خبر الجذع ، واتخاذ المنبر ، وما اتفق فيه ، الخامس : في فضل المسجد الشريف ، السادس : في فضل المنبر المنيف والروضة الشريفة ، السابع : في الأساطين (٣) المنيفة ، الثامن : في الصّفّة وأهلها ، وتعليق الأقناء (٤) لهم بالمسجد ، التاسع : في حجره صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبيان إحاطتها بمسجده إلا من جهة المغرب ، العاشر : في حجرة ابنته فاطمة رضي‌الله‌عنها ، الحادي عشر : في الأمر بسد الأبواب ، وبيان ما استثنى من ذلك ، الثاني عشر : في زيادة عمر رضي‌الله‌عنه في المسجد ، الثالث عشر : في البطيحاء التي بناها بناحيته ، ومنعه من إنشاد الشعر ورفع الصوت فيه ، الرابع عشر : في زيادة عثمان رضي‌الله‌عنه ،

__________________

(١) الآطام جمع الأطم : الحصن.

(٢) أفضت إليه : النتائج التي ترتبت عليه.

(٣) الأساطين مفردها الأسطوانة : العمود. و ـ السارية.

(٤) الأقناء جمع قنو : العذق بما فيه من الرطب.

٩

الخامس عشر : في المقصودة التي اتخذها به ، السادس عشر : في زيادة الوليد على يد عمر بن عبد العزيز ، السابع عشر : فيما اتخذه عمر فيها من المحراب والشرفات والمنارات والحرس ، ومنعهم من الصلاة على الجنائز فيه ، الثامن عشر : في زيادة المهدي ، التاسع عشر : فيما كانت عليه الحجرة المنيفة الحاوية للقبور الشريفة في مبدأ الأمر ، العشرون : في عمارتها بعد ذلك ، والحائز الذي أدير عليها ، الحادي والعشرون : فيما روي في صفة القبور الشريفة بها ، وأنه بقي هناك موضع قبر لعيسى عليه الصلاة والسلام ، وتنزل الملائكة حافين بالقبر الشريف ، وتعظيمه ، والاستسقاء به ، الثاني والعشرون : فيما ذكر من صفتها وصفة الحائز الدائر عليها ، وما شاهدناه مما يخالف ذلك ، الثالث والعشرون : في عمارة اتفقت بها بعد ما تقدم ، على ما نقله بعضهم ، وما نقل من الدخول إليها وتأزيرها بالرخام ، الرابع والعشرون : في الصندوق الذي في جهة الرأس الكريم والمسمار الفضة المواجه للوجه الشريف ، ومقام جبريل عليه‌السلام ، وكسوة الحجرة وتحليتها ، الخامس والعشرون : في قناديلها ومعاليقها ، السادس والعشرون : في الحريق الأول القديم المستولي على تلك الزخارف المحدثة بها وبالمسجد وسقفها وما أعيد من ذلك ، السابع والعشرون : في اتخاذ القبة الزرقاء تمييزا للحجرة الشريفة والمقصورة الدائرة عليها ، الثامن والعشرون : في عمارتها المتجدّدة في زماننا ، على وجه لم يخطر قط بأذهاننا ، وما حصل من إزالة هدم الحريق من ذلك والمحل الشريف ، ومشاهد وضعه المنيف ، وتصوير ما استقر عليه أمر الحجرة ، التاسع والعشرون : في الحريق الحادث في زماننا بعد العمارة السابقة ، وما ترتب عليه ألحقته هنا مع إلحاق ما تقدمت الإشارة إليه في الفصول ؛ لحدوثه بعد الفراغ من مسوّدة كتابنا هذا ، وفي آخره خاتمة فيما نقل من عمل نور الدين الشهيد لخندق مملوء من الرصاص حول الحجرة ، الثلاثون : في تحصيب المسجد (١) ، وأمر البزاق فيه ، وتخليقه (٢) ، وإجماره ، وشيء من أحكامه ، الحادي والثلاثون : فيما احتوى عليه من الأروقة والأساطين والبلوعات والسقايات والحواصل ، وغير ذلك ، الثاني والثلاثون : في أبوابه وخوخاته ، وما يميّزها من الدور المحاذية لها ، الثالث والثلاثون : في خوخة آل عمر رضي‌الله‌عنه ، الرابع والثلاثون : فيما كان مطيفا به من الدور ، الخامس والثلاثون : في البلاط وما حوله من منازل المهاجرين ، السادس والثلاثون : في سوق المدينة ، السابع والثلاثون : في منازل القبائل من المهاجرين ، وما حدث من اتخاذ السور.

