🚘

البحرين في صدر الإسلام

الدكتور عبد الرحمن عبد الكريم العاني

البحرين في صدر الإسلام

المؤلف:

الدكتور عبد الرحمن عبد الكريم العاني


الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: الدار العربيّة للموسوعات
الطبعة: ١
الصفحات: ٢٣٨
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

المقدمة

نطاق البحث وتحليل المصادر

هذه الرسالة محاولة لدراسة أحوال البحرين في صدر الإسلام وبيان أثرها في حركة الخوارج. والبحرين عند المسلمين هي الإقليم الممتد على ساحل الخليج العربي بين عمان والبصرة ، فهي تشمل ما يعتبر في الوقت الحاضر الكويت والاحساء وقطر وجزر البحرين الحالية المعروفة قديما باسم أوال. وللبحرين أهمية تجارية وعسكرية ، فإن أراضيها المستوية جعلتها مفضلة على الساحل الشرقي الوعر ، فكانت السفن الآتية من الهند تسير موازية لساحلها فتقف بها وتفرغ في موانئها كثيرا من بضائعها ثم تنقل برا إلى العراق أو إلى بلاد الشام ومدن البحر المتوسط ، كما قامت فيها صناعة السفن ، وقد اشتغل بعض أهلها بالملاحة وخاصة الداريون حتى لقد سمّي صاحب الشراع بالداريّ نسبة إلى دارين. ولما كانت الطرق البحرية في العصور القديمة معرضة لكثير من الأخطار الطبيعية والبشرية ، فقد كان التجار يفضلون الطرق البرية بقدر المستطاع ، وأهم المصاعب التي تلاقيها الطرق البرية قلة المياه ، فكانت الآبار هي العامل الأول الذي يقرر اتجاه القوافل ومحطاتها في الصحراء ، لذلك كانت كافة محطات القوافل حول الآبار. وتتوقف أهمية

٥

هذه المحطات على وفرة مياه آبارها ، أو وقوعها على تشعبات الطرق. كما اشتهرت البحرين أيضا بانتاج اللؤلؤ خاصة ، فضلا عن التمور وخاصة في هجر ، وقد اتخذ المسلمون البحرين قاعدة هاجموا منها سواحل فارس في زمن الخليفة عمر بن الخطاب «رض».

يتكون هذا البحث من سبعة فصول ، خصص الفصل الأول لدراسة الأحوال الجغرافية لما لها من أهمية في حياة السكان وتطورهم وتوجيه تاريخهم ، وفي التقسيمات الإدارية للمنطقة ، وهو يتضمن التعريف بالبحرين وموقعها وحدودها وأرضها ومياهها. أما الفصل الثاني فقد كرس لدراسة السكان وعقائدهم ، وبيان المناطق المأهولة والقرى والعشائر كعبد القيس ، وتميم وبكر بن وائل والأزد ، وكذلك العناصر غير العربية التي قطنتها كالفرس والزط والسيابجة ، وقد أشرنا إلى ما كان منتشرا في أهلها عند ظهور الإسلام من عقائد وأديان كالوثنية واليهودية والنصرانية والمجوسية والأسبذية. أما الفصل الثالث فقد خصص لدراسة المدن والقرى التي كانت في البحرين عند ظهور الإسلام مع الإشارة إلى ما بقي منها الآن ، وفي الفصل الرابع بحث عن الأحوال الاقتصادية كالزراعة والصناعة وصيد اللؤلؤ وصيد الأسماك وطرق المواصلات والتجارة ، ويظهر من هذا الفصل أن البحرين كانت فيها حياة اقتصادية مزدهرة سادت على تقدم الحضارة.

أما في الفصل الخامس فقد تناول البحث انتشار الإسلام في البحرين بطريقة سلمية ودراسة الكتب التي تبودلت بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل البحرين ، ووفادة عبد القيس إلى الرسول في المدينة. ويتناول الفصل السادس إدارة البحرين في القرن الأول الهجري ، وقد بحثت فيه طبيعة العلاقة بين الفرس والبحرين وهي لم تكن وثيقة ، إذ أن سيطرتهم عليها كانت اسمية ومقصورة على المناطق الساحلية التي

٦

اتخذ الأسطول الساساني فيها مراكزه ، ويبدو أن هدفهم كان مجرد منع القبائل العربية من القيام بأعمال معادية للفرس أو التأثير في التجارة البحرية ، وكذلك يشمل هذا الفصل دراسة عن ادارة البحرين في الإسلام والعوامل المؤثرة في التقسيمات الإدارية والوظائف الإدارية المختلفة كالولاية والشرطة.

ويتناول الفصل السابع دراسة «خوارج البحرين» وفيه عرض لبداية حركة الخوارج وأساسها القبلي ثم امتدادها إلى البحرين ، وأهمية المنطقة للحركة ، وموقف أهل البحرين منهم ، وكذلك امتداد نفوذهم ، وأثر أحوال البحرين في نمو حركة الخوارج وتوجيه آرائهم. كما يتضمن هذا الفصل دراسة عن دور أهل البحرين في حركات الخوارج خارج البحرين ، ومدى تمسكهم بعقائدهم ودوافع انضمامهم إليهم ، ومدى قوة حركة الخوارج في البحرين ونتائجها وأثر زوال سيطرتهم على قوتهم هناك. ومن الطبيعي أن دراستي للخوارج لا تشمل كل حركتهم وأفكارهم ، بل تقتصر على ماله علاقة بالبحرين.

إن هذا البحث تواجهه صعوبات منها مشكلة تحديد المواضع الجغرافية ووصفها وتقدير أهميتها ومطابقتها على المصورات الحديثة.

فمن المعلوم إن المصادر العربية الوسيطة غير دقيقة في هذا ، ولم تجر حتى الآن محاولة لأعداد أطلس تاريخي مفصل لهذه الأماكن.

أما عن الفتح الإسلامي والإدارة ، فالروايات متناقضة مضطربة ، وفيها ارتباك في تعيين تواريح الأحداث وخاصة فيما يتعلق بإرسال العلاء الحضرمي إلى البحرين وقدوم وفود عبد القيس على الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة.

لا يوجد كتاب شامل عن المعلومات المتناولة في مادة الرسالة ،

٧

ولا بد لمن يبعثها من الرجوع إلى مصادر عديدة ومتنوعة منها التاريخية ، ومن المعلوم أن أهم المؤرخين الأولين الذين كتبوا عن أحداث الأزمنة الأولى في الإسلام عامة هم : محمد بن إسحاق (ت ١٥١ ه‍) الذي ألف كتاب السيرة. والمبتدأ ولمغازي ، وكتاب الخلفاء. وأبو مخنف لوط بن يحيى (ت ١٥٧ ه‍) الذي ألّف كتبا كثيرة منها كتاب الردّة ، وكتاب أهل النهروان والخوارج. وسيف بن عمر (ت ١٨١ ه‍) الذي ألّف كتاب الفتوح الكبير والردة (١) وهشام بن الكلبي (ت ٢٠٤ ه‍) ومن مؤلفاته كتاب التاريخ ، وأخبار الخلفاء (٢) ، ومحمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧ ه‍) وهو مؤلف عدة كتب منها كتاب السيرة ، والردة ، والتاريخ الكبير (٣). والهيثم بن عدي (ت ٢٠٧ ه‍) الذي ألّف عدة كتب منها كتاب الوفود ، والخوارج ، وكتاب التاريخ على السنين (٤) وأبو عبيدة معمر بن المثنى (ت ٢٠٩ ه‍) وله عدة مؤلفات منها كتابا الفرق ، والأيام (٥). وعلي بن الحسن المدائني (ت ٢٢٥ ه‍) ومن مؤلفاته رسائل النبي صلى الله عليه وسلم ، وكتب النبي إلى الملوك ، والوفود ، وتاريخ الخلفاء ، والخوارج ، والردة (٦) كما ألّف بعضهم كتبا مستقلة عن البحرين منها كتابا خوارج البحرين واليمامة ، وخبر عبد القيس لأبي عبيدة (٧) ، وكتاب أمر البحرين للمدائني (٨) غير أنه لم يبق

__________________

(١) ابن النديم : الفهرست ، ص ٩٢ ـ ٩٤ ، طبعة بيروت ، ١٩٦٣.

(٢) ن. م. : ص ٩٧.

(٣) ن. م. : ص ٩٨ ـ ٩٩.

(٤) ن. م. : ص ٩٩ ـ ١٠٠.

(٥) ن. م. : ص ٥٣.

(٦) ن. م. : ص ١٠٠ ـ ١٠٣.

(٧) ابن النديم : الفهرست ، ص ٥٣.

(٨) ن. م. : ص ١٠٣.

٨

من كتبهم جميعا إلا ما نقله عنهم الكتاب المتأخرون وخاصة الطبري والبلاذري والجاحظ ، فأما الطبري (ت ٣١٠ ه‍) فإن كتابه تاريخ الرسل والملوك ذو أهمية في دراسة التاريخ الإسلامي ، إذ قدم مادة واسعة عن أحداث القرنين الأول والثاني للهجرة ، وذكر غزو عرب البحرين لبلاد فارس ، وغزو سابور الثاني (ذو الأكتاف) للبحرين ونتائجه ، وفيه أيضا مادة قيمة عن انتشار الإسلام في البحرين والمراسلات بين الرسول صلى الله عليه وسلم وسكان البحرين ووفود عبد القيس ، كما يحوي الكتاب إشارات قليلة مهمة عن الحياة الاقتصادية والسكان والإدارة وحركة الخوارج. وقد اعتمد الطبري على سيف بصورة خاصة ، كما نقل أيضا عن أبي مخنف والواقدي وابن إسحاق وعن مصادر أخرى لا يذكر أسماءها ويشير عند النقل عنها بكلمة «قالوا». وقد حفظ الطبري كثيرا من كتابات المؤرخين الأولين مع رواتها ومصادرها ، وأورد الروايات المختلفة عن كل حادثة ، واهتم بضبط تواريخ الحوادث ، وما أورده الطبري من معلومات عن هذه الفترة كان المصدر الرئيس لمن تلاه من المؤرخين وخاصة ابن الأثير وابن كثير وابن خلدون الذين اكتفوا في الغالب بتلخيص ما جاء في الطبري مضيفين إليه بعض الأخبار وحاذفين الروايات المتكررة ، مكتفين في الغالب بواحدة مع حذف رجال السند. أما البلاذري (ت ٢٧٩ ه‍) فقد رتب كتابه «فتوح البلدان» على أساس الأقاليم والمقاطعات ، ورتب كتابه الآخر «أنساب الأشراف» على أساس الأسس وشخصياتها البارزة ، وقد أورد فيما كتبه عن البحرين في كتابه «الفتوح» معلومات قيمة وإن كانت مختصرة عن العلاقة بين البحرين والفرس ، والسكان ، والعقائد ، والأحوال الاقتصادية ، وكذلك عن انتشار الإسلام في البحرين والمراسلات بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل البحرين ، وعن الأحوال

٩

الإدارية. أما كتابه الآخر «أنساب الأشراف» ففيه معلومات قيمة عن الخوارج في البحرين وحركاتهم ، كان قد انفرد بها ، وفيه أيضا معلومات مهمة عن الإدارة. وقد استمد البلاذري معلوماته من المؤرخين المسلمين الأوائل أمثال أبي مخنف وابن الكلبي والهيثم بن عدي وأبي عبيدة والمدائني وابن سلام. ومع أن معظمهم ممن اعتمد عليه الطبري كما يتجلى ذلك من الإطلاع على رجال السند في كلا الكتابين أو على ما يرويانه إلا أن البلاذري يتميز بأنه أكثر اهتماما بالنواحي المالية والاقتصادية والاجتماعية والعمرانية ، فهو يورد عنها أخبارا كثيرة بعضها غير مذكور في الطبري بالرغم من أنه أقلّ تفصيلا وأنه كثيرا ما يهمل أسانيد أخباره ، وقد نقل ياقوت كثيرا مما أورده البلاذري في فتوح البلدان عن البحرين.

وهناك مؤرخون آخرون كالدينوري (ت ٢٨١ ه‍) مؤلف الأخبار الطوال ، واليعقوبي (ت ٢٨٤ ه‍) صاحب تاريخ اليعقوبي والمسعودي (ت ٣٤٦ ه‍) صاحب كتابي مروج الذهب والنبيه والأشراف ، ولكن المعلومات في كتبهم مختصرة وقلما تهتم بالإسناد إلا أن فيها إشارات مهمة عن البحرين وعلاقتها بالفرس وعن الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والإدارية وانتشار الإسلام فيها.

إن بعض المعلومات التي ذكرها هؤلاء المؤرخون تختلف عما أورده الطبري والبلاذري مما يدل على أنهم استمدوها من مصادر تختلف عن مصادر المؤلفين السابقين ، إلا أن عدم ذكرهم الأسانيد لرواياتهم يجعل من الصعب تحديد المصادر التي استقوا منها هذه المعلومات.

وفي كتب الجغرافية معلومات قيمة عن موقع البحرين وحدودها وطوبوغرافيتها ومياهها ، وعن المدن والقرى والسكان والحياة

١٠

الاقتصادية والمواصلات والأقسام الإدارية. ومن أقدم ما وصلنا من هذه الكتب بلاد العرب للغدة الأصفهاني (من رجال القرن الثالث الهجري) ، وقد تكلم فيه عن تحديد منازل القبائل ، واستمد معلوماته من رواة وشعراء من أهل تلك البلاد ، وكتاب المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة المنسوب للحربي (ت ٢٨٥ ه‍) والأعلاق النفيسة لابن رستة (كان حيا عام ٢٩٠ ه‍) وفيه معلومات عن المدن والأقاليم الإسلامية استقاها من مصادر أدبية وجغرافية قديمة. والمسالك والممالك لابن خرداذبة (ت ٣٠٠ ه‍) ، وقد اعتمد عليه قدامة (ت ٣٢٠ ه‍) في كتابه الخراج وصنعة الكتابة ، وكتاب صفة جزيرة العرب للهمداني (ت ٣٣٤ ه‍) وقد اعتمد في معلوماته عن البحرين على أبي مالك أحمد بن محمد بن سهل بن صباح اليشكري ، وهو ممن «سكن تلك المواضع ونجعها ورعاها وسافر فيها وكان بها خبيرا» (١). ومسالك الممالك للاصطخري (ت ٣٤٦ ه‍) وكتاب البلدان لابن الفقيه الهمذاني (ت ٣٥٦ ه‍) وقد أودعه معلومات إدارية ثمينة اعتمد فيها على عدد من المؤلفين منهم : الجاحظ في كتابه البلدان لذا فهو مهم من هذه الناحية لأنه حفظ لنا مادة جغرافية وتاريخية قيمة من كتاب الجاحظ الذي لم يصل إلينا كاملا كما أنه نقل من كتاب مسالك الممالك للأصطخري مع اضافات قليلة. أما كتاب صور الأرض لابن حوقل (ت ٣٦٧ ه‍) فهو نسخ لما جاء في كتاب الأصطخري مع إضافات قليلة. وقد أودع المقدسي (ت ٣٧٥ ه‍) كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم معلومات استمدها عن ملاحظاته الخاصة خلال سفراته في العالم الإسلامي.

__________________

(١) الهمداني : صفة جزيرة العرب ، ص ١٣٦ ، مطبعة السعادة ، مصر ، ١٩٥٣.

١١

أما الجغرافيون المتأخرون فأهمهم ياقوت الحموي الذي أودع في كتابه «معجم البلدان» عن البحرين كثيرا مما أوردته المصادر المتقدمة مضيفا إليها معلومات مهمة استمدها من مصادر مفقودة الآن.

ومن كتب الجغرافية الرحلات ، ومنها رحلة ناصري خسرو (ت ٤٨١ ه‍) ، ورحلة بنيامين التطيلي (ت ٥٦٩ ه‍) ، ورحلة ابن بطوطة (ت ٧٧٩ ه‍) ، وفي هذه الكتب معلومات قيمة في وصف المواضع الجغرافية وطرق المواصلات والحياة الاقتصادية وإن كانت تتعلق بفترات متأخرة عن الفترة التي تتناولها رسالتنا.

إن المصادر الجغرافية على العموم قيمة المادة ، ولكن يبدو أن الجغرافيين العرب غير دقيقين في تحديد المواضع وفي كثير من الأحيان لم يفرقوا بين المدينة والقرية ، كما أن بعض معلوماتهم مبالغ فيها وخاصة فيما يخص المياه ، وبعض نصوص كتبهم محرفة ومضطربة ، كما أن معلوماتهم مختصرة نسبيا.

وفي كتب الأنساب مادة غنية عن القبائل العربية التي كونت أهم عناصر السكان في البحرين ، وأقدم ما لدينا من هذه الكتب كتاب جمهرة النسب لابن الكلبي (ت ٢٠٤ ه‍) وفيه تفاصيل قيمة عن القبائل والعشائر ، وقد كان مصدرا أساسيا اعتمد عليه كل من ابن دريد (ت ٣٢١ ه‍) وكتابه الاشتقاق ، وابن حزم (ت ٤٥٦ ه‍) وكتابه جمهرة أنساب العرب ، وابن عبد البر (ت ٤٦٣ ه‍) وكتابه الأنباه على قبائل الرواة ، وفي كتب الأنساب إشارات إلى بعض من تولوا مناصب إدارية في البحرين وإلى الحالة السياسية والاقتصادية.

لقد اهتم النسابون بذكر العشائر العربية وما بينها من علاقات في النسب ولكنهم قلما تطرقوا إلى أهمية هذه القبائل أو عدد أفرادها أو

١٢

ما لعبته من دور في الحياة أو جاؤوا بتفاصيل عن رجالها وهي أمور يمكن إكمالها من كتب التراجم. وأقدم ما بين أيدينا من كتب التراجم هو كتاب الطبقات لابن سعد (ت ٢٣٠ ه‍) ، وقد استقى ابن سعد معلوماته من مصادر أقدم يذكرها في الغالب كالواقدي ، وأبي معشر وقتادة ، وقد صنف تراجمه على أساس أسبقية اتصالهم بالإسلام ، وهو يفصل في حياة بعض الرجال ، ويحوي كتابه معلومات ثمينة عن فتح البحرين والمراسلات بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل البحرين ، والوفود ، ويحوي أيضا معلومات إدارية مهمة.

وكتاب الطبقات لخليفة بن خياط (ت ٢٤٠ ه‍) الذي يعني برجال الحديث ومن ضمنهم بعض الأشخاص الذين مارسوا الإدارة في البحرين غير أن معلوماته مختصرة.

وقد ألف البخاري (ت ٢٥٦ ه‍) في التراجم كتاب «التاريخ الكبير» الذي جعله مكملا لكتابه الصحيح في الأحاديث النبوية ، وهو يذكر فيه أسماء آلاف الرجال مرتبة حسب الحروف الهجائية وفيه عدد من رجال البحرين ، وقد ذكر لكل شخص ترجمة مع بعض التعليقات التي تحوي أحيانا معلومات ثمينة.

إن الترتيب الهجائي الذي اتبعه البخاري في تأريخه صار نموذجا احتذاه عدد من المؤلفين المتأخرين أمثال ابن عبد البر (ت ٤٦٣ ه‍) الذي أودع كتابه «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» معلومات أكثر تفصيلا من البخاري كما ألّف ابن الأثير (ت ٦٣٠ ه‍) كتابه «أسد الغابة في معرفة الصحابة» معتمدا على كتاب ابن عبد البر وابن مندة وأبي نعيم الأصبهاني وأبي موسى محمد بن بكر الأصبهاني ؛ على أن أوسع كتب التراجم المتداولة عندنا هو كتاب «الإصابة في معرفة

١٣

الصحابة» لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ ه‍) ففي هذا الكتاب تراجم مفصلة عن المسلمين الأولين مستقاة من مصادر بعضها مفقود الآن ، على أن معلوماته ليست موثقة تماما.

وتحوي كتب التراجم المذكورة معلومات قيمة عن فتح البحرين والمراسلات بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل البحرين والوفود ، كما تتضمن معلومات قيمة عن الأحوال الاقتصادية والإدارية.

ومن المصادر التي يمكن الاستفادة منها في البحث كتب الأحاديث والفقه ، فأما الأحاديث فأهم كتبها المعتمدة صحيح البخاري ، ومسلم ، وسنن الدارمي ، وأبي داود ، وابن ماجة ، والترمذي ، والنسائي ، والمسند لأحمد بن حنبل وهذه الكتب تحوي معلومات قيمة عن الأحوال الاقتصادية والإدارية وعن الوفود. أما كتب الفقه فتحوي معلومات قيمة عن فتح البحرين والمراسلات بين النبي وأهل البحرين والأوضاع الاقتصادية والإدارية والعقائدية ، ومنها الخراج لأبي يوسف ، والأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام ، والأم للشافعي ، ولكن يجب أن نلاحظ بصورة عامة أن هذه الكتب لا تعكس الجانب الواقعي للحياة دائما. وفي كتب السيرة معلومات قيمة عن فتح البحرين ووفادة عبد القيس على الرسول صلى الله عليه وسلم وأقدمها كتاب السيرة لابن إسحاق (ت ١٥١ ه‍) ، وقد فقد ووصلنا بعدة روايات أشهرها رواية ابن هشام (ت ٢١٨ ه‍) ، ومن الشروح لكتب السيرة الروض الأنف للسهيلي (ت ٥٨١ ه‍) والسيرة الحلبية للحلبي (ت ١٠٤٤ ه‍) ، والسيرة النبوية لدحلان المتوفى ستة ١٣٠٤ ه‍.

وتوجد معلومات قيمة عن خوارج البحرين في كتب الفرق والعقائد ، ومنها مقالات الإسلاميين للأشعري (ت ٣٢٤ ه‍) ، والفرق

١٤

بين الفرق للبغدادي (ت ٤٢٩ ه‍) ، التعبير في الدين للأسفراييني (ت ٤٧١ ه‍) ، والملل والنحل للشهرستاني (ت ٥٤٨ ه‍) ، ومعلومات هذه الكتب مختصرة ، وتهتم بالنواحي الفكرية للخوارج وقلّما تهتم بالنواحي السياسية والعسكرية ، ولكن فيها معلومات مهمة عن غزو نجدة الخارجي للبحرين ، وعن الخلاف بين نجدة وأتباعه ، ذلك الخلاف الذي أدى إلى مقتله ومبايعة أبي فديك عبد الله بن ثور من بني قيس بن ثعلبة.

ومن مصادر البحث المهمة كتب الأدب ، وفيها مادة غنية عن مواضع البحرين والمياه ، والحياة الاقتصادية والإدارية ، ويمكن تصنيفها إلى كتب لغة ، وكتب شعر ، وكتب نثر. فأما كتاب اللغة فأبرزها جمهرة اللغة لابن دريد ، وتهذيب اللغة للأزهري ، والصحاح للجوهري ، والمخصص لابن سيدة ، ولسان العرب لابن منظور ، والقاموس المحيط للفيروزآبادي ، وتاج العروس للزبيدي. ومن دواوين الشعر ديوان امرىء القيس ، وديوان الفرزدق ، وديوان جرير ، وديوان الهذليين ، وديوان بشر بن أبي خازم ، وديوان طرفة بن العبد ، وديوان الحطيئة ، وديوان الأعشى ، ونقائض جرير والفرزدق لأبي عبيدة. وقد قدم شراح الشعر مادة ثمينة عن المواضع ، والحالة الاقتصادية ، ومنهم : ابن الأنباري (ت ٣٢٨ ه‍) وكتابه شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات ، والزوزني (ت ٤٦٨ ه‍) في كتابه شرح المعلقات السبع والتبريزي (ت ٥٢٨ ه‍) وكتابه شرح القصائد العشر ومن كتب الشعر الأخري طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي المتوفى سنة ٢٣١ ه‍ ، والشعر والشعراء لابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ ه‍.

ومن كتب الأدب التي استعنت بها في البحث البيان والتبيين ، والحيوان ، والكتب الأخري المطبوعة للجاحظ المتوفى سنة ٢٥٦ ه‍ ،

١٥

وكتابا المعارف ، وعيون الأخبار لابن قتيبة ، والكامل في اللغة للمبرد المتوفى سنة ٢٨٥ ه‍ ، ومجالس ثعلب المتوفى سنة ٢٩١ ه‍ ، والعقد الفريد لابن عبد ربه (ت ٣٢٨ ه‍) ، والأغاني للأصفهاني (ت ٣٥٦ ه‍) ، والأمالي للقالي (ت ٣٥٦ ه‍) وكتابا لطائف المعارف وثمار القلوب للثعالبي المتوفى سنة ٤٢٩ ه‍ ، والإمتاع والمؤانسة للتوحيدي المتوفي سنة ٤١٤ ه‍. إن المصادر الأدبية على العموم هي قيمة المادة ، ولكن كثيرا من المواضع التي وردت في الشعر لا يجد الباحث لها تحديدا ، كما أن بعض النصوص محرفة ومضطربة وغامضة.

ومن المصادر العربية الحديثة التي اعتمدت عليها في البحث كتابا التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجري ، ومحاضرات في تاريخ العرب للدكتور صالح أحمد العلي. ويحوي الكتاب الأول دراسة ثمينة عن علاقة البحرين بالبصرة وخاصة التجارية منها. ويحوي الثاني معلومات مهمة عن التجارة القديمة وأهمية البحرين التجارية قبل الإسلام ، وجزيرة العرب في القرن العشرين لحافظ وهبة ، وصحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار لمحمد بن بليهد النجدي ، وساحل الذهب الأسود لمحمد سعيد المسلم ، وتحفة المستفيد بتاريخ الإحساء في القديم والجديد لمحمد بن عبد الله الإحسائي ، وقلب جزيرة العرب لفؤاد حمزة ، وجزيرة العرب موطن العرب ومهد الإسلام لمصطفى مراد الدباغ ، وجغرافية جزيرة العرب لعمر كحالة ، ومعلومات هذه الكتب مهمة جدا في تحديد الموقع وتقدير الأهمية بالنسبة لكثير من المواضيع الجغرافية التي ذكرتها المصادر العربية الوسيطة ، وكتابا شعراء النصرانية ، والنصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية للأب لويس شيخو وفيهما

١٦

معلومات قيمة عن انتشار المسيحية في البحرين.

ومن المقالات التي استعنت بها في البحث «الأنسجة في القرنين الأول والثاني» للدكتور صالح العلي ، المنشور في مجلة الأبحاث (الجزء الرابع لسنة ١٩٦١) وهي تحوي معلومات قيمة عن أنسجة البحرين. ومقالة الأستاذ قاضي أطهر المبارك بوري «من النارجيل إلى النخيل» في مجلة ثقافة الهند (مجلد ١٦ ، عدد ١ و٣ ، لسنة ١٩٦٥) ، وهي تحوي معلومات مهمة عن الزط والسيابجة.

وقد بحث كايتاني في كتابه (Annali del Islam) فتح البحرين والمراسلات بين الرسول وأهل البحرين ، وهي دراسة قيمة استوعب فيها المصادر العربية والغربية مع تعليقات وتحليلات قيمة ، وقد اعتمدت على الترجمة التركية التي قام بها حسين جاهد. وكتب الأب حنا فاي مقالا عن انتشار المسيحية في البحرين بعنوان (LE BET QATRAYE) وذلك في كتاب (MEMOrial Mgr Gabriel KHouri ـ SArKis ٨٩٨١ ـ ٨٦٩١) ، وهو يحوي معلومات قيمة.

وقد حاولت في بحثي هذا أن أقدم صورة متماسكة للبحرين وأحداثها التاريخية مراعيا التسلسل التاريخي في مجرى الحوادث وإظهار الروابط بين مختلف الأحداث لإظهار استمرارية تاريخ المنطقة مع ابراز الأحداث المهمة التي كان تأثير بارز في سير مجراه.

وبالرغم من الجهد الذي بذلته لرسم صورة صحيحة ودقيقة للمنطقة ومجرى تاريخها فإنني لا أدعي العصمة والكمال لله عز وجل.

المؤلف

١٧
١٨

الفصل الأول

جغرافية البحرين

تحديد البحرين. السطح والتضاريس. الجزر. المياه.

تحديد البحرين :

اطلق العرب اسم البحرين على الإقليم الممتد على ساحل الخليج العربي بين البصرة وعمان (١) ، فهو يشمل ما نعتبره في الوقت الحاضر الكويت والاحساء وقطر وجزر البحرين الحالية المعروفة

__________________

(١) الأزهري : تهذيب اللغة ، ٥ / ٤٠ ، مطابع سجل العرب ، القاهرة ١٩٦٧ ـ دار الكتاب العربي. الجوهري : الصحاح ، ٢ / ٥٨٥ ، دار الكتاب العربي ، مصر ، القاهرة ، ١٩٥٦. ابن منظور : لسان العرب ، ٤ / ٤٦ ، ط. بيروت ١٩٥٥. الفيروز آبادي : القاموس المحيط ، ١ / ٣٦٨ ، ط. مصطفى البابي الحلبي. البكري : معجم ما استعجم ، ص ٢٨٨ ، حققه وضبطه مصطفى السقا مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ، القاهرة ١٩٤٥). الزمخشري : الجبال والأمكنة والمياه ، ص ٢٠ ، المطبعة الحيدرية ، النجف. ياقوت الحموي : معجم البلدان ، ١ / ٥٠٦ ـ ٥٠٧. ط. لايبوك ، ١٨٦٨. القزويني : آثار البلاد وأخبار العباد. ص ٧٧ ـ ٧٨ ، ط. بيروت ، ١٩٦. ابن عبد الحق : مراصد الاطلاع ، ١ / ١٣٠ ، مطبعة بريل ١٨٥٢. ابن خلدون : العبر وديوان المبتدأ والخبر ، ٤ / ١٩٧ ، منشورات دار الكتاب اللبناني ١٩٥٦.

١٩

قديما باسم أوال (١).

وهي متصلة غربا باليمامة ، وشمالا بالبصرة وجنوبا بعمان (٢).

لا تحدد المصادر بدقة الأماكن التي تفصل البحرين عن اليمامة أو عن البصرة ، ولا ريب أن الدهناء ورمل يبرين هو الحد الطبيعي فلا بد أن يكون هو الحد الإداري للبحرين في الغرب ، والفاصل بينها وبين اليمامة ، أما شمالا إلى رأس الخليج العربي وتدخل فيها كاظمة.

أما الفاصل بينها وبين عمان فهو مدينة جرفار (٣). وقد اعتبروها من العروض التي تشتمل على اليمامة والبحرين وما والاهما (٤).

__________________

(١) انظر : لغدة : بلاد العرب ، ص ٣٢٥ هامش ، منشورات دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر ، الرياض ١٩٦٨. كحالة : جغرافية جزيرة العرب ٢٦١ ، المطبعة الهاشمية ، دمشق ١٩٤٤ ، ص ٢٦١. المسلم : ساحل الذهب الأسود ، دار مكتبة الحياة ، بيروت ١٩٦٢ ، ص ١٦ ـ ١٧. النبهاني : التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية ، ط ٢. المطبعة المحمدية ، القاهرة ١٣٤٢ ه‍ ، ص ١١ ، عبد الوهاب عزام مهد العرب ، دار المعارف للطباعة والنشر ، مصر ١٩٤٦ ، ص ٩٠.

Encyclopaedia of Islam, Vol, I, P, ١٤٩, Leiden ـ Brill, ٠٦٩١) New Edition (.

وسنرمز إليها بالرمز.E.I.

(٢) ابن رستة : الأعلاق النفيسة ، ص ١٨٢ ، البكري : المسالك والممالك ، ورقة ١٧ ، ابن خلدون : ٢ / ٦٢٢.

(٣) ياقوت ١ / ٥٠٧ (عن ابن عباس) وجرفار : مدينة مخصبة بناحية عمان وأكثر ما يسمونها جلفار. ياقوت ٢ / ٦٣.

(٤) الحربي : المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة : ٥٣٤ ، الهمداني : صفة جزيرة العرب / ٤٨ ، ابن الفقيه : مختصر كتاب البلدان : ٢٧ ، البكري معجم ما استعجم ١ / ٩ ـ ١٠ ، المسالك والممالك. ورقة ٦٨ ياقوت ٢ / ٧٧ ، ٣ : ٦٥٨ ، مراصد الاطلاع ١ / ٢٨٧ ، القلقشندي : نهاية الارب في معرفة أنساب العرب / ١٨ ويلاحظ أن فريقا من الجغرافيين اعتبرها جزءا من نجد. الأصطخري : مسالك الممالك / ١٩ ، الأقاليم ٦ ، ١٠ ، ابن حوقل صورة الأرض ٣١ ، أبو الفدا : تقويم البلدان : ٩٩ ، واعتبرها فريق ثالث جزءا من اليمن. المنجم : آكام

٢٠