🚘

إدام القوت في ذكر بلدان حضر الموت

السيّد عبد الرحمن بن عبيد الله السقّاف

إدام القوت في ذكر بلدان حضر الموت

المؤلف:

السيّد عبد الرحمن بن عبيد الله السقّاف


الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار المنهاج للنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ١١١٠
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

٥
٦

مقدمة علّامة الجزيرة

الشيخ حمد الجاسر (١)

حضرموت : بلادها وسكّانها :

أتحفني الصّديق الحبيب ، الأستاذ هادون بن أحمد العطّاس (٢) بكتاب يتعلّق بتاريخ جزء عزيز من وطننا العربيّ (٣) ، من الجزيرة العربيّة نفسها ، يوشك أن يكون مجهولا أو منسيّا ، مع ما لكثير من أهله من الصّلات القويّة بمختلف الأقطار في أنحاء المعمورة ، وما لهم من نشاط متميّز في السّعي وراء اكتساب الرّزق بأذكى الطّرق وأنزهها وأشرفها ، حتّى حازوا بأمانتهم وصدقهم ثقة غيرهم.

وتميّز عدد منهم في مختلف النّشاطات الأخرى ؛ كالسّياحة والهجرة.

وبرز آخرون في المجالات الثّقافيّة ، فعرف منهم علماء وأدباء وشعراء ، وباحثون ومؤلّفون في مختلف العلوم ، قديما وحديثا ، ممّن كان لهم في التّعريف ببلادهم ما لم

__________________

(١) هذه المقدّمة كتبها الجاسر مع نشره لهذا الكتاب على حلقات في مجلّة العرب ، وقد استغرق نشره للكتاب حدود خمس سنوات ، ولعموم الفائدة .. فقد أعدنا كتابتها ، وعلّقنا عليها ، وقد قام بجهد مشكور في إخراج هذا العمل رحمه الله تعالى.

(٢) توفي بمكة صبيحة يوم عرفة الأربعاء التّاسع من ذي الحجّة عام (١٤١٧ ه‍). والسّيّد هادون مؤرّخ وباحث في التراث اليمني وممن يرجع إليهم في تاريخ حضرموت ، وله مؤلفات تاريخيّة ، وتحقيقات نشرت بعضها جامعة الرّياض ـ كليّة الآداب ، ولد بالمشهد بحضرموت سنة (١٣٣٧ ه‍) ـ كما أخبرني هو رحمه الله ـ ورحل إلى العراق لطلب العلم وعيّن في بعض المناصب الحكوميّة في عهد السّلطنة القعيطيّة بحضرموت ، وهاجر إلى الحرمين الشّريفين ، وقطن بمكّة المكرّمة منذ عام (١٣٧٠ ه‍) ، رحمه الله تعالى.

(٣) السّيّد هادون العطّاس أهدى الجاسر كتاب «حول مصادر التّاريخ الحضرمي» للمستشرق سارجنت ، الذي عرّبه د. سعيد النّوبان ، والّذي أهدى الجاسر نسخة من «إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت» هو السّيّد عبد الله بن محمّد الحبشي. فليتنبه لذلك.

٧

يتهيّأ له من الانتشار ما ييسّر الاطّلاع عليه لكلّ راغب في الاستفادة منه في معرفة جميع أحوال ذلك الجزء من الوطن العربيّ.

من هنا كان لما أتحفني به (١) الأستاذ هادون ـ وقد تحدّثت عنه في «العرب» في هذا الجزء ـ الأثر العميق في نفسي ؛ لأنّه أحدث في القلب شجنا وتأثّرا ، لا لكون مؤلّف ذلك الكتاب غريبا عنّا وعن بلادنا ، وأنّه كان يعمل في دائرة البحوث في وزارة المستعمرات البريطانيّة ـ الّتي جثم كابوسها على تلك البقعة الحبيبة من بلادنا حقبة من الزّمن ـ فالحكمة ضالّة المؤمن ، والحقّ يتطلّبه العاقل ويقبله من كلّ أحد.

ولكنّني أحسست بكثير من الخجل حين أدركت أنّ هذا الباحث الغريب ـ الّذي لا تربطه ببلادنا رابطة من روابط الحبّ ، أو عاطفة من عواطف الصّلة والإخاء ـ يعرف من أحوال تلك البلاد أكثر ممّا يعرفه كثير من المهتمّين بالبحث والدّراسة في تاريخ الأمّة العربيّة كلّها ، ممّن يجب أن تكون صلتهم بها أعمق ، وعنايتهم بمعرفة أحوالها أشدّ ، ومعرفتهم بتاريخها أوسع ، وسعيهم لتقوية أواصر الأخوّة والارتباط بها أقوى وأشمل.

