🚘

أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك

محمّد بن علي البروسوي [ ابن سباهي زاده ]

أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك

المؤلف:

محمّد بن علي البروسوي [ ابن سباهي زاده ]


المحقق: المهدي عيد الرواضية
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار الغرب الإسلامي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٣٣
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

تقديم

هذا الكتاب هو جزء من مشروع كبير لرابطة الشرق والغرب / بروتا ؛ هو مشروع «عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين» ، ويدور أولا حول رؤيا العرب والمسلمين في القرون الوسطى للآخر ، كما يتناول أيضا مناحي مختلفة من تاريخ ثقافات إنسانية متعددة تعرّف عليها رحالة العرب والمسلمين وجغرافيوهم ووصفوا أوضاعها العمرانية وعادات أهلها وتقاليدهم ، وثقافة شعوبها المختلفة.

بدأت فكرة المشروع في مخيلتي بعد انتهائي من تحرير كتاب «الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس» (١) ؛ إذ أنه مرّ في نفسي ، نتيجة للتعرّف الحميم على تفاصيل تاريخنا في الأندلس الذي استمر حوالي ثمانمئة سنة ، أن الحضارة العربية الإسلامية في مجملها تتميز برؤيا عميقة الانفتاح والتسامح للآخر ، راجحة التصوّر له ، قادرة على أن تراه موضوعيّا وإنسانيا دون أن تضمر له سلفا ، عندما يكون مختلفا ، عداوة ناجزة أو رؤيا عنصرية لا تنبع من واقع هذا الآخر بل من محض اختلافه. وكان هذا حافزا كبيرا لي على الاستمرار في دراسة تاريخنا الثقافي والأدبي في القرون الوسطى ضمن مشروعنا الحضاري ، والسعي للتعريف به للآخر بالإنجليزية وإعادة تأكيده للقارىء العربي باللغة العربية في الوقت نفسه ، ما أمكنني ذلك.

كنت في نشأتي الأدبية استمع باستغراب كبير إلى ما كان يدور في بعض

__________________

(١) صدر بالإنجليزية عام ١٩٩٢ وذلك عن دار أبريل في هولندة ، ثم صدر عام ١٩٩٨ عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت.

٥

المنتديات الأدبية العربية حول التراث العربي فأعجب لقسوة الأحكام عليه التي أولاها ـ وما زال يوليها ـ عدد من المثقفين العرب لهذا التراث دون تمحيص ودراسة ومعرفة ، وفي غياب شبه كامل عن الموضوعية واحترام الذات الحضارية. والحقّ أن ما خفي وما زال خافيا على هؤلاء من إنجازات هذا التراث الغنيّ شيء كبير.

كان مشروع «عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين» واحدا من عدد من المشاريع التي نجزت في هذا الموقف (١) ، وجميعها يسعى إلى إعادة رسم إنجازاتنا في القرون الوسطى. وبدأنا عملنا عليه عندما تسنى له من يسانده بقناعة. وهنا لا بد من التوجه بالشكر إلى الشيخ عبد المقصود خوجة صاحب الاثنينية المعروفة في جدة ، ملتقى الأدباء وأهل العلم من سعوديين وزائرين عربا ومسلمين ، الذي أثار هذا المشروع اهتمامه فسانده وقدم له جزءا من كلفته ، وأفسح لنا المجال للعمل عليه ، جزاه الله خيرا.

وهو مشروع متعدد الجوانب والمقاربات ، ومن جملتها كان باب تحقيق المخطوطات التي تركها الرحالة والجغرافيون المسلمون بالعربية ولم يتسنّ لها الظهور إلى النور بعد. وقد أقدمت على هذا الفرع من فروع المشروع بعد أن تعرفت على الباحث المتميز المهدي الرواضية الذي لفت نظري بسعة اطلاعه على الكتب التراثية ودقة ملاحظاته حولها. فطلبت منه تحقيق رحلة بدر الدين الغزي المسماة «المطالع البدرية في المنازل الرومية» على ثلاث نسخ مخطوطة. ثم حال انتهائه منه بكفاءة جاء فحدثني عن وجود نسخة في مكتبة الجامعة الأردنية من مخطوطة الجغرافي العثماني ابن سباهي زاده وعنوانها «أوضح المسالك إلى معرفة

__________________

(١) من هذه المشاريع كتاب جامع عن «المدينة في العالم الإسلامي» ، تاريخها ، عمرانها وإنجازاتها.

وهو قيد العمل الآن. وكتاب «السرديات العربية الكلاسيكية» ، ويرافقه أيضا مجموعة مترجمة لمنتخبات من القصص العربية الكلاسيكية.

٦

البلدان والممالك» ، وأخبرني بوجود ثلاث نسخ أخرى من المخطوط في مكتبات إستانبول. وعند إطلاعي على مخطوطة الجامعة الأردنية قررت أن تتبنى رابطة الشرق والغرب تحقيق هذا الكتاب ، وتمكنت من الحصول على نسخة المخطوطة الأخرى من ثلاث مكتبات في إستانبول. وهنا لا بد لي من شكر الأستاذ الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو لاهتمامه بمشروعنا هذا وإسدائه المساعدة ، وللأستاذة الدكتورة كلير براندابور ، أستاذة الأدب الإنجليزي في جامعة دوغاس في إستانبول. للحصول على المخطوطات الثلاث ، ونحن جميعا نشكرهما شكرا جزيلا.

ولا شكّ أن هذا الكتاب يشكّل إضافة طيبة إلى المكتبة الجغرافية العربية وإعادة تواصل مع أبناء الحضارة الإسلامية الواسعة التي أكّدت وحدتها وحسن تلاحمها بوجود علماء ورحالة وجغرافيين ونقاد وموسوعيين ومؤرخين من أبناء البلدان الإسلامية غير العربية يكتبون بالعربية متّبعين نفس الأعراف والمقاربات دون تفرقة إقليمية أو عنصرية ، متضافرين جميعهم على خدمة تراث واحد وحضارة واسعة ضمّتهم جميعهم باعتزاز وخلّدت أسماءهم.

د. سلمى الخضراء الجيوسي

مدير عام رابطة الشرق والغرب / بروتا

٧
٨

مقدمة

لفت نظري لكتاب ابن سباهي زاده ، مقال (١) للعلامة الثّبت حمد الجاسر ، رحمة الله عليه ، تحدّث فيه عن نوادر المخطوطات التي وقف عليها في رحلة إلى تركيا من نحو أربعين عاما ، ومن بينها كتاب «أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك». فوجهتني الوسائل المتاحة للتعرّف على هذا العمل الجغرافي من خلال نسخة مصورة منه ، محفوظة في مركز الوثائق والمخطوطات بالجامعة الأردنية ، رقمها (٥٥٩). واستفدت عن أهميته ممّا كتبه كراتشكوفسكي في كتابه الجليل عن الأدب الجغرافي ، الذّي سلكه فيه في نسق عمله الكبير ، محدّدا للحدود التي يقف عندها ، باعتباره من الأعمال المعجمية المتأخرة التي قدّمت التعريفات المقربة لعلم الأماكنيّة ؛ ومتأثرا كل التأثر بجغرافية أبي الفداء ، تقويم البلدان ؛ التي زاد عليها بعض الزيادات إلى العصر الذي عاش فيه (٢) ، وهو واضح الشبه بكتاب الروض المعطار للحميريّ.

وازداد اهتمامي ورغبتي في إعداد هذا الأثر للنشر محققا ، مأخوذا بسعة مادته وتركّزها ، ولما يمكن أن أفيد منه لاستخراج الإفادات التي تعنيني ، بعد أن قمت بمحاولتي الجغرافية الأولى عن المدن الأردنيّة (٣) ، فلاحقت نسخه

__________________

(١) حمد الجاسر : حول تراثنا المبعثر في مكتبات العالم ، مجلة العرب ، السنة الثانية ، الجزء الثامن ، ص ٧٤١ ـ ٧٤٢ ، أيار ١٩٦٨.

(٢) كراتشكوفسكي : تاريخ الأدب الجغرافي ٢ : ٦٠٩

(٣) المهدي الرواضية : الأردن في موروث الجغرافيين والرحالة العرب. عمّان : وزارة الثقافة ، ٢٠٠٢.

٩

المخطوطة ، وحدّدت مواقعها وأرقامها في المكتبات ، وتوقّفت عن الإنجاز في انتظار فرصة تمكّنني منها.

وعرفت وقتها عن انبعاث مشروع جغرافي كبير ، على يد الباحثة الكبيرة الأستاذة الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسيّ ؛ موضوعه : «عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين» ، ضمن مشروعها الحضاري الواسع ، «رابطة الشرق والغرب / بروتا» ، (East ـ West Nexus / Prota) ، فعرضت عليها نشر جغرافية ابن سباهي زاده ضمن مشروعها ، فرحّبت ، ولم تأل جهدا ـ بما لها من وسائل وصلات ـ في متابعة الأمر ؛ وتفضّلت فوفّرت لي من مكتبات إستانبول نسخ الكتاب المخطوطة التي يرد الحديث عنها مفصّلا.

ترجمة المؤلف

لم يعرف ابن سباهي زادة (١) ، مؤلّف الكتاب لدى المصنفين العرب بالقدر الذي يسمح لهم بإنشاء ترجمة مفصّلة عنه ، ولم نر فيما وقفنا عليه أقدم ممّا أورده عنه حاجي خليفة (٢) الذي ذكر كتابه «أوضح المسالك» ، وخصّه ببعض البيانات في آخر تقديمه لكتاب تقويم البلدان ، لأبي الفداء السّلطان الملك المؤيد إسماعيل بن علي صاحب حماه (٦٧٢ ـ ٧٣٢ ه‍). وأورد البغداديّ (٣) إشارة مقتضبة عنه ،

__________________

(١) أنظر ترجمته في : حدائق الحقائق في تكملة الشقائق لنوعي زاده عطائي (بالتركية) ٣٠٩ ـ ٣١٠ ، كشف الظنون ١ : ٤٦٩ ، هدية العارفين ٢ : ٢٥٩ ، سجل عثماني لمحمد ثريا (بالتركية) ٤ : ١٢٧ ، عثمانلي مؤلفلرى لبروسه لى محمد طاهر (بالتركية) ٣ : ٦٥ ـ ٦٦ ، تاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان ١٨٨ ، ٣٣٠ ، معجم كحالة ١١ : ١٢ ، أعلام الزركليّ ٦ : ٢٩٢ ، تاريخ الأدب الجغرافي لكراتشكوفسكي ١ : ٣٩٥ ، ٢ : ٦٠٩ ، تاريخ المؤلفات الجغرافية العثمانية لأكمل الدّين إحسان اوغلي ٦٤ ـ ٦٥.

(٢) كشف الظنون ١ : ٤٦٩.

(٣) هدية العارفين ٢ : ٢٥٩.

١٠

وأضاف جورجي زيدان (١) بعض الإضافات المفيدة ، قد يكون استخرجها من مصادر عثمانية ، مع أنّه فعل فعل حاجي خليفة ، فتحدث عن «أوضح المسالك» في عرض الحديث عن «تقويم البلدان» ، وكان زيدان ـ فيما نعلم ـ من الباحثين العرب الأوائل الذين استخدموا فهارس المكتبات ، فأشار إلى نسخ الكتاب المخطوطة ومواقعها.

وأورد بروكلمان (٢) إشارة مختصرة للتعريف به ، وأحال على كتاب بروسه لي طاهر (٣) ، وذكر له كتابي «أنموذج الفنون» ، و «أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك» ، وعيّن مواقع نسخها. وتكرر هذا الموجز عينه عند الزركليّ وكحالة (٤).

وقد حاولت تلمّس ترجمة موسعة للرجل من خلال ما تيسّر لي من مصادر عثمانيّة وتركيّة حديثة (٥) ، فلم أصل إلّا إلى رسم إطار ملامح باهتة لمدد متقطعة من حياة ابن سباهي زاده ، أفضت بها المعلومات الضئيلة المتناثرة والمكررة.

فهو المولى محمد بن علي الرّوميّ الحنفيّ البروسويّ ، الشهير باسم «ابن سباهي زاده» وهي شهرة باللقب العسكري (٦) الذي كان يحمله والده ؛ ومولده

__________________

(١) تاريخ آداب العربية ١٨٩.

(٢) GAL ,SII ٣٧٦.

(٣) عثمانلي مؤلفلري ٣ : ٦٥.

(٤) أعلام الزركلي ٦ : ٢٩٢ ، ومعجم المؤلفين ١١ : ١٢.

(٥) أشكر الدكتور فاضل بيات من الجامعة الأردنية لتفضّله بترجمة ثلاثة نصوص تركية في ترجمة ابن سباهي زاده.

(٦) سباهي : Sebahi كلمة فارسية الأصل ، وتعني زعيم ، وهي نسبة إلى سباه Sipah وتعني عسكر ، جند ، جيش ، وأطلقت التسمية في الدولة العثمانية على صنف الفرسان من العسكر الجديد ؛ فالانكشارية هم المشاة ، أما السباهية فهم الفرسان ، وهم على درجات ، وكانوا يقيمون في الولايات في الأراضي التي أقطعو عشرها. وكانت وظيفتهم وقت الحرب حراسة الدولة ، ووظيفتهم في وقت السلم تحسين الزراعة والمحافظة على الطرق. (انظر : ولاة دمشق في العهد العثماني ١١٠).

١١

في بروسة (بورصه) شرقي بحر مرمرة بتركيا ، في القرن العاشر الهجري الذي استغرق فيه أيام حياته ؛ ولم تحدد المصادر تاريخ ولادته. وقد قضى في بلده التي كانت عاصمة بني عثمان الأولى ، ومنها انطلق محمد الفاتح إلى القسطنطينية وبها نشأ وتكوّن على علمائها. وبعد أن اجتاز درجات علمية متتالية ؛ وتمكّن من معارفه :

عيّن مدرّسا في إحدى مدارس «قرق» بمرتّب أربعين أقجه.

وفي صفر سنة ٩٨١ ه‍ (حزيران ١٥٧٣ م) عيّن مدرسا في مدرسة في مدرسة مصطفى باشا محل سنك زاده.

وفي رجب سنة ٩٨٣ ه‍ (تشرين أول ١٥٧٥ م) تولّى التدريس في مدرسة أوج شرفه لي بأدرنة بعد همشير زاده.

وفي ربيع الآخر ٩٨٧ ه‍ (أيار ١٥٧٩ م) عيّن للتدريس محلّ عزمي أفندي بالصحن ، وهي المدارس الثمانية التي أسسها محمد الفاتح في طرفي جامعه بإستانبول.

وفي ذي الحجة سنة ٩٩١ ه‍ (كانون الأول ١٥٨٣ م) دعي للتدريس في مدرسة أيا صوفيا محلّ رمزي زاده.

وفي شعبان سنة ٩٩٢ ه‍ (أغسطس ١٥٨٤ م) عيّن قاضيا ببغداد محلّ مرتفوس زاده وبقي في خطته إلى أن أعفي منها في ذي القعدة سنة ٩٩٥ ه‍ (تشرين الأول ١٥٨٦ م).

وفي محرم سنة ٩٩٧ ه‍ (كانون الأول ١٥٨٨ م) عيّن قاضيا بإزمير محلّ جكه أفندي. وكانت وفاته وهو على القضاء في ذي القعدة من السنة ذاتها (أيلول ١٥٨٦ م)

وإذا كان أول تاريخ محدّد لعمل أسند إليه وهو سنة ٩٨١ ه‍ ، سنة تدريسه في مدرسة مصطفى باشا يوقفنا على محطات حياته في الستة عشرة سنة الأخيرة

١٢

من عمره ، فإننا لا نعرف شيئا من التفاصيل المهمة عما تقدم ذلك ، كم عاش قبلها ، وكيف نشأ ، وماذا درس ، وعمن أخذ؟؟ .. الخ. ولا شك أن الكثير من الأجوبة عن ذلك تحتفظ بها صحائف التراث العثمانيّ التي لن نصل إليها.

وهذا الإغفال الذّي غطى ما سبق من حياته قبل هذا التاريخ (٩٨١ ه‍) تؤكده وتفسره تلك الإشارة التي أوردها بروسه لي محمد طاهر عندما عرض لكتابه «أوضح المسالك» ، الذّي فرغ من تأليفه سنة ٩٨٠ ه‍ ، وقدّمه إلى السّلطان مراد الثالث ، فقال : «إنّه كتبه بالعربية وبه بدأت شهرته».

وتذكر مصادرنا العثمانيّة أنّه إلى جانب سعة معارفه كان متضلعا في لغته التركيّة وفي العربيّة والفارسيّة ، متمكّنا في الكتابة بها ، وقادرا على قرض الشعر على أوزانها ، وكانت له عناية خاصة وبراعة في علم الكلام والمنطق والرياضيات ، وعدّدت من آثاره الباقية الأعمال التالية :

١. أنموذج الفنون ، كتبه على غرار موضوعات العلوم ، وأورد فيه مسائل من التفسير والحديث والكلام والأصول والفقه والفرائض والمعاني والبيان والطب والهيئة ، وقدّمه إلى الصدر الأعظم سنان باشا (١).

٢. كتاب في التفسير والحديث والكلام وأصول الفقه والبيان والطب ، انفرد بذكره كحالة (٢) ولعله الكتاب المتقدم ذاته.

٣. حاشية على تجريد الكلام ، لنصير الدّين الطوسيّ (ت ٦٧٢ ه‍) ، في علم الكلام ، وقد كان التجريد موضع عناية العلماء منذ ظهوره للناس ، فشرحوه وعلقوا عليه الحواشي المختلفة ، وخصّ باب الإمامة فيه بعناية فائقة (٣).

__________________

(١) كشف الظنون ١ : ١٨٥ ، GAL II ٣٠٦ ، عثمانلي مؤلفلري ٦٥.

(٢) معجم المؤلفين ١١ : ١٢.

(٣) كشف الظنون ١ : ٣٤٦ ـ ٣٤٨

١٣

٤. حاشية على شرح حكمة العين الذّي كتبه أبو الحسن علي بن محمد الشهير بدبيران الكاتبيّ القزوينيّ ، (ت ٦٧٥ ه‍) ، وهو من تلاميذ نصير الدّين الطوسيّ ، وقد كتب أولا رسالة العين في المنطق ، ثم كتب «الحكمة» في الإلهي والطبيعي. وعليها حاشية ابن سباهي زاده (١).

٥. أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك ، الذّي نقدمه في هذه النشرة.

٦. أسامي بلدان ـ أسماء البلدان ، وهو ترجمة مختصرة باللغة العثمانية لكتابه «أوضح المسالك» ، قدّمه محظي بتقديره للوزير الأعظم صوقوللو محمد باشا (ت ٩٨٧ ه‍) الذّي وزر للسّلطان سليمان ثم للسّلطان سليم ثم للسّلطان مراد. ويعدّ هذا الكتاب أقدم ما صنف بالتركية على شاكلة المعجم التاريخي الجغرافي ، ونسخه كثيرة في مكتبات إستانبول (٢).

كتاب أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك

ارتكز في كتابه هذا كما يصرح في مقدمته على تقويم البلدان للسّلطان الملك المؤيد إسماعيل بن علي صاحب حماه (٦٧٢ ـ ٧٣٢ ه‍) ، واعتبره من أجود المصنفات في الجغرافيا وألطفها ، لكونه «اشتمل على زبدة كتب المتقدمين وخلاصة أعمال المتأخرين».

وأوجز خطته في التأليف ، حتى «يكون أخذه يسيرا ، ونفعه كثيرا» على ما يلي :

ترتيب مادة الكتاب على حروف المعجم.

إضافة «ما التقطه من مصنفات المحققين ، وما استنبطه من مؤلفات

__________________

(١) كشف الظنون ١ : ٦٨٥ ، عثمانلي مؤلفلري ٦٦.

(٢) عثمانلي مؤلفلري ٦٦.

١٤

المدققين». وفرغ من وضعه في ١٣ رجب سنة ٩٨٠ ه‍ ، وأهداه إلى السّلطان مراد خان الثالث ابن السّلطان سليم الثاني (٩٥٣ ـ ١٠٠٣ ه‍). ثم نقله إلى التركيّة باختصار.

وتقتضينا هذه الصلة والارتباط بين كتاب ابن سباهي زاده وكتاب أبي الفداء ، أن نذكر أن تقويم البلدان مقسّم إلى قسمين ، مقدمة تضمنت معلومات وإفادات عن تقسيم الأرض ، وعن خط الاستواء ، وعن الأقاليم السبعة ، والمعمور من الأرض ومساحتها ، وقسم ثان ـ وهو الأطول ـ يحتوي على ثمانية وعشرين قسما ، حسب التقسيم الذي ابتدعته المدرسة البلخيّة ، تحدث فيه عن كل إقليم منها من حيث أخلاق وعادات سكانه ، وآثاره القديمة ، ثم أتبع ذلك بجداول مبوّبة ، تحتوي على أسماء البلاد ، وضبط رسمها ، وذكر المأهول منها ، وأطوالها وعروضها ، والإقليم الفلكي والجغرافي الذي تنتمي إليه.

ويذكر كراتشكوفسكي (١) أن أبا الفداء كان أول من اتبع نظام الجداول في علم الجغرافيا ، مستعيرا ذلك من فكرة جداول الزيجات التي كان يعرفها جيدا ، غير أن أبا الفداء يذكر صراحة أنه أخذ ذلك محاكاة للطبيب ابن جزلة ، الذي صنّف كتابه «تقويم الأبدان» مجدولا ، ويبدو تأثر أبي الفداء بالطبيب ابن جزلة واضحا في اختياره لعنوان مشابه لتسمية تقويم الأبدان.

وأهمية كتاب تقويم البلدان أنه مصنّف جغرافي شامل مدقق ، راج وانتشر عند علماء الأجيال المختلفة من المسلمين وغيرهم. فقد لخصه معاصره الحافظ محمد بن أحمد الذهبيّ (ت ٧٤٨ ه‍) ، ونال حظوة عند علماء الأتراك ، فرتبه ابن سباهي زاده على حروف المعجم باللغة العربيّة ، وزاد عليه إلى العصر الذي عاش فيه ، ثم صنع له ترجمة موجزة باللغة التركيّة.

وقد اتبع ابن سباهي زاده ـ في إعداده للكتاب ـ إيراد المادة الجغرافية

__________________

(١) تاريخ الأدب الجغرافي العربي ١ : ٣٩٣.

١٥

مضبوطة بالحرف ، واستمدّ تحقيقه من كتب اللغة وكتب الأنساب ، مثل كتاب الصحاح للجوهريّ ، والعباب الزاخر واللّباب الفاخر للصّغانيّ ، والمعرّب من الكلام الأعجمي لابن الجواليقيّ ، والقاموس المحيط للفيروزآباديّ ، واللّباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير ، وقد يسّر علينا هذا الضبط مهمة شكل الأسماء ، التي أدى إهمالها لدى الكثير من الجغرافيين إلى التصحيف والتحريف ، خاصة وأن العجمة شائعة في أكثر تلك التسميات (١).

ويذكر بعد ذلك الإقليم الذي ينتمي إليه الموضع ، ويورد المعلومات الجغرافية المتعلقة بالمكان من حيث الطبيعة والسكان ، والمسافة بينه وبين محيطه من الأماكن الأخرى ، ويختم المادة بذكر الأطوال والعروض كما سجلتها كتب الجغرافية الرياضيّة.

ومع أن الهدف من هذا الكتاب هو ترتيب كتاب أبي الفداء ليكون «أخذه يسيرا» ، إلا أن المؤلف أغفل الكثير من المواد التي وردت في «تقويم البلدان» ، ولم يفرد لها بابا في الترتيب ، وإن كانت قد وردت في ثنايا مواد

__________________

(١) لقد كان هذا مدعاة لبعض الجغرافيين العرب كالبكريّ وياقوت الحمويّ لوضع معجميهما والاعتناء بضبط أسماء الأماكن بالحرف ، يقول ياقوت (المعجم ١ : ٨ ، ١٢): «قلما رأيت الكتب المتقنة الخط ، المحتاط لها بالضبط والنّقط ، إلا وأسماء البقاع فيها مهملة أو محرّفة ، وعن محجّة الصواب منعطفة أو منحرفة ، قد أهمله كاتبه جهلا ، وصوّره على التّوهّم نقلا» ويقول أيضا : «فأسماء الأماكن في كتبهم مصحّفة مغيّرة ، وفي حيّز العدم مصيّرة ، قد مسخها من نسخها».

وقد تنبّه في العصر الحديث علم أغنى المكتبة العربية بإنجازاته الجغرافية عن جزيرة العرب خاصة ، وكشف فيها مواطن التصحيف والتحريف ، وحقق ربط الأسماء بمواقعها ، وجمّع حولها شوارد الأقوال التي وقف عليها في التراث ، العلامة المرحوم حمد الجاسر. وانظر عن أوهام التصانيف الجغرافية الأستاذ إبراهيم شبّوح : «أنظار في بعض مشاكل النّص الجغرافي التّراثي» ، ففيه تحليل لبعض المشاكل المربكة في أعمال الجغرافيين. (مجلة العرب ـ ج ٤ ، ٣ ، السنة ٣٧ ، رمضان وشوال ١٤٢٢ ه‍ / ديسمبر ويناير ٢٠٠١ م ، ص ٩٧ ـ ١١٨).

١٦

أخرى. ولا نجزم بأنه أراد إثبات الأشهر الأعرف ، لأنه أثبت أماكن لا شهرة لها ، وأضرب عن ذكر مواضع أخرى مشهورة.

مصادر الكتاب

أورد ابن سباهي زاده في مقدمة الكتاب أسماء المصادر التي ينقل عنها ، ومنها عدد كبير هو من أصل كتاب «تقويم البلدان» الذي رتّبه ، وهذه المصادر متنوعة ، بين مشرقية ومغربية ، وبين جغرافية ولغوية وتاريخية وأدبية.

ففي الجغرافية اعتمد أبو الفداء على مسالك الاصطخري ومسالك ابن خرداذبة ، وصورة الأرض لابن حوقل ، ونزهة المشتاق للإدريسيّ ، واعتمد أيضا على كتاب المشترك وضعا لياقوت الحمويّ ، وجغرافيا ابن سعيد ، وكتاب الزيارات للهرويّ ، وكتاب خريدة العجائب وفريدة الغرائب لابن الورديّ. ومن المؤلفات التي لم تصلنا كتاب المسالك والممالك المعروف بالعزيزيّ نسبة للعزيز الفاطميّ ، تأليف الحسن بن أحمد المهلبيّ. وزاد ابن سباهي على هذه المصادر ما نقله من كتاب مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع لصفي الدّين البغداديّ ، وهو مختصر معجم البلدان لياقوت ؛ بل إن المواد التي زادها ـ في الغالب ـ من هذا الكتاب ، وقلما تخلوا مادة من الأخذ منه ،.

ومصادره في الجغرافيا الرياضيّة فكانت من كتاب القانون المسعوديّ ، وكتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية كلاهما لأبي الريحان البيرونيّ ، وكتاب الجغرافية لابن سعيد ، وكتاب الزيج المأموني الممتحن ، وكتاب الأطوال والعروض للفرس ، وكتاب القياس ، وكتاب التذكرة لنصير الدّين الطوسيّ ، وكتاب رسم الربع المعمور لبطلميوس ، رتّبه الخوارزميّ على هيئة جداول.

ومن مصادره أيضا كتب الأنساب ومعاجم اللغة ، منها : كتاب الأنساب للسّمعانيّ ، كتاب مزيل الارتياب عن مشتبه الانتساب (مخطوط) وكتاب الفيصل

١٧

في مشتبه أسماء البلدان (١) (مخطوط) ، وكتاب التمييز والفصل بين المتفق في الخط والنقط والشكل ، جميعها لأبي المجد الموصليّ ، إسماعيل بن هبة الله ابن باطيش ، كتاب اللّباب لابن الأثير ، وزاد ابن سباهي عليها من كتاب صحاح اللغة للجوهريّ ، والقاموس المحيط للفيروزآبادي ، والرسالة البائية في اللغة الفارسية لابن كمال باشا (مخطوطة لم يرد ذكرها في قائمة مصادر الكتاب) ، وكتاب تحفة الآداب في ذكر التواريخ والأنساب لمحمد بن عبد الحميد العلويّ الحسينيّ النّسّابة (مخطوط).

أما مصادر أبو الفداء وابن سباهي زاده التاريخية فلم تكن أساسية في مواد الكتاب ، وهي من القلّة بحيث لم ترد إلا في مواضع قليلة. وقد ذكر ابن سباهي زاده في قائمة مصادره كتب التاريخ التي اعتمد عليها ، وهي : كتاب التاريخ لابن كردوش النصراني ، (ذكره في المقدمة ولم يرد في متن الكتاب) ، وكتاب مختصر الدول لماغريغوريوس النصراني ، وكتاب الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل لمجير الدّين الحنبليّ ، وكتاب المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء. وثمة مصادر استخدمها ولم ترد في المقدمة مثل تاريخ اليافعيّ وتاريخ الصّاحب وتاريخ الواثق.

ومن المصادر الأدبية : شرحا المقامات الحريرية أحدهما لأبي البقاء النحويّ والآخر للإمام المسعوديّ ، إضافة إلى بعض دواوين الشعر كديوان المتنبيّ والبحتريّ وابن الساعاتيّ.

مخطوطات الكتاب

اتخذنا أقدم النسخ وأتمّها أمّا لهذه النشرة ، وهي النسخة المحفوظة في مكتبة نور عثمانية بإستانبول رقم (٤٦٩٣) ، وبها (٢١٩) ورقة من القطع الكبير ،

__________________

(١) أورده ابن سباهي زادة في المقدمة ، في تعداده للمصادر ، ولم يشر في ثنايا الكتاب إلى أنه استخدمه.

١٨

ومسطرتها (١٩) ، لونّت أسماء المواضع في مطلع المواد بلون مغاير أخفاه التصوير ولعله اللون الأحمر ، وخطها نسخي واضح ، وقد كتبت في رجب سنة ٩٨٤ ه‍.

النسخة الثانية : من محفوظات مكتبة بودليان بأكسفورد (مجموعة بوكك) رقم (٣٠٢) ، وهي مصورة على ميكرو فيلم محفوظ في مركز الوثائق والمخطوطات بالجامعة الأردنية برقم (٥٥٩). وبها (٩٧) ورقة ، ومسطرتها (٣١) ، كتبها بخط النسخ إسماعيل بن عبد الله الخيوميّ ، وفرغ من نسخها في شهر ربيع الآخر سنة (٩٩٨ ه‍) ، وقد رمزنا لها بالحرف (ب).

النسخة الثالثة : محفوظة في مكتبة السّليمانيّة بإستانبول برقم (٢٠٣٩) ، وبها (١٨٨) ورقة ، ومسطرتها (٢٣) ، وطالعها مزخرف ، ونص الكتاب مؤطر ، وقد كتبت أسماء المواضع في أول كل مادة باللون الأحمر. وتم الفراغ من كتابتها في شهر ربيع الثاني سنة (١٠٩٤ ه‍). وخطها نسخي واضح ، وقد رمزنا لها بالحرف (س).

النسخة الرابعة : محفوظة في مكتبة راغب باشا بإستانبول برقم (١٠٥٩) ، وبها (١٨٦) ورقة ، ومسطرتها (٢١) ، وخطها نسخي معتاد ، كتبها يحيى (؟) سنة (١٠٩٥ ه‍). وقد رمزنا لها بالحرف (ر).

تحقيق الكتاب

سلكت في مراجعة أصول هذا النصّ وتحقيقه مسلك المتابع للسياق ، فقد قمت بقراءة النصّ بعناية ، وقابلت النسخ المعتمدة في التحقيق ، وأثبتّ فروقها ، وعمدت إلى تقويم النسخة بإصلاح ما وقع فيها من أخطاء نحوية وإملائية ، ومن تصحيف وتحريف لاضطراب النّساخ في النقل ، وأشرت في الهامش إلى فروق النسخ. أما الكلمات التي كتبت بتخفيف الهمزة إلى ياء ، أو بإهمال الهمزة نهائيا ، خاصة إذا جاءت في آخر الكلمة ، فقد التزمت الكتابة الحديثة دون

١٩

الإشارة إلى ذلك. وللتوثيق وضعت أرقام أوراق مخطوطة الأصل بين حاصرتين وبخط مغاير.

ونحوت في تحقيقه منهجا يتيح لمطالع المادة أو الموضع الإحاطة بالمصادر الجغرافية الأخرى التي تعرضت له ، وهو النهج الذي يتبعه ـ في الغالب ـ محققو كتب التراجم في الإحالة إلى مصادر الترجمة. حيث أشرت في هامش كل مادة إلى موضعها من أصلها في كتاب تقويم البلدان. وأشرت أيضا ـ ما وسعني الجهد ـ إلى مصادر إضافية ، مما لم يرد في متن المادة ، لتكون معينا للباحثين في الوصول إلى نصوص جغرافية أخرى ، توفر لهم معلومات مستفيضة ، خاصة وأن أغلب كتب الجغرافيا مطبوعة بعناية المستشرقين في نشرات قديمة ، ولم تتبع بها فهارسها ، وإنما جمعت في أجزاء أخيرة ، كما هو الشأن في المجموعة الجغرافية التي نشرها دي غويه ، وهذه نشرات قد لا تتوفّر للباحثين.

وقد وردت بعض مواد الكتاب في غير موضعها من ترتيب حروف المعجم ، ولعل ذلك خطأ من النّساخ في إدخال مواد استدركها المؤلف على كتابه ، ووضعها في حاشية مسودّته ، فأدخلها النّساخ حيثما قابلتهم. الدّال على ذلك أن غالبية المواد التي وقع فيها اضطراب في الترتيب هي نقول أخذت من كتاب مراصد الإطلاع ، وأن جميع النسخ لم تتفق في الموضع الذي أدخلت فيه هذه المواد ، فعمدت إلى تصويب ذلك وإعادتها إلى مواضعها من الترتيب مع الإشارة إلى ذلك.

غير أن هناك أخطاء لا تحمل على النّساخ ، وإنما هي من عمل المؤلف ، وتتمثل في أنّه لم يوفّق في تمييز الخطأ من الصواب في قراءته لبعض أسماء المواضع ، ويظهر ذلك جليا في طبيعة عمل معجم جغرافي مرتب على حروف الهجاء ، فمادة (أقريطش) أوردها بالفاء ، وعليه أخذت ترتيبها في باب الألف

٢٠