إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء - ج ٤

محمد راغب بن محمود بن هاشم الطبّاخ الحلبي

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء - ج ٤

المؤلف:

محمد راغب بن محمود بن هاشم الطبّاخ الحلبي


المحقق: محمّد كمال
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: منشورات دار القلم العربي
الطبعة: ٢
الصفحات: ٥٦٤

١
٢

٣
٤

٥
٦

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

الحمد لله بارىء النسم ومولي النعم ومفني الأمم ومحيي الرمم ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل العرب والعجم ، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين الذين أناروا للناس السبل بمحاسن أقوالهم وجميل سيرهم وأفعالهم ، ورضي الله عن الصحابة والتابعين الذين اقتفوا أثرهم واهتدوا بهديهم فكانوا خير خلف لخير سلف وبعد :

فهذا هو القسم الثاني من تاريخنا (إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء) قد أودعنا فيه كما قلنا في المقدمة تراجم أعيانها ما بين وزير خطير وأمير كبير ومحدث وفقيه وشريف ووجيه وخطيب وطبيب وشاعر وأديب وتاجر وزعيم وغيرهم من ذوي المزايا وأرباب المناقب ، مبتدئين فيه من القرن الثالث للهجرة النبوية ، لأنا لم نعثر على تراجم لأحد منهم قبل ذلك إلا على ترجمة واحدة مع عدم التيقن بكون المترجم حلبيا وهي الآتية ، وقد بينا في المقدمة خطتنا في هذا القسم وأوسعنا الكلام على ذلك هناك. ولنشرع في المقصود مستمدين من الله تعالى العون والتوفيق إلى أقوم طريق إنه نعم المولى ونعم النصير.

٧
٨

(أعيان القرن الثاني)

١ ـ تمّام بن نجيح

تمام بن نجيح الأسدي قيل أنه دمشقي ، وأظنه حلبيا. حدث عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين وعون بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن موسى وعطاء بن أبي رباح. حدث عنه سفيان الثوري وإسماعيل بن عباس وبقية بن الوليد الحمصيان ومنشر (*) (هكذا ولعله بشر أو بشير) بن إسماعيل ومحمد بن جابر الحلبيان ويحيى بن سلام الإفريقي وإبراهيم ابن المبارك اه. تاريخ ابن عساكر (١).

أقول : لم يذكر تاريخ وفاته ، غير أن الحسن البصري ومحمد بن سيرين رضي‌الله‌عنهما كانت وفاتهما سنة مائة وعشرة كما ذكره القاضي ابن خلكان ، فتكون وفاة المترجم في أواسط القرن الثاني.

__________________

(*) الصواب : مبشّر.

(١) من مخطوطات المكتبة الظاهرية بدمشق وهو في ١٩ مجلدا ضخما.

٩

(أعيان القرن الثالث)

٢ ـ موسى بن خالد

موسى بن خالد بن الوليد الحلبي ختن الغرياني. سمع أبا إسحق الفزاري ومعمر بن سليمان وتوفي كهلا. روى عنه عباس الرفقي ومحمد بن سهل بن عسكر وعبد الله الدارمي. اه (من تاريخ الإسلام للذهبي فيمن توفي بين عشرة وعشرين ومائتين).

٣ ـ عبيد بن جنّاد الكلابي

عبيد بن جناد الكلابي الرقي نزيل حلب وقاضيها من موالي بني جعفر بن كلاب. روى عن عبد الله بن عمرو الرقي وابن المبارك وعطاء بن مسلم وابن عيينة ، وروى عنه عمر بن شبد وأحمد بن يحيى الحلواني وابن أبي الحواري وأبو زرعة. قال ابن أبي حاتم : سئل عنه أبي فقال : صدوق. اه (ذهبي فيمن توفي بين العشرين والثلاثين ومائتين).

