🚘

تحقيق الأصول - ج ٣

السيّد علي الحسيني الميلاني

تحقيق الأصول - ج ٣

المؤلف:

السيّد علي الحسيني الميلاني


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الحقائق الإسلاميّة
المطبعة: وفا
الطبعة: ١
ISBN: 964-2501-39-2
ISBN الدورة:
964-2501-52-X

الصفحات: ٣٩٩
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

الواجب

النفسي والغيري

٥
٦

وينقسم الواجب إلى النفسي والغيري.

وقد اختلف في تعريفهما وبيان حقيقتهما :

تعريف الواجب النفسي والغيري

فقد اشتهر تعريف الواجب النفسي ب «ما أُمر به لأجل نفسه» والغيري ب «ما أُمر به لأجل غيره».

فأشكل عليه الشيخ الأعظم : بأنّ هذا التعريف للواجب الغيري ينطبق على كلّ الواجبات الشرعية ، لكونها مأموراً بها لأغراض تترتّب عليها ، لأنّ الأحكام تابعة للأغراض المولويّة.

تعريف الشيخ الأعظم والكلام حوله :

ولهذا فقد غيَّر الشيخ (١) التعريف فقال : بأنّ الواجب النفسي هو ما وجب لا للتوصّل إلى واجبٍ آخر ، والغيري ما وجب للتوصّل إلى واجب آخر ، أي : إن النفسي ما لم يكن الداعي لإيجابه التوصّل إلى واجب آخر ، والغيري هو ما كان الداعي لإيجابه التوصّل إلى واجب آخر.

توضيحه : إنّ الإيجاب عمل كسائر الأعمال الاختياريّة ، وكلّ عمل اختياري فلا يصدر إلاّ عن الداعي ، فإنْ كان الداعي لإيجاب الشيء التوصّل به إلى

__________________

(١) مطارح الأنظار : ٦٧.

٧

شيءٍ آخر ، فهو الواجب الغيري ، وإنْ لم يكن ذلك هو الداعي لإيجابه فهو الواجب النفسي ، وهذا الواجب منه ما يكون مطلوباً لذاته ، وهو معرفة الله ، فإنّها واجبة ومطلوبيتها ذاتيّة ، ومنه ما يكون مطلوباً وليست مطلوبيّته للوصول إلى واجب آخر ، بل من أجل حصول غرضٍ يترتّب عليه ، والعبادات أكثرها من هذا القبيل ، وكذا التوصّليات كلّها ... لأنّ الأغراض ليست بواجبات.

وأورد على الشيخ : بأنّ المفروض كون وجوب الصلاة ـ مثلاً ـ ناشئاً من الغرض ، فهو الداعي لإيجابها ، وحينئذٍ ، فلا بدّ وأنْ يكون الغرض الداعي لزوميّاً وإلاّ لم يصلح لأنْ يكون علّةً لجعل الطلب الوجوبي ، وإذا كان لزوميّاً كانت الواجبات ـ غير معرفة الله ـ واجبةً لواجبٍ آخر ، فيعود الإشكال.

وقد أُجيب عن الإشكال : بأن الأغراض ليست بواجبة ، لكونها غير مقدورة للمكلّف ، وكلّ ما ليس بمقدورٍ فلا يتعلّق به الوجوب.

واعترضه صاحب (الكفاية) وتبعه السيّد الأُستاذ (١) : بأنّها وإنْ كانت غير مقدورة ، إلاّ أنّها مقدورة بالواسطة ، وهي الواجبات الناشئة عنها ، فلمّا كان الأمر الواجب مقدوراً للمكلّف فالغرض الداعي لإيجابه مقدور ، ولا يعتبر في المقدوريّة أنْ تكون بلا واسطة ، فالطهارة مقدورة على سببها وهو الوضوء ، والمكليّة مقدورة للقدرة على سببها وهو العقد ، وكذلك العتق مثلاً وهو الإيقاع.

