حاشية الدسوقي - ج ٢

محمّد بن عرفة الدسوقي

حاشية الدسوقي - ج ٢

المؤلف:

محمّد بن عرفة الدسوقي


المحقق: الدكتور عبد الحميد الهنداوي
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ١
ISBN: 9953-34-744-1
ISBN الدورة:
9953-34-744-1

الصفحات: ٧٤٣

١
٢

٣

علم المعاني

٤

القول فى أحوال المسند]

[أحوال المسند] :

[أغراض الحذف] :

(أما تركه : فلما مر) فى حذف المسند إليه (كقوله :)

ومن يك أمسى بالمدينة رحله

(فإنى وقيّار بها لغريب) (١)

______________________________________________________

أحوال المسند

أى : الأمور العارضة له من حيث إنه مسند التى بها يطابق الكلام مقتضى الحال (قوله : أما تركه) قد تقدم وجه التعبير هنا بالترك وهناك بالحذف ، وإنما بدأ من أحوال المسند بالترك ؛ لأن الترك عبارة عن عدم الإتيان به ، والعدم فى الجملة سابق على أحوال الحادث (قوله : فلما مر فى حذف المسند إليه) أى من الاحتراز عن العبث بناء على الظاهر وتخييل العدول إلى أقوى الدليلين وضيق المقام بسبب التحسر ، أو بسبب المحافظة على الوزن واتباع الاستعمال وغير ذلك (قوله : أمسى بالمدينة رحله) أمسى إما مسندة إلى ضمير من ، وجملة بالمدينة رحله خبرها إن كانت ناقصة أو حال إن كانت تامة ، وإما مسندة إلى رحله وبالمدينة خبرها أو حال ـ كذا فى عبد الحكيم (قوله : فإنى وقيار بها لغريب) علة لمحذوف مع الجواب ، والتقدير ومن يكن أمسى بالمدينة رحله فقد حسنت حالته وساءت حالتى ، وحالة قيار ؛ لأنى إلخ ، ولا يصح أن تكون الجملة المقرونة بالفاء جوابا ؛ لأن الجواب مسبب عن الشرط ولا مسببية هنا ، وبهذا ظهر ما قاله الشارح من أن لفظ البيت خبر ومعناه التحسر ، وقوله : بها متعلق بغريب ، والباء بمعنى فى (قوله : فإنى وقيار إلخ) قدم قيار على قوله لغريب للإشارة إلى أن قيارا ـ ولو لم يكن من جنس العقلاء ـ بلغه هذا الكرب ، واشتدت عليه هذه الغربة حتى صار مساويا للعقلاء فى التشكى منها ومقاساة شدتها بخلاف ما لو أخره فلا يدل الكلام على التساوى ؛ لأن فى التقديم أثرا فى الأدلية.

__________________

(١) البيت من الطويل لضابئ بن الحارث البرجمى فى الأصمعيات ص : ١٨٤ وخزانة الأدب ٩ / ٣٢٦ ، ١٠ / ٣١٢ ، ٣١٣ ، ٣٢٠ ، والدرر ٦ / ١٨٢.

٥

الرحل : هو المنزل والمأوى ، وقيار : اسم فرس أو جمل للشاعر ؛ وهو ضابئ بن الحارث كما فى الصحاح ، ولفظ البيت خبر ومعناه التحسر والتوجع. فالمسند إلى قيار محذوف لقصد الاختصار والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر مع ضيق المقام بسبب التوجع ومحافظة الوزن ، ولا يجوز أن يكون قيار عطفا على محل اسم إن ، وغريب خبرا عنهما لامتناع العطف على محل اسم إن قبل مضى الخبر لفظا أو تقديرا ،

______________________________________________________

(قوله : والمأوى) مرادف لمقابله (قوله : اسم فرس أو جمل) فى نسخة اسم فرس ، أو جمل ، أو غلام للشاعر ، ففى قيار أقوال ثلاثة كما فى حاشية السيد على المطول (قوله : ضابئ) بالهمزة وبإبدالها ياء ساكنة من ضبأ فى الأرض إذا اختفى فيها (قوله : والتوجع) أى :من أجل الغربة ومقاساة شدائدها (قوله : فالمسند إلى قيار محذوف) أى : وغريب خبر إن لا خبر قيار ؛ لاقترانه باللام وخبر المبتدأ الغير المنسوخ لا يقترن بها إلا شذوذا (قوله : بناء على الظاهر) متعلق بالعبث أى : أن العبثية منظور فيها للظاهر ، وفى الحقيقة ليس ذكره عبثا ؛ لأنه أحد ركنى الإسناد (قوله : مع ضيق المقام بسبب التوجع) أى : من الغربة إن قلت لم يسبق فى المتن فى حذف المسند إليه ذكر لضيق المقام ، فكيف يمثل المصنف للحذف لما مر بهذا؟ قلت :ضيق المقام مندرج تحت قول المصنف فيما مر أو نحو ذلك ، وانظر لم لم يذكر هنا مع النكات تخييل العدول مع تأتيه (قوله : ومحافظة الوزن) عطف على التوجع بدليل أنه فيما يأتى فسر ضيق المقام بالمحافظة على الشعر (قوله : عطفا على محل اسم إن) أى على اسم إن باعتبار محله وهو الرفع بالابتداء وهذا بناء على أنه لا يشترط فى العطف باعتبار المحل وجود المحرز أى : الطالب لذلك المحل ومذهب البصريين أنه لا بد منه ، وحينئذ فلا يصح العطف على محل اسم إن مطلقا ؛ لأن المحرز وهو الابتداء قد زال ويجعلون المعطوف عليه فى مثل هذا محل إن واسمها ـ كذا فى الفنرى (قوله : خبرا عنهما) أى : ولا حذف فى الكلام (قوله : لامتناع العطف) أى : لما يلزم عليه من توجه العاملين المبتدأ وإن إلى معمول واحد هو الخبر ، وليس علة عدم الجواز كون غريب مفردا والمبتدأ شيئان ؛ لأنه وصف على وزن فعيل يستوى فيه الواحد وغيره ، قال تعالى : (وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ)(١).