٤ ـ يعقوب بن كعب الأنطاكي

يعقوب بن كعب الأنطاكي الحلبي أبو حامد وأبو يوسف. روى عن عبد الله بن وهب وهبة بن الوليد وعيسى بن يونس والوليد بن مسلم ومحمد بن سلمة الحراني وأبي معاوية الضرير ، وروى عنه أبو داود وأحمد بن سيار المروزي ومحمد بن إبراهيم البوشنجي وأحمد بن أبي خيثمة وأبو بكر بن أبي عاصم. قال أبو حاتم : ثقة ، وقال أحمد العجلي : ثقة رجل صالح صاحب سنة. اه (ذهبي من وفيات ما بين الثلاثين والأربعين ومائتين).

١٠

٥ ـ أبو توبة الحلبي المتوفى سنة ٢٤١

أبو توبة الحلبي الحافظ الثبت الربيع بن نافع شيخ طرسوس. حدث عن معاوية بن سلام وأبي المليح الرقي وإبراهيم بن سعد وشريك وابن المبارك وخلق. وعنه أبو داود. وأخرج الشيخان عن رجل عنه. وحدث عنه أحمد والدارمي وأبو حاتم ويعقوب الفسوي وخلق. قال أبو حاتم : ثقة حجة ، وقال أبو داود : كان يحفظ الطوال نجي (هكذا) بها ، ورأيته يمشي حافيا وعلى رأسه طويلة ، ويقال إنه كان من الأبدال رحمه‌الله ، عمر دهرا وتوفي سنة إحدى وأربعين ومائتين ، وهو آخر من حدث عن معاوية بن سلام. اه (طبقات المحدثين لابن عبد الهادي).

٦ ـ أحمد بن خليل الكندي

أحمد بن خليل أبو عبد الله الكندي الحلبي. سمع أبا نعيم وأبا اليمان والحميدي ومحمد ابن عيسى بن الطباع وزهير بن عباد وطبقتهم ، وله رحلة واسعة ومعرفة جيدة. روى عنه علي بن أحمد المصيّصي وأحمد بن مروان الدينوري وسليمان الطبراني وآخرون. اه (ذهبي فيمن توفي بين الثمانين والتسعين ومائتين).

٧ ـ الوليد بن عبيد البحتري الشاعر المشهور المتوفى سنة ٢٨٤

هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي البحتري (١) الشاعر المشهور ، ولد بمنبج وقيل بزردفنة (٢) وهي قرية من قراها ونشأ وتخرج بها ، ثم خرج إلى العراق ومدح جماعة من الخلفاء أولهم المتوكل على الله وخلقا كثيرا من الأكابر والرؤساء ، وأقام ببغداد دهرا

__________________

(١) وبقية نسبه ساقها ابن خلكان في تاريخه.

(٢) قال في معجم البلدان : (زردفنة) بالضم ثم السكون وضم الدال وسكون الفاء وفتح النون وهاء من قرى منبج من أرض الشام ، بها كان مولد أبي عبادة الوليد بن عبيد البحتري الشاعر سنة ٢٠٠ في أول أيام المأمون ، ذكر ذلك أبو غالب همام بن الفضل بن المهذب المعري في تاريخ له قال فيه : وحدثني أبو العلاء المعري عمن حدثه أن البحتري كان يركب برذونا له وأبوه يمشي قدامه ، فإذا دخل البحتري على بعض من يقصده وقف أبوه على بابه قابضا عنان دابته إلى أن يخرج فيركب ويمضي ، وقال غير ابن المهذب : ولد البحتري في سنة ٢٠٥ ومات سنة ٢٨٤. اه.

١١

طويلا ثم عاد إلى الشام ، وله أشعار كثيرة فيها ذكر حلب ونواحيها ، وكان يتعزل بها. وقد روى عنه أشياء من شعره أبو العباس المبرد ومحمد بن خلف بن المرزبان والقاضي أبو عبد الله المحاملي ومحمد بن أحمد الحكيمي وأبو بكر الصولي وغيرهم.