فقال شيخنا : لكنّ هذا إنّما يتمُّ في مورد الأسباب التوليديّة كما مثّل ، إذ لا يوجد فيها إلاّ واجب واحد ، فلا يوجد أمرٌ بالطهارة وأمر آخر بالوضوء ، بل هو أمر بالطهارة ، وهو المحرّك للعبد نحو السبب التوليدي لها وهو الوضوء مثلاً ، وللمستشكل على الشيخ بأن الأغراض غير مقدورة أن يطرح الاشكال حيث

__________________

(١) كفاية الأُصول : ١٠٨ ، منتقى الأُصول ٢ : ٢١٢.

٨

يتصوّر وجوبان ، إذ الوجوب الغيري عنده ما وجب لواجبٍ آخر.

وأجاب المحقّق الخراساني عن الإشكال : بأنّ من العناوين ما يكون حسناً في نفسه ، وإنْ أمكن كونه مقدّمةً لأمر مطلوبٍ واقعاً ، ومنها ما لا يكون حسناً في نفسه وإنّما يكون وجوبه لكونه مقدمةً لواجب نفسي وإن اتّصف بعنوانٍ حسن في نفسه. مثلاً : التأديب عنوان متّصف بالحسن ، أمّا الضرب فلا يتّصف بنفسه بالحسن وإنّما يكون حسناً في حال وقوعه مقدمةً للتأديب.

فكلّ ما كان من قبيل الأوّل فهو واجب نفسي ، إذ قد لوحظ حسنه وقد أُمر به بالنظر إلى ذلك ، وما كان من قبيل الثاني ، أي لم يكن له حسن في نفسه ، وإنّما تعلّق به الأمر من أجل التوصّل به إلى أمرٍ حسن ، أو كان ذا حسن في نفسه لكنّه لم يكن الأمر به بالنظر إلى ذلك ، فهو واجب غيري. فنصب السلّم ليس له حسن في نفسه ، وإنما يؤمر به من أجل الصعود إلى السطح ـ المفروض حسنه ـ فهو واجب غيري ، بخلاف الوضوء ، فله جهة حسنٍ ، لأنّ الله تعالى يقول (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرينَ) (١) والإمام عليه‌السلام يقول : «الوضوء نور» (٢). فإنْ تعلّق به الأمر بالنظر إلى هذه الجهة كان مطلوباً نفسيّاً. أمّا إذا كان الأمر به لا بلحاظ ما ذكر بل بالنظر إلى شرطيّته للصّلاة وأنّه «لا صلاة إلاّ بطهور» (٣) كان واجباً غيريّاً.

قال : ولعلّه مراد من فسّرهما بما أُمر به لنفسه وما أُمر به لأجل غيره.

تعريف الكفاية والكلام حوله :

فكان تعريفه له : إنّ الواجب النفسي : ما وجب لحسنه ، والواجب الغيري :

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٢٢.

(٢) وسائل الشيعة ١ / ٣٧٧ الباب ٨ من أبواب الوضوء.

(٣) وسائل الشيعة ١ / ٣٦٥ الباب الأول من أبواب الوضوء.

٩

ما وجب للتوصّل إلى ما هو حسن بنفسه (١).

وما ذهب إليه وإنْ سلم من الإشكال الوارد على تعريف الشيخ ، ولكنْ قد أورد عليه بوجوه :

الأول : إنّ أكثر الواجبات الشرعيّة غير متّصفة بالحسن العقلي حتّى يقال بأنّها قد وجبت لحسنها ، فإن كان حسنها من أجل ترتّب المصلحة عليها ، عاد إشكال كونها غيريّةً لا نفسيّة. فما ذكره ـ من أنّ الواجب النفسي ما وجب لحسنٍ في نفسه ـ غير صادقٍ على عمدة الأحكام الشرعيّة.