__________________

(١) التحريم : ٤.

٦

وأما إذا قدرنا له خبرا محذوفا فيجوز أن يكون هو عطفا على محل اسم إن ؛ لأن الخبر مقدم تقديرا فلا يكون مثل : إن زيدا وعمرو ذاهبان ، بل مثل : إن زيدا وعمرو لذاهب ؛ وهو جائز ، ...

______________________________________________________

(قوله : وأما إذا قدرنا له) أى : لقيار خبرا محذوفا أى : وجعل لغريب المذكور خبر إن ، فيجوز أن يكون هو أى : قيار عطفا على محل اسم إن ، وقوله : لأن الخبر أى المذكور الذى هو لغريب مقدم أى : على المعطوف تقديرا أى : وإن كان فى اللفظ متأخرا (قوله : وأما إذا قدرنا له خبرا إلخ) إن قلت لم لم يجعل الغريب خبرا عن قيار ويكون المحذوف خبر إن قلت : منع من ذلك مانع وهو دخول لام الابتداء على قوله لغريب ؛ لأن لام الابتداء إنما تدخل على خبر المبتدأ المنسوخ بإن ولا تدخل على خبر المبتدأ غير المنسوخ بها إلا شذوذا ، كما قالوا فى قوله :

مّ الحليس لعجوز شهربه

ترضى من اللّحم بعظم الرّقبه (١)

اللهم إلا أن يتقدم ذلك الخبر على المبتدأ نحو : لقائم زيد ، كما ذكره عبد الحكيم (قوله : يكون مثل إن زيدا وعمرو ذاهبان) أى : مما فيه العطف على محل اسم إن قبل مضى الخبر الذى هو ممنوع كما مر لما فيه من اجتماع عاملين على معمول واحد وهو إن وعمرو على ذاهبان (قوله : بل مثل إن زيد إلخ) مما فيه العطف على محل اسم إن بعد مضى الخبر أى تقديرا إذ يقدر لعمرو خبر آخر فيكون خبر الأول المذكور فى نية التقديم على المعطوف ، ثم إن العطف على محل اسم إن يستدعى أنه من عطف المفردات وتقدير خبر آخر يستدعى أنه من عطف الجمل. قال سم : قلت : إنه لا يستدعى ذلك فقد قال الأستاذ عيسى الصفوى ، بل هو من عطف المفردات ؛ لأنه عطف المبتدأ على محل اسم إن وخبره على خبر إن. واعلم أن هذا الإعراب ـ وإن جوزه الشارح ـ إلا أنه يلزم عليه محذوران.

الأول : أن فيه تقديم المعطوف على المعطوف عليه.

__________________

(١) الرجز لرؤبة فى ملحق ديوانه ص ١٧٠ ، وشرح التصريح ١ / ١٧٤ ، وله أو لعنترة بن عروس فى خزانة الأدب ١٠ / ٣٢٣ ، والدرر ٢ / ١٨٧.

٧

ويجوز أن يكون مبتدأ والمحذوف خبره والجملة بأسرها عطف على جملة إن مع اسمها وخبرها.

(و) ك (قوله :

______________________________________________________

الثانى : أن فيه العطف على معمولى عاملين مختلفين ؛ وذلك لأن قيار عطف على اسم إن باعتبار محله ، والعامل فيه الابتداء وخبره عطف على خبر إن والعامل فيه إن والعطف المذكور غير جائز فى مثل هذه الصورة على الصحيح ؛ لأن الواو حرف ضعيف ولا يقوى على عمل عاملين مختلفين.

وقد يجاب عن الأول بأن الخبر عن المعطوف المقدر يعتبر بعد خبر إن المذكور ويقدر بعده ، وعن الثانى : بأن ذلك الخبر المقدر مرفوع بالابتداء ، وذلك لأنه إذا لم يعتبر عطفه على خبر إن ، بل عطف المبتدأ فقط على محل اسم إن فظاهر ، وإن اعتبر معطوفا عليه فإنه يكون معطوفا على لفظه ؛ لأن إن اعتبرت فى حكم العدم فكان الرافع لاسمها وخبرها هو الابتداء ويكون من عطف المفردين على المفردين ، ولا يصح أن يقال : إنه إذا اعتبر عطف الخبر المقدر على خبر أن يكون عطفا على محله دون لفظه لأجل أن يتحد عامل المعطوفين ، وعامل المعطوف عليهما وهما اسم إن وخبرها ؛ لأن العطف على محل خبر إن لم يوجد فى كلامهم ـ كذا أفاده عبد الحكيم وتأمله ، وإنما كان الرافع لذلك الخبر المقدر الابتداء ؛ لأن جواز العطف على المحل بدون محرز قول الكوفيين وهم يقولون الابتداء رافع للجزأين.