__________________

(١) حصّب المسجد : فرشه بصغار الحصى.

(٢) الخلاق : ضرب من الطيب ، أعظم أجزائه الزعفران. إجماره : تبخيره بالمجمر.

١٠

الباب الخامس : في مصلّى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في الأعياد ، وغير ذلك من مساجد المدينة التي صلى فيها النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو جلس مما علمت عينه أو جهته ، وفضل مقابرها ، ومن سمي ممن دفن بها ، وفضل أحد والشهداء به ، وفيه سبعة فصول : الأول : في مصلّى الأعياد ، الثاني: في مسجد قباء ، وخبر مسجد الضرار ، الثالث : في بقية المساجد المعلومة العين في زماننا ، الرابع : فيما علمت جهته من ذلك ، ولم يعلم عينه ، الخامس : في فضل مقابرها ، السادس : في تعيين بعض من دفن بالبقيع من الصحابة وأهل البيت رضوان الله عليهم ، والمشاهد المعروفة بها ، السابع : في فضل أحد والشهداء به.

الباب السادس : في آبارها المباركات ، والعين والغراس والصدقات ، التي هي للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم منسوبات ، وما يعزى إليه (١) من المساجد التي صلّى فيها في الأسفار والغزوات ، وفيه خمسة فصول : الأول : في الآبار المباركات ، وفيه تتمة في العين المنسوبة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم والعين الموجودة في زماننا ، الثاني : في صدقاته صلى‌الله‌عليه‌وسلم وما غرسه بيده الشريفة ، الثالث : فيما ينسب إليه من المساجد التي بين مكة والمدينة بالطريق التي كان يسلكها صلى‌الله‌عليه‌وسلم الرابع : في بقية المساجد التي بينهما بطريق ركب الحاج في زماننا ، وطريق المشيان ، وما قرب من ذلك ، الخامس : في بقية المساجد المتعلقة بغزواته وعمره صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

الباب السابع : في أوديتها وأحمائها (٢) وبقاعها وجبالها وأعمالها ومضافاتها ، ومشهور ما في ذلك من المياه والأودية ، وضبط أسماء الأماكن المتعلقة بذلك ، وفيه ثمانية فصول : الأول : في فضل وادي العقيق وعرصته وحدوده ، الثاني : فيما جاء في إقطاعه وابتناء القصور به وطريق أخبارها ، الثالث : في العرصة وقصورها ، وشيء مما قيل فيها وفي العقيق من الشعر ، الرابع : في جماواته ، وأرض الشجرة ، وثنية الشريد ، وغيرها من جهاته ، وفيه خاتمة في سرد ما يدفع فيه من الأودية وما به من الغدران ، الخامس : في بقية أودية المدينة ، السادس : فيما سمي من الأحماء ومن حماها وشرح حال حمى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالنقيع ، السابع : في شرح بقية الأحماء ، وأخبارها ، الثامن : في بقاع المدينة وأعراضها وأعمالها ومضافاتها وأنديتها وجبالها وتلاعها (٣) ، ومشهور ما في ذلك من الآبار والمياه والأودية ، وضبط أسماء الأماكن المتعلقة بذلك وبالمساجد والآطام والغزوات ، وشرح حال ما يتعلق بجهات المدينة وأعمالها من ذلك ، على ترتيب حروف الهجاء.

__________________

(١) يعزى إليه : يسند إليه.

(٢) الأحماء : مواضع فيها كلأ يحمى من الناس أن يرعى.

(٣) التلاع : ما ارتفع من الأرض. و ـ مسيل الماء من أعلى إلى أسفل.