والثاني : كلّ شيء تعنون بعنوان ، فإمّا يكون عنواناً ذاتيّاً له ، وامّا يكون عنوان عرضيّاً له ، لكنّ كلّ ما بالعرض فلا بدّ وأنْ ينتهي إلى ما بالذات ... وحينئذٍ نقول :

إنّ العنوان الحسن بالذات عقلاً ليس إلاّ العدل ، كما أنّ العنوان القبيح بالذات عقلاً هو الظلم ، ولذا لا يزول الحسن عن العدل أبداً كما لا ينفصل القبح عن الظلم أبداً ، بخلاف مثل حسن الصّدق وقبح الكذب كما هو معلوم ، وعلى هذا ، فلا بدّ وأن ينتهي حسن الواجبات الشرعيّة إلى «العدل» فينحصر الواجب الشرعي بهذا العنوان فقط ، ولا واجب آخر غيره ، وهذا ما لا يلتزم به صاحب الكفاية.

والثالث : إنّه بناءً على ما ذكره من مقدوريّة الأغراض مع الواسطة ، يلزم أنْ يجتمع عنوان «النفسية» وعنوان «الغيرية» في كلّ واجبٍ من الواجبات. أمّا الأوّل ، فلفرض وجود الحسن فيه. وأمّا الثاني ، فلكونه مقدّمة لحصول الغرض منه ، فلم يتمحّض واجب من الواجبات الشرعيّة في النفسيّة.

__________________

(١) كفاية الأُصول : ١٠٨.

١٠

ولورود هذه الإشكالات على تعريف المحقّق الخراساني ، سلك المحقّقون المتأخّرون طرقاً أُخرى لدفع الإشكال الوارد على تعريف الشيخ.

طريق الميرزا

قال : إنّ الأغراض المترتّبة على الواجبات تنقسم إلى ثلاثة أصناف :

١ ـ فمن الأغراض ما يترتّب على الفعل الخارجي المأمور به من دون توسّط أمر بينهما ، سواء كان اختياريّاً أو غير اختياري ، كما هو الحال في الأفعال التوليدية ، كالغسلات والمسحات بالنسبة إلى الطهارة ، والعقد بالنسبة إلى الزوجيّة ، والإيقاع بالنسبة إلى الطلاق مثلاً.

وفي هذا القسم من الأغراض ، لا مانع من تعلّق التكليف بها ، لكونها مقدورةً بالقدرة على أسبابها.

٢ ـ ومنها ما يترتّب على الفعل الخارجي المأمور به ، لكنْ بواسطة أمرٍ اختياري من المكلّف ، كالصعود على السطح مثلاً ، وفي هذا القسم من الأغراض أيضاً لا مانع من تعلّق التكليف بها ، لكونها مقدورةً كذلك.

٣ ـ ومنها ما يترتّب على الفعل الخارجي المأمور به ، لكن بواسطة أمر غير اختياري ، بل تكون النسبة بينهما نسبة المعدّ إلى المعدّ له ، كحصول الثمرة من الزرع ، المتوقّف على أُمورٍ خارجة عن قدرة الزارع وإرادته.

فيقول الميرزا : والواجبات الشّرعيّة بالنسبة إلى الأغراض الواقعيّة من هذا القبيل ، فالغرض من الصّلاة هو الانتهاء عن الفحشاء والمنكر ، وترتّبه عليها موقوف على أُمور بعضها خارج عن قدرة المكلّف ... فالغرض غير مقدورٍ للعبد فلا يعقل تعلّق التكليف به.

فتلخّص : إنّه صحيح أنّ الواجبات الشرعيّة تابعة لمصالح لزوميّة ، لكنْ

١١

ليس كلّ غرض لزومي قابلاً لأن يتعلّق الوجوب به ، بل القابل لذلك هو الاختياري. فتعريف الشيخ صحيح لا يرد عليه الإشكال.