(قوله : ويجوز أن يكون إلخ) هذا الوجه نفس ما سبق فى قوله فالمسند إلى قيار لكن أعاده لأجل إفادة أنه من عطف الجمل لا من عطف المفردات كما فى الوجه الذى قبله ، والحاصل أن البيت يحتمل احتمالات أربعة اثنان جائزان ، واثنان ممنوعان ؛ فالجائزان : جعل قيار مبتدأ خبره محذوف ، والجملة بأسرها اسم إن وخبرها ، أو جعل قيار عطفا على محل اسم إن ويقدر له خبر عطف على خبر إن والممنوعان : جعل قيار مبتدأ خبره لغريب وخبر إن محذوف ، أو جعل قيار عطفا على محل اسم إن ولغريب خبر عنهما (قوله : على جملة إن إلخ) فى الحقيقة لا دخل لأن فى الجملة (قوله : وكقوله إلخ)

٨

نحن بما عندنا وأنت بما

عندك راض والرّأى مختلف (١)

فقوله : نحن مبتدأ محذوف الخبر لما ذكر ؛ أى : نحن بما عندنا راضون ؛ فالمحذوف هاهنا هو خبر الأول بقرينة الثانى ، وفى البيت السابق بالعكس ...

______________________________________________________

هو من المنسرح (قوله : نحن بما عندنا) أى : نحن راضون بما عندنا وأنت راض بما عندك من الرأى وآراؤنا مختلفة ، فكل إنسان يتبع رأيه ؛ لأنه حسن باعتبار حاله ، وإن كان قبيحا باعتبار حال آخر ، ففيه إشارة إلى أن تفاوت المطالب فى الحسن والقبح باعتبار علو الهمة ودناءتها ، فرب شىء حسن عند دنىء الهمة يكون قبيحا عند عاليها (قوله : لما ذكر) أى : للنكات التى ذكرت فى البيت السابق ، أى : لأجل الاحتراز عن العبث بناء على الظاهر مع ضيق المقام بسبب الوزن (قوله : فالمحذوف هاهنا خبر الأول إلخ) هذا إشارة إلى فائدة تعداد المثال (قوله : خبر الأول) أى : لأنه لا يجوز أن يكون راض خبرا عن نحن لعدم المطابقة وأما قوله :

والمسجدان وبيت نحن عامره

لنا وزمزم والأركان والسّير

فأصله عامروه فحذفت الواو لدلالة الضمة عليها ، وأما المصير إلى حذف الموصوف ، وأن التقدير : نحن قوم راض فتكلف ، وبتقديره يصح أن يكون راض خبرا عن نحن وأنت ، ولا حذف فى الكلام.

قال فى المغنى : وقد تكلف بعضهم فزعم أن نحن للمعظم نفسه وأن راض خبر عنه وهو مردود ؛ لأنه لم يحفظ نحن قائم ، بل يجب فى الخبر المطابقة نحو : (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ. وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ)(٢) وأما : (قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ)(٣) فأفرد ثم جمع ؛ لأن غير المبتدأ والخبر لا يجب له من التطابق ما يجب لهما انتهى (قوله : وفى البيت السابق بالعكس) إذ لا يجوز فيه أن يكون المذكور خبر الثانى ؛ لأن لام الابتداء لا تدخل على خبر المبتدأ غير المنسوخ كما مر.

__________________

(١) البيت من المنسرح ، وهو لقيس بن الخطيم فى ملحق ديوانه ص : ٣٢٩ ، وتخليص الشواهد ص : ٢٠٥ ، والدرر ٥ / ٣١٤ ، ولعمر بن امرئ القيس الخزرجى فى الدرر ١ / ١٤٧.

(٢) الصافات : ١٦٦ ، ١٦٥.

(٣) المؤمنون : ٩٩.

٩

(وقولك : زيد منطلق وعمرو) أى : وعمرو منطلق ؛ فحذف للاحتراز عن العبث من غير ضيق المقام (وقولك : خرجت فإذا زيد) أى : موجود أو حاضر أو واقف أو بالباب أو ما أشبه ذلك ؛ فحذف لما مر مع اتباع الاستعمال ؛ لأن (إذا) المفاجأة تدل على مطلق الوجود ، وقد ينضم إليها قرائن تدل على نوع خصوصية كلفظ الخروج المشعر بأن المراد : فإذا زيد بالباب ، أو حاضر ، .....

______________________________________________________

(قوله : زيد منطلق وعمرو) إن جعل الكلام من عطف الجمل كان من قبيل حذف المسند من الجملة الثانية ، وإلا فمن حذف المعطوف على المسند ، لكن لا يطلق فى الاصطلاح على تابع المسند إليه أو المسند أنه كذلك ، ويلزم عليه أيضا العطف على معمولى عاملين مختلفين (قوله : من غير ضيق المقام) هذا وجه زيادة هذا المثال بعد ما قبله فاندفع ما يقال : إن هذا المثال موافق للأول فى أن الحذف فى كل منهما من الثانى لدلالة الأول ، فأى فائدة لذكره وحاصل الجواب أن المقتضى للحذف فيهما مختلف ؛ لأن الحذف فى الأول للاحتراز عن العبث مع ضيق المقام ، وهنا للاحتراز عن العبث من غير ضيق المقام.