١١

الباب الثامن : في زيارته صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفيه أربعة فصول : الأول : في الأحاديث الواردة في الزيارة نصّا ، الثاني : في بقية أدلتها ، وبيان تأكد مشروعيتها ، وقربها من درجة الوجوب ، حتى أطلقه بعضهم عليها ، وبيان حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في قبره ، وشدّ الرحال إليه ، وصحة نذر زيارته ، والاستئجار للسلام عليه ، الثالث : في توسّل الزائر ، وتشفّعه به صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى ربه تعالى ، واستقباله له صلى‌الله‌عليه‌وسلم في سلامه وتوسّله ودعائه ، الرابع : في آداب الزيارة والمجاورة ، والتبرك بتلك المساجد والآثار ، وهذا الباب وإن كان من حقه التقديم ، لكنه لما كان كنتيجة الكتاب ، ومقدماته ما تقدمه من الأبواب ، ختمت به أقسامه ؛ ليكون المسك ختامه ، وسر الوجود تمامه ، وتفاؤلا بأن يفتح لي به ثمانية أبواب الجنة ، ويعظم لي بسببه سوابغ المنة (١) ، وبالله لا سواه أعتصم ، وأسأله العصمة مما يصم (٢) ، فهو حسبي ونعم الوكيل.

__________________

(١) المنة : الإحسان والإنعام.

(٢) يصمه وصما : يعيبه.

١٢

الباب الأول

في أسماء هذه البلدة الشريفة

أعلم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى ، ولم أجد أكثر من أسماء هذه البلدة الشريفة ، وقد استقصيتها بحسب القدرة حتى إني زدت على شيخ مشايخنا المجد الشيرازي اللغوي ـ وهو أعظم الناس في هذا الباب ـ نحو ثلاثين اسما ، فرقمت على ذلك صورة ليتميزوها ، وأنا أوردها مرتّبة على حروف المعجم.

أثرب

الأول : أثرب ـ كمسجد ، بفتح الهمزة وسكون المثلاثة وكسر الراء وباء موحدة ـ لغة في «يثرب» الآتي ، وأحد الأسماء كألملم ويلملم ، قيل : سميت بذلك لأنه اسم من سكنها عند تفرّق ذرية نوح عليه‌السلام في البلاد ، وهل هو اسم للناحية التي منها مدينة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو للمدينة نفسها ، أو لموضع مخصوص من أرضها؟ أقوال ، الأول لأبي عبيدة ، والثاني عن ابن عباس رضي‌الله‌عنهما ، ومشى عليه الزمخشري ، والثالث هو المعني بقول محمد بن الحسن أحد أصحاب مالك ويعرف بابن زبالة : وكانت يثرب أم قرى المدينة ، وهي ما بين طرف قناة إلى طرف الجرف ، وما بين المال الذي يقال له البرني إلى زبالة ، وقد نقل ذلك الجمال المطري عنه ، وزاد في النقل أنه كان بها ثلاثمائة صائغ من اليهود ، وابن زبالة إنما ذكر أن ذلك كان بزهوة ، وقد غاير بينها وبين يثرب ، وكأن الجمال فهم اتحادهما ، وقد قال عقب نقله لذلك عنه : وهو يعني يثرب معروفة اليوم بهذا الاسم ، وفيها نخيل كثيرة ملك لأهل المدينة وأوقاف للفقراء وغيرهم ، وهي غربي مشهد سيدنا حمزة ، وشرقي الموضع المعروف بالبركة مصرف عين الأزرق ، ينزلها الحاج الشامي في وروده وصدوره ، وتسميها الحجاج عيون حمزة ، وهي إلى اليوم معروفة بهذا الاسم ، أعني يثرب ، وربما قالوا فيها «أثارب» بصيغة الجمع ، وبه عبر البرهان ابن فرحون في مناسكه ، فلك أن تعده اسما آخر ، وهذا الموضع يثرب قال المطري : كان به منازل بني حارثة بطن ضخم من الأوس ، قال : وفيهم نزل قوله تعالى في يوم الأحزاب : (وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) [الأحزاب : ١٣] ورجح به القول الثالث ، وذلك أن قريشا

١٣

ومن معهم نزلوا يوم الأحزاب ويوم أحد أيضا على ما ذكره المطري برومة وما والاها بالقرب من منازل بني حارثة من الأوس ومنازل بني سلمة من الخزرج ، وكان الفريقان مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في مركز الحرب ، ولذلك خافوا على ذراريهم وديارهم العدو يوم أحد ؛ فنزل فيها : (إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما) [آل عمران : ١٢٢] قال عقلاؤهم : ما كرهنا نزولها لتولي الله إيانا ، ودفع الله عنهم ببركة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وصدق نياتهم ، وقيل : إن القائل لبني حارثة : «يا أهل يثرب لا مقام لكم» هو أوس بن قيظي ومن معه ، وقيل : غير ذلك.