قال صالح بن الأصبغ التنوخي المنبجي : رأيت البحتري هاهنا عندنا قبل أن يخرج إلى العراق يجتاز بنا في الجامع من هذا الباب وأومأ إلى جنبتي المسجد يمدح أصحاب البصل والباذنجان وينشد الشعر في ذهابه ومجيئه ، ثم كان منه ما كان في علوة التي شبب بها في كثير من أشعاره ، وهي بنت زريقة الحلبية وزريقة أمها.

وحكى أبو بكر الصولي في كتابه الذي وضعه في أخبار أبي تمام الطائي أن البحتري كان يقول : أول أمري في الشعر ونباهتي فيه أني صرت إلى أبي تمام وهو بحمص فعرضت عليه شعري وكان يجلس ولا يبقى شاعر إلا قصده وعرض عليه شعره ، فلما سمع شعري أقبل علي وترك الناس ، فلما تفرقوا قال لي : أنت أشعر من أنشدني فكيف حالك؟ فشكوت خلة ، فكتب إلى أهل معرة النعمان وشهد لي بالحذق وشفع لي إليهم وقال : امتدحهم ، فصرت إليهم فأكرموني بكتابه ووظفوا لي أربعة آلاف درهم فكانت أول مال أصبته.

وقال أبو عبادة المذكور : أول ما رأيت أبا تمام وما كنت رأيته قبلها أني دخلت إلى أبي سعيد محمد بن يوسف فامتدحته بقصيدتي التي أولها :

أأفاق صبّ من هوى فأفيقا

أم خان عهدا أم أطاع شفيقا

فأنشدته إياها ، فلما أتممتها سرّ بها وقال لي : أحسن الله إليك يا فتى ، فقال له رجل في المجلس : أعزك الله شعري علقه هذا الفتى فسبقني به إليك ، فتغير أبو سعيد وقال لي : يا فتى قد كان في نسبك وقرابتك ما يكفيك أن تمتّ به إلينا ولا تحمل نفسك إلى هذا ، فقلت : هذا شعري أعزك الله ، فقال الرجل : سبحان الله يا فتى ، لا تقل هذا ، ثم ابتدأ فأنشد من القصيدة أبياتا ، فقال لي أبو سعيد : نحن نبلغك ما تريد ولا تحمل نفسك على هذا ، فخرجت متحيرا لا أدري ما أقول : ونويت أن أسأل عن الرجل من هو ، فما أبعدت حتى ردني أبو سعيد ثم قال لي : جنيت عليك فاحتمل ، أتدري من هذا ، فقلت : لا ، قال : هذا ابن عمك حبيب بن أوس الطائي أبو تمام فقم إليه ، فقمت إليه فعانقته ، ثم

١٢

أقبل علي يقرظني ويصف شعري وقال : إنما مزحت معك ، فلزمته بعد ذلك وكثر عجبي من سرعة حفظه.

وقيل للبحتري : أيما أشعر أنت أم أبو تمام؟ فقال : جيده خير من جيدي ورديئي خير من رديئه. وكان يقال لشعر البحتري سلاسل الذهب ، وهو في الطبقة العليا. ويقال إنه قيل لأبي العلاء المعري : أي الثلاثة أشعر أبو تمام أم البحتري أم المتنبي؟ فقال : المتنبي وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر البحتري ، ولعمري ما أنصفه ابن الرومي في قوله :

والفتى البحتري يسرق ما قا

ل ابن أوس في المدح والتشبيب

كل بيت له يجوّد معنا

ه فمعناه لابن أوس حبيب

وقال البحتري : أنشدت أبا تمام شيئا من شعري فأنشدني بيت أوس بن حجر :

إذا مقرم منا ذرا (١) حدّ نابه

تخمّط فينا ناب آخر مقْرم

وقال : نعيت إليّ نفسي ، فقلت (٢) : أعيذك بالله من هذا ، فقال : إن عمري ليس يطول وقد نشأ لطيىء مثلك ، أما علمت أن خالد بن صفوان المنقري رأى شبيب بن شيبة (٣) وهو من رهطه وهو يتكلم فقال : يا بني نعى نفسي إليّ إحسانك في كلامك ، لأنا أهل بيت ما نشأ فينا خطيب إلا مات من قبله ، قال : فمات أبو تمام بعد سنة من هذا.

وقال البحتري : أنشدت أبا تمام شعرا لي في بعض بني حميد وصلت به إلى مال له خطر فقال لي : أحسنت ، أنت أمير الشعراء بعدي ، فكان قوله هذا أحب إلي من جميع ما حويته.

وقال ميمون بن هرون : رأيت أبا جعفر أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري المؤرخ (صاحب فتوح البلدان وهو مطبوع) وحاله متماسكة فسألته فقال : كنت من جلساء المستعين فقصده الشعراء فقال : لست أقبل إلا ممن قال مثل قول البحتري في المتوكل :

فلو ان مشتاقا تكلّف فوق ما

في وسعه لمشى إليك المنبر

__________________

(١) في الأصل : درى.

(٢) في الأصل : فقال. والصواب ما أثبتناه كما يقتضيه سياق الكلام.

(٣) في الأصل : شبة.

١٣

فرجعت إلى داري وأتيته وقلت : قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري في المتوكل ، فقال : هاته ، فأنشدته :

ولو أن برد المصطفى إذ لبسته

يظن لظن البرد أنك صاحبهْ

وقال وقد أعطيته ولبسته

نعم هذه أعطافه ومناكبه

فقال : ارجع إلى منزلك وافعل ما آمرك به ، فرجعت فبعث إليّ سبعة آلاف دينار وقال : ادّخر هذه للحوادث من بعدي ولك عليّ الجراية والكفاية ما دمت حيا.

وللمتنبي في هذا المعنى :

لو تعقل الشجر التي قابلتها

مدّت محيية إليك الأغصنا

وسبقهما أبو تمام بقوله :

لو سعت بقعة لإعظام نعمى

لسعى نحوها المكان الجديب

والبيت الذي للبحتري من جملة قصيدة طويلة أحسن فيها كل الإحسان يمدح بها أبا الفضل جعفرا المتوكل على الله ويذكر خروجه لصلاة عيد الفطر ، وأولها :

أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر

وألام من كمد عليك وأعذر

والأبيات التي يرتبط بها البيت المقدم ذكره هي :

بالبر صمت وأنت أفضل صائم

وبسنة الله الرضية تفطر

فانعم بيوم الفطر عينا إنه

يوم أغر من الزمان مشهّر

أظهرت عز الملك فيه بجحفل

لجب يحاط الدين فيه وينصر

خلنا الجبال تسير فيه وقد غدت

عددا يسير بها العديد الأكثر

فالخيل تصهل والفوارس تدعي

والبيض تلمع والأسنة تزهر

والأرض خاشعة تميد بثقلها

والجو معتكر الجوانب أغبر

والشمس طالعة توقّد في الضحى

طورا ويطفيها العجاج الأكدر

حتى طلعت بضوء وجهك فانجلت

تلك الدجى وانجاب ذاك العثير

فافتنّ فيك الناظرون فإصبع

يومى إليك بها وعين تنظر

١٤

يجدون رؤيتك التي فازوا بها

من أنعم الله التي لا تكفر

ذكروا بطلعتك النبي فهللوا

لما طلعت من الصفوف وكبروا

حتى انتهيت إلى المصلّى لابسا

نور الهدى يبدو عليك ويظهر

ومشيت مشية خاشع متواضع

لله لا يزهى ولا يتكبر

فلو ان مشتاقا تكلف فوق ما

في وسعه لمشى إليك المنبر

أيّدت من فصل الخطاب بحكمة

تنبي عن الحق المبين وتخبر

ووقفت في برد النبي مذكرا

بالله تنذر تارة وتبشر

هذا القدر هو المقصود مما نحن فيه وهذا الشعر هو السحر الحلال على الحقيقة والسهل الممتنع ، فلله دره ما أسلس قياده وأعذب ألفاظه وأحسن سبكه وألطف مقاصده ، وليس فيه من الحشو شيء بل جميعه نخب ، وديوانه موجود وشعره سائر فلا حاجة إلى الإكثار منه ها هنا.

ومن أخباره أنه كان بحلب شخص يقال له طاهر بن محمد الهاشمي مات أبوه وخلف له مقدار مائة ألف دينار ، فأنفقها على الشعراء والزوار في سبيل الله ، فقصده البحتري من العراق ، فلما وصل إلى حلب قيل له : إنه قد قعد في بيته لديون ركبته ، فاغتم البحتري لذلك غما شديدا وبعث المدحة إليه مع بعض مواليه ، فلما وصلته ووقف عليها بكى ودعا بغلام له وقال له : بع داري ، فقال له : أتبيع دارك وتبقى على رؤوس الناس؟ فقال : لا بد من بيعها ، فباعها بثلاثمائة دينار ، فأخذ صرة وربط فيها مائة دينار وأنفذها إلى البحتري وكتب إليه معها رقعة فيها هذه الأبيات :

لو يكون الحباء حسب الذي

أنت لدينا به محلّ وأهل

لحثيت اللجين والدر واليا

قوت حثوا وكان ذاك يقلّ

والأديب الأريب يسمح بالعذ

ر إذا قصّر الصديق المقلّ

فلما وصلت الرقعة إلى البحتري رد الدنانير وكتب إليه :

بأبي أنت أنت (١) للبر أهل

والمساعي بعد وسعيك قبل

والنوال القليل يكثر إن شا

ء مرجّيك والكثير يقلّ

__________________

(١) في الأصل : بأبي أنت والله .. والصواب ما أثبتناه نقلا عن (أخبار البحتري) للصولي.

١٥

غير أني رددت برّك إذ كا

ن ربا منك والربا لا يحلّ

وإذا ما جزيت شعرا بشعر

قضي الحقّ والدنانير فضل

فلما عادت الدنانير إليه حل الصرة وضم إليها خمسين دينارا أخرى وحلف إنه لا يردها عليه وسيرها ، فلما وصلت إلى البحتري أنشأ يقول :

شكرتك إن الشكر للعبد نعمة

ومن يشكر المعروف فالله زائده

لكل زمان واحد يقتدى به

وهذا زمان أنت لا شك واحده

ثم قال ابن خلكان : وأخباره ومحاسنه كثيرة فلا حاجة إلى الإطالة. ولم يزل شعره غير مرتب حتى جمعه أبو بكر الصولي ورتبه على الحروف (١) ، وجمعه أيضا علي بن حمزة الأصبهاني ولم يرتبه على الحروف بل على الأنواع كما صنع بشعر أبي تمام.

وللبحتري أيضا كتاب حماسة (٢) على مثال حماسة أبي تمام ، وله كتاب معاني الشعر.

وكانت ولادته سنة ست وقيل سنة خمس ومائتين ، وتوفي سنة أربع وثمانين ، وقيل خمس وثمانين ، وقيل ثلاث وثمانين ، والأول أصح والله أعلم بالصواب. وكان موته بمنبج وقيل بحلب والأول أصح.

وأهل الأدب كثيرا ما يسألون عن قول أبي العلاء المعري :

وقال الوليد النبع ليس بمثمر

وأخطأ سرب الوحش من ثمر النبع

فيقولون من هو الوليد المذكور وأين من قال النبع ليس بمثمر ، ولقد سألني عنه جماعة كثيرة ، والمراد بالوليد هو البحتري المذكور وله قصيدة طويلة يقول فيها :

وعيرتني سجال العدم جاهلة

والنبع عريان ما في فرعه ثمر

وهذا البيت هو المشار إليه في بيت المعري ، وإنما ذكرت هذا لأنه فائدة تستفاد.

__________________

(١) طبع ديوانه في القسطنطينية في مطبعة الجوائب سنة ١٣٠٠ وطبع أيضا في بيروت في المطبعة الأدبية سنة ١٩١١.

ووجدت نسخة خطية من ديوانه في المكتبة اليسوعية في بيروت.

(٢) طبع أيضا في بيروت في المطبعة اليسوعية.

١٦

وعبيد الله وأخوه أبو عبادة ابنا يحيى بن الوليد البحتري اللذان مدحهما المتنبي في قصائده هما حفيدا البحتري الشاعر المذكور وكانا رئيسين في زمانهما.

والبحتري بضم الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة وضم التاء المثناة من فوقها وبعدها راء هذه النسبة إلى بحتر وهو أحد أجداده (وقد ذكره في عمود نسبه). وزردفنة بفتح الزاي وسكون الراء وفتح الدال المهملة وسكون الفاء وفتح النون وبعدها هاء ساكنة وهي قرية من قرى منبج بالقرب منها. ومنبج بفتح الميم وسكون النون وكسر الباء الموحدة وبعدها جيم وهي بلدة بالشام بين حلب والفرات بناها كسرى لما غلب على الشام وسماها منبه فعربت فقيل منبج ، ولكونها وطن البحتري كان يذكرها في شعره كثيرا ، فمن ذلك قوله في آخر قصيدة طويلة يخاطب بها الممدوح وهو أبو جعفر محمد بن حميد بن عبد الحميد الطوسي :

لا أنسين زمنا لديك مهذبا

وظلال عيش كان عندك سجسج

في نعمة أوطنتها وأقمت في

أفيائها فكأنني في منبج

وكان البحتري مقيما في العراق في خدمة المتوكل والفتح بن خاقان وله الحرمة التامة ، فلما قتلا (١) كما هو مشهور في أمرهما رجع إلى منبج ، وكان يحتاج للترداد إلى الوالي بسبب مصالح أملاكه ويخاطبه بالأمين لحاجته إليه ولا تطاوعه نفسه إلى ذلك فقال قصيدة منها :

مضى جعفر والفتح بين مرمّل

وبين صبيغ بالدماء مضرّج

أأطلب أنصارا على الدهر بعدما

ثوى منهما في الترب أوسي وخزرجي

أولئك ساداتي الذين بفضلهم

حلبت أفاويق الربيع المثجّج

مضوا أمما قصدا وخلفت بعدهم

أخاطب بالتأمير والي منبج

اه. ابن خلكان.

وفي كتاب «خاص الخاص» للثعالبي قال القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني : غرر البحتري ووسائط قلائده كثيرة ، وعندي أن أفصح أبياته وأبلغها وأحسنها قوله فيمن يرضى بعد السخط وفي نفسه بقية من العتب :

__________________

(١) أقول : كان قتل جعفر المتوكل والفتح بن خاقان سنة سبع وأربعين ومائتين.

١٧

تبلج عن بعض الرضى وانطوى على

بقية عتب شارفت أن تصرّما

وقال الصاحب : أمدح شعر البحتري قوله :

دنوت تواضعا وعلوت مجدا

فشأناك انحدار وارتفاع

كذاك الشمس تبعد أن تسامى

ويدنو الضوء منها والشعاع

ومن أظرف شعره وأرقه وألطفه قوله ، وكان أبو بكر الخوارزمي يقول لا تنشدونيها فأرقص طربا وما أقبح الرقص بالمشايخ :

يذكّرنيك والذكرى عناء

مشابه فيك طيبة الشكول

نسيم الروض في ريح شمال

وصوب المزن في راح شمول

وقال أبو القاسم الآمدي : قد أكثر الشعراء في ذكر الطلول والدمن والرسوم ، وأحسن وأعجب وأظرف ما قالوا فيه قول الطائي أبي تمام والبحتري ، فإنهما جاءا بالسحر الحلال والماء الزلال حيث قال أبو تمام :

أيها البرق بت بأعلى البراق

واغد فيها بوابل غيداق

دمن طالما التقت أدمع المز

ن عليها وأدمع العشاق

وقال البحتري :

أصبا الأصائل إن برقة منشد

تشكو اختلافك بالهبوب السرمد

لا تتعبي عرصاتها إن الهوى

ملقى على تلك الرسوم الهمّد

دمن مواثل كالنجوم فإن عفت

فبأي نجم في الصبابة نهتدي

فأربيا على من تقدمهما وأعجزا من تأخر عنهما.

وكان أبو القاسم الإسكافي أبلغ أهل خراسان يقول : تعلمت الكناية من شعر البحتري فكأنه كناية معقودة بالقول في قوله :

ما ضيع الله في بدو ولا حضر

رعية أنت بالإحسان راعيها

وأمة كان قبح الجور يسخطها

دهرا فأصبح حسن العدل يرضيها

ومما يطرب بلا سماع ويسكر بلا شراب قوله :

١٨

بات نديما لي حتى الصباح

أغيد مجدول مكان الوشاح

كأنما يضحك عن لؤلؤ

منظّم أو برد أو أقاح

تحسبه نشوان إما رنا

للفتر من أجفانه وهو صاح

بتّ أفدّيه ولا أرعوي

لنهي ناه عنه أو لحي لاح

أمزج كأسي بجنى ريقه

وإنما أمزج راحا براح

يساقط الورد علينا وقد

تبلّج الصبح نسيم الرياح

ومن عجيب شعره قوله في استهداء مطر :

إن السحاب أخاك جاد بمثل ما

جادت يداك لو انه لم يضرر

أشكو نداه إلى نداك فأشكني

من صوب عارضه المطير بممطر

اه. ومن قوله في الحكمة :

إذا ما نسيت الحادثات وجدتها

بنات زمان أرصدت لبنيه

متى أرت الدنيا نباهة خامل

فلا ترتقب إلا خمول نبيه

٨ ـ محمد بن معاذ البصري المتوفى سنة ٢٩٤

محمد بن معاذ بن سفيان بن المستهل بن أبي جامع العنزي البصري ثم الحلبي أبو بكر درّان. سمع مسلم بن إبراهيم وعبد الله بن رجا الثغني وعمرو بن مرزوق وأبا سلمة النبوذلي ومحمد بن كثير العبدي. وروى عنه أبو بكر النجار ومحمد بن أحمد الرافقي وعلي بن أحمد المصيصي وأبو القاسم الطبراني ومحمد بن جعفر بن السقا الحلبي. وكان أسند من بقي بحلب. عمر دهرا وتوفي سنة ٢٩٤ وهو في عشر المائة. اه ((الذهبي).

* * *

١٩

(أعيان القرن الرابع)

٩ ـ عمر بن الحسن بن طرخان المتوفى سنة ٣٠٧

عمر بن الحسن بن نصر بن محمد بن طرخان الحلبي أبو حفص. ولي قضاء دمشق. روى عن محمد بن أبي سمينة ولوين. وروى عنه الآجري وأبو حفص الزيات وأبو بكر الوراق. وثّقه الدارقطني. اه. (ذهبي من وفيات سنة سبع وثلاثمائة).

١٠ ـ يحيى بن علي بن مرداس المتوفى سنة ٣١٠

يحيى بن علي بن محمد بن هاشم بن مرداس أبو عبد الله الكندي الحلبي. روى عن عبيد بن هشام وإبراهيم بن سعيد الجوهري. وعنه أبو علي بن شعيب وابن عدي وابن المقري. اه. (ذهبي من وفيات سنة عشر وثلاثمائة).

١١ ـ يحيى بن عمران المتوفى سنة ٣١٠

يحيى بن عمران الحلبي ثم البالسي. روى عنه هشام بن عمار ورحيم. وروى عنه الطبراني وأبو بكر النقاش وابن عدي وحمزة الكياني. اه. (ذهبي من وفيات سنة عشر وثلاثمائة).

١٢ ـ علي بن أحمد الجرجاني المتوفى سنة ٣١١

علي بن أحمد بن علي بن عمران الجرجاني. حدث بحلب عن بندار وأبي حفص القلاسي وابن ميني. وروى عنه أبو بكر بن المقري وأبو أحمد بن عدي. سكن حلب. اه. (ذهبي من وفيات سنة إحدى عشرة وثلاثمائة).

٢٠