(قوله : لما مر) أى : فى المثال الذى قبله وهو الاحتراز عن العبث من غير ضيق المقام ، وقوله مع اتباع الاستعمال أى : الوارد على ترك المسند إذا وقع المسند إليه بعد إذا الفجائية ، وهذا نكتة زيادة هذا المثال ، إن قلت : إنه لم يتقدم فى المتن فى نكات حذف المسند إليه اتباع الاستعمال المذكور فكيف يمثل المصنف بهذا الحذف المسند لما مر؟ قلت : هو مندرج تحت قوله سابقا أو نحو ذلك ، ولو جعل الحذف فى هذا المثال لتخييل العدول إلى أقوى الدليلين من العقل واللفظ كان أولى ، ولا يقال هذا متأت فى جميع الأمثلة السابقة ؛ لأنا نقول : نعم إلا أنه فرق بين الحاصل المقصود والحاصل من غير قصد. (قوله : لأن إذا المفاجأة إلخ) هذا تعليل للعلية أى : إنما كان حذف المسند مع إذا لما مر من الاحتراز عن العبث ؛ لأن الحذف لما مر يتضمن وجود القرينة فبينها بهذا التعليل وليس تعليلا لاتباع الاستعمال ؛ لأنه لا ينتجه كما هو ظاهر وإضافة إذا للمفاجأة من إضافة الدال للمدلول ، ولا يصح نصب المفاجأة صفة لإذا ؛ لأن الصفة لا بد أن يكون معناها قائما بالموصوف والمفاجأة ليست قائمة بإذا ، بل مفهومة من اللفظ (قوله : وقد ينضم إليها قرائن إلخ) أى : فإذا صرح حينئذ بالخبر مع وجود تلك

١٠

.................................................................................................

______________________________________________________

القرينة كان ذلك عبثا بالنظر للظاهر ، وفى كلام الشارح إشارة إلى أنه إذا كان الخبر مخصوصا لا يجوز أن تكون قرينته الدالة عليه عند الحذف مجرد إذا الفجائية ؛ لأنها إنما تدل على مطلق الوجود فلا بد للخصوصية مما يدل عليها.

(قوله : أو نحو ذلك) أى : كواقف أو جالس ، واعلم أنه إذا قيل خرجت فإذا زيد مثلا ، ففى الفاء قولان ، وفى إذا أقوال ثلاثة ، ومحصل ذلك أن إذا قيل : إنها ظرف زمان وقيل إنها ظرف مكان ، وقيل إنها حرف دال على المفاجأة ، وأما الفاء فقيل إنها للسببية المجردة عن العطف مثلها فى قولهم : الذى يطير فيغضب زيد الذباب ، وحينئذ يكون العامل فى إذا هو الخبر ، سواء قلنا إنها زمانية أو مكانية ، والمعنى فزيد موجود فى ذلك الوقت ، أو فى ذلك المكان فجأة ، أما على القول بأنها حرف فلا عامل لها ، والمراد بالسببية هنا التى يراد بها لصوق ما بعدها لما قبلها من غير مهلة لا كون ما بعدها مسببا عما قبلها ، وقيل : إن الفاء للعطف على المعنى أى : خرجت ففاجأت وقت أو مكان وجود زيد بالباب ، وعلى هذا فالعامل فى إذا هو فاجأت على أنها مفعول به لا ظرف بناء على القول بأنها متصرفة ، وأما على الصحيح من أنها ظرف غير متصرف فهى ظرف للخبر المقدر لا مفعول به ، والمعنى ففاجأت وجود زيد فى الوقت أو فى الحضرة ، ويجوز أن يكون العامل فيها هو الخبر المحذوف كما مر ، وحينئذ لا تكون مضافة إلى الجملة بعدها لئلا يلزم إعمال المتأخر لفظا ورتبة فى المقدم فيهما ، وإعمال جزء المضاف إليه فى المضاف ، ولا يجوز أن تكون خبرا لما بعدها على القول بأنها ظرف زمان ؛ لأن ظرف الزمان لا يخبر به عن الجثة إلا بتقدير مضاف أى : ففى ذلك الوقت حصول زيد ، وعلى قول المبرد : إنها ظرف مكان فيجوز أن يكون هو خبر المبتدأ أى : فبالمكان زيد والتزم تقديمه لمشابهتها إذا الشرطية ، كما يجوز جعلها مفعولا لفاجأت ، أو ظرفا للخبر المقدر كما مر ، ولا يقال : إن مفاجأة المكان لا معنى لها ؛ لأنا نقول : بل لها معنى باعتبار وجود زيد فيه ، فإن قلت جواز جعل إذا خبرا على قول المبرد لا يطرد فى نحو : خرجت فإذا زيد بالباب ، إذ لا معنى لقولنا : فبالمكان زيد بالباب ، قلت : أجاب

١١

أو نحو ذلك (وقوله :

إنّ محلّا وإنّ مرتحلا)

وإنّ فى السّفر إذ مضوا مهلا

______________________________________________________

بعضهم بأنه فى هذا التركيب يجعل قوله بالباب بدلا من إذا بدل كل من كل أو خبرا بعد خبر وفيه نظر ، أما الأول فلأن الفصل بين البدل والمبدل منه بالأجنبى ـ كالمبتدأ هنا ـ غير جائز ولعدم انسياق الذهن لذلك البدل ؛ ولأنه بدل بإعادة الجار ولا جار فى المبدل منه ، وأما الثانى فلاقتضائه تعدد الحكم ؛ ولأن تعلق معمولين بعامل واحد غير جائز من غير عطف ، فالحق أن جواز جعله خبرا على قول المبرد لا يطرد (قوله : وقوله) (١) هو من المنسرح وأجزاؤه : مستفعلن مفعولات مستفعلن (قوله : مرتحلا) بفتح التاء والحاء مصدر ميمى بمعنى الارتحال ، كما أن محلا كذلك بمعنى الحلول (قوله : وإن فى السفر) أى : فى المسافرين أى : فى غيبتهم ، والسفر بفتح السين وسكون الفاء : اسم جمع سافر بمعنى مسافر ، لا جمع له ؛ لأن فعلا ليس من أبنية الجمع ـ كذا فى عبد الحكيم.