ولقد حفزني هذا إلى محاولة تحوير اتّجاه مجلة «العرب» ـ قدر استطاعة القائمين عليها ـ للإسهام بجهدها ـ على ضعفه وقلّة جدواه ـ فتقدّم لقرّائها ما تتمكّن من تقديمه من معلومات تتعلّق بتاريخ تلك البلاد وجغرافيّتها ، وتراجم مشاهيرها ، ممّا يمدّها به أولئك القرّاء من ثمرات قرائحهم ؛ فهم ذووا الفضل على مجلّتهم ، قرّاء وكتّابا :

__________________

(١) أي : كتاب المستشرق سارجنت السّابق الذّكر ، وسارجنت هو : مستشرق بريطاني ، ولد سنة (١٩١٥ م) تعلم في إدنبرا وكمبريدج ، وانتدب باحثا لشؤون الجزيرة العربية في مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية سنة (١٩٤٠ م) ، ومحاضرا للغة العربية سنة (١٩٤١) ، وموظفا في الإذاعة البريطانية سنة (١٩٤٢ ـ ١٩٤٥ م) ، ومنقبا في حضرموت سنة (١٩٤٧ ـ ١٩٥٤ م) ، ومنقبا في جنوب الجزيرة العربية والخليج الفارسي سنة (١٩٥٣ ـ ١٩٥٤ م) ، له مؤلفات قيمة منها : «مختارات من الأدب العامي الحضرمي» طبع سنة (١٩٥١ م) بلندن ، وغيرها في مجالات متعددة أخرى.

٨

كالبحر يمطره السّحاب وما له

فضل عليه لأنّه من مائه (١)

ولقد سبق أن قدّم لي الأستاذ الكريم عبد الله بن محمّد الحبشيّ (٢) نسخة مصوّرة لمؤلّف عالم حضرموت ومؤرّخها في عصرنا : السّيّد عبد الرّحمن بن عبيد الله السّقّاف ، المتوفّى سنة (١٣٧٥ ه‍) وصفه الأستاذ عبد الله بأنّه من الكتب القيّمة النّادرة في موضوع جغرافيّة حضرموت.

فرأيت في تقديم هذا الكتاب على صفحات المجلّة ما قد يكون من البواعث للاهتمام بما قد يتعرّض له من أبحاث ، أو يعرضه من معلومات ؛ ليتّسع المجال أمام الباحثين.

ويبدو أنّ مؤلّف السّقّاف هذا هو خلاصة ممّا كتب عن تلك البلاد ؛ فقد انتهى من تأليفه سنة (١٣٦٧ ه‍) قبل وفاته بثماني سنوات. وقال بأنّه ألّفه باقتراح من بلخير ـ ولعلّه الأستاذ عبد الله عمر بلخير ـ وقدّمه لسعود بن عبد العزيز حين كان وليّا للعهد قبل أن يتولّى الملك ، وكان بلخير مستشارا له.

ولقد خلا الكتاب ممّا شاب كثيرا من مؤلّفات بعض أحبابنا الحضارمة ، ممّا يتعلّق بطغيان العواطف في تقدير العلماء والسّادة ، بدرجة تقلّل الثّقة بكثير من تلك المؤلّفات من الوجهة التّاريخيّة البحتة.

ويبدو أنّه لخّصه (٣) من كتابه : «إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت» ، فكثيرا ما يختم بعض العبارات بقوله : (وهذا مفصّل في أصله) أو : (وقد أوردناه في الأصل) وهو يعني : ما لم يرد ذكره.

__________________

(١) البيت للمتنبي.

(٢) السّيّد عبد الله الحبشي : باحث موسوعيّ في التراث اليمني ، له جهود علميّة كبيرة وبارزة في مخطوطات التّراث الإسلامي ، وله مؤلّفات فريدة في هذا الباب ، وهو حاليّا في المجمّع الثقافي ب (أبو ظبي) ، مظهر من مظاهر النفع فيما يخرجه من الكتب المحقّقة والدراسات. حفظه الله تعالى.

(٣) اختلط الأمر هنا على الشّيخ الجاسر ، والصّحيح أنّ كتاب «إدام القوت» مختصر من الكتاب الكبير «بضائع التّابوت في نتف من تاريخ حضرموت» ويقع في ثلاثة مجلدات ضخام ، وقد اختصره المؤلّف بطلب من الشيخ عبد الله بلخير ، ومن ديباجة الكتاب يتضح كل ذلك.

٩

السّيّد السّقّاف مؤلّف الكتاب (١) :

تعدّ أسرة السّقّاف من أشهر الأسر الحضرميّة ، وأكبرها ، وأوسعها انتشارا في البلاد العربيّة ، في المدينتين الكريمتين وفي القاهرة ، فضلا عن بلاد اليمن.

وهي تنمى إلى السّيّد سقّاف بن محمّد بن عمر الصّافي (٢) ، العلويّ النّسب.

واشتهر منها عدد من أهل العلم والأدب ، والوجهاء والأثرياء ، ومن فضليات النّساء ؛ حيث عرفت سيّدة جليلة من هذا البيت الكريم ممّن يقيم في القاهرة برعايتها للأدب ، فكان لها منتدى يرتاده المثقّفون (٣).

ومن مشاهير هذه الأسرة : السّيّد عبد الله بن محمّد بن عمر (٤) السّقّاف ، المتوفّى سنة (١٣٨٧ ه‍) ، من العلماء البارزين.