إشكال المحاضرات

وأورد عليه في (المحاضرات) (١) : بأنّ ما أفاده إنّما يتمّ بالإضافة إلى الغرض الأقصى من التكليف ، لوضوح أنّ الأفعال الواجبة بالنسبة إليها من قبيل العلل المعدّة ، لفرض كونها خارجةً عن اختيار المكلّف وقدرته ، كما في النهي عن الفحشاء الذي هو الغاية القصوى من الصّلاة كما تقدّم. لكنّه لا يتم بالإضافة إلى الغرض القريب ، وهو حيثيّة الإعداد للوصول إلى الغرض الأقصى ، حيث أنّه لا يتخلَّف عنها ، فيكون ترتّبه عليها من ترتّب المعلول على العلّة التامّة والمسبّب على السبب. وبما أنّ السبب مقدور للمكلّف فلا مانع من تعلّق التكليف بالمسبّب ، فيكون نظير الأمر بزرع الحبّ في الأرض ، فإنّ الغرض الأقصى منه ـ وهو حصول الثمرة ـ وإنْ كان خارجاً عن الاختيار ، إلاّ أنّ الغرض القريب ـ وهو إعداد الأرض للثمرة ـ مقدور بالقدرة على سببه. هذا من ناحية. ومن ناحية أُخرى : بما أنّ هذا الغرض المترتّب على تلك الأفعال ترتّب المسبّب على السبب لزومي على الفرض ، فبطبيعة الحال يتعيّن تعلّق التكليف به ، لكونه مقدوراً من جهة القدرة على سببه. وعلى ذلك يبقى إشكال دخول الواجبات النفسية في تعريف الواجب الغيري على حاله.

قال الأُستاذ

ويضاف إلى ما ذكر ناحية أُخرى ، وهي إنّ الميرزا يرى أنّ المسبّب قابل لتعلّق الأمر كالسبب ، لأنّ وزان الإرادة التشريعيّة عنده وزان الإرادة التكوينيّة ،

__________________

(١) محاضرات في أُصول الفقه ٢ / ٢١٧ الطبعة الحديثة.

١٢

فكما تتعلّق الإرادة في التكوينيّات بالمسبّب ومنها تتحقّق الإرادة بالنسبة إلى السبب ، فهما إرادتان ، كذلك الحال في الإرادة التشريعيّة ، ويكون فيها إرادتان نفسيّة وغيرية.

فيتوجّه الإشكال على الميرزا ، لأنّه صحيح أنّ ترتّب النهي عن الفحشاء على الصّلاة موقوف على أُمور غير اختياريّة ، لكنّ نفس الصّلاة توجد في النفس الإنسانيّة استعداداً ، ونسبة هذا الاستعداد إلى الغرض الأقصى نسبة السبب إلى المسبّب ، فلا محالة تصير الصّلاة واجباً غيريّاً ، فما انحلّت المشكلة بطريق الميرزا.

هذا ، لكن الإشكال فيما ذكر هو : إنّ الإهمال في الغرض غير معقول ، فإمّا يكون الغرض من الصّلاة هو الاستعداد بشرط لا عن الوصول إلى الغرض الأقصى أو يكون لا بشرط عن الوصول إليه أو يكون بشرط الوصول. أمّا أنْ يكون الغرض هو الاستعداد لا بشرط ، أي سواء وصل إلى الغرض الأقصى أو لا ، فهذا باطل ، لأنّه خلف لفرض كون غرضاً أقصى ، وأمّا أن يكون الغرض هو الاستعداد بشرط لا ، فكذلك ، فتعيَّن كون الغرض من الصّلاة حصول الاستعداد في النفس بشرط الوصول ، وإذا كان كذلك سقط الإشكال على الميرزا ، لأنّ الاستعداد بشرط الوصول غير اختياري.

إلاّ أنّه يمكن الجواب : بأنّ الغرض المترتّب على متعلّق الأمر لا يمكن أن يكون أخصّ من المتعلّق ولا أعمّ منه ، سواء في المراد التكويني أو التشريعي ، لأنّه إن كان أخصّ لزم أن تكون الحصّة الزائدة بلا غرض ، وهو محال ، وكذلك إن كان أعم ، لأنّ الإرادة المتعلِّقة بالمأمور به هي فرع الغرض ومعلول له ، فلا يعقل أن يكون الغرض أعم أو أخص ، وعلى هذا ، فالإرادة المتعلّقة بالصّلاة تنشأ من

١٣

الغرض الاستعدادي فيها وهو حصول الاستعداد فيها ، لا الاستعداد الموصل للغرض الأقصى ، فإنّه أخصّ من الصّلاة ، وقد تبيّن استحالته بناءً على ما ذكر.

والحاصل : إنّ متعلّق الأمر هو طبيعي الصّلاة ، وليس الغرض منه بحسب الآية المباركة إلاّ استعداد النفس الإنسانيّة.

فإشكال المحاضرات على الميرزا قوي.

طريق المحاضرات

ثمّ قال : فالصحيح في المقام أن يقال ـ بناءً على نظريّة المشهور ، كما هي الحق ، وهي إن حال السبب حال سائر المقدّمات ، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً ـ إنّ المصالح والغايات المترتّبة على الواجبات ليست بقابلةٍ لأنْ يتعلّق بها التكليف ، لأنّ تعلّق التكليف بشيء يتقوّم بأمرين ، أحدهما : أن يكون مقدوراً للمكلّف. والآخر : أنْ يكون أمراً عرفيّاً وقابلاً لأنْ يقع في حيّز التكليف بحسب أنظار أهل العرف ، والمصالح والأغراض وإنْ كانت مقدورةً بالقدرة على أسبابها ، إلاّ أنّها ليست ممّا يفهمه العرف العام ، لأنّها من الأُمور المجهولة عندهم ، وخارجة عن أذهان عامّة الناس ، فلا يحسن من المولى توجّه التكليف إليها ، ضرورة أن العرف لا يرى حسناً في توجّه التكليف بالانتهاء عن الفحشاء والمنكر أو بإعداد النفس للانتهاء عن الفحشاء والمنكر ، فلا مناص من الالتزام بأنّ الغايات والأغراض غير متعلّق بها التكليف ، وإنّما هو متعلّق بنفس الأفعال ، ويصدق عليها حينئذٍ أنّها واجبة لا لأجل واجب آخر ، فلا إشكال على الشيخ.

وفيه : إنّ في الأخبار والخطب المرويّة عن الشارع إشارات كثيرة إلى الأغراض والغايات المترتّبة على الأحكام الشرعيّة ، فقد جاء فيها ذكر الغرض من الجهاد بأنّ الجهاد عزّ للإسلام قال عليه‌السلام : «فمن تركه رغبةً عنه ألبسه

١٤

الذلّ ...» (١) ، وأنّ الزكاة تطهير للنفس وتوفير للمال (٢) ، وفي القرآن الكريم (إِنَ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) (٣) فهل خاطب الشارع الناس بما لا يفهمون؟

إذا قال الشارع للناس : يجب عليكم العمل من أجل عزّ الإسلام والمحافظة على عظمة الدين ، وذلك يحصل بالجهاد في سبيل الله ، ألا يفهم العرف هذا المعنى؟ وإذا قال : عليكم بالمحافظة على المصالح العامّة للمجتمع الإسلامي ، وطريق ذلك هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ألا يفهمون مراد الشارع؟

نعم ، العرف العام بل الخاص يجهلون كيفيّة ترتّب الأغراض على الأفعال ، والسرّ في حصول الانتهاء عن الفحشاء والمنكر بإقامة الصّلاة ـ مثلاً ـ لكنّ هذا الجهل لا يضرّ بالمطلب ولا يمنع من توجّه التكليف بالغرض.

والحاصل : إنّ هذا الطريق غير دافع للإشكال.

طريق المحقّق الأصفهاني

وطريق المحقّق الأصفهاني (٤) ناظر إلى قاعدة إنّ كلّ ما بالعرض لا بدّ وأن ينتهي إلى ما بالذات ، ومن ذلك مطلوبيّة الشيء ، فإنّها إن كانت بالعرض لا بدّ وأن تنتهي إلى مطلوبٍ بالذات ، سواء عند الإنسان والحيوان ، فإنّ الحيوان لمّا يطلب القوت ، فإنّه طلب بالعرض ، والمطلوب الذاتي هو البقاء والحياة ، فانتهى الأمر إلى حبّ الذات ... وفي القضايا المعنوية نرى أنّ جميع مرادات الإنسان ترجع إلى مرادٍ بالذات هو معرفة الله عزّ وجل. وفي التشريعيّات كذلك ، فإنّه عند ما يأمر بشراء اللحم ، فإن هذا مطلوب بالعرض ، والمطلوب بالذات هو طبخ اللحم

__________________

(١) وسائل الشيعة ١٥ / ١٨ الباب الأول من أبواب جهاد العدو.

(٢) وسائل الشيعة ٩ / ٩ الباب الأول من أبواب الزكاة.

(٣) سورة العنكبوت : ٤٥.

(٤) نهاية الدراية ٢ / ١٠١.

١٥

وأكله.

وفي التشريعيّات ، تارةً : يتوجّه الخطاب بالمطلوب بالعرض والخطاب بالمطلوب بالذات ، يتوجّه كلاهما إلى شخصٍ واحدٍ ، وأُخرى : يكون متعلّق الإرادة التشريعيّة ـ أي المطلوب بالعرض ـ فعل شخص ، ويكون متعلّق الغرض القائم بذلك الفعل ـ أي المطلوب بالذات ـ فعل شخصٍ آخر ، فيأمر زيداً بشراء اللحم ، ويأمر عمراً بطبخه.

فالمناط في النفسي والغيري هو : إنّه إن كان المطلوب الذاتي مطلوباً من نفس الشخص ـ الذي طلب منه المطلوب بالعرض ـ جاء البحث عن أنّ هذا الغرض حينئذٍ مطلوب لزومي أو لا؟ فإن كان لزوميّاً ، صار شراء اللحم واجباً غيريّاً. وإن كان المطلوب الذاتي قائماً بشخصٍ آخر ، كان شراء اللحم من الأوّل مطلوباً نفسيّاً لا غيريّاً ، إذ لم يطلب منه شيء آخر سواه وإنْ كان شراء اللحم مقدّمةً لطبخه.

وتلخّص : إنّه إن كان المراد بالذات والمراد بالعرض قائمين بشخصٍ واحد ، كان المراد بالعرض واجباً غيريّاً والمراد بالذات واجباً نفسيّاً ، وإن كان المراد بالذات قائماً بشخصٍ غير من قام به المراد بالعرض ، كان المطلوب من الشخص الأوّل واجباً نفسيّاً.

قال الأُستاذ

وهذا الطريق لا يجدي حلاًّ للمشكلة ، إذ لا ريب في أنّ المبحوث عنه في علم الأُصول هو الأعمّ من الواجبات الشرعيّة والعرفيّة ، كما في مسألة حجيّة خبر الواحد ، وحجيّة الظواهر ، لكنّ الغرض من هذه المباحث هو التحقيق عن حال الأخبار الواردة عن الشارع وظواهر ألفاظه في الكتاب والسنّة ... وهكذا في

١٦

المسائل الأُخرى.

وهنا ، لمّا نقسّم الواجبات إلى النفسيّة والغيريّة ، فالبحث أعمّ من الخطابات الشرعيّة والعرفيّة ، وحلّ المشكل في الخطابات العرفية لا يجدي نفعاً بالنسبة إلى الخطابات الشرعيّة ... والطريق المذكور قد حلّ المشكل في العرفيّات ، أمّا في الشرعيّات فلا ... لأنّ المولى يأمر زيداً بشراء اللحم وعمراً بطبخه ، وهذا في الأوامر العرفيّة كثير ، أمّا في الشرعيّات ، فإن الغرض مطلوب من نفس المخاطب بالعمل ، كالانتهاء من الفحشاء والمنكر ، فإنّه مطلوب من نفس من أُمر بالصّلاة ، ولا معنى لأنْ يؤمر مكلَّف بالصّلاة ويترتّب الأثر عليها عند مكلّف آخر.

والحاصل : إن كان الغرض ـ كالانتهاء عن الفحشاء والمنكر ـ لزوميّاً ، فالواجب أي الصّلاة غيري ، وإنْ لم يكن لزوميّاً فلا وجوب للصّلاة.

فإن قال : الغرض خارج عن قدرة المكلّف واختياره.

قلنا : هذا هو طريق الميرزا.

هذا أوّلاً.

وثانياً : إنّ ما ذكره لا يحلّ المشكلة في العرفيّات أيضاً ، ففي المثال الذي ذكره نقول : إن لم يكن للمولى غرض من الأمر بشراء اللّحم لم يعقل صدور الأمر منه به ، فلا بدّ من الغرض ، وهو هنا تمكّن عمرو من طبخ اللحم ، ثمّ تمكّن الآمر من الأكل ، فإنْ كان هذا التمكّن غرضاً لزوميّاً ، فالمفروض وجود القدرة عليه ، وحينئذٍ ، جاز تعلّق الأمر به.

طريق المحقّق العراقي

وذكر المحقّق العراقي (١) إنّ الشيخ قد عرّف الواجب الغيري بأنّه «ما وجب

__________________

(١) نهاية الأفكار المجلّد الأول (١ ـ ٢) ٣٣١.

١٧

لواجب آخر» وهناك في كلّ واجب مقامان ، أحدهما : مقام التكليف ، والآخر مقام روح التكليف وسرّه. أمّا بالنظر إلى سرّ التكليف ، إذ للصلاة أسرار ، وللحج أسرار وهكذا ... فالواجبات الشرعيّة كلّها غيريّة ، لأنّها إنّما وجبت لترتّب تلك الأسرار والآثار ، لكنّ هذه الغيريّة هي بحسب مقام إرادة المولى وبلحاظ أسرار التكليف ، وبحثنا في الواجبات الغيريّة ليس من هذه الجهة ، بل هو من جهة مقام التكليف ، وفي هذا المقام إنْ كان الشيء الموضوع على الذمّة والمكلّف به طريقاً للوصول إلى شيء آخر كذلك فهذا الواجب غيري ، وإنْ لم يكن فهو واجب نفسي.

والحاصل : إنّ الشيخ قال : الغيري ما وجب لواجب آخر ، أي : لتكليفٍ آخر موضوع على الذمّة ، مطلوب من المكلَّف كسائر التكاليف ، كما هو الحال في الوضوء بالنسبة إلى الصّلاة ... وليس الانتهاء من الفحشاء والمنكر من هذا القبيل ، بل هو سرّ الصّلاة ولبّ الإرادة المتعلّقة بها ....

نعم ، لو قال الشيخ : «ما وجب لغيره» توجّه إليه الإشكال.

وبعبارة أُخرى : المراد من «الواجب الآخر» هو الواجب الشرعي ، كما في الوضوء ، فإنّه واجب شرعي قد وجب لواجب شرعي آخر هو الصّلاة ، وليس المراد من «الواجب الآخر» هو الواجب العقلي ....

أقول :

وهذا الطريق هو المختار عند الشيخ الأُستاذ.

لو تردّد واجب بين كونه نفسيّاً أو غيريّاً

فما هو مقتضى القاعدة؟

إنّه الرجوع إلى الأصل ، وهو تارةً : لفظي ، وأُخرى : عملي ، فإنْ وجد الأصل

١٨

اللفظي فهو المرجع ، وإلاّ فالأصل العملي.

١ ـ مقتضى الأصل اللفظي

لو تردّد أمر الوضوء بين أن يكون واجباً نفسيّاً فيجب الإتيان به سواء كانت الصّلاة واجبةً وجوباً فعليّاً أو لا ، أو يكون واجباً غيريّاً ، فيكون واجباً في حال كون الصّلاة واجبةً وكون وجوبها فعليّاً ... فهل يمكن التمسّك بالإطلاق لإثبات النفسيّة؟ وهل هو من إطلاق المادّة أو الهيئة؟

اتّفق الشيخ وصاحب الكفاية على إمكان الرجوع إلى الإطلاق لإثبات كون الواجب نفسيّاً لا غيريّاً ، إلاّ أنّ الشيخ يقول بإطلاق المادّة ، وصاحب الكفاية بإطلاق الهيئة.

توضيح رأي الشيخ (١)

إنّ مفاد هيئة افعل الواردة على الوضوء «توضّأ» هو الطلب الحقيقي للوضوء ـ وليس الطلب المفهومي ـ. أي : إنّ مادة «الوضوء» بمجرّد اندراجها تحت هذه الهيئة تتّصف بالمطلوبيّة حقيقةً ، وهذا الاتّصاف إنّما يكون بالطلب الحقيقي ، إذ لا يعقل الانفكاك بين المطلوب الحقيقي والطلب الحقيقي ، وقد حصل الطلب الحقيقي من الهيئة ، فكان مفادها واقع الطّلب ومصداقه ، لأنّ الشيء لا يصير مطلوباً حقيقةً بمفهوم الطلب.

إلاّ أنّ المشكلة هي : إن واقع الطلب ومصداقه هو الفرد ، والفرد لا يقبل التقييد والإطلاق ، لأنّهما عبارة عن التضييق والتوسعة ، وهما يجريان في المفهوم لا المصداق ... فسقط إطلاق الهيئة.

لكنّ الإطلاق في المادّة جارٍ ، إذ الوضوء دخل تحت الطلب سواء قبل

__________________

(١) مطارح الأنظار : ٦٧.

١٩

الوقت أو بعده ، وسواء وجدت الصّلاة أو لا ، ومطلوبيّته كذلك يعني المطلوبيّة النفسيّة.

وتلخّص : إنّه مع التردّد بين النفسيّة والغيريّة ، يكون مقتضى تماميّة مقدّمات الحكمة وتوفّرها جريان الاطلاق في طرف «الواجب» ـ وهو الوضوء في المثال ـ لا في طرف «الوجوب» أي : هيئة توضّأ.

توضيح رأي المحقّق الخراساني

وقد أنكر المحقّق الخراساني (١) برهان الشيخ على عدم جريان الإطلاق في هيئة الوضوء ، من جهة أنّ مدلول الهيئة لو كان هو الطلب الحقيقي كما قال الشيخ ، فإنّ الطلب الحقيقي قائم بالنفس ، وصيغة «افعل» إنشاء لا إخبار ، والأمر القائم بالنفس لا يقبل الإنشاء ، فليس الطلب الحقيقي هو مدلول الهيئة ، وعليه ، فلا يكون مدلولها الفرد والمصداق حتّى يرد الإشكال بأن الفرد لا يقبل التقييد فلا يقبل الإطلاق.

فإنْ قيل : إذا لم يكن مدلول الهيئة هو الطلب الحقيقي ، فكيف صار الوضوء مطلوباً حقيقيّاً؟

قلنا : إنّ اتّصاف المادّة ـ أي الوضوء ـ بالمطلوبيّة الحقيقيّة إنّما يأتي من حيث أنّ الداعي للإنشاء هو الطلب النفساني ، لأنّ المفروض أنّ الداعي له لم يكن الامتحان أو الاستهزاء أو غيرهما ، وإنّما كان الطلب الحقيقي ، فالمطلوبيّة له إنّما جاءت من ناحية الداعي للإنشاء لا من ناحية هيئة افعل.

وهذا بيان إشكال المحقّق الخراساني على برهان الشيخ لعدم جريان الإطلاق في الهيئة.

__________________

(١) كفاية الأُصول : ١٠٨.

٢٠