فما فى المطول وسم من أن السفر جمع لسافر على حذف مضاف.

(قوله : إذ مضوا) يجوز أن يكون حالا من الضمير فى الظرف أى : وإن مهلا أى : بعدا وطولا كائن فى غيبة المسافرين حال مضيهم ، ويجوز أن يكون منصوبا بفعل محذوف تقديره : أعنى وقت مضيهم ، ويجوز أن يكون تعليلا أى : إن فى غيبتهم مهلا ؛ لأنهم مضوا مضيا لا رجوع بعده ، ويجوز أن يكون ظرفا مقدما لمهلا يعنى أن فى المسافرين بعدا وطولا فى زمان مضيهم ، ولك أن تجعله خبرا بعد خبر ـ أفاده الفنارى ، ويجوز أن يكون بدل اشتمال من" فى السفر" إن جعلت إذا اسما غير ظرف بمعنى الوقت أى : وإن فى المسافرين فى زمان غيبتهم مهلا (قوله : مهلا) بفتح الميم والهاء مصدر بمعنى الإمهال وطول الغيبة أى بعدا وطولا عن الرجوع والمعنى إن لنا حلولا فى الدنيا ، وإن لنا ارتحالا عنها ؛ لأن المسافرين للآخرة أى : الموتى الذاهبين لها طالت غيبتهم عنا فلا رجوع

__________________

(١) البيت من المنسرح ، وهو للأعشى فى ديوانه ص ٢٨٣ ، وخزانة الأدب ١٠ / ٤٥٢ ، ٤٥٩ ، والدرر ٢ / ١٧٣ ، والشعر والشعراء ص ٧٥ ، ولسان العرب (حلل) ، وتاج العروس (حلل) ، وبلا نسبة فى خزانة الأدب ٩ / ٢٢٧.

١٢

(أى) إن (لنا فى الدنيا) حلولا (وإن) لنا (عنها) إلى الآخرة ارتحالا ، والمسافرون قد توغلوا فى المضى لا رجوع لهم ونحن على أثرهم عن قريب ؛ فحذف المسند الذى هو ظرف قطعا لقصد الاختصار والعدول إلى أقوى الدليلين ـ أعنى العقل ـ ولضيق المقام ـ أعنى المحافظة على الشعر ـ ولاتباع الاستعمال لاطراد الحذف فى مثل : إن مالا وإن ولدا ، وقد وضع سيبويه فى كتابه لهذا بابا فقال : هذا باب إن مالا وإن ولدا.

______________________________________________________

لهم ؛ لأن المفقود بعد طول الغيبة لا رجوع له عادة وما لم تطل غيبته كغيره ، إذ السبب فيهما واحد وهو الفقد واللازم لهم لازم لنا ، فلا بد لنا من ذهاب كما ذهبوا ، فكما أنهم حلوا فى الدنيا وارتحلوا عنها فنحن كذلك.

(قوله : والمسافرون) أى : الموتى وهذا مأخوذ من قوله : وإن فى السفر (قوله : لا رجوع لهم) أى : إلى مواطنهم ، وهذا مستفاد من حمل المهل على الكامل بقرينة الواقع ، فإن هذا المهل لا رجوع معه (قوله : ونحن على أثرهم عن قريب) هذا مأخوذ من قوله : إن محلا ؛ لأن الحلول فى الشىء يدل على عدم الإقامة فيه كثيرا (قوله : فحذف المسند) الذى هو لنا (قوله : الذى هو ظرف قطعا) أى : بخلاف ما قبله وهو فإذا زيد فإنه ليس الخبر فيه ظرفا قطعا بل يحتمل أن يقدر ظرفا أى : فإذا زيد بالباب ، وأن يقدر غيره كحاضر أو جالس ، وقوله : الذى هو ظرف إلخ فيه إشارة لنكتة ذكر هذا المثال بعد الذى قبله (قوله : أعنى المحافظة إلخ) تفسير للمقام أو تفسير لضيق المقام من حيث سببه ؛ لأن المحافظة سبب لضيق المقام (قوله : ولاتباع الاستعمال) أى : الوارد على ترك نظيره ؛ لأنه اطرد حذف الخبر مع تكرار إن وتعدد اسمها سواء كانا نكرتين كما مثل أو معرفتين كقولك : إن زيدا وإن عمرا ولو حذفت إن لم يجز أو لم يحسن كما نص عليه أهل الفن ولوجود الخصوصية فى ذلك ل" إن" وتكرارها بوب له سيبويه فقال : هذا باب : إن مالا وإن ولدا (قوله : وقد وضع إلخ) هذا تأييد لكون الحذف مطردا.