قلت : ويرجح القول الثالث أيضا قول الحافظ عمر بن شبّة النميري (١) : قال أبو غسان : وكان بالمدينة في الجاهلية سوق بزبالة في الناحية التي تدعى يثرب ، انتهى. ولا شك في إطلاق يثرب على المدينة نفسها ، كما ثبت في الصحيح ، وشواهده أشهر من أن تذكر ، وسيأتي في الفصل الرابع عشر من الباب الثاني ما يقتضي أن الله تعالى سماها قبل أن تعمر وتسكن ، فإما أن يكون موضوعا لها ، أو هو من باب إطلاق اسم البعض على الكل ، أو من باب عكسه على الخلاف المتقدم.

وروى ابن زبالة وابن شبة نهيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن تسمية المدينة يثرب ، وفي تاريخ البخاري حديث : من قال يثرب مرة فليقل المدينة عشر مرات» ، وروى أحمد وأبو يعلى حديثا : «من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله ، وهي طابة» ورجاله ثقات ، وفي رواية «فليستغفر الله ثلاثا» ولهذا قال عيسى بن دينار : من سمى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة ، وكره بعض العلماء تسميتها بذلك ، وما وقع في القرآن من تسميتها به إنما هو حكاية عن قول المنافقين ، ووجه كراهة ذلك إما لأنه مأخوذ من الثّرب ـ بالتحريك ـ وهو الفساد ، أو لكراهة التثريب وهو المؤاخذة بالذنب ، أو لتسميتها باسم كافر ، وقد ينازع في الكراهة بما في حديث الهجرة في الصحيحين من قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فذهب وهلي (٢) إلى اليمامة أو هجر ، فإذا هي المدينة يثرب» وحديث مسلم : «إنه وجهت إلى أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب» وكذا جاء في غيرهما من الأحاديث ، وقد يجاب بأن ذلك كان قبل النبي.

أرض الله

الثاني : «أرض الله» قال الله تعالى : (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) [النساء :

__________________

(١) عمر بن شبة النميري له ترجمة في تهذيب التهذيب (٧ / ٤٦٠) وفي خلاصة الخزرجي (٢٨٣ بولاق) وثّقه الدارقطني ، مات سنة ٢٦٢ من الهجرة.

(٢) ذهب وهلي : ذهب وهمي.

١٤

٩٧] ذكر مقاتل والثعلبي وغيرهما أن المراد به المدينة ، وفي هذه الإضافة من مزيد التعظيم ما لا يخفى.

الهجرة

الثالث : «أرض الهجرة» كما في حديث «المدينة قبّة الإسلام».

أكالة البلدان

الرابع : «أكالة البلدان» لتسلطها على جميع الأمصار ، وارتفاعها على سائر بلدان الأقطار ، وافتتاحها منها على أيدي أهلها فغنموها وأكلوها.

أكالة القرى

الخامس : «أكالة القرى» لحديث الصحيحين «أمرت بقرية تأكل القرى» وقد استدل به مثبتو الاسم قبله ، وهو أصرح في هذا ؛ للفرق بين البلدة والقرية.

الإيمان

السادس : «الإيمان» قال الله تعالى مثنيا على الأنصار (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ) [الحشر : ٩] وأسند ابن زبالة عن عثمان بن عبد الرحمن وعبد الله بن جعفر قالا : سمّى الله المدينة الدار والإيمان ، وأسند ابن شبة عن الثاني فقط. وقال البيضاوي في تفسيره ، قيل سمى الله المدينة بالإيمان لأنها مظهره ومصيره. وروى أحمد الدينوري في كتابه المجالسة في قصة طويلة عن أنس بن مالك «أن ملك الإيمان قال : أنا أسكن المدينة ، فقال ملك الحياء : وأنا معك» فأجمعت الأمة على أن الإيمان والحياء ببلد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وسيأتي في حديث «الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» (١).

البارة والبرة

السابع : «البارة» ، الثامن «البرة» هما من قولك : امرأة بارة وبرة ، أي : كثيرة البر ، سميت بذلك لكثرة برها إلى أهلها خصوصا وإلى جميع العالم عموما ؛ إذ هي منبع الأسرار وإشراق الأنوار ، وبها العيشة الهنية ، والبركات النبوية.

البحرة والبحيرة

التاسع : «البحرة» بفتح أوله وسكون المهملة. العاشر : «البحيرة» تصغير ما قبله.

__________________

(١) أرز أرزا وأروزا : لجأ. و ـ لاذ.

١٥

الحادي عشر : «البحيرة» بفتح أوله ـ نقلت ثلاثتها عن منتخب كراع ، والأولان عن معظم ياقوت ، والاستبحار : السعة ، ويقال : هذه بحرتنا ، أي : أرضنا أو بلدتنا ، سميت بذلك لكونها في متسع من الأرض ، وفي الصحيح قول سعد في قصة ابن أبيّ (١) «ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه» رواه ابن شبة بلفظ «أهل هذه البحيرة» وقال عياض في المشارق : البحرة مدينة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويروى البحرة ، والبحيرة : بضم الباء مصغرا وبفتحها على غير التصغير ، وهي الرواية هنا ، ويقال «البحر» أيضا بغير تاء ساكن الحاء ، وأصله القرآن وكل قرية بحرة. انتهى.

الثاني عشر : «البلاط» بالفتح ـ نقل عن كتاب ليس لابن خالويه ، وهو لغة الحجارة التي تفرش على الأرض ، والأرض المفروش بها والمستوية الملساء ، فكأنها سميت به لكثرته فيها ، أو لاشتمالها على مواضع تعرف به كما سيأتي في الباب الرابع إن شاء الله تعالى.

البلد

الثالث عشر : «البلد» قال تعالى : (لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ) [البلد : ١] قال الواسطي فيما نقله عن عياض : أي : يحلف لك بهذا البلد الذي شرفته بمكانك فيه حيا وببركتك ميتا ، يعني المدينة ، وقيل : المراد مكة ، ونقل عن ابن عباس ، وبه استدل من ذكره في أسمائها ، ورجّحه عياض لكون السورة مكية ، والبلد لغة صدر القرى.

بيت الرسول

الرابع عشر : «بيت الرسول» صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال تعالى : (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ) [الأنفال : ٥] ، قال المفسرون : أي : من المدينة لأنها مهاجره ومسكنه فهي في اختصاصها به كاختصاص البيت بساكنه ، أو المراد بيته بها.

ندد وتندر

الخامس عشر : «تندد» بالمثناة الفوقية والنون وإهمال الدالين.

السادس عشر : «تندر» براء بدل الدال الأخيرة مما قبله ، وسيأتي دليلهما في يندد ويندر بالمثناة التحتية ، وأن المجد صوّب حذف ما عدا يندر بالتحتية.

الجابرة

السابع عشر : «الجابرة» لعده في حديث «للمدينة عشرة أسماء» سميت به لأنها تجبر

__________________

(١) هو عبد الله بن أبيّ ابن سلول ، أبوه أبيّ ، وسلول أمه ، وهو رأس المنافقين ، وكان أهل المدينة قد أجمعوا قبل هجرة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم على أن يجعلوه ملكا عليهم.

١٦

الكسير ، وتغني الفقير ، وتجبر (١) على الإذعان لمطالعة بركاتها ، وشهود آياتها : وجبرت البلاد على الإسلام.

جبار

الثامن عشر : «جبار» كحذام ، رواه ابن شبة بدل الجابرة في الحديث المذكور.

الجبارة

التاسع عشر : «الجبارة» نقله صاحب كتاب أخبار النواحي مع الجابرة والمجبورة عن التوراة.

جزيرة العرب

العشرون : «جزيرة العرب» قال ابن زبالة : كان ابن شهاب يقول : جزيرة العرب المدينة ، وسيأتي في حديث ابن عباس : «خرجت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من المدينة ، فالتفت إليها وقال : إن الله برّأ هذه الجزيرة من الشرك» ونقل الهروي عن مالك أن المراد من حديث «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» المدينة خاصة ، والصحيح عن مالك كقولنا أن المراد الحجاز.

الجنة الحصينة

الحادي والعشرون : «الجنة الحصينة» بضم الجيم ، وهي الوقاية ؛ لما حكاه بعضهم من قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في غزوة أحد «أنا في جنة حصينة ـ يعني المدينة ـ دعوهم يدخلون نقاتلهم» وروى أحمد برجال الصحيح حديث : «رأيت كأني في درع حصينة ، ورأيت بقرا تنحر ، فأولت الدرع الحصينة المدينة» وهذا هو المذكور في كتب السير.

الحبيبة

الثاني والعشرون : «الحبيبة» لحبه لها صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : «اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد» وسيأتي مزيد بيان لذلك في اسمها المحبوبة.

الحرم

الثالث والعشرون : «الحرم» بالفتح بمعنى الحرام ؛ لتحريمها ، وفي حديث مسلم «المدينة حرم» وفي رواية «إنها حرم آمن».

حرم رسول الله

الرابع والعشرون : «حرم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم» لأنه الذي حرمها ، وفي الحديث : «من

__________________

(١) تجبر على الإذعان : تكره على الخضوع.

١٧

أخاف أهل حرمي أخافه الله» ، وروى ابن زبالة حديث : «حرم إبراهيم مكة وحرمي المدينة».

حسنة

الخامس والعشرون : «حسنة» بلفظ مقابل السيئة ، قال تعالى : (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً) [النحل : ٤١] قال المفسرون : مباءة حسنة (١) ، وهي المدينة ، وقيل : حسنة اسم المدينة ، وقد اشتملت على الحسن الحسي والمعنوي.

الخيرة

السادس والعشرون : «الخيّرة» بتشديد المثناة التحتية كالنيرة.

السابع والعشرون : «الخيرة» كالذي قبله إلا أن الياء مخففة ، تقول : رجل خيّر وخير ، وامرأة خيّرة وخيرة ، بالتشديد والتخفيف ، بمعنى ، وهو الكثير الخير ، وإذا أردت التفضيل قلت : فلان خير الناس ، وفي الحديث : «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» وسيأتي حديث «المدينة خير من مكة».

الدار

الثامن والعشرون : «الدار» لقوله تعالى : (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ) [الحشر : ٩] على ما سبق في الإيمان ، سميت به لأمنها والاستقرار بها وجمعها البناء والعرصة.

دار الأبرار

التاسع والعشرون : «دار الأبرار». الثلاثون «دار الأخيار» لأنها دار المصطفى المختار ، والمهاجرين والأنصار ، ولأنها تنفي شرارها ومن أقام بها منهم فليست في الحقيقة له بدار ، وربما نقل منها بعد الدفن على ما جاء في بعض الأخبار.

دار الإيمان

الحادي والثلاثون : «دار الإيمان» كما في حديث «المدينة قبة الإسلام ودار الإيمان» إذ منها ظهوره وانتشاره ، وسيأتي في حديث «الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها».

دار السنة ونحوها

الثاني والثلاثون : «دار السنة». الثالث والثلاثون : «دار السلامة». الرابع والثلاثون: «دار الفتح». الخامس والثلاثون : «دار الهجرة» ؛ ففي صحيح البخاري قول عبد الرحمن لعمر رضي‌الله‌عنهما «حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة» وفي رواية الكشميهني

__________________

(١) المباءة : المنزل. و ـ تبوأ المكان : نزله وأقام به.

١٨

«والسلامة» وقد فتحت منها مكة وسائر الأمصار ، وكانت بها عصابة الأنصار ، ومهاجرة النبي المختار صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمهاجرين الأبرار ، ومنها انتشرت السنة في الأقطار.

ذات الحجر

السادس والثلاثون : «ذات الحجر» لاشتمالها عليها ، قال أبو بكر رضي‌الله‌عنه مثنيا على الأنصار : ما وجدت لنا ولهذا الحيّ من الأنصار مثلا إلا ما قال طفيل الغنوي :

أبوا أن يملّونا ولو أنّ أمّنا

تلاقي الّذي يلقون منّا لملّت

هم خلطونا بالنّفوس وأولجوا

إلى حجرات أدفأت وأظلّت

ذات الحرار

السابع والثلاثون : «ذات الحرار» لكثرة الحرار بها ، وفي قصة خنافر بن التوأم الحميري الكاهن عن رئيه من الجن وقد وصف له دين الإسلام ، فقال له خنافر : من أين أبغى هذا الدين؟ قال : من ذات الأحرين ، والنفر الميامين ، أهل الماء والطين ، قلت : أوضح ، قال : الحق بيثرب ذات النخل والحرة ذات النعل ، قال الأصمعي : أحرون وحرار جمع حرة.

ذات النخل

الثامن والثلاثون : «ذات النخل» وهو وذات الحجر مما استعمله المتأخرون في أشعارهم ، وقد نسجت على منوالهم حيث قلت في مطلع قصيدة :

أشجان قلبي بذات النّخل والحجر

وأختها تلك ذات الحجر والحجر

تقسّم القلب بين البلدتين ؛ فلا

أنفك من لهب الأشواق في سعر

وفي أحاديث الهجرة «أريت دار هجرتي ذات نخل وحرة» (١) ، وقال عمران بن عامر الكاهن يصف البلاد لقومه : ومن كان منكم يريد الراسخات في الوحل ، المطعمات في المحل (٢) ، فليلحق بالحرة ذات النخل. وروي كما سيأتي بيثرب ذات النخل

السلقة

التاسع والثلاثون : «السلقة» ذكره أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أمين الأقشهري في أسمائها المنقولة عن التوراة ، ولم نضبطه ، وهو محتمل لفتح اللام وكسرها ، والسّلق بالتحريك : القاع الصفصف (٣) ، وسلقت البيض : أغليته بالنار ، والمسلاق : الخطيب البليغ ،

__________________

(١) الحرّة : أرض ذات حجارة سود كأنها أحرقت (ج) حرار.

(٢) المحل : انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلإ.

(٣) الصفصف : المستوي من الأرض لا نبات فيه. و ـ الأرض المنبسطة بين الجبال.

١٩

وربما قيل للمرأة السليطة : سلقة ـ بكسر اللام ـ فتسميتها بذلك لاتساعها وبعدها عن جبالها ، أو للأوائها ، أو لشدة حرها وما كان بها من الحمى الشديدة ، أو لأن الله تعالى سلط أهلها على سائر البلاد فافتتحوها.

سيدة البلدان

الأربعون : «سيدة البلدان» لما أسنده الديلمي من الحلية لأبي نعيم عن ابن عمر مرفوعا «يا طيبة يا سيدة البلدان».

الشافية

الحادي والأربعون : «الشافية» لحديث «ترابها شفاء من كل داء» وذكر الجذام والبرص ، ولقد شاهدنا من استشفى بترابها من الجذام فنفعه الله به ، والاستشفاء بتربة صعيب من الحمى مشهور ، كما سيأتي ، ولما صح في الاستشفاء بتمرها ، وذكر ابن مسدي الاستشفاء من الحمى بكتابة أسمائها وتعليقها على المحموم ، وسيأتي أنها تنفي الذنوب فتشفى من دائها.

طابة وطيبة

الثاني والأربعون : «طابة» بتخفيف الموحدة. الثالث والأربعون : «طيبة» بسكون المثناة التحتية.

الرابع والأربعون : «طيّبة» بتشديدها. الخامس والأربعون : «طائب» ككاتب ، وهذه الأربعة مع اسمها المطيبة أخوات لفظا ومعنى ، مختلفات صيغة ومبنى ، وقد صح حديث «إن الله سمى المدينة طابة» وفي رواية «إن الله أمرني أن أسمي المدينة طابة» وروى ابن شبة وغيره : كانوا يسمون يثرب ، فسماها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم طيبة ، وفي حديث «للمدينة عشرة أسماء هي المدينة وطيبة وطابة» ورواه صاحب النواحي بلفظ طابت بدل طيبة ، وعن وهب بن منبه : والله إن اسمها في كتاب الله ـ يعني التوراة ـ طيبة وطابة ، ونقل عن التوراة تسميتها بالمطيبة أيضا ، وكذا بطابة والطيبة ، وتسميتها بهذه الأسماء إما من الطيب بتشديد المثناة ، وهو الطاهر ؛ لطهارتها من أدناس الشرك ، أو لموافقتها من قوله تعالى : (بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) [يونس : ٢٢] أو لحلول الطيب بها صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو لكونها كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها ، وإما من الطيب ـ بسكون المثناة ـ لطيب أمورها كلها ، وطيب رائحتها ، ووجود ريح الطيب بها ، قال ابن بطّال : من سكنها يجد من ترتبها وحيطانها رائحة حسنة ، وقال الإشبيلي : لتربة المدينة نفحة ، ليس طيبها كما عهد من الطيب ، بل هو عجب من الأعاجيب ، وقال ياقوت :

٢٠