🚘

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء - ج ٦

محمد راغب بن محمود بن هاشم الطبّاخ الحلبي

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء - ج ٦

المؤلف:

محمد راغب بن محمود بن هاشم الطبّاخ الحلبي


الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: منشورات دار القلم العربي
الطبعة: ٢
الصفحات: ٥٢٥
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧ 🚘 الجزء ٨
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

٥
٦

تتمة أعيان القرن العاشر (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

٨٤٦ ـ أبو بكر بن عبد الكريم الزاهد إمام البلاطية المتوفى سنة ٩٥٨

أبو بكر بن عبد الكريم الخليصي الأصل الحلبي الشافعي ، إمام المدرسة البلاطية خارج باب المقام المشهور بالزاهد ، سبط العالم المفتي الصالح أبي بكر الخليصي ثم الحلبي الشافعي.

وهو شيخ معمر منور ذو زهد وورع وصلاح وفلاح ، لا يراه أهل محلته نهارا إلا في أوقات الصلوات ، وهو في غيرها متردد إلى المقابر ومزارات الأولياء وإلى المكان المشهور بقبور الصالحين ، وكثيرا ما كنا نراه جالسا وحوله من شاء الله من الزوار يسمعون منه ما يقرؤه عليهم من كتاب «رياض الصالحين» أو غيره ، وأما الليل فإنه فيه ذو تهجد وذكر وبكاء.

وقد رافقته يوما في طريق زيارة الصالحين فأخبرني أنه لما حج وزار النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنشد لدى الحجرة الشريفة النبوية القصيدة الرائية من القصائد المشهورة «بالوترية في مدح خير البرية» ، ثم لما أنشدنا إياها ونحن نسمع فلم يتمها إلا وقد غلب عليّ البكاء من بركته وصدق نفسه.

واتفق له لما تزهد أنه كان معه شيء من حطام الدنيا مما يحتاج إليه لمعاشه ومعاده ، فدفعه لأخ له بسؤاله إياه فيه لينفق عليه منه شيئا فشيئا ، فلما صار إليه قسا قلبه عليه فكل

__________________

(١) تنبيه : لا تنس ما قدمناه في الجزء الخامس من أن ما نذكره في هذا القرن بدون عزو هو منقول عن «در الحبب» للرضي الحنبلي.

٧

من مطالبته إياه وهو يمنعه ، ثم دفعه أخوه ذات يوم فألقاه على وجهه وصار التراب على صفحات وجهه ، فمرض من تلك فمات سنة ثمان وخمسين رحمه‌الله.

الكلام على زاوية الحاج بلاط :

قال أبو ذر في الكلام على الزوايا : هذه الزاوية خارج باب المقام ، أنشأها الأمير زين الدين الحاج بلاط دوادار الحاج إينال كافل حلب. وسبب عمارته لهذه الزاوية أنه توفي ولد لأستاذه الحاج إينال المذكور ودفن هناك ولم يكن هناك تربة ولا زاوية ، وحضرت دفنه فرأيت قد شق هناك أساس ووضع هناك أحجار لأجل بناء تربة ، ثم شرع بعد ذلك الحاج بلاط في عمارة هذه التربة والزاوية وبينهما حوش كبير. وكان هناك بستان فتوصل إليه بطريق شرعي وعمر فيه هذه الزاوية ، وجعل هناك حوض ماء أحضره من قرية جبرين وأجرى الماء إليه وإلى التربة والزاوية من دولاب كان بالبستان المذكور.

وهي وقف على فقراء الطلبة من الحنفية عدة عشرة أنفار ، ورتب فيها إماما ومؤذنا ومدرسا ، وشرط أن يطبخ للساكنين بها طعام بكرة وعشيا ، ولكل واحد من المقيمين وأصحاب الوظائف رغيفين مع زبدية طعام بكرة وعشيا. ورتب ثلاثة أنفار يقرؤون القرآن على تربة أستاذه الحاج إينال ليلة الإثنين وصبيحة الجمعة.

ووقف على الزاوية والتربة ربع سوق الملح وربع قرية معرة دبسة ونصف باسوقان من جبل سمعان وحصة بالنيرب بقرب حلب ، ومهما فضل عن المستحقين يكون له ثم لذريته من بعده ثم من بعدهم للعتقاء من مماليكه وجواريه. ا ه.

وقال في الدر المنتخب : تربة الحاج إينال نائب حلب تجددت في سنة ثلاث وستين وثمانمائة وبنى إلى جانبها من جهة الشمال دواداره الحاج بلاط مدرسة ، وقد بني الآن لصيق تربتها هذه من الشمال. ا ه.

أقول : مكان هذه الزاوية خارج باب المقام بالقرب من شرقي تربة خاير بك ، وبقي من آثارها إيوان كبير لكنه خرب ، وأمامه ست حجر عن اليمين واليسار ويسكن فيه الغرباء. ولا أثر الآن للتربة ، وجرن الحوض لا زال باقيا.

٨

٨٤٧ ـ عبد الله الحراكي المتوفى سنة ٩٥٨

عبد الله ابن السيد برهان الدين ابن السيد عبد الله الحسيني الحراكي المعري ثم الحلبي الفرزلي *.

شيخ دين خيّر. توفي بحلب سنة ثمان وخمسين وكان جده هذا من أهل الصلاح وله المزار المشهور بفرزل من عمل المعرة ا ه.

وقوله : جده هذا أي الأعلى المتوفى سنة ٥٨٦ وقد قدمنا ترجمته. وظفرت في مجموعة الشيخ محمد العرضي بترجمة والده برهان الدين واسمه إبراهيم ، إلا أنه لم يذكر تاريخ وفاته ، إلا أنها كانت كما سيتبين لك أواخر القرن التاسع أو أوائل العاشر. قال :

٨٤٨ ـ إبراهيم بن أحمد الحراكي والد السيد عبد الله المتقدم

هو إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن حسين بن عمر بن علي بن إبراهيم بن علي زين العابدين بن عبد الله الحراكي بن محمد بن علي بن الحسين بن أبي القاسم ابن علي بن كمال الشرف محمد بن حسن الأعز بن محمد بن علي الزاهد بن محمد الأقساسي ابن يحيى ذي الدمعة بن الحسين ذي العبرة بن زيد الشهيد بن زين العابدين الحراكي ، جد والدي ، التقوي.

قدم إلى حلب من بلدته معرة النعمان لثائرة فتنة العشير بها سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة واستوطن داخل باب النيرب بالقرب من حمّام الذهب. وجلس في المدرسة الرحبية يذكر الله تعالى على طريقة أجداده القادرية مدة من الزمان إلى أن رأى جده الشيخ الكبير السيد عبد الله الحراكي صاحب المزار المشهور بالفرزل من عمل المعرة في عالم الرؤيا يقول له : ارجع لزاوية أجدادك بالمعرة. فعاد إلى معرة النعمان ومعه ولده الزيني ، وتخلف عنه بحلب كل من جدي التقوي أبي بكر وأخيه الشهابي أحمد وعبد الله ، فاستوطنوا حلب لطيب هوائها ولطف أبنائها.

وأخو جد هذا الشريف هو الذي ذكره الرضي الحنبلي في تاريخه عند ذكر عبد الرزاق

__________________

(*) في الأصل. الغزولي.

٩

ابن محمد بن الحسن الشيخ شرف الدين الحسيني الكيلاني الحموي القادري ، وذلك عند عده مأخذه من الطريق فقال ما صورته : قال الشيخ شرف الدين : وللمرحوم والدي طريقان أحدهما من والده والآخر عن الشيخ شمس الدين محمد بن زين العابدين الحسيني الحراكي الأرسلاني قاضي معرة النعمان جدي لوالدتي. انتهى كلامه.

وهذا القاضي هو محمد بن محمد بن أبي بكر المذكور أعلاه.

توفي السيد برهان الدين ببلدة معرة النعمان سنة (لم يذكر) ودفن بمقبرة آبائه عند جده الأعلى.

ومن غريب ما اتفق أني بعد ظفري بهذه المجموعة بأيام قلائل ظفرت بوقفيات عند الشيخ محمد ابن الشيخ إبراهيم اللبابيدي بينهن نسب المترجم وهو في ورقة بالية أخنى عليها الدهر محرر سنة ٨٦٨ ثمانماية وثمانية وستين ومذيل بخط قاضي عصره والشهود الذين شهدوا بصحة نسبه ، وقد ذيل آخره بذكر اسم ولده أحمد ، والذيل محرر سنة ٨٧١ ثمانماية وإحدى وسبعين وعليه خط قاضي عصره أيضا. وأحمد هذا هو والد إبراهيم المتوفى سنة ٩٧٨ كما سيأتي ، فعلى هذا تكون وفاة المترجم في أواخر القرن التاسع أو أوائل القرن العاشر.

٨٤٩ ـ محمد بن محمد التقى المتوفى سنة ٩٥٨

محمد بن محمد بن محمد الأمير ناصر الدين ابن الأمير ناصر الدين ابن الأميري الكبيري الناصري ، البابي الأصل الحلبي المشهور بابن التقى.

توفي في سنة ثمان وخمسين وتسعماية ، وبوفاته انقرضت ذرية بيت التقى بحلب.

وكان شهما حسن الشكل لطيف العشرة رغد المعيشة مغرما بالصيد مولعا بالمآكل الطيبة والأسمطة الفاخرة مكفي المؤنة بأوقاف جده لأبيه على ماله من الذرية ، وكذا بجهات آلت إليه من قبل جده لأمه أمير كبير حلب سودون المؤيدي أحد مماليك المؤيد شيخ ، فكان من يقال (هكذا) * بحلب أمير كبير أحد الصناجق الأربعة التي كانت بها في الدولة

__________________

(*) في در الحبب : وكان من يقال له بحلب ...

١٠

الجركسية سوى كافلها ، والثلاثة الباقون حاجب الحجاب وأمير ميسرة وداودار السلطان.

وكان الأمير ناصر الدين قد تزوج بجهة الناصري محمد بن أزدمر كافل حلب في آخر أمره ، فظفر منها بجواهر ثمينة في حياتها وبعد مماتها ، ومع هذا كله لم يقنع بما استولى عليه حتى استولى على أوقاف جده التي أنشأها بمحلة سويقة علي ومحا اسمها وصارت كلاب الصيد تدخلها وتخرج منها ، وطيوره توضع فيها فتنجسها ، وكان بها إمام ومؤذن فأبطلهما.

ثم إنه ارتضى لنفسه أن يكون أمين الجردة بحلب فصار أمينها ، ثم تنقل في الأمانات كأمانة عزاز ونحوها ورضي لنفسه بذل الوقوف بين يدي بعض الدفتر دارية بحلب. وأكثر من الظلم حتى قتل بعض أعوانه فلاحا بمزيد ضربة كأنه أعد لحربه * ، ثم آل أمر الناصري إلى أن صدع وفجع بموت ولد له نشأ شهما محبوبا في قلوب كفال حلب وقلوب غيرهم ، ولم يكن له من الذكور غيره ولا رزق بعده ذكرا ، ثم تلاه بالوفاة.

ورآه بعض الناس في المنام وهو يأكل قطرانا أعاذنا الله والمسلمين كافة من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

٨٥٠ ـ يحيى بن يوسف الحنبلي المتوفى سنة ٩٥٩

يحيى بن يوسف بن عبد الرحمن قاضي القضاة نظام الدين أبو المكارم الربعي الحلبي التاذفي الحنبلي القادري ، عمي شقيق والدي.

ولد بحلب سنة إحدى وسبعين وثمانمائة ، وتفقه على أبيه وعلى بعض المصريين ، وأجاز له المشايخ الآتي ذكرهم في ترجمة والدي.

وقرأ بمصر على المحب أبي الفضل ابن الشحنة والجمال بن شاهين سبط الحافظ ابن حجر سنة سبع وثمانين وثمانمائة وأجازا له ، ثم سمع على الأول بقراءة أبيه ثلاثيات البخاري وتناول منه البخاري مناولة مقرونة بالإجازة ، ثم قرأ على الثاني ثلاثيات الدارمي وتناول جميع مسند الدارمي وأجاز له. وقرأ موافقات الدارمي وثلاثيات ابن ماجة والمجالس

__________________

(*) في الأصل : حربه.

١١

السلماسيات ومسلسل عاشوراء ، وسمع على الأثير أبي اليمن بن الشحنة بقراءة السيد الشريف محمد بن منصور الحلبي جزء أكل الحبوب والدجاج لأبي الفضل العراقي بإجازة الأول وسماع الثاني من الحافظ البرهان الحلبي بحق قراءته على المؤلف.

وكتب لنفسه بخطه شيئا يتضمن مروياته بأسانيدها ، ثم لما عاد والده إلى حلب متوليا قضاء الحنابلة ناب عنه فيه وسنه دون العشرين ، فلما توفي والده في أوائل سنة تسعمائة استقل به بعده ولبس التشريف والطرحة في خامس ذي القعدة من السنة المذكورة ، وسامحه المقام الشريف في الرسم المقرر على الوظيفة المذكورة وبقي بها ما لم يبق غيره في مثلها إلى انخرام الدولة الجركسية فكان آخر قاض حنبلي فيها بحلب.

وكان توقيعه في صدور الوثائق الشرعية : الحمد لله ، كفى بالموت محذرا ، كما كان لوالدي.

واتفق له يوم قراءة توقيعه بالجامع الأعظم بحلب على العادة القديمة في قراءته تواقيع القضاة به ، ويقرأ ههنا مناشيرهم * كما هو الاصطلاح القديم أن شخصا من القراء الذين يقرؤون شيئا من القرآن العظيم في مثل هذا اليوم افتتح تلاوة قوله تعالى (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ)** الآية ، وهو اتفاق عجيب نظير ما وقع لأمير المؤمنين المستكفي بالله العباسي الآذن لجدي الجمال يوسف الحنبلي في العقود الحكمية بحلب وعملها ، فقد أفاد قاضي القضاة مجير الدين عبد الرحمن العمري المقدسي في تاريخه أن أمير المؤمنين هذا هو أبو الربيع سليمان الذي بويع بعد وفاة أخيه المعتضد بالله أبي الفتح داود بن المتوكل على الله محمد ابن المعتضد بالله أبي بكر بن المستكفي بالله سليمان بن الحاكم بأمر الله أحمد سنة خمس وأربعين وثمانمائة ، وشهد له أنه ما ارتكب كبيرة ولا صغيرة في عمره ، وكتب في تقريره (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ)***.

ثم لما استقرت الدولة العثمانية ذهب إلى دمشق فمكث بها مدة ، ثم استوطن مصر وولي بها نيابة قضاء الحنابلة بالصالحية النجمية وبغيرها ، وحج منها وجاور ، ثم عاد إلى حكمه

__________________

(*) في «در الحبب» : ويعني بها ها هنا قراءة مناشيرهم.

(**) مريم ١٩.

(***) النمل : ١٦.

١٢

ولم يزل المصريون مقبلين عليه في فصل الحكومات وحسم مادة الخصومات لمزيد عرفانه بدربة القضاء والتوريق وتوفيقه لرعاية شروط الوثائق أي توفيق مع طلاقة المحيا ولطف الملتقى لمن أقبل عليه وحياه.

تزوج بمصر بنت المقر المحيوي عبد القادر القصروي ناظر الجيوش المنصورة بالديار المصرية وسائر الممالك الإسلامية في آخر الدولة الجركسية ، فرزق منها ولدا سماه باسم جده لأمه ، فنشأ في كنفه مالكا لمباهج الجمال سالكا في مدارج الكمال ، فلما كان طاعون سنة خمسين وتسعمائة بعثته أمه إلى الطور حذرا مما هو في الكتاب مسطور ، فعادوا به إليها مطعونا ، وحق لها أن تقول :

قد كان ما خفت أن يكونا

إنا إلى الله راجعونا

وبقي والده جزعا لا يرى في الحياة مطمعا ، إلى أن توفي بمصر في رمضان سنة تسع وخمسين.

وكان لطيف المعاشرة جميل المذاكرة حلو العبارة حسن السفارة طري النغمة يكشف بتلاوته الغمة ، ومتى تلا في المحراب أتى فيه بالعجب العجاب ، كما وقع له بقبة خير بك كافل حلب التي أنشأها بجوار مزار سعد الله الأنصاري حتى أمر بقراءة المولد النبوي بها ، فأم به في العشائين وبباقي قضاة القضاة وأعيان حلب حتى فتن السامعين بتلاوته. وكان ينظم الشعر على قلة *.

٨٥١ ـ إبراهيم بن يوسف الحنبلي والد الرضي المتوفى سنة ٩٥٩

إبراهيم بن يوسف بن عبد الرحمن الشيخ برهان الدين أبو المقري ** ابن قاضي القضاة

__________________

(*) أورد له في در الحبب مقطوعتين اعتمادا على إحدى النسخ المخطوطة ، مطلع الأولى :

لا تقطعن نعمة أجريتها زمنا

فلن تنال لدى إجرائها ضررا

والثانية مما مدح بها بعض المصريين ، مطلعها :

قل عن لساني لمولى ما التقيت به

إلا وسيف امتداحي فيه مجذوب

ثم أورد المؤلف مقطوعة كتبها إليه في رثاء ولده المحيوي ، مطلعها :

كم وارد سكب الدموع وصادر

لوفاة محيي الدين عبد القادر

(**) في در الحبب : أبو القرى.

١٣

وشيخ الإسلام جمال الدين أبي المحاسن ابن أقضى القضاة زين الدين أبي البشرى الحلبي الحنفي المشهور بابن الحنبلي ، والدي ، سبط قاضي القضاة أثير الدين بن الشحنة.

ولد بحلب سنة سبع وسبعين وثمانمائة ، واشتغل بها في الصرف والنحو والعروض والمنطق على العلاءين الدمشقي المجاور بجامع المهمندار ، والموصلي ، وعلى الفخر عثمان الكردي. وتفقه على البرهان القرصلي والزيني بن فخر النساء ، وجود الخط على الشيخ أحمد أخي الفخر المذكور ، وألم بوضع الأوفاق العددية ، وتعلق بأذيال القواعد الرملية والفوايد الجفرية.

وأجاز له البرهان الرهاوي رواية الحديث المسلسل بالأولية بعد أن سمعه منه بشرطه وجميع ما يجوز له وعنه روايته بشرطه عند أهله ، وأجاز له باستدعاء والده ، وكذا لوالده وشقيقه ولمن أدرك حياتهم خصوصا ولأهل حلب عموما جماعة كثيرون من المصريين منهم المحب أبو الفضل بن الشحنة وولداه الأثير محمد والسري عبد البر الحنفيون والقاضي زكريا الأنصاري والجمال إبراهيم بن علي الشهير بابن القلقشندي والقطب محمد الخضيري والحافظ عثمان الديمي والجمال يوسف بن شاهين الشافعيون في آخرين.

ولما قدم حلب البرهان بن أبي شريف سمع عليه ما اختصره من رسالة القشيري بقراءة الشمس السفيري وأجاز لهما في آخرين أن يرووه وجميع ما يجوز له وعنه روايته.

وقد كان لبس الخرقة القادرية من يد الشيخ عبد الرزاق الكيلاني الحموي بسنده ، ثم لبستها أنا من يده فلله الحمد. واتفق له بعد لبسها أن رأى في منامه عجميا صوفيا له عمامة لطيفة من الصوف ، فسأله والدي : ما التصوف؟ فقال له : ترك هوى النفس.

وأريد أن يكون قاضيا حنفيا بحلب كما كان شقيقاه قاضيين بها حنبليا وشافعيا ، فأبى كل الإباء ، وقضى بأن لا يكون له قضاء.

ولم يزل على وفور عقله ونورانية شكله وسنا شيبته وجلال هيبته إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى ليلة الأحد حادي عشر ذي القعدة سنة تسع وخمسين ، وكنت أنا الذي صليت عليه إماما في مشهد عظيم رفع فيه سريره فوق المعتاد ، ثم دفن بتربة والده وتأسف عليه الناس داعين له بالرحمة لكثرة ما كان يتودد إلى الأقرباء والغرباء ويجبر قلوب الضعفاء والفقراء ويصبر على الأذى ولا يقابل مناويه بالإيذاء ، حتى دارت دوائر السوء على كثير ممن قصده

١٤

بسوء. وطالما حزبه أمر من الأمور فأخذ في أوراد كانت له ففرج عنه.

وكان في آخر أمره قد انقطع للعبادة بالتكية الخسروية إذ كان إماما بها ، بل أول إمام أم بها على ما شرطه واقفها ، وذلك بعد أن زوى الله عنه الدنيا وصرف عنه سعة المال ومنحه التجرد في المآل. وفيها كان إكمال تأليفه الحافل المسمى «بثمرات البستان وزهرة الأغصان». مع ما له من الانتخابات «كالسلسل الرايق المنتخب من الفايق» الذي التقطه الشيخ صدر الدين محمد بن البارزي الجهني من كتاب «مصارع العشاق» وكالذي انتخبه من كتاب «آداب السياسة» وسماه «بمصابيح أرباب الرياسة ومفاتيح أبواب الكياسة» وغير ذلك.

ومما اتفق له بعد الوفاة أنه رؤي في المنام مرات فرؤي تارة وعليه ثوب أبيض ، وتلك علامة خير إن شاء الله تعالى ، وأخرى وهو يسقي الناس ماء ، وتارة أخرى وهو يصلي بمحراب الخسروية يكرر تلاوة سورة الضحى لقوله تعالى : (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى)* إلى أن خرج بعد تمام الصلاة إلى سدة المؤذنين وأكمل معهم نوبتهم فيها. وكان سر المنام الثاني أنه حفر بئرا في شرقية التكية المذكورة. وكان في سنة ثماني عشرة قد وقف حانوتا بمحلة سويقة علي ليجدد بأرضه خير بك كافل حلب حوضا للسبيل ، فجدده وجعل له شربا من فايض بركة داره التي أنشأها بالمحلة المذكورة ، فانقطع شربه من بعده لاختلاف أمرها ، فجعل له والدي شربا من حق قاعته ووقف على مصالحه ثلثي حانوت وقع بينها وبينه حانوتان هما وقف آخر على غيره.

وكان أيضا قد بذل مالا كثيرا في طلب زيادة ماء العين الكائنة في سفح جبل جوشن بالقرب من مشهد الدكة المعروف الآن بمشهد محسّن رضي‌الله‌عنه حين ازداد ماؤها واتسعت أرجاؤها وأغنت مجاوريه عن نقل الماء من النهر. واتفق لحجار طلبه والدي ليعمل بها فقال : بلغني أنه من عمل بها مات سريعا ، ولكني أعمل بها ولا أبالي ، فعمل بها فمات سريعا إلى رحمة الله تعالى.

__________________

(*) الضحى : ٥.

١٥

ومن شعر والدي (ما كتب) * به إلي وهو غايب عن حلب في طاعون سنة ثمان وثلاثين :

سلم بنيّ النفس والولدا

لله لا تشرك به أحدا

والجأ إليه في الأمور عسى

تعطي بذاك الأمن والرشدا

من كان بالرحمن محتسبا

وغدا لركن الله مستندا

لم يخش من همّ ولا نكد

كلا ولا من حاسد حسدا

فكن الرضيّ بما يريد وكن

مستمسكا بجنابه أبدا

وقد أجبته بقولي :

من كان بالرحمن معتقدا

وعليه معتمدا فقد سعدا

ومن التجا في النائبات إلى

من دونه فهو الذي بعدا

فاترك طريق البعد عنه تفز

واسلك طريق القرب مجتهدا

والخير ظنّ ولا تكن جزعا

واسأله من إحسانه المددا

ولدى التظا نار الهموم أنب

لله تلق جحيمها بردا

والنفس والجثمان إن وعكا

فاستعمل الصبر الذي حمدا

واحذر دسائسها إذا جزعت

من حادث الأيام لو وجدا

وأدم دعاك وقل بمسكنة

يا رب هب لي النفس والولدا

وكتبت إليه مرة :

لم يشك حشاي حر ضر وألم

بل جمر غضا به إذا الشوق ألم

والدمع على تشوقي يشهد لي

بالله ألم أكن على العهد ألم

فأجابني :

لم يشك حشاي من سقام وأسى

بل جمر فراق شب فيه ورسا

من أين لي الصبر على البعد وقد

أفنى جسدي وربع صبري درسا

وكتب إليه خاله المقر المحبي عبد الباسط قصيدة مطلعها :

__________________

(*) ما بين قوسين ساقط في الأصل.

١٦

عليك من الصب الذي بات يسهر

سلام كنشر المسك بل هو أعطر

فأجابه :

على من بقلبي غيره ليس يخطر

سلام مشوق من شذا البان أعطر

ومن حكمه فيما مضى فيّ نافذ

ومن حبه في وسط قلبي مقرر

ومن أنا مغمور بإحسانه ومن

فؤادي معمور بذكراه نيّر

ومن كنت في أنس وبسط بقربه

ويومي مبيضّ وعيشي أخضر

إلى أن رماني سوء دهري ببعده

وصيرني من بعده أتحسر

وأصبحت في حال سأذكر بعضه

ومن بعضه والله إني مقصّر

فوجدي صحيح والذي رفع السما

وصفو ودادي قط لا يتكدر

وجسمي معتل وهمي مضاعف

ونومي كحظي ناقص ليس يكثر

وشعري مبيضّ ولوني أصفر

وحظي مسودّ ودمعي أحمر

وإني على عهدي مقيم وإنني

أموت عليه ثم أحيا وأنشر

ووالله ما كان الفراق بخاطري

ولكنّ حكم الله أمر مقدر

رعى الله أياما تقضّت بسيدي

المقر المحبي من به صرت أذكر

أبي الفضل من حاز الفضايل كلها

فلا حدّ يحويها ولا هي تحصر

وحيا ليالينا التي سلفت لنا

فما كان أحلاها به حين نسهر

وصان مكانا كان فيه اجتماعنا

كمثل الثريا حين تزهو وتزهر

وقرب جميع الشمل في خير حالة

لأحظى برؤياه وقلبي يجبر

بجاه رسول الله من جاء بالهدى

نبيا رسولا وهو للدين يظهر

عليه صلاتي مع سلامي كلما

روى عنه راو أو حكى عنه مخبر

٨٥٢ ـ السلطانة كوهر ملكشاه المتوفاة سنة ٩٥٩

كوهر ملكشاه بنت عائشة السلطانة بنت السلطان بايزيد خان بن عثمان.

قدمت حلب وولدها محمد باشا ابن توقه كين أمير الأمراء بها ، فحجت وعادت ، فخرج ولدها لملاقاتها والحلبيون ، فدخلت حلب في أبهة زائدة ومشهد عظيم. ثم توفيت

١٧

بها بعد أن كتبت بخطها الحسن وصية حسنة ، فبات بدار العدل ليلة دفنها جماعة من الأكابر والعلماء والقراء ، ثم فرق يوم دفنها عليهم وعلى الفقراء مال عظيم ، واشتري لها بيت بقرب من السفّاحية فدفنت به ، ثم خرب وجعل به مسجد مجاور لدفنها ورتب به ثلاثون قارئا في كل يوم ختمة بثلاثين درهما.

وكانت وفاتها سنة تسع وخمسين وتسعمائة.

أقول : لا زالت هذه الدار باقية ، وهي تجاه جامع السفّاحية والحمّام المعروفة بحمّام ميخان ، لكنها مشرفة على الخراب. وفي الطرف القبلي منها حجرة كبيرة في وسطها قبر كوهر ملكشاه ومكتوب فوق باب الدار وكذا فوق باب الحجرة :

(١) هذه تربة ملكة الملكات تاج العلا والسعادات المرحومة كوهر ملكشاه

(٢) سلطان بنت عائشة سلطان بنت سلطان بايزيد خان من آل عثمان قد حجت إلى بيت الله

(٣) الحرام وعادت إلى حلب ولاية ولدها أمير الأمراء العظام حضرة محمد باشا وانتقلت

(٤) بالوفاة إلى رحمة الله في تاسع شهر ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وتسعماية.

٨٥٣ ـ قاسم ابن شيخ سوق الظاهرية المتوفى سنة ٩٦٠

قاسم بن محمد بن خليل بن أحمد بن سلماس * الخواجا شرف الدين الحلبي.

أحد أعيان التجار بحلب وأحد رؤسائها المشهور بابن شيخ سوق الظاهرية لما أنه كان رباه بعد ما فقد أباه ، وإلا فهو لم يكن ابنه حقيقة وإنما كان ابن عم عمه ، وبالجملة فقد كان صاحبه.

وشيخ سوق الظاهرية هذا هو الشيخ إبراهيم الماضي ذكره الذي لما أيقن بقرب الوفاة في مرضه ولم يكن له وارث سواه وخشي على تركته من ظلم السلطان الغوري وصى صاحبه خير بك وكافل حلب بأن يجري نظره عليه في أمر التركة ، فلما مات طلب الغوري

__________________

(*) في در الحبب : تسلماس.

١٨

من تركته أربعة آلاف دينار بمرسوم ورد على يد خاصكي ، فراجع خير بك في ذلك إلى أن أخذ نصفها وبقي في التركة مزيد.

ثم كان خير بك ذا صحبة أكيدة للشرفي ومعاشرة له في المجالس الخاصة واهتمام بشأنه والتفات إليه (كأنه يشتم فيه رائحة صاحبه الأقدم) *.

ثم إن الخواجكي الشرفي اتسع ماله وعظمت ثروته وقويت في السخاء والكرم رغبته ، وعلت في المهمات همته ، وأنشأ بستانا عظيما يضرب به المثل وقصرا شاهقا فيه تفصيل البناية الجاري في وقف المدرسة الشاذبختية بحلب ، حتى أخذ كثير من المتمولين في إنشاء بساتين وقصور فيها على نهج ما أنشأه أو فوقه ، لما رأوه من كمال ما أنشأه ولطافته ، وترك كل ما هو فيه من الدنيا واشتغل بمشارفة بستانه المذكور وعمل العمل فيه على وجه الإحكام لشأنه ، لو رأى به قذاة كاد يتلقاها بعينيه ، وتمتع كل التمتع بنهره وزهره وثمره. وأكثر من ترك مخالطة الناس ، فقد ذهب الناس الذين هم الناس كل الناس ، إلى أن توفي سنة ستين وتسعمائة ودفن بتربة قريبه الشيخ إبراهيم إلى جنبه.

ومن جمله خيراته النافعة له إن شاء الله تعالى في مماته تجديد عمارة المسجد الكائن بمحلته بالقرب من جقر قصطل بمال جزيل بذله في إتقانه وإحكام بنيانه.

٨٥٤ ـ محمد بن خليل بن قنبر المتوفى سنة ٩٦١

محمد بن خليل بن علي بن أحمد بن ناصر الدين بن قنبر علي ، الحلبي مولدا الفارسي محتدا الشافعي المعروف بابن قنبر.

كان واعظا وجيها في مواعظه مهولا محركا في وعظه لنشاط السامعين.

سمع الحديث وقرأه من الشيوخ وعليهم وأجيز له ، وشارك في العربية ، وكلف بجمع الكتب النفيسة وتحسين جلودها بالترميم والتبديل ، وعني بالضن بها إلا على من يأمنه عليها.

ولم يرغب في منصب سوى إمامة جامع الأمير حسين بن الميداني والتولية عليه ، وكان له السعي التام في مصالحه ومصالح أوقافه ، وربما أنفق في ذلك من ماله لأنه كان متمولا

__________________

(*) ما بين قوسين ساقط في الأصل.

١٩

من تجار سوق الجوخ بحلب.

وهو الذي لما رأى منارة الجامع المذكور قد اختل نظامها لبنائها على الحوض الخارج عن الجامع المذكور إنشاء الأمير حسين نقضها دورا فدورا إلى أن انتهى بها ، ثم أمر المعمار ترصف دورا فدورا إلى تمامها داخل الجامع المذكور تجاه باب قبلته. ولم يزل يعظ الناس بهذا الجامع إلى أن توفي في ربيع الآخر سنة إحدى وستين وتسعمائة ودفن بمقبرة أقاربه عند جب النور بين قبرين طويلين قيل إنهما من مقابر الشهداء وقد جاوز الستين سنة.

وكان لطيف المحاضرة ظريف المعاشرة مزاحا عارفا باللسانين الفارسي والتركي زيادة على العربي ، شديد النكر على شرّاب قهوة البن بالشرط المخالف للشرع ، مطروح التكلف ، يرى تارة بلباس خشن وأخرى بلباس حسن ، حتى إنني وجدته يوما كنت زرته فيه وقد خرج إلى وعليه كينك مقطع نصفه الأسفل ، ولبس الأعلى وهو يتبسم ، وكانت من عادته كثرة التبسم.

وهو الذي نصب راية الإنكار على العلاء الكيزواني في جملة بعض مريديه على تعليق العظام على أعناقهم ووضع مالا يعتادون لبسه عليهم وأمره وإياه بالطواف في الشوارع والأسواق بتلك الهيئة ونحوها مما يقتضي كسر سورة النفس مع صدق الطوية وسعي في تهذيبها ، بعد أن سعى في إبطال ذلك إلى مشايخ الإسلام ، فلم يقدروا على إبطاله إلى أن رجع عن إنكاره.

وسمع أن العلاء معتكف بجامع الصفي خارج حلب فعلق في عنقه أمتعة ودخل عليه متنصلا مما صدر منه في شأنه ا ه.

٨٥٥ ـ محمد بن محمد درّاج المتوفى سنة ٩٦١

محمد بن محمد الشهير بابن درّاج ، البنّشي الشافعي ، قاضي سرمين استقلالا في الدولة الجركسية ونيابة في الدولة العثمانية.

شيخ فقيه فرضي معمر طوال ذو أعضاء عظيمة ، له قوة في النفاق غلب بها المنافقين مع ما كان عنده من العلم. توفي سنة إحدى وستين وتسعمائة عن أكثر من مائة سنة.

٢٠