١٣

(وقوله تعالى : (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ) (١) فقوله : (أَنْتُمْ) ليس بمبتدأ لأن (لو) إنما تدخل على الفعل ؛ بل هو فاعل فعل محذوف ، والأصل : لو تملكون تملكون ؛ فحذف الفعل احترازا عن العبث لوجود المفسر ثم أبدل من الضمير المتصل ضميرا منفصلا على ما هو القانون عند حذف العامل ؛ ...

______________________________________________________

(قوله : (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ) إن قلت : كيف يتسبب عن ذلك بقية الآية ، وهى قوله : (إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ) أى : الفراغ ، فإن تلك الخزائن لا تتناهى فكيف يتسبب عن ملكها خوف فراغها كما هو مقتضى الشرطية؟ قلت : أجاب بعضهم بأنهم لعلهم يغفلون عن عدم تناهيها ، وإن كانت لا تتناهى فى نفس الأمر فيمسكون مع ملكها خوف فراغها ، أو أن الغرض المبالغة فى حرصهم وبخلهم حتى إنهم لو ملكوا مالا يتصور نفاده أمسكوا (قوله : والأصل لو تملكون تملكون) اعترض بأن فيه جمعا بين المفسر والمفسر وهو غير جائز ، فالأولى أن يقال : والأصل لو تملكون ، وأجيب بأن الثانى يجعل تأكيدا بالنظر لما قبل الحذف ، ثم لما حذف الفعل الأول جعل الثانى تأكيدا فليس فيه جمع بين المفسر والمفسر ، وبعد الحذف يكون تفسيرا وليس فيه الجمع المذكور ؛ لأن المفسر بالفتح محذوف ، ولو قدر الأصل تملكون بدون تكرار لم توجد قرينة تعين ذلك المحذوف فلا بد من التقدير مكررا ليكون الثانى قرينة على حذف الأول لقصد الاختصار مع حصول التأكيد ، ولا يقال : إن الضمير يدل على المقدر إذ لو لا تدخل على جملة اسمية ؛ لأنا نقول إنما يدل على حذف الفعل ولا يدل على عينه ، كما أن لو تدل على الفعل المطلق لا على خصوص تملكون فتأمل. (قوله : فحذف الفعل) أى : وهو تملكون الأول (قوله : لوجود المفسر) أى : وهو تملكون الثانى ؛ لأنه عند حذف الأول يكون الثانى تفسيرا بعد أن كان مؤكدا قبل الحذف (قوله : ثم أبدل من الضمير) وهو الواو فى تملكون المحذوف ضمير منفصل وهو أنتم ، والمراد بالإبدال هنا التعويض لا الإبدال النحوى ، وإلا لكان المحذوف جملة أى : الفعل والفاعل معا ، وحذف بعض الجملة أسهل من حذفها بتمامها مع ما فيه من حذف المؤكد وعامله وبناء التأكيد ، وذلك غير معهود.

__________________

(١) الإسراء : ١٠٠.

١٤

فالمسند المحذوف هنا فعل وفيما سبق اسم أو جملة. (وقوله تعالى : (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)(١) يحتمل الأمرين) حذف المسند أو المسند إليه ....

______________________________________________________

والحاصل أن الضمير البارز هو نفس المتصل الذى كان فاعلا. غايته أنه تغير من الاتصال إلى الانفصال فهو فاعل ، فقوله : لو أنتم تملكون : جملة فعلية (قوله : على ما هو القانون) أى : القاعدة (قوله : فالمسند المحذوف هنا فعل) أى : لا غير (قوله : وفيما سبق) أى : قوله : إن محلا وإن مرتحلا. وقوله : اسم ، أى : إن قدر متعلق الجار اسم فاعل ، وقوله : أو جملة أى إن قدر متعلق الجار فعلا ، وقوله : فالمسند المحذوف : ـ إشارة لنكتة ذكر هذا المثال. أى أن سبب إيراده هو هذا ، ويمكن أن سبب إيراده التنبيه على أن المحذوف فيه مجرد المسند لا المسند والمسند إليه بأن يكون أنتم تأكيدا لفاعل محذوف مع فعله ؛ لأنه لم يثبت كثرة الحذف فيما يغنى عنها.

(قوله : (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) الصبر الجميل هو الذى لا شكاية معه إلى الخلق ، وإن كان معه شكوى إلى الخالق كما قال يعقوب : (إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ)(٢) والهجر الجميل : هو الذى لا أذى معه ، والصفح الجميل : هو الذى لا عتاب معه ، وبه يعلم الصبر والهجر والصفح غير الجميلات ، والصبر : حبس النفس عن الجزع الذى هو إطلاق داعى الهوى فيسترسل برفع الصوت وضرب الخدود وشق الجيوب والمبالغة فى الشكوى وإظهار الكآبة وتغيير العادة فى الملبس والمطعم (قوله : ويحتمل الأمرين) أى : بل الثلاثة وثالثها أن يكون من حذفهما معا أى : فلى صبر وهو جميل ، والحاصل أن فى المحذوف احتمالات ثلاثة كل منها مناسب للمقام وفى المقام إشكال ؛ وذلك لأن كل حذف لا بد له من قرينة دالة عليه فالقرينة إن دلت على المسند لم يمكن أن تدل على المسند إليه وبالعكس ولا يمكن أن تدل عليهما معا عند حذفهما ، وأجاب سم : بأنه يجوز أن يكون هناك قرينتان تدل إحداهما على حذف المسند لمناسبة بينها وبينه والأخرى

__________________

(١) يوسف : ١٨.