ومن مؤلّفاته : «تاريخ الشّعراء الحضرميّين» ، طبع سنة (١٣٥٣ ه‍) في خمسة أجزاء (٥).

__________________

(١) للتوسع في الاطلاع على ترجمة المؤلف انظر «التلخيص الشافي» وترجمته في كتاب «العود الهندي» من منشورات دار المنهاج.

(٢) بل تنمى إلى الشّيخ الكبير عبد الرّحمن السّقّاف المتوفّى بتريم سنة (٨١٩ ه‍) عن (٨٠) عاما.

أمّا السّيّد سقّاف بن محمّد المذكور : فهو سقّاف بن محمّد بن عمر بن طه بن عمر بن طه بن عمر (الصافي) بن المعلم عبد الرحمن بن محمّد بن عليّ بن الشّيخ الكبير عبد الرحمن السّقّاف ، مولده بسيون ، وبها وفاته سنة (١١٩٥ ه‍). أفرده بالتّرجمة ابنه العلّامة السّيّد حسن بن سقّاف (ت ١٢١٠ ه‍) وجاءت في مجلّد وسط ، سمّيت (نشر محاسن الأوصاف) ، صدرت مطبوعة في حلّة بهيّة عن (دار الحاوي) في (٣٥٧) صفحة. والحبيب سقّاف هذا هو الجدّ الثّالث للعلّامة ابن عبيد الله مؤلّف هذا الكتاب.

(٣) هي السّيّدة (خديجة) بنت السّيّد الأديب المؤرّخ عبد الله بن محمّد بن حامد السّقّاف صاحب «تاريخ الشّعراء الحضرميّين» الآتي ذكره عقبها.

(٤) صوابه : محمّد بن حامد بن عمر .. وليس كما ذكر الأستاذ الجاسر.

(٥) كان طبع الجزء الخامس بعد سنة (١٣٦٣ ه‍) ، وبقي جزء سادس ، يقال : إنّه لدى ابنته خديجة بمصر ، ترجم فيه لبعض أقرانه ومعاصريه.

١٠

و «تاريخ حضرموت السّياسيّ» وغيره (١).

ومنهم علماء وشعراء آخرون لا يتّسع المجال لذكرهم.

ومن مشاهير متأخّري هذه الأسرة : السّيّد عمر السّقّاف (٢) ، الّذي كان وزيرا لخارجيّة هذه البلاد حتّى توفّي.

والأستاذ أحمد زين السّقّاف (٣) ، الّذي استقرّ في الكويت منذ قبل نصف قرن من الزّمان ، مشاركا في إنماء الحركة العلميّة الثّقافيّة في تلك البلاد ، في مجالات مختلفة في التّعليم ، وفي إنشاء الصّحافة ، حيث أنشأ «مجلة كاظمة» في آخر السّتّينات من القرن الماضي ، وفي تنظيم حركة الأدب بالمشاركة بتأسيس رابطة الأدباء ، وفي غير ذلك من المجالات الحيويّة. وهو من كبار أدباء العصر وشعرائه.

وهناك كثيرون من مشاهير هذا البيت ، ليس المجال مجال الحديث عنهم.

أمّا مؤلّف هذا الكتاب : فعليه ينطبق نعت «السّقّاف الكبير» في العهد الأخير ؛ لما بلغه من الشّهرة داخل بلاده وخارجها في الأقطار العربيّة ؛ لما اشتهر به من علم وفضل.

ففضلا عمّا لأسرته في حضرموت من المكانة وعلوّ المنزلة في نفوس أهل تلك البلاد .. بلغ مرتبة من العلم أهّلته بينهم بأن يحلّ أرفع المقامات ، فعرف ب (عالم حضرموت) و (مفتي الدّيار الحضرميّة).

__________________

(١) منها كتاب هامّ أيضا ، يسمّى : «المعروضات النقيّة في الشّخصيّات الحضرميّة» ، أكثر من ذكره في «تاريخ الشّعراء» وفي «التعليقات على رحلة باكثير» ، ترجم فيه لغير الشّعراء من الشّخصيّات الحضرميّة علما وثراء واجتماعا وسياسة ، رآه شيخنا العلّامة السّيّد عبد القادر الجنيد عند مصنّفه في منزله بحضرموت ، عندما زاره بمعيّة شيخه العلّامة محمّد بن سالم بن حفيظ ، في ربيع الثّاني سنة (١٣٦٨ ه‍) ، كما ذكر في «العقود الجاهزة» ص (١٣٣) (مخطوط) ولا نعلم مصيره الآن.

(٢) السّيّد الوزير إبراهيم السّقّاف ، هكذا شهرته في الأوساط السعوديّة والحجازيّة وإنما هو من آل (العطّاس) ، واسم أبيه «سقّاف» ؛ فنسب إليه واشتهر بذلك.

(٣) الأستاذ الشّاعر الكبير ، أحمد بن زين السّقّاف أصله من آل السّقّاف سكّان الوهط ـ قرية قريبة من عدن ـ ونسبهم خارج أسرة آل السّقّاف الصّافي سكّان سيئون ، ويجتمعون في الشّيخ عبد الرّحمن الكبير.

١١

وكان ذا نفوذ قويّ في الشّؤون العامّة في تلك البلاد ، وصلة قويّة بحكّام أقاليمها ، وإسهام بارز في السّعي لتوحيد أجزائها واستقلالها ، ورفع كابوس الاحتلال البريطانيّ الّذي كان جاثما عليها.

كما كان قويّ الصّلة بإمام اليمن يحيى بن حميد الدّين ؛ بحيث كان يرجع إليه في معالجة بعض القضايا العامّة المتعلّقة بالخلافات الّتي تقع بين حكّام تلك البلاد ، كما يتّضح من إشارات وردت في كتابه.

وقد ولد السّيّد عبد الرّحمن بن عبيد الله بن محسن بن علويّ بن سقّاف في بلدة سيون من حضرموت ، وفيها نشأ وتوفّي ، على اختلاف في تاريخ ولادته.

فالأستاذ الزركليّ يحدّده في «الأعلام» بعام (١٣٠٠ ه‍) ويشير إلى رأي آخر هو سنة (١٢٩١ ه‍) ، ولكنّه لا يأخذ به ، معلّلا بأنّ مظهر الرّجل عند وفاته لا يدلّ على أنّه بلغ من العمر (٨٤) عاما ؛ فقد توفّي سنة (١٣٧٥ ه‍).

وقد عرفه الأستاذ الزركليّ واجتمع به في صفر سنة (١٣٦٩ ه‍) في جدّة ، وأطلعه على بعض مؤلّفاته ، فطالعها واستفاد منها ، ووصفه بأنّه مؤرّخ بلدانيّ ، من شيوخ العلم بالأدب والأخبار ، وفقه الشّيعة والسّنّة ، له شعر حسن ، وأنّه كان مفتي الدّيار الحضرميّة.

وقد اجتمع به المستشرق البريطانيّ ، المعتني بالدّراسات الحضرميّة (سرجنت) SERJENANT.R.B ، فوصفه في مقاله عن المؤرّخين ، وكتابة التّاريخ الحضرميّ المعرّب في كتاب : «حول مصادر التّاريخ الحضرميّ» (١١) فقال عنه : (معروف أساسا كحجّة في الشّريعة ، ذو ذكاء حادّ ، ولقد استمتعت بمجالسه عدّة مرّات ، لقد كسب احترام حضرموت ، وهو لا شكّ عالم فذّ ، وقد درّب أبناءه على ذلك).

ويشير (سرجنت) إلى موقف من مواقف السّيّد السّقّاف جدير بالذّكر ؛ هو : موقفه في النّزاع الّذي حدث بين السّادة العلويّين وبين الإرشاديّين ، في آخر النّصف الأوّل من القرن الماضي ، في البلاد الأندونسيّة ، فيقول :

١٢

(لقد شارك (١) في النّزاع العلويّ الإرشاديّ في أندونيسيا ، وبحوزتي خطبة له قالها في أحد الجوامع في بتافيا عام (١٣٤٦ ه‍ ـ ١٩٢٨ م) ، وفي العام التّالي حاول أن يصلح بين الطّرفين ، وأخبرني أنّ الرّسائل المتبادلة ضمّت إلى مخطوطاته التّاريخيّة «بضائع التّابوت»).

ثمّ يضيف (سرجنت) : (لقد احترمه الكثيرون ، خصوصا عندما يتّخذ موقفا مخالفا لموقف العلويّين المتزمّتين) اه

ويتجلّى ما كان يتحلّى به السّقّاف من اعتدال في مواقفه فيما لقيه من تقدير وإجلال بين طبقات مثقفي عصره ، كما يبدو ذلك واضحا في احترامه واعتداده بآراء العلماء المحقّقين من مختلف المذاهب.

ولكنّ هذا المستشرق لم يفته غمزه بقوله : (والرّأي الحضرميّ عنه أنّه ساذج ، وغير مفرط في النّقد كمؤرّخ ، لكنّه عالم له صيته ، ولا بدّ أن يقدّم إسهاما هامّا لصياغة التّاريخ الحضرميّ).

ولعلّه يعني بهذا الغمز : أنّ السّيّد السّقّاف ـ فيما يبدو من أبحاثه التّاريخيّة ـ لا يكلّف نفسه عناء مناقشة ما يورده من نقول تغلب على كثير منها السّذاجة (٢) ، ولا سيّما حين ينقل عمّن يعتقد فيهم الصّلاح والتّقوى.

ومهما يكن .. فإنّ فيما قدّمه للباحثين عن تاريخ بلاده أوضح دليل على ما يتمتّع به من سعة الاطّلاع ، وشدّة الغيرة والحرص على الاهتمام بهذا الجانب ، وهو ـ بدون شكّ ـ ممّا لا غناء لكلّ معنيّ بدراسة التّاريخ العربيّ بصفة عامّة عن الرّجوع إليه.

__________________

(١) القول بأنّه شارك في النّزاع ، كلام يوهم خلاف الحقيقة ؛ لأنّه لم يكن متحيّزا إلى أحد الطّرفين كما يبدو ، لأنه إنّما قدم إلى جاكرتا بصفته داعية للصّلح بين الفريقين ، والحديث عن دوره في ذلك النزاع يطول ، ولديّ وثائق ورسائل تؤرّخ وتكشف بدقّة كلّ الملابسات الّتي لا تعرف عن بعض خفايا الموضوع ، يسّر الله جمعها ودراستها عمّا قريب.

(٢) ونحن نقف من هذا النبز المكشوف موقف الرادّ له ، لأنّ وصف فكر ابن عبيد الله ولو في بعض ما كتبه بالسّذاجة أمر نراه سخيفا ؛ فالرّجل كان من الجلالة بمكان ، وهلمّ إلى مناقشة بعض تلك السّذاجات المزعومة لتقف على حقيقة ما قيل بدلا من مجرّد النّبز والتّعريض.

١٣

ومع أنّ السّيّد السّقّاف لم يتلقّ العلم ـ فيما علمت عنه ـ خارج الجزيرة .. إلّا أنّ المرء حين يطالع أحد مؤلّفاته ؛ ككتابه عن المتنبيّ (١) .. يعجب من سعة اطّلاعه ، وقوّة استحضاره للشّواهد والنّصوص عند الحاجة ، وسرعة بديهته.

ولا شكّ أنّ دراسته الأولى كانت وفق الطّريقة المتّبعة في تلك البلاد ، وفي غيرها من البلدان الإسلاميّة ، من حيث الاتّجاه للدّراسات الدّينيّة. وبلاده في عهده عرفت بنوع من المحافظة والميل إلى ما يشبه الانقطاع أو الانعزال للعبادة والتّجرّد الرّوحيّ ، ويظهر أنّه تأثّر في أوّل مراحل حياته الدّراسيّة بمن تلقّى عليهم العلم واستفاد منهم بدرجة أحلّته منزلة رفيعة بينهم ، حتّى بلغ أعلى منصب دينيّ ، حيث عرف بمفتي حضرموت. ويلمح الباحث أثر هذا من خلال مؤلّفاته الّتي ذكر منها الأستاذ عبد الله بن محمّد الحبشيّ في كتابه : «مصادر الفكر العربيّ الإسلاميّ في اليمن» :

١ ـ «نسيم حاجر في مذهب الإمام المهاجر».

لعلّ المقصود ب «المهاجر» جدّ السّادة الحضرميّين ، الّذي هاجر إلى حضرموت ؛ فقد ألّف عنه السّيّد علويّ بن طاهر الحدّاد (١٢٩٠ / ١٣٨٠ ه‍) مفتي حضرموت كتابا دعاه : «إثمد المهاجر» ، حاول إثبات أنّه شافعيّ المذهب ، بينما يرى السّيّد صالح بن عليّ الحامد المتوفّى سنة (١٣٨٧ ه‍) أنّه إماميّ المذهب.

قال (سرجنت) بعد ذكر هذا : (وقد أضاف السّيّد ابن عبيد الله ملحقا يقال : إنّه نشر فيه ما يؤيّد رأي السّيّد صالح). (٢)

٢ ـ حاشية على «فتح الجواد».

٣ ـ حاشية على «تحفة المحتاج».

٤ ـ «صوب الرّكام في تحقيق الأحكام» (٣).

__________________

(١) أي كتاب «العود الهندي عن أمالي في ديوان الكندي» وهو عبارة عن مجالس أدبيّة تناولت نقد وتحليل وشرح بعض أشعار المتنبّي ، كتاب فريد في بابه ، وهو من منشوراتنا ولله الحمد والمنّة.

(٢) وهذا الملحق سمّاه ابن عبيد الله : «سموم ناجر» يوجد مسودة لدى أحفاده بسيئون.

(٣) طبع في مجلّدين.

١٤

٥ ـ «السّيف الحاد القاطع لأعناق الإلحاد» قال عنه الأستاذ الحبشيّ : (ألّفه في الرّدّ على كتاب «توحيد الأديان») (١) وطبع في عدن سنة (١٣٦٩ ه‍). ويبدو أنّه ألّف هذه الكتب في عهد مبكّر من حياته.

أمّا آثاره الأدبيّة ، فمنها :

١ ـ «الإماميّات» : قصائد في مدح الإمام يحيى ، طبعت في القاهرة سنة (١٣٤٥ ه‍).

٢ ـ «بلابل التّغريد في ما أفدناه في أيّام التّجريد». قال عنه الأستاذ الزّركليّ : (هو أشبه بكتب الأمالي في ثلاثة أجزاء) اه (٢)

على أنّه ورد في ذكره في «العود الهنديّ» (٣٧٦) بما نصّه : (وقد ذكرنا في تفسير الفاتحة في كتابنا : «بلابل التّغريد» ما تنشرح به صدور المؤمنين) ممّا يفهم منه أنّه في التّفسير ، ولكنّ كتب الأمالي قد تحوي تفسير بعض الآيات.

٣ ـ «ديوان شعر» طبع في مصر سنة (١٩٥٩ م) في (٥٥٢) صفحة. ذكره الزّركليّ وغيره.

٤ ـ «الرّحلة إلى دوعن» : أرجوزة طبعت في عدن سنة (١٩٤٨ م) على ما ذكر الحبشيّ.

٥ ـ رحلة تحوي بعض المعلومات التّاريخيّة ، طبعت في (القاهرة) سنة (١٣٤٥ ه‍) على ما ذكر (سرجنت) ، وأخشى أن تكون الّتي قبلها (٣).

٦ ـ «العود الهنديّ عن أماليّ في ديوان الكنديّ» : كذا ورد الاسم فيما أظنّه مسوّدة

__________________

(١) وكتاب «توحيد الأديان» تأليف السّيّد حسين الصّافي ، من أدباء جيزان في العصر الحديث ، وقد تراجع عنه فيما بعد ، كما أخبرني بذلك السّيّد جعفر السّقّاف الّذي اجتمع بالصّافي بعد تأليف ابن عبيد الله ل (السّيف).

(٢) الأعلام (٣ / ٣١٥ ـ ٣١٦).

(٣) وما خشي منه الجاسر هو الصّواب ، والسّيّد الحبشيّ أعرف بابن عبيد الله من سرجنت.

١٥

المؤلّف ، وسمّاه الأستاذ الحبشيّ : «العود الهنديّ عن مجالس في ديوان الكنديّ» يعني المتنبي.

وقال الحبشيّ : (في ثلاثة مجلّدات) ولكنّه أتحفني بنسخة مصوّرة منه تقع في (٥١٦) صفحة ، جاء فيها بعد المقدّمة :

(تنبيه : كنت بيّضت هذه الأمالي حسبما ذكرت في الخطبة ، ثمّ بعثت بها إلى مصر لتطبع بمعرفة الفاضلين الشّيخين : أحمد باغفّار وعليّ باكثير ، فلم يتيسّر الطّبع ، ولم يرجع الكتاب ، فاحتجت إلى استئناف الغاية ، مع إعادة النّظر في المراجع ؛ إذ كانت حاضرة ، بخلافها عند الأوّل ، فجاء وفيه نقص وفضل ، وصحة رواية ونضل (١) ، فليعلم ذلك ، وبالله التّوفيق).

وقال في المقدّمة : (وقد بيّضتها لولدي حسن ـ بارك الله فيه وفي إخوانه وأبيه ـ رجاء أن تكون له فاتحة تهذيب ، ولائحة تأديب ، وسميرا وجليسا ، وخليطا وأنيسا).

وانتهى من التّأليف مساء (١٧) جمادى الأولى ، سنة (١٣٥٢ ه‍) وقد قسّم الكتاب إلى ستّة عشر مجلسا وخاتمة. ويعدّ من أحفل كتب الأدب بالفوائد والفرائد من الأشعار والأخبار ، ممّا يدلّ على ما يتّصف به مؤلّفة من سعة الاطّلاع ، مع رحابة الصّدر في إيراد ما قد يتحاشى البعض من إيراده من النّكت والنّوادر ، وقد يسوق بعد ما يورد من الشّواهد طرائف من الشّعر أو القصص الحديثة.

٧ ـ «النّجم المضيّ ، في نقد كتاب عبقريّة الشّريف الرّضيّ» : انتقد به بعض ما جاء في : «عبقريّة الرّضيّ» للدّكتور زكي مبارك في جزء لطيف ، ويسمّى : «مفتاح الثّقافة» على ما ذكر الأستاذ الزركليّ.

أمّا مؤلّفاته المتعلّقة بتاريخ البلاد الحضرميّة ، ووصف قراها وموانئها وأوديتها وما يتعلّق بذلك .. فمنها :

__________________

(١) أي : غلبة.

١٦

١ ـ «إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت» ، قال عنه الزّركليّ : (في مجلد ضخم).

وقال الحبشيّ : (خطّ بمنزل المؤلّف بمدينة سيئون).

وقد اطّلع عليه الزّركليّ ، فنقل عنه في ترجمة عوض القعيطيّ في «الأعلام» ، ولا أستبعد أن يكون هو الأصل (١) الّذي يحيل إليه في الكتاب الّذي بين يدي القارىء مقدّمته ؛ حيث نجد النّصّ الّذي أورده الزّركليّ في ترجمة القعيطيّ منه في كتابنا ، إلّا أنّه في الكلام على حجر لا الشّحر كما في «الأعلام».

٢ ـ «بضائع التّابوت في نتف من تاريخ حضرموت». قال الزّركليّ : (ذكر أنّه زار اليمن ، وكان ضيفا على الإمام يحيى حميد الدّين ، فأبيح له الاطّلاع على خزانة كتبه ، فكان كلّما وقف على شيء يتعلّق بحضرموت ، أو يستظرفه .. نقله وألقى ما كتب في سلّة المهملات ، ويسمّيها «التّابوت» ، ثمّ جمعها في كتابه هذا (٢) ، وهو في ثلاثة مجلّدات ، جعله كالشّرح لقصيدة من شعره سينيّة ، عارض بها شوقي في معارضته للبحتريّ ، وأتى فيه بعلم غزير في تاريخ حضرموت وبيوتها ، وحكّامها وأعلامها ، إلى استطرادات في فنون مختلفة ، من أدب وحديث ونقد ، إلى وثائق سياسيّة ومعاهدات وملحوظات).

وقال عنه الحبشيّ : (خطّ بمنزل المؤلّف في سيئون).

وذكر (سرجنت) أنّه في المكتبة السّلطانيّة في المكلّا مع مخطوطات أخرى.

وأشار الزّركليّ إلى أنّ فهرس هذا الكتاب طبع في (٦٤) صفحة.

وذكر (سرجنت) أنّه جمع معجما جغرافيّا تاريخيّا لحضرموت ولم يذكره الزّركليّ ولا الحبشيّ ، ولا أستبعد أن يكون هذا المعجم هو كتابنا هذا ، وهو خلاصة ممّا

__________________

(١) يرجع إلى ما كتب عن ذلك في حاشية (٣) صفحة (٩) ، فقد وهم الجاسر رحمه الله في هذا.

(٢) إنما نقل عن كتب أهل اليمن لقلة المصادر والمراجع المتعلّقة والمختصّة بتاريخ حضرموت ، كما ذكر المصنّف في مقدّمة «البضائع» : ص (٢) (خ). وأمّا وصف التّابوت بأنّه «سلّة مهملات» فهذه لعلّها من (زيادة الرّاوي).

١٧

ألّفه ابن عبيد الله عن تاريخ حضرموت وجغرافيّة بلادها.

توفّي السّيّد السّقّاف في بلدته (سيئون) سنة (١٣٧٥ ه‍ ـ ١٩٥٦ م) على ما ذكر الأستاذ الزّركليّ ، وقال :

(وفي «البرقيّات» : يوم وفاته أنّه عاش (٨٤) سنة). ثمّ يضيف : (وكان مظهره دون ذلك. وفي «نيل الحسنيين» (١٣٨) : أنّه مات عن (٧٥) سنة ، وأخذت بهذه الرّواية ، و «مراجع تاريخ اليمن» (٢٤٥ ـ ٢٦١) اه.

على أنّ (سرجنت) قال ما تعريبه : (يحتمل أن يكون توفّي سنة (١٩٥٥ م) وقد ترجمه «فان درمولن» (١) ونشرت صورته في «المستمع»). ولا شكّ أنّ الزّركليّ

__________________

(١) فان در مولن ، رحّالة هولنديّ ، من المستشرقين المهتمّين بتاريخ حضرموت ، ينتسب إلى مدرسة المستشرق الشهير سنوك هرخرونيه ، قام برحلات عدّة إلى حضرموت في السنوات : (١٩٣١) ، (١٩٣٩) ، (١٩٤٥) م.

نشرت جامعة عدن الرّحلة الأولى ـ مترجمة ـ عام (١٩٩٨ م) ، وأتبعها بنشر الثّانية سنة (١٩٩٩ م).

وهذه الرّحلة الثّانية تعتبر التّجربة الأكثر نضجا من السّابقة ، قام بتعريبها د. محمد سعيد القدال ، واحتوت على ترجمة مولن لفضيلة العلّامة ابن عبيد الله .. ويحسن بناهنا أن نسوق ما كتبه ذلك الرّجل في تلك الرّحلة ؛ ففيها كلام هامّ يحسن ويجمل إيراده لعموم الفائدة.

قال (فان مولن) ص (٢٢٠) من رحلته المسمّاة : «رحلة في جنوب شبه الجزيرة العربيّة» .. الّتي قام بها سنة (١٩٣٩ م) ـ (١٣٦٠ ه‍) تقريبا : (في بداية إقامتنا في سيئون تفضّل السّيّد أبو بكر بتقديمنا لرجل كبير مقبول ، له لحية بيضاء ، السّيّد عبد الرّحمن بن عبيد الله ، الّذي سمّاه مفتي حضرموت ، سافر هذا العالم الإسلامي ثلاث مرّات إلى جاوة. وقابل هناك مستشار حكومة هولندا للشؤون الإسلاميّة ، بل ادّعى أنّه قابل الرّجل الّذي يعتبر المؤسّس للسّياسة الهولنديّة الإسلاميّة الحديثة ، البروفيسور سنوك هرخرونيه. وفيما بعد ، عند الحديث عن كتاب جمعت فيه كلّ أحاديث الرّسول صلّى الله عليه وسلم ويعتبر ذا قيمة كبيرة لأيّ متعلّم مسلم ، خطّأ ـ ابن عبيد الله ـ هذا الدّارس للإسلام بخلفيّته الواسعة ، والمعتبرة من وضع البروفسور (فينسنك) خليفة هورخرونيه.

ثمّ سأل بشكل غير متوقع : إن كنا أخذنا تاريخ وحياة ومعتقدات المسلمين المعاصرين على أنّها تمثّل الإسلام الحقيقيّ كما فعل غالبية المستشرقين؟ أم هل نعرف الإسلام الحقيقيّ في جوهره وتاريخه؟.

كانت إجابتنا : أننا حاولنا تحت التّوجيه الصّارم لسنوك هوخرونيه أن نقترب إلى الإسلام

١٨

والحبشيّ أوثق وأعرف بتاريخ الرّجل.

و «المستمع» هي : المجلّة الّتي يصدرها القسم العربيّ في (إذاعة لندن) (١).

ولا شكّ أنّه كتب الكثير عن ترجمة السّيّد السّقّاف ، ولكن ليس بين يديّ الآن سوى ما أوردت خلاصته.

ولقد عرفت من أبناء السّيّد السّقّاف ـ أثناء إقامتي في (مكّة) في أوّل النّصف الثّاني من القرن الماضي ـ : ابنه الأستاذ السّيّد حسن ، أديبا شاعرا ، لطيف المعشر ، فكها ، محبّا للبحث وكثرة المطالعة. ثمّ علمت بأنّه سافر إلى الحبشة ، وأنّه توفّي بعد ذاك.

__________________

الحقيقيّ ، وأننا نعي تماما حقيقة أن الدين والنّظرة العامّة للإسلام تمر هذه الأيّام بأزمة محرجة بشكل عامّ.

لم يكن المفتي مرتاحا أبدا لأوضاع الإسلام في الوقت الحاضر ، العديد من علماء الدّين الّذين سبقوه قلقون مثله ، وينظرون بأسى إلى الأيّام المثالية الذهبيّة لقرون الإسلام الأولى من أجل إعادة تأسيس الإسلام النّقيّ وانتصار الإسلام في العالم ؛ فإنّهم يتطلّعون إلى قدوم (المهدي) وهو رسول يرشده الله إلى الطّريق القويم ، شخص مسيح.

انتقلنا إلى مسائل ماديّة ، سأل زائرنا الموقّر (هيرمان) ـ مرافق للرّحّالة مولن ـ بعض الأسئلة عن جغرافيّة وجيولوجيا البلاد ، ثمّ قليلا قليلا بدأ يسألنا عن الأوضاع في الغرب :

كيف نفسر أنّ قارّة لها مثل هذا المستوى الحضاريّ الرّفيع تبرز فيها دائما أمّة يبدو أنّها على استعداد لإبادة الأخرى بوحشيّة؟

وكانت إجابتنا في نفس اتّجاه إجابتنا على تحسّره بتدهور الإسلام : الأمم والحكومات في الغرب فقدت مخافة الله والإيمان العميق في الاتكال على هداية الله ، لقد أصبحوا يعتمدون على قدرتهم فقط لتعزيز سعادة البشريّة. هذا الزّهوّ سيقود إلى كارثة مفجعة ، نرى كلّنا أنّها قادمة لا محالة. استأذن المفتي في الانصراف ، ووعد بالعودة لمواصلة الحوار) اه.

هذا هو الحوار الّذي دار بين علّامتنا الجليل وهذا المستشرق ، ولو لا ضيق نطاق هذا الهامش لعلّقت على بعض مواضع من هذا النّصّ أراها لازمة ، ولكني أرجىء هذا إلى موضع آخر في الترجمة الموسّعة الّتي لا زلت أجمع مادّتها عن حياة العلّامة ابن عبيد الله السّقّاف.

(١) واسمها : «المستمع العربيّ».

١٩

الكتاب :

كان في حاجة إلى بذل عناية ؛ لضبط كثير من الأسماء الّتي وردت فيه بدون إتقان لكتابتها ، بل قد يكون قد وقع تحريف في بعضها من النّاسخ ، مثل : (ريسوت) حيث كتب الاسم (ريبوت) وكثير من أسماء المواضع والقبائل ممّا لم يرد فيما بين يديّ من المراجع.

أمّا المؤلّفات الكثيرة الّتي رجع إليها المؤلّف .. فلم أعرف أسماءها قبله ، فضلا عن الاطّلاع عليها ، ولهذا وردت أسماء وعبارات ونصوص كثيرة يكتنفها الغموض.

ولا شكّ في أنّ الإخوة المثقّفين الحضرميّين يعرفون عن بلادهم ما لا يعرفه غيرهم (١) ، وأنّ منهم من يسرّ بالمشاركة في إفادة القرّاء تجاه ما يعرض لهم من إشكال ، أو حين يتطلّعون إلى مزيد استفادة من المعرفة بأحوال هذا الجزء من وطنهم ، ومن هنا كان عرض الكتاب كما هو بإضافة بعض الحواشي الموجزة.

__________________

(١) وقد حاولنا أن نصل إلى ما كان يطمح إليه الجاسر في عملنا في هذا الكتاب ، وذلك بوضع تراجم للشّخصيّات الواردة ، وكذلك للمواضع المذكورة ، وكذلك شرح لبعض الألفاظ الغريبة.

٢٠