🚘

الإحاطة في أخبار غرناطة - ج ٣

أبي عبد الله محمّد بن عبد الله بن سعيد بن أحمد السلماني [ لسان الدين بن الخطيب ]

الإحاطة في أخبار غرناطة - ج ٣

المؤلف:

أبي عبد الله محمّد بن عبد الله بن سعيد بن أحمد السلماني [ لسان الدين بن الخطيب ]


المحقق: الدكتور يوسف علي طويل
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
ISBN الدورة:
2-7451-3319-5

الصفحات: ٤٥٦
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بسم الله الرّحمن الرّحيم

وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن أحمد العزفي (١)

من أهل سبتة ، أبو القاسم بن أبي زكريا بن أبي طالب.

حاله : من أهل الظّرف والبراعة ، والطبع المعين ، والذكاء ، رئيس سبتة ، وابن رؤسائها ، وانتقل إلى غرناطة عند خلعه وانصرافه عن بلده. أقام بها تحت رعي حسن الرّواء ، مألفا للظرفاء ، واشتهر بها أدبه ، ونظر في الطّبّ ودوّن فيه ، وبرع في التّوشيح. ثم انتقل إلى العدوة ، انتقال غبطة وأثرة ، فاستعمل بها في خطط نبيهة ، وكتب عن ملوكها ، وهو الآن بالحالة الموصوفة.

وجرى ذكره في «الإكليل» بما نصّه (٢) : فرع تأوّد من الرئاسة في دوحة ، وتردّد بين غدوة في المجد وروحة ، نشأ والرئاسة العزفيّة تعلّه وتنهله ، والدّهر يسيّر أمله الأقصى ويسهّله ، حتى اتّسقت أسباب سعده ، وانتهت إليه رياسة سلفه من بعده ، فألقت إليه رحالها وحطّت ، ومتّعته بقربها بعدما شطّت. ثمّ كلح له الدهر بعد ما تبسّم ، وعاد زعزعا (٣) نسيمه الذي كان يتنسّم ، وعاق هلاله عن تمّه ، ما كان من تغلّب ابن عمّه ، واستقرّ بهذه البلاد نائي (٤) الدار بحكم الأقدار ، وإن كان نبيه المكانة والمقدار ، وجرت عليه جراية واسعة ، ورعاية متتابعة ، وله أدب كالرّوض باكرته

__________________

(١) ترجمة العزفي في الدرر الكامنة (ج ٤ ص ٥٢) ونفح الطيب (ج ٨ ص ٣٧٨) وأزهار الرياض (ج ٢ ص ٣٧٨) وجاء في أزهار الأرض أنه ولد بسبتة عام ٦٩٩ ه‍ ، وبويع بها بعد أبيه عام ٧١٩ ه‍ ، وخلع في سنة ٧٢٠ ه‍ ، فكانت دولته ستة أشهر ، وتوفي بفاس سنة ٧٦٨ ه‍. وقد ذكرنا ذلك ؛ لأن ابن الخطيب لم يذكره هنا كعادته مع سائر التراجم.

(٢) النص في نفح الطيب (ج ٨ ص ٣٧٨).

(٣) الزعزع : الريح الشديدة. لسان العرب (زعزع).

(٤) في نفح الطيب : «نازح».

٣

الغمائم ، والزّهر تفتّحت عنه الكمائم ، رفع منه راية خافقة ، وأقام له سوقا نافقة. وعلى تدفّق أنهاره ، وكثرة نظمه واشتهاره ، فلم أظفر منه إلّا باليسير التافه بعد انصرافه.

شعره : قال : [مجزوء الرجز]

أفديك يا ريح الصّبا

عوجي على تلك الرّبى

واحد النّعامى سحرا

ترسل غماما صبّا

على ربى غرناطة

لكي تقضّي ما ربا

ثم ابلغي (١) يا ريح

عن صبّ سلاما طيّبا

ومن منظومه أيضا في بعض القضاة الفاسيّين ، وهو من البديع ، وورّى فيه ببابين من أبواب المدينة : [المتقارب]

وليت بفاس أمور القضاء

فأحدثت فيها أمورا شنيعه

فتحت لنفسك باب الفتوح

وغلقت للناس باب الشّريعة

فبادر مولى الورى فارس

بعزلك عنها قبيل الذّريعه

وقال : [الكامل]

دع عنك قول عواذل ووشاة

وأدر كؤوسك يا أخا اللّذّات

واخلع عذارك لاهيا في شربها

واقطع زمانك بين هاك وهات

خذها إليك بكفّ ساق أغيد

لين المعاطف فاتر الحركات

قد قام من ألحاظه إنسانها

مثبّتا في فترة اللحظات

يسقيكها حمراء يسطع نورها

في الكأس كالمصباح في المشكات

رقّت وراقت في الزّجاجة منظرا

لمّا عدت تجلي على الرّاحات

لا تمزجنها في الأبارق إنها

تبدو محاسنها لدى الكاسات

عجبا لها كالشمس تغرب في فم

لكن مطالعها من الوجنات

نلنا بها ما نشتهيه من المنى

في جنّة تزهى على الجنّات

رفّت عليها كلّ طلّ سجسج

من كلّ غضّ يانع الثمرات

ما بين خضر حدائق وخمائل

وجداول تفضي إلى دوحات

سرى النسيم بها يصافح زهره

فيهبّ وهو مورّج النفحات

__________________

(١) في الأصل : «أبلغي» وكذا ينكسر الوزن.

٤

وشدا لنا فيها مغنّ شادن

حاز المدى سبقا إلى الغايات

طربت له القضب اللّدان وبادرت

رجعا له تختال في الحبرات

مرّت عليه ركّعا لكنها

جعلت تحيّتها لدى الرّكعات

قصرت صلاة الخوف منه فقرّبت

قربانها وحفته بالزّهرات

والعود مثناه يطابق زيّها

فيها (١) ردانات على رنّات

إن جسّ مثلثه بان بغنّة (٢)

في اليمّ منه ثقيلة النّغمات

فكان ما غنّت عليه الورق من

ألحانها ألقاه للقينات

عكفت على ألحانها تشدو لنا

خلف السّتائر باختلاف لغات

فكأنها عجم تورات بالحجاب

وردّدت سورا من التّورات

نطقت بأفصح نغمة في شدوها

تتلو علينا هذه الآيات

ومما أنشده ليلة ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم : [المتقارب]

إذا لم أطق نحو نجد وصولا

بعثت الفؤاد إليها رسولا

وكم حلّ قلبي رهينا بها

غداة نوى الرّكب فيها النزولا

محل بها في الحلال التي

ضحى أصبح القوم فيها حلولا

وكم بتّ فيها غداة النّوى

أسحّ من العين دمعا همولا

على شمس حسن سما ناظري

إليها وعنّي توارت أفولا

وقفت بوادي الغضا ساعة

لعلّي أندب فيها الطّلولا

وفي البان من أيكه ساجع

يرجّع بالقضب منها الهديلا

بحقّ الهوى يا حمام الحمى

ترفّق بقلبي المعنّى قليلا

فقد هجت تالله أشواقه

بذكرك إلفا ثنى (٣) أو خليلا

ألم تدر أن ادّكاري الهوى

يذيب ويعنى الفؤاد العليلا؟

رعى الله تلك المطايا الّتي

إلى الحجّ وخدا سرت أو ذميلا

ويا عجبا كيف خفّت بهم

وحمّلت القلب حملا ثقيلا

وودّعني الصبر إذ ودّعوا

فما أن وجدت إليه سبيلا

وآثرت ، يا ويح نفسي ، المقام

وآثر أهل الوداد الرّحيلا

__________________

(١) في الأصل : «في» وكذا ينكسر الوزن.

(٢) الغنّة : صوت يخرج من الخيشوم. محيط المحيط (غنن).

(٣) في الأصل : «ثانيا» ، وكذا ينكسر الوزن.

٥

وجادوا رجاء (١) الرّضى بالنفوس

وكنت بنفسي ضنينا بخيلا

ندمت على السّير إذ فاتني

ولازمت حزني دهرا طويلا

وفاز المخفّون إذ يمّموا

منازل آثارها لن تزولا

وحجّوا وزاروا نبيّ الهدى

محمدا الهاشميّ الرسولا

وفازوا بإدراك ما أملوا

ونالوا لديه الرّضى والقبولا

ولو كنت في عزمهم مثلهم

إذا لانصرفت إليه عجولا

ولكنني أثقلتني الذنوب

وما كنت للثّقل منها حمولا

ركبت مطيّة جهل الصّبا

وكانت أوان التّصابي ذلولا

ومالت بي النّفس نحو الهوى

وقد وجدتني غرّا جهولا

فطوبى لمن حلّ في طيبة

وعرّس بالسّفح منها الحمولا

ونال المنى في منّى عندما

نوى بالمنازل منها نزولا

وأصفى الضمائر نحو الصّفا

يؤمّل للوصل فيه الوصولا

وجاء إلى البيت مستبشرا

ليطهر بالأمن فيه دخولا

وطاف ولبّى بذاك الحمى

ونال من الحجر قصدا وسولا

بلاد بها حلّ خير الورى

فطوبى لمن نال فيها الحلولا

نبيّ كريم سما رفعة

وقدرا جليلا ومجدا أصيلا

وكان لأمّته رحمة

بفضل الشفاعة فيهم كفيلا

وكان رؤوفا رحيما لهم

عطوفا شفيعا عليهم وصولا

له يفزعون إذا ما رأوا

لدى الحشر خسفا وأمرا مهولا

وإن جاء في ذنبهم شافعا

بدا الرّحب من ربّه والقبولا

له معجزات إذا عدّدت

تفوت النّهى وتكلّ العقولا

ولن يبلغ القول معشارها

وإن كان الوصف فيها مطيلا

وقسّ البيان وسحبانه (٢)

يرى ذهنه في مداها كليلا

تخيّره الله في خلقه

فكان الخطير لديه المثيلا

__________________

(١) في الأصل : «رجا» ، وكذا ينكسر الوزن.

(٢) قسّ : هو قسّ بن ساعدة بن عمرو الإيادي ، أسقف نجران ، وخطيب العرب وشاعرها ، يضرب به المثل في البلاغة. وسحبان : رجل من بني باهلة يضرب به المثل في الخطابة والفصاحة ، فيقال : أخطب من سحبان وائل.

٦

ولم ير في النّاس ندّا له

ولا في الخلائق منه بديلا

وأبقى له الحكم في أرضه

فكان الأمين عليها الوكيلا

وكلّ ظلام وظلم بها

على الفور لمّا أتى قد أزيلا

وكانت كنار لظى فتنة

فعادت من الأمن ظلّا ظليلا

وقد زان حسن الدّجى جيله

إذا ذكر الدهر جيلا فجيلا

وأيّامه غرر قد بدت

بوجه الدّنا والليالي حجولا

رسول كريم إذا جئته

ويمّمت مغناه تلقى القبولا

بمولده في زمان الربيع

ربيع أتانا يجرّ الذّيولا

فأهلا به الآن من زائر

أتانا بفضل يفوق الفضولا

وقام الإمام به المرتضى

فنال ثوابا وأجرا جزيلا

هو المستعين أبو سالم

مليك ترفّع قدرا جليلا

وحاز من الصّيت ذكرا أثيرا

ومن كرم الخيم مجدا أثيلا

سليل عليّ غمام النّدى

ألا أيّد الله ذاك السّليلا

فتى أوسع النّاس من جوده

عطاء (١) جزيلا وبرّا حفيلا

حلاه الوقار ولاقيه

إذا ارتاح للجود يلفى عجولا

وقد شاع عنه جميل الثّناء (٢)

وعمّ البسيطة عرضا وطولا

وما منّ بالوعد إلّا وفى

فلم يك بالوعد يوما مطولا

ولا في علاه مغال لمن

يكثّر في الملك قالا وقيلا

تفرّد بالفضل في عصره

وكان بعرف الأيادي كفيلا

أطاعت له حين وافى البلاد

رضّى عندما حلّ فيها حلولا

وجاء (٣) لطاعته أهلها

سراعا يرومون فيها الدّخولا

فنبّه قدر الموالي بها

وأكسف فيها المعادي خمولا

ومهّد بالأمن أفكارها

وأمّن بالعدل فيها السبيلا

وكفّ أكفّ التعدّي بها

فلا يظلم الناس فيها فتيلا

وعصر الكروب الذي قد مضى

زمان المسرّات منه أديلا

__________________

(١) في الأصل : «عطا».

(٢) في الأصل : «الثنا».

(٣) في الأصل : «وجا».

٧

أتانا إلى الغرب في شوكة

بها عاد جمع الأعادي قليلا

وفوق رؤوس الطغاة انتضى

حساما ليسمع فيها صليلا

وجرّد من عزمه مرهفا

لحسم أمور المناوي صقيلا

وكل كفور معاد له

سيأخذه الله أخذا وبيلا

أعزّ الخلائق لمّا ولي

ونوّه من كان منهم ذليلا

وراعى لمن جاءه داخلا

حماه من القاصدين الدّخيلا

فكان بأفعاله قصده

إلى منهج الفضل قصدا جميلا

وصحّ انتعاش المعالي به

وقد كان شخص المعالي عليلا

وشيّد مبنى العلا بالنّدى

ووثّقه خشية أن يميلا

ينيل ويعطي جزيل العطاء (١)

فما زال أخرى الليالي منيلا

ودام مدى الدّهر في رفعة

تثير من الحاسدين الغليلا

ولا برح السعد في بابه

يؤمّ به مربعا أو مقيلا

محمد المكودي (٢)

من أهل فاس ، يكنى أبا عبد الله.

حاله : من «الإكليل» (٣) : شاعر لا يتعاطى (٤) ميدانه ، ومرعى بيان ورف عضاهه (٥) وأينع سعدانه (٦) ، يدعو الكلام فيهطع (٧) لداعيه ، ويسعى في اجتلاب المعاني فتنجح مساعيه ، غير أنه أفرط في الانهماك ، وهوى إلى السّمكة من أوج السّماك (٨). وقدم (٩) على هذه البلاد مفلتا من رهق تلمسان حين الحصار ، صفر اليمين واليسار من اليسار ، ملئ هوى أنحى على طريفه وتلاده ، وأخرجه من بلاده.

__________________

(١) في الأصل : «العطا».

(٢) هو محمد بن محمد المكودي ، ترجمته في نفح الطيب (ج ٨ ص ٢٢٥ ، ٣٧٨) وأزهار الرياض (ج ٥ ص ٤٩) وجاء فيه أنه : أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن المكودي.

(٣) النص مع الشعر في نفح الطيب (ج ٨ ص ٣٧٨ ـ ٣٧٩).

(٤) في النفح : «لا يتقاصى».

(٥) في الأصل : «عضله» والتصويب من النفح.

(٦) السّعدان : نبت له شوك. لسان العرب (سعد).

(٧) يهطع : يسرع. لسان العرب. (هطع).

(٨) السمكة : برج في السماء. والسّماك : واحد السّماكين وهما كوكبان نيّران ، يقال لأحدهما السّماك الرامح وللآخر السماك الأعزل ، ومراده أنه هوى من الأوج إلى الحضيض. لسان العرب (سمك).

(٩) في النفح : «قدم».

٨

ولمّا جدّ به البين ، وحلّ هذه البلاد (١) بحال تقبحها العين ، والسيف بهزّته ، لا بحسن بزّته ، دعوته (٢) إلى مجلس أعاره البدر هالته ، وخلع عليه الأصيل غلالته ، وروض تفتّح كمامه ، وهمى عليه غمامه ، وكاس أنس تدور ، فتتلقّى نجومها البدور. فلمّا ذهبت المؤانسة بخجله ، وتذكّر هواه ويوم نواه حتّى خفنا حلول أجله ، جذبنا للمؤانسة زمامه ، واستقينا (٣) منها غمامه ، فأمتع وأحسب ، ونظر ونسب ، وتكلّم في المسائل ، وحضر (٤) بطرف الأبيات وعيون الرسائل ، حتى نشر الصباح رايته ، وأطلع النهار آيته.

ومما أنشدنا ونسب لنفسه (٥) : [الوافر]

غرامي فيك جلّ عن القياس

وقد أسقيتنيه بكل كاس

ولا أنسى هواك ولو جفاني

عليك أقاربي طرّا وناسي

ولا أدري لنفسي من كمال

سوى أنّي لعهدك غير ناس

وقال في غرض معروف (٦) : [الطويل]

بعثت بخمر فيه ماء وإنّما

بعثت بماء (٧) فيه رائحة الخمر

فقلّ عليه الشكر إذ قلّ سكرنا

فنحن بلا سكر وأنت بلا شكر

ومما خاطبني به (٨) : [البسيط]

رحماك بي فلقد خلّدت في خلدي

هوى أكابد منه حرّة (٩) الكبد

حللت عقد سلوّي في (١٠) فؤادي إذ

حللت منه محلّ الروح في (١١) جسدي

مرآك بدري وذكراك التذاذ فمي

ودين حبّك إضماري ومعتقدي

ومن جمالك نور لاح في بصري

ومن ودادك روح حلّ في خلدي

لا تحسبنّ فؤادي عنك مصطبرا (١٢)

فقبل حبّك كان الصبر طوع يدي

وهاك جسمي قد أودى النّحول به

فلو طلبت وجودا منه لم تجد

__________________

(١) في النفح : «البلدة».

(٢) في النفح : «دعوناه».

(٣) في النفح : «واستسقينا».

(٤) في النفح : «وحاضر».

(٥) في النفح : «فممّا نسبه إلى نفسه وأنشدناه قوله».

(٦) اكتفى في النفح بالقول : «وقال».

(٧) في الأصل : «بما» وهكذا ينكسر الوزن ، والتصويب من النفح.

(٨) القصيدة في نفح الطيب (ج ٨ ص ٢٢٥ ـ ٢٢٦).

(٩) في النفح : «حرقة».

(١٠) في النفح : «عن».

(١١) في النفح : «من».

(١٢) في الأصل : «مصطبر». والتصويب من النفح.

٩

بما بطرفك من غنج ومن حور

وما بثغرك من درّ ومن برد

كن بين طرفي وقلبي منصفا فلقد

حابيت (١) بعضهما فاعدل ولا تحد

فقال لي قد جعلت القلب لي وطنا

وقد قضيت على الأجفان بالسّهد

وكيف تطلب عدلا والهوى حكم

وحكمه قطّ لم يعدل على أحد

من لي بأغيد لا يرثي إلى شجن

وليس يعرف ما يلقاه ذو كمد

ما كنت من قبل إذعاني لصولته (٢)

إخال أنّ الرّشا يسطو على الأسد

إن جاد بالوعد لم تصدق مواعده

فإن قنعت بزور الوعد لم يعد

شكوته علّتي منه فقال : ألا (٣)

سر للطبيب فما برء الضّنى بيدي

فقلت : إن شئت برئي أو شفا ألمي

فبارتشاف لماك الكوثريّ جد

وإن بخلت فلي مولى يجود على

ضعفي ويبرئ ما أضنيت من جسدي (٤)

وخرج إلى المدح فأطال.

المقرئون والعلماء ـ الأصليون منهم

محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى

ابن عبد الرحمن بن يوسف بن جزيّ الكلبي

(٥) يكنى (٦) أبا القاسم ، من أهل غرناطة وذوي الأصالة والنباهة فيها ، شيخنا رحمة الله عليه.

أوليته : أصل (٧) سلفه من ولبة (٨) من حصون البراجلة ، نزل بها أولهم عند

__________________

(١) حابيت بعضهما : نصرته وملت إليه ؛ يقال : حابى القاضي في الحكم إذا مال منحرفا عن الحق.

لسان العرب (حبا).

(٢) في النفح : «لسطوته».

(٣) في الأصل : «فقال الأمر للطبيب فما ...» وهكذا ينكسر الوزن ، والتصويب من النفح.

(٤) في الأصل : «جسد» والتصويب من النفح.

(٥) ترجمة ابن جزي في الكتيبة الكامنة (ص ٤٦) وأزهار الرياض (ج ٣ ص ١٨٤) والديباج المذهب (ص ٢٩٥) ونيل الابتهاج (ص ٢٣٥) ونفح الطيب (ج ٨ ص ٥٨).

(٦) قارن بنفح الطيب (ج ٨ ص ٥٨) وأزهار الرياض (ج ٣ ص ١٨٤ ـ ١٨٥).

(٧) قارن بنفح الطيب (ج ٨ ص ٥٨) وأزهار الرياض (ج ٣ ص ١٨٤ ـ ١٨٥).

(٨) في الأصل : «ولمة» والتصويب من النفح وأزهار الرياض.

١٠

الفتح صحبة قريبهم أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي ، وعند خلع دعوة (١) المرابطين ، وكانت لجدهم بجيّان رئاسة وانفراد بالتدبير.

حاله : كان (٢) ، رحمه الله ، على طريقة مثلى من العكوف على العلم ، والاقتصاد (٣) على الاقتيات من حرّ النّشب (٤) ، والاشتغال بالنّظر والتّقييد والتّدوين ، فقيها ، حافظا ، قائما على التدريس ، مشاركا في فنون من العربية (٥) ، والفقه ، والأصول ، والقراءات ، والحديث ، والأدب ، حفظة (٦) للتفسير ، مستوعبا للأقوال ، جمّاعة للكتب ، ملوكي الخزانة ، حسن المجلس ، ممتع المحاضرة ، قريب الغور ، صحيح الباطن. تقدّم خطيبا بالمسجد الأعظم من بلده على حداثة سنّه ، فاتّفق على فضله ، وجرى على سنن أصالته.

مشيخته : قرأ (٧) على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير (٨) ، وأخذ عنه العربية والفقه والحديث والقرآن. وروى عن أبي الحسن بن مستقور. وقرأ القرآن على الأستاذ المقرئ الرّاوية المكثر أبي عبد الله بن الكمّاد ، ولازم الخطيب أبا عبد الله بن رشيد ، وسمع على الشّيخ الوزير أبي محمد عبد الله بن أحمد ابن المؤذن ، وعلى الراوية المسن أبي الوليد الحضرمي. يروي عن سهل بن مالك وطبقته. وروى عن الشيخ الرّاوية أبي زكريا البرشاني ، وعن الرّاوية الخطيب أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن علي الأنصاري ، والقاضي أبي المجد بن أبي علي بن أبي الأحوص ، والقاضي أبي عبد الله بن برطال ، والشيخ الوزير ابن أبي عامر بن ربيع (٩) ، والخطيب الولي أبي عبد الله الطّنجالي ، والأستاذ النظّار المتفنّن أبي القاسم قاسم بن عبد الله بن الشّاط. وألّف الكثير في فنون شتى.

تواليفه : منها (١٠) كتاب «وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم» وكتاب «الأنوار السّنية في الكلمات السّنّية» وكتاب «الدّعوات والأذكار ، المخرجة من صحيح

__________________

(١) في النفح : «دولة».

(٢) قارن بنفح الطيب (ج ٨ ص ٥٨) وأزهار الرياض (ج ٣ ص ١٨٥).

(٣) في النفح : «والاقتصار» ، وفي أزهار الرياض : «على العلم والأقتيات من حرّ ...».

(٤) النّشب : المال ، وحرّ النشب : خالص المال. لسان العرب (نشب).

(٥) في النفح : «من عربية ، وفقه ، وأصول ، وقراءات ...».

(٦) في أزهار الرياض : «حافظا».

(٧) قارن بنفح الطيب (ج ٨ ص ٥٨) وأزهار الرياض (ج ٣ ص ١٨٥).

(٨) في النفح : «أبي جعفر بن جعفر بن الزبير».

(٩) ورد اسمه في النفح والأزهار : أبو عامر بن ربيع الأشعري.

(١٠) قارن بنفح الطيب (ج ٨ ص ٥٩) وأزهار الرياض (ج ٣ ص ١٨٥).

١١

الأخبار» وكتاب «القوانين الفقهية ، في تلخيص مذهب المالكية» و «التنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبليّة» وكتاب «تقريب الوصول إلى علم الأصول» وكتاب «النّور المبين ، في قواعد عقائد الدين» وكتاب «المختصر البارع ، في قراءة نافع» وكتاب «أصول القرّاء الستة غير نافع» ، وكتاب «الفوائد العامة ، في لحن العامّة» ، إلى غير ذلك مما قيّده في التفسير والقراءات وغير ذلك. وله فهرسة كبيرة اشتملت (١) على جملة من أهل المشرق والمغرب.

شعره : قال (٢) في الأبيات الغينيّة ذاهبا مذهب الجماعة كأبي العلاء المعرّي ، والرئيس أبي المظفر (٣) ، وأبي الطاهر السّلفي ، وأبي الحجاج ابن الشيخ ، وأبي الربيع بن سالم ، وأبي علي بن أبي الأحوص ، وغيرهم ، كلهم نظم في ذلك (٤) : [الطويل]

لكلّ بني الدنيا مراد ومقصد

وإنّ مرادي صحّة وفراغ

لأبلغ في علم الشّريعة مبلغا

يكون به لي للجنان بلاغ (٥)

وفي (٦) مثل هذا فلينافس أولو (٧) النّهى

وحسبي من الدنيا الغرور بلاغ (٨)

فما الفوز إلّا في نعيم مؤبّد

به العيش رغد والشّراب يساغ

وقال في الجناب النّبوي (٩) : [الطويل]

أروم امتداح المصطفى ويردّني (١٠)

قصوري عن إدراك تلك المناقب

ومن لي بحصر البحر والبحر زاخر؟

ومن لي بإحصاء (١١) الحصى والكواكب

ولو أنّ أعضائي غدت ألسنا إذا

لما بلغت في المدح بعض مآربي (١٢)

__________________

(١) في النفح : «اشتهرت».

(٢) قارن بنفح الطيب (ج ٨ ص ٥٩) وأزهار الرياض (ج ٣ ص ١٨٥ ـ ١٨٦).

(٣) في النفح : «وابن المظفر». وفي الأزهار : «والرئيس ابن المظفر».

(٤) الأبيات في نفح الطيب (ج ٨ ص ٥٩) وأزهار الرياض (ج ٣ ص ١٨٦).

(٥) الجنان ، بالفتح : القلب. والبلاغ : الكفاية. لسان العرب (جنن) و (بلغ).

(٦) في المصدرين : «ففي».

(٧) في الأزهار : «ذوو».

(٨) في المصدرين : «وحسبي من دار الغرور ...». والبلاغ : الإيصال والتبليغ. لسان العرب (بلغ).

(٩) الأبيات في الديباج المذهب (ص ٢٩٦) ونفح الطيب (ج ٨ ص ٥٩ ـ ٦٠) وأزهار الرياض (ج ٣ ص ١٨٦) والكتيبة الكامنة (ص ٤٨) وجاء فيه : «الجانب النبوي».

(١٠) في النفح : «فيردّني». وفي الكتيبة : «فيصدّني».

(١١) في الأصل : «بإحصا» ، والتصويب من المصادر.

(١٢) في أزهار الرياض : «غدت وهي ألسن لما بلغت في القول ...».

١٢

ولو أنّ كلّ العالمين تألّفوا (١)

على مدحه لم يبلغوا بعض واجب

فأمسكت عنه هيبة وتأدّبا

وخوفا وإعظاما لأرفع جانب (٢)

وربّ سكوت كان فيه بلاغة

وربّ كلام فيه عتب لعاتب

وقال ، رحمه الله ، مشفقا من ذنبه (٣) : [البسيط]

يا ربّ إنّ ذنوبي اليوم قد كثرت (٤)

فما أطيق لها حصرا ولا عددا

وليس لي بعذاب النّار من قبل

ولا أطيق لها صبرا ولا جلدا

فانظر إلهي إلى ضعفي ومسكنتي

ولا تذيقنّني (٥) حرّ الجحيم غدا

وقال في مذهب الفخر (٦) : [الوافر]

وكم من صفحة كالشمس تبدو

فيسلي (٧) حسنها قلب الحزين

غضضت الطّرف عن نظري إليها

محافظة على عرضي وديني (٨)

وفاته : فقد (٩) وهو يشحذ الناس ويحرّضهم ، ويثبّت بصائرهم ، يوم الكائنة بطريف (١٠) ، ضحوة يوم الاثنين السابع (١١) لجمادى الأولى عام أحد وأربعين وسبعمائة ، تقبّل الله شهادته. وعقبه ظاهر بين القضاء والكتابة.

محمد بن أحمد بن فتّوح بن شقرال اللخمي

شرقي الأصل ، من سكان غرناطة ، يكنى أبا عبد الله ، ويعرف بالطّرسوني.

__________________

(١) في النفح : «تسابقوا إلى مدحه».

(٢) في الكتيبة : «فأسكتّ عنه ... هيبة ...». وفي الأزهار : «فأقصرت عنه ... لأعظم جانب».

وفي النفح : «وعجزا» بدل «وخوفا».

(٣) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص ٤٧ ـ ٤٨) والديباج المذهب (ص ٢٩٦) وأزهار الرياض (ج ٣ ص ١٨٧) ونفح الطيب (ج ٨ ص ٦٠).

(٤) في الكتيبة : «قد عظمت».

(٥) في الأصل : «ولا عذيقني» ، وكذا ينكسر الوزن ، والتصويب من المصادر.

(٦) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص ٤٧) وأزهار الرياض (ج ٣ ص ١٨٦).

(٧) في الكتيبة : «يسلّي».

(٨) في الكتيبة : «عن نظر إليها ... على علمي وديني».

(٩) قارن بأزهار الرياض (ج ٣ ص ١٨٧) ونفح الطيب (ج ٨ ص ٦١).

(١٠) يشير هنا إلى الموقعة الشهيرة التي كانت بين الإسبان وبني مرين في سنة ٧٤١ ه‍ ، والمسماة بموقعة طريف ، وكان مع بني مرين قوات السلطان أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل النصري ، صاحب غرناطة. وكانت الهزيمة فيها للمسلمين. اللمحة البدرية (ص ١٠٥).

(١١) في النفح : «تاسع جمادى الأولى».

١٣

حاله : نقلت من خطّ شيخنا أبي البركات بن الحاج : أمتع الله به ، كنّى نفسه أبا عبد الرحمن ، ودعي بها وقتا ، وكوتب بها. وكان له ابن سمّاه عبد الرحيم ، فقلنا له : سمّه عبد الرحمن ، ليعضّد لك الكنية التي اخترت ، فأبى. كان هذا الرجل قيّما على النحو والقراءات واللغة ، مجيدا في ذلك ، محكما لما يأخذ فيه منه ، وكانت لديه مشاركة في الأصلين والمنطق ، طمح إليها بفضل نباهته وذكائه ، وشعوره بمراتب العلوم ، دون شيخ أرشده إلى ذلك. يجمع إلى ما ذكر خطّا بارعا ، وظرفا وفكاهة ، وسخا نفس ، وجميل مشاركة لأصحابه بأقصى ما يستطيع. وكان صنّاع اليدين يرسم بالذّهب ، ويسفّر ، ويحكم عمل التّراكيب الطّبّية. وعلى الجملة ، فالرجل من أجلّ نبلاء عصره ، الذين قلّ أمثالهم.

مشيخته : أخذ القراءات عن الشيخ الأستاذ أبي الحسن ابن أبي العيش ، وبه تفقّه ببلده ألمريّة. وقرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير ، والخطيب أبي جعفر بن الزيات ، والراوية أبي الحسن بن مستقور ، والولي أبي عبد الله الطّنجالي ، وصهره الخطيب أبي تمام غالب بن حسن بن سيدبونه ، والخطيب أبي الحسن القيجاطي ، والخطيب المحدّث أبي عبد الله بن رشيد ، وغيرهم.

شعره : من شعره قوله : [الطويل]

إذا قذفت بي حيثما شاءت النّوى

ففي كل شعب لي إليك طريق

وإن أنا لم أبصر محيّاك باسما

فإنسان عيني في الدموع غريق

فإن لم تصل كفّي بكفّك وافيا

فأسمال أحبابي لدّي فتوق

محنته : أحظاه وزير الدّولة أبو عبد الله بن المحروق (١) ، واختصّه ، ورتّب له بالحمراء جراية ، وقلّد نظره خزانة الكتب السلطانية. ثم فسد ما بينهما ، فاتّهمه ببراءات كانت تطرح بمذامّه بمسجد البيّازين (٢) ، وترصد ما فيها ، فزعم أنه هو الذي طرحها بمحراب المسجد ، فقبض عليه واعتقل ، ثمّ جلّاه إلى إفريقية.

__________________

(١) هو محمد بن أحمد بن محمد بن المحروق ؛ تولّى الوزارة لسلطان غرناطة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل النصري ، عام ٧٢٥ ه‍ ، ثم قتل بأمر السلطان المذكور عام ٧٢٩ ه‍. اللمحة البدرية (ص ٩٤).

(٢) هو أحد مسجدي حيّ البيازين ، أشهر أحياء مدينة غرناطة ، حوّله الإسبان إلى كنيسة بعد سقوط غرناطة سنة ٨٩٧ ه‍ ، وما يزال حتى اليوم بعض أسوار هذا المجسد قائمة مع جزء من صحنه.

١٤

وفاته : ولمّا بلغته بإفريقية وفاة مخيفه ، كرّ راجعا إلى الأندلس ، فتوفي في طريقه ببونة (١) ، من بلاد العنّاب أو بأحوازها في أواخر عام ثلاثين ، أو أقرب من الأواخر وسبعمائة.

محمد بن جابر بن يحيى بن محمد بن ذي النّون التّغلبي

ويعرف بابن الرمّالية ، من أهل غرناطة ، ويعرف خلفه الآن ، ببني مرزبّة ، ولهم أصالة وقدم وجدة.

حاله : فقيه ، نبيه ، نبيل ، ذكي ، عنده معرفة بالفقه والأدب والعربية ، حسن المشاركة والمحاضرة ، حاضر الذهن ، ذاكر لما قرأه.

مشيخته : روى عن الإمام أبي بكر بن العربي. قال أبو القاسم الملّاحي : وحدّثني سنة أربع وستمائة ، قال : حدّثني الإمام أبو بكر بن العربي ، رضي الله عنه ، قال : حدّثني محمد بن عبد الملك السّبتي ، قال : خرجت مع أبي الفضل الجزيري مشيّعين لقافلة الحاجّ من بغداد ، ومودّعين لها من الغد ، وحين أصبحنا أثيرت الجمال ، وفرض الناس الرّحال ، ونحن بموضع يعرف بجبّ عميرة ، إذا بفتى شاحب اللّون ، حسن الوجه ، يشيّع الرّواحل ، راحلة بعد أخرى ، حتى فنيت ، ومشى الحاجّ ، وهو يقول في أثناء تردّده ونظره إليها : [الطويل]

أحجّاج بيت الله ، في أيّ هودج

وفي أيّ بيت من بيوتكم حبّي؟

أأبقى رهين القلب في أرض غربة

وحاديكم يحدو فؤادي مع الرّكب؟

فوا أسفا لم أقض منكم لبانتي

ولم أتمتّع بالسلام وبالقرب

وفرّق بيني بالرّحيل وبينكم

فها أنذا أقضي على إثركم نحبي

يقولون هذا آخر العهد منكم

فقلت وهذا آخر العهد من قلبي (٢)

قال : فلمّا كمل الحاجّ المشي ، وانقطع رجاؤه ، وجعل يخطو هائما ، وهو ينشد ، ثمّ رمى بنفسه إلى الأرض وقال : [المديد]

خلّ دمع العين ينهمل

بان من تهواه وارتحل

أيّ دمع صانه كلف

فهو يوم البين ينهمل

__________________

(١) بونة : مدينة قديمة من بلاد إفريقية ، على ساحل البحر ، مرساها من المراسي المشهورة ، وتسمى بلد العنّاب لكثرة العناب فيها. الروض المعطار (ص ١١٥).

(٢) في الأصل : «قلب» بدون ياء.

١٥

قال : ثم مال على الأرض ، فبادرنا إليه فوجدناه ميّتا ، فحفرنا له لحدا ، وغسّلناه وكفّنّاه في رداء وصلّينا عليه ، ودفنّاه.

وفاته : وفاة المترجم به سنة خمسين وستمائة.

محمد بن محمد بن محمد بن بيبش العبدري (١)

من أهل غرناطة ، يكنى أبا عبد الله ، ويعرف بابن بيبش (٢).

حاله : كان (٣) خيّرا ، منقبضا ، عفّا ، متصاونا ، مشتغلا بما يعنيه ، مضطلعا (٤) بالعربية ، عاكفا عمره على تحقيق اللّغة ، مشاركا في الطّب ، متعيّشا من التّجارة في الكتب ، أثرى منها ، وحسنت حاله. وانتقل إلى سكنى سبتة ، إلى أن حططت بها رسولا في عام اثنتين وخمسين وسبعمائة ، فاستدعيته ونقلته إلى بلده ، فقعد للإقراء به إلى أن توفي.

وجرى ذكره في بعض الموضوعات الأدبية بما نصّه (٥) : معلّم مدرّب ، مسهّل مقرّب ، له في صنعة العربية باع مديد ، وفي هدفها سهم سديد ، ومشاركة في الأدب لا يفارقها تسديد ، خاصيّ المنازع مختصرها ، مرتّب الأحوال مقرّرها ، تميّز لأول وقته بالتّجارة في الكتب فسلّطت عليها (٦) منه أرضة آكلة ، وسهم أصاب من رميتها شاكلة (٧) ، أترب بسببها وأثرى ، وأغنى جهة وأفقر أخرى ، وانتقل لهذا العهد الأخير إلى سكنى غرناطة (٨) مسقط رأسه ، ومنبت غرسه ، وجرت عليه جراية من أحباسها (٩) ، ووقع عليه قبول من ناسها ، وبها تلاحق به الحمام ، فكان من ترابها البداية وإليه التمام. وله شعر لم يقصر فيه عن المدى ، وأدب توشّح بالإجادة وارتدى.

مشيخته : قرأ على شيخ الجماعة ببلده أبي جعفر بن الزبير ، وعلى الخطيب أبي عبد الله بن رشيد ، والوزير أبي محمد بن المؤذن المرادي ، والأستاذ عبد الله بن الكمّاد ، وسمع على الوزير المسنّ أبي محمد عبد المنعم بن سماك. وقرأ بسبتة على الأستاذ أبي إسحاق الغافقي.

__________________

(١) ترجمة العبدري في الكتيبة الكامنة (ص ٩٠) وبغية الوعاة (ص ١٠٠) والدرر الكامنة (ج ٤ ص ٣٥٨) ونفح الطيب (ج ٧ ص ٣٥٨) و (ج ٨ ص ٣٧٩).

(٢) في بغية الوعاة : «بليش». وفي الكتيبة : «بيش».

(٣) النص في بغية الوعاة (ص ١٠٠) بتصرف.

(٤) في البغية : «متضلعا».

(٥) النص في نفح الطيب (ج ٨ ص ٣٧٩ ـ ٣٨٠).

(٦) في النفح : «منه عليها».

(٧) في النفح : «الشاكلة».

(٨) كلمة «غرناطة» غير واردة في النفح.

(٩) الأحباس : الأوقاف. لسان العرب (حبس).

١٦

شعره : أنشدني بدار الصّناعة السلطانية من سبتة تاسع جمادى الأولى من عام اثنين وخمسين المذكور ، عند توجّهي في غرض الرسالة إلى السلطان ملك المغرب ، قوله يجيب عن الأبيات المشهورة ، التي أكثر فيها الناس وهي (١) : [مخلع البسيط]

يا ساكنا قلبي المعنّى

وليس فيه سواك ثان

لأيّ معنى كسرت قلبي

وما التقى فيه ساكنان؟

فقال (٢) : [مخلع البسيط]

نحلتني طائعا فؤادا

فصار إذ حزته مكاني (٣)

لا غرو إذ كان لي مضافا

أنّي على الكسر فيه باني

وقال يخاطب أبا العباس عميد سبتة ، أعزّه الله ، وهي ممّا أنشدنيه فيه التاريخ المذكور ، وقد أهدى إليه أقلاما (٤) : [الطويل]

أنا ملك الغرّ التي سيب جودها

يفيض كفيض المزن بالصّيّب القطر

أتتني منها تحفة مثل حدّها (٥)

إذا انتضيت كانت كمرهفة السّمر

هي الصّفر لكن تعلم البيض أنها

محكّمة فيها على النّفع والضّرّ

مهذّبة الأوصال ممشوقة كما

تصاغ (٦) سهام الرّمي من (٧) خالص التّبر

فقبّلتها عشرا ومثّلت أنني

ظفرت بلثم في أناملك العشر

وأنشدني في التاريخ المذكور في ترتيب حروف الصحاح قوله (٨) : [الطويل]

أساجعة بالواديين تبوّئي

ثمارا جنتها حاليات خواضب

دعي ذكر روض زاره (٩) سقي شربه

صباح ضحى طير ظماء (١٠) عصائب

غرام فؤادي قاذف كلّ ليلة

متى ما نأى وهنا هواه يراقب

__________________

(١) البيتان في نفح الطيب (ج ٧ ص ٣٥٩) ونفح الطيب (ج ٨ ص ٣٨٠). وورد فقط صدر البيت الأول في الكتيبة الكامنة (ص ٩١).

(٢) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص ٩١) ونفح الطيب (ج ٧ ص ٣٥٩) و (ج ٨ ص ٣٨٠).

(٣) في الأصل : «مكان» ، والتصويب من المصدرين.

(٤) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص ٩١) ونفح الطيب (ج ٨ ص ٣٨٠).

(٥) في الأصل : «عدّها» ، والتصويب من المصدرين.

(٦) في النفح : «تصوغ».

(٧) في الكتيبة : «أو».

(٨) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص ٩٢) ونفح الطيب (ج ٧ ص ٣٥٨) و (ج ٨ ص ٣٨٠).

(٩) في المصدرين : «زانه».

(١٠) في الأصل : «طما» والتصويب من المصدرين.

١٧

ومن مطولاته ما رفعه على يدي السلطان وهو قوله (١) : [الوافر]

ديار خطّها مجد قديم

وشاد بناءها شرف صميم

وحلّ جنابها الأعلى علاء (٢)

يقصّر عنه رضوى أو شميم

سقى نجدا بها وهضاب نجد

عهاد ثرّة (٣) وحيا عميم (٤)

ولا عدمت رباه رباب مزن

يغادي روضهنّ ويستديم

فيصبح زهرها يحكي شذاه

فتيت المسك يذكيه النّسيم

وتنثره (٥) الصّبا فتريك درّا

نثيرا خانه عقد نظيم

وظلّت في ظلال الأيك تشدو

مطوّقة لها صوت رخيم

ترجّع في الغصون فنون سجع

بألحان لها يصبو الحليم

أهيم بملتقى الوادي بنجد

وليس سواه في واد أهيم

وكنت صرفت عنه النفس كرها

وما برحت على نجد تحوم

وما ينفكّ لي ولها نزاع

إلى مغنى به ملك كريم

له بيت سما فوق الثّريّا

وعزّ لا يخيم ولا يريم

تبوّأ من بني نصر علاها

وأنصار النبيّ (٦) له أروم

أفاض على الورى نيلا وعدلا (٧)

سواء فيه مثر أو عديم

ملاذ للملوك إذا ألمّت

صروف الدهر أو خطب جسيم

تؤمّله فتأمن في ذراه

وتدنو من علاه فيستقيم (٨)

ويبدو في نديّ (٩) الملك بدرا

تحفّ به الملوك وهم نجوم

بوجه يوسفيّ الحسن طلق

يضيء بنوره اللّيل البهيم

وتلقاه العفاة (١٠) له ابتسام

ومنه للعدى أخذ أليم (١١)

__________________

(١) القصيدة في الكتيبة الكامنة (ص ٩٢ ـ ٩٣).

(٢) في الأصل : «علا» وهكذا ينكسر الوزن ، والتصويب من الكتيبة الكامنة.

(٣) في الأصل : «عماد ثرّة» وهكذا ينكسر الوزن ، والتصويب من الكتيبة الكامنة.

(٤) في الأصل : «تميم» والتصويب من الكتيبة.

(٥) في الكتيبة : «وتنشره».

(٦) في الأصل : «للنبيّ» وهكذا ينكسر الوزن ، والتصويب من الكتيبة.

(٧) في الكتيبة : «عدلا ونيلا».

(٨) في المصدر نفسه : «فتستنيم».

(٩) في الأصل : «ندى» وهكذا ينكسر الوزن ، والتصويب من الكتيبة.

(١٠) في الأصل : «للعفاة» وهكذا ينكسر الوزن ، والتصويب من الكتيبة.

(١١) في الأصل : «للييم» والتصويب من الكتيبة.

١٨

فيا شرف الملوك لك انقطاعي

وإنّي في محلّكم خديم

وآمالي أملت إليك (١) حتّى

وردن على نداك وهنّ هيم

فلا ظمأ (٢) ووردك خير ورد

نمير ماؤه عذب جميم

ولا أضحى وفي مغناك ظلّ

ظليل حين تحتدم السّموم

ركبت البحر نحوك والمطايا

تسير لها ذميل أو رسيم

وإنّ علاك إن عطفت بلحظ

عليّ فذلك العزّ المقيم (٣)

فوا أسفي على عمر تقضّى

بدار ليس لي فيها حميم

سوى ثمر للفؤاد ذهبت عنه

وبين جوانحي منه كلوم

ودون لقائها عرض الفيافي

ونجد (٤) موجه طود عظيم

لعلّ الله ينعم باجتماع

وينظم شملنا البرّ الرحيم

بقيت بغبطة وقرار عين

بملك سعده أبدا يدوم

كما دامت حلى الأنصار تتلى

يشيد بذكرها الذّكر الحكيم

عليك تحية عطر شذاها

كعرف (٥) الرّوض جادته الغيوم

مولده : بغرناطة في رجب (٦) ثمانين وستمائة. وتوفي عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة ، ودفن بباب إلبيرة ، وتبعه من الناس ثناء حسن ، رحمه الله.

محمد بن محمد النّمري الضّرير

من أهل غرناطة ، يكنى أبا عبد الله ، ويعرفه بنسبه.

حاله : من عائد الصلة : كان حافظا للقرآن ، طيب النّغمة به ، طرفا في ذلك ، من أهل المشاركة في العلم ، واعظا بليغا ، أستاذا يقوم على العربية قيام تحقيق ، ويستحضر الشّواهد من كتاب الله وخطب العرب وأشعارها ، بعيد القرين في ذلك ، آخذا في الأدب ، حفظة للأناشيد والمطوّلات ، بقيّة حسنة ممتعة.

__________________

(١) في الأصل : «لمليك» وهكذا ينكسر الوزن ، والتصويب من الكتيبة.

(٢) في الأصل : «فللظما ورودك» وهكذا ينكسر الوزن ، والتصويب من الكتيبة.

(٣) في الكتيبة : «القديم».

(٤) في الكتيبة : «وبحر».

(٥) في الأصل : «تعرّف» وهكذا ينكسر الوزن ، والتصويب من الكتيبة.

(٦) في نفح الطيب (ج ٨ ص ٣٨١): «مولده في حدود ثمانين وستمائة».

١٩

مشيخته : قرأ على الأستاذ أبي عبد الله بن الفخّار الأركشي (١) ، وبه تأدّب ، ولازمه كثيرا ، فانتفع به.

شعره : ممّا صدّر به رسالة لزوجه وهو نازح عنها ببعض البلاد. فقال : [الطويل]

سلام كرشف الطّل في مبسم الورد

وسيل نسيم الريح بالقضب الملد

سلام كما ارتاح المشوق مبشّرا

برؤية (٢) من يهواه من دون ما وعد

سلام كما يرضي المحبّ حبيبه

من الجدّ في الإخلاص والصّدق في الوعد

سلام وتكريم وبرّ ورحمة

بقدر مزيد الشوق أو منتهى الودّ

على ظبية في الأنس مرتعها الحشا

فتأوي إليه لا لشيح ولا رند

ومن أطلع البدر التّمام جبينها

يرى تحت ليل من دجى الشّعر مسودّ

وثغر أقاح زانه سمط لؤلؤ

يجبّ به المرجان في أحكم النّضد

يجول به سلسال راح معتّق

حمته ظبا الألحاظ صونا عن الورد

فلله عينا من رأى بدر أسعد

وروضة أزهار علت غصن القدّ

وبشرى لصبّ فاز منها بلمحة

من القرب بشراه بمستكمل السّعد

وأضحى هواها كامنا بين أضلعي

كمزن خفيّ النار في باطن الزّند

وراحت فراح الروح إثر رحيلها (٣)

وودّعت صبري حين ودّعها كبدي (٤)

وصارت لي الأيّام تبدو لياليا

وقد كان ليل الوصل صبحا بها يبدي (٥)

فساعاتها كالدهر طولا وطالما

حكى الدهر ساعات بها قصرا عندي

ومنها :

ترى قلبها هل هام مني بمثل ما

بقلبي من الحبّ الملازم والوجد؟

وهل هي (٦) ترعى ذمّتي ومودّتي

كما أنا أرعاها على القرب والبعد؟

__________________

(١) نسبة إلى أركش Arcos de la Frontera ، وهي حصن بالأندلس على وادي لكة. الروض المعطار (ص ٢٧).

(٢) في الأصل : «برويا» ، وكذا ينكسر الوزن.

(٣) في الأصل : «رحلها» ، وكذا لا يستقيم الوزن ولا المعنى.

(٤) في الأصل : «كبد» بدون ياء.

(٥) في الأصل : «يبد» بدون ياء.

(٦) كلمة «هي» ساقطة في الأصل.

٢٠