(٢) يوسف : ٨٦.

١٥

(أى) فصبر جميل (أجمل ، ...

______________________________________________________

على حذف المسند إليه كذلك ، غاية الأمر أن إحداهما كاذبة ؛ لأنه لا يجوز أن يراد الأمران معا ، بل المراد أحدهما فقط فيكون الآخر غير مراد فتكون قرينة كاذبة ؛ لأنها دلت على إرادته ، مع أنه غير مراد ، ولا يضر ذلك ؛ لأن القرينة أمر ظنى ، والظنى يجوز تخلف مدلوله عنه قال الشيخ يس : وأقول : ما المانع من أن المتكلم يقصد تجويز حذف كل من المسند إليه والمسند ، ويجعل لكل واحد قرينة صادقة وهذا يدل عليه قول الشارح بإمكان حمل الكلام على كل من المعنيين عند التأمل الصادق ، فقول العلامة القاسمى ؛ لأنه لا يجوز أن يراد إلخ : مسلم ، لكن ليس المراد أحدهما ، فقد نص على الاحتمال ، وهذا لا يستدعى كذب قرينة غيره ، ويشهد لذلك وإن لم يكن فى خصوص المسند إليه والمسند ما سيأتى فى بحث الإيجاز فى قوله تعالى : (فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ)(١) من أنه يحتمل أن المراد فى مراودته بدليل تراود فتاها أو فى حبه بدليل شغفها حبّا.

(قوله : أى فصبر جميل أجمل) أى فصبر جميل فى هذه الواقعة أجمل من صبر غير جميل ، وإذا كان أجمل من الصبر الغير الجميل فهو أجمل من الجزع من باب أولى ، وأورد بأن فى هذا التفضيل نظرا ؛ لأنه يشترط أن يكون المفضل عليه مشاركا للمفضل فى أصل الفعل فيجب أن يكون المفضل عليه هنا جميلا فى الجملة مع أنه قيد بأنه غير جميل فلا يصح التفضيل ، وأجيب بأمرين.

الأول : أن عدم الجمال فى المفضل عليه وهو الصبر المصحوب بالشكاية إنما هو بحسب الآخرة من حيث الثواب ، وهذا لا ينافى أن فيه جمالا بحسب الدنيا من حيث تسكين القلب ؛ لأن إظهار الشكاية قد يفرج عن النفس ضيقها.

الثانى : أن التفضيل على فرض أن يكون فيه جمال وتفضيل الشىء على ما لا يشاركه فى أصل الفعل واقع فى الكلام لغرض من الأغراض الموجبة لإخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر كدفع ما يتوهم على الفرض والتقدير كما فى قولهم : زيد أفضل من الحمار ا. ه غنيمى.

__________________

(١) يوسف : ٣٢.

١٦

أو فأمرى) صبر جميل ، ففى الحذف تكثير للفائدة بإمكان حمل الكلام على كل من المعنيين بخلاف ما لو ذكر فإنه يكون نصّا فى أحدهما.

(ولا بد) للحذف (من قرينة) ...

______________________________________________________

(قوله : أو فأمرى صبر) أى : شأنى الذى ينبغى أن أتصف به صبر جميل ، وكان الأولى الإتيان بالواو بدل أو ؛ لأن مفعول الاحتمال لا يكون مرددا.

(قوله : ففى الحذف تكثير للفائدة بإمكان إلخ) الباء للتصوير أى : إن تكثير الفائدة مصور بما ذكر لا بمعنى كثرة المعنى ، وإلا لورد أن المراد أحد الأمرين قطعا لا كلاهما ، إذ لا يمكن إرادتهما جميعا ، وحينئذ فلا فرق بين حالة الذكر وحالة الحذف ؛ لأن حالة الذكر أحدهما متعين وفى حالة الحذف أحدهما مبهم ، فأين تكثير المعنى؟ ويصح إيراد تكثير الفائدة من حيث التصور ؛ لأنه عند الحذف يتصور المعنيان ويلاحظان من جهة صحة الحمل على كل تأمل.

واعلم أن هذا كله مبنى على ما تقدم من أن القرينة لا تدل على كل من المسند والمسند إليه عند حذفهما معا. أما على أنه لا مانع من أن المتكلم يقصد تجويز حذف كل من المسند إليه والمسند ، ويجعل لكل قرينة صادقة فتكثير المعنى عند الحذف على حالة الذكر ظاهر ، ولا إشكال.

(قوله : ولا بد للحذف) المتبادر منه ولا بد للحذف المتقدم وهو حذف المسند أى : إنه لا بد الحذف المسند من قرينة ؛ لأن الحذف خلاف الأصل فلا يعدل إليه إلا بسبب داع إليه ووجود قرينة دالة عليه : إما حالية ، أو مقالية ، وإلا لم يعلم ذلك المحذوف أصلا عند السامع فيخل الحذف بالمقصود ، وقد يقال : لا بد أيضا لحذف المسند إليه من قرينة ، فلم خص حذف المسند بالكلام؟ اللهم إلا أن يقال : إن المسند إليه قد يحذف بلا قرينة كما إذا أقيم المفعول به مقامه أو يقال : إن وجوب القرينة على المحذوف مما يعرفه العاقل. إلا أنه لما عبر عن حذف المسند بالترك الموهم للإعراض عنه بالكلية والاستغناء عن نصب القرينة تداركه بقوله ولا بد للحذف من قرينة بخلاف المسند إليه فإنه عبر فيه بالحذف وهو لا يوهم الإعراض عنه بالكلية ، أو يقال : إن قرينة

١٧

دالة عليه ليفهم منه المعنى (كوقوع الكلام جوابا لسؤال محقق نحو : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ)) (١) أى : خلقهن الله ؛ فحذف المسند لأن هذا الكلام عند تحقق ما فرض من الشرط والجزاء يكون جوابا عن سؤال محقق ، ...

______________________________________________________

حذف المسند لما كان فيها من التفصيل ما ليس فى قرينة حذف المسند إليه خصها بالذكر لتفصيل قرينة حذفه السؤالية إلى المحققة والمقدرة (قوله : دالة عليه) أى : على الحذف بمعنى المحذوف أو على المحذوف المأخوذ من الحذف ، ويدل لذلك قول الشارح ليفهم منه المعنى ، فإن المفهوم منه المعنى هو المحذوف (قوله : جوابا) نصب على الحال أو مفعول للوقوع لتضمنه معنى الصيرورة أى : لصيرورته جوابا (قوله : لأن هذا الكلام إلخ) علة لمحذوف أى : وصح التمثيل بالآية لوقوع الكلام جوابا لسؤال محقق ؛ لأن إلخ ، وهذا جواب عما يقال التمثيل بهذه الآية لا يصح ، إذ السؤال فيها غير محقق بدليل التعبير بأن التى للشك فقوله : إن سألتهم قضية شرطية لا تقتضى الوقوع ولا عدمه ، فلا يصح التمثيل بالآية لحذف المسند للقرينة المذكورة إلا لو قيل الله فى جواب من خلق وكان ذلك السؤال وقع بالفعل ، وحاصل ما أجاب به الشارح أن المراد بكون الكلام جوابا لسؤال محقق أنه إذا تحقق ما فرض من السؤال يكون الكلام جوابا عنه ، ولا شك أن السؤال هنا محقق على تقدير أنهم سئلوا به ، فأجابوا بذلك الكلام عنه ؛ لأنه لو فرض أنهم سئلوا ، وأجابوا بذلك لكان جوابهم هذا جوابا بالسؤال المحقق ، فالمراد بكون السؤال محققا تحققه ولو باعتبار الفرض ، واعترض بأن هذا ينافى ما يأتى فى قوله : ليبك يزيد إلخ ، فإن السؤال فيه محقق بهذا المعنى ، فإنهم لو سئلوا وأجابوا بذلك الجواب كان ذلك الجواب جوابا عن سؤال محقق مع أنه جعله مقدرا ، فالأولى أن يقال المراد بالمحقق ما وجد فى الكلام صورته ونطق بها بالفعل ، والمقدر ما ليس كذلك كما فى البيت.

(قوله : لأن هذا الكلام) أى : قولهم الله (قوله : ما فرض من الشرط) وهو سألتهم من خلق إلخ ، والجزاء هو : (لَيَقُولُنَّ اللهُ) وقوله محقق أى : محقق كونه سؤالا

__________________

(١) لقمان : ٢٥.

١٨

والدليل على أن المرفوع فاعل والمحذوف فعله أنه جاء عند عدم الحذف كذلك كقوله تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)(١) ، وكقوله تعالى : (قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ)(٢).

(أو مقدر) عطف على محقق (نحو) قول ضرار بن نهشل يرثى يزيد بن نهشل :

______________________________________________________

أى : أنه لو فرض أن النبى قال لهم من خلق السموات والأرض ، وقالوا له : الله ، كان قولهم : الله الذى هو الجزاء جوابا لذلك السؤال المحقق كونه سؤالا (قوله : والدليل إلخ) جواب عما يقال هلا جعل لفظ الجلالة فى الآية مبتدأ والخبر محذوف ، إن قلت هذا الدليل معارض بالمثل فيقال : والدليل على أنه مبتدأ أنه قد جاء كذلك كقوله تعالى : (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) إلى قوله : (قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها)(٣) أجيب بأن وقوع الأول فى القرآن أكثر ، وحمل المحتمل على الأكثر أولى ، ولا يقال قد يرجح كون المرفوع مبتدأ بأنه إذا دار الأمر بين كون المحذوف فعلا والباقى فاعلا وكونه خبرا ، والباقى مبتدأ فالثانى أولى ؛ لأن المبتدأ عين الخبر فالمحذوف عين الثابت فيكون حذفا كلا حذف ، وأما الفعل فهو غير الفاعل ؛ لأنا نقول قد يعارض هذا بأن الصحيح أن الفاعل أصل المرفوعات ، فحمل الباقى على أنه فاعل أولى لكونه أقوى العمد ، وفى الغنيمى : فإن قلت يلزم على كون المذكور فى هذه الآية فاعلا عدم المطابقة بين السؤال والجواب ؛ لأن السؤال جملة اسمية والجواب جملة فعلية والأولى المطابقة ؛ والعدول إلى تركها يحتاج إلى نكتة. قلت أجابوا عن ذلك بأن النكتة فى ترك المطابقة أن فى رعاية المطابقة إيهام قصد التقوية وهو لا يليق بالمقام لأن التقوية شأن ما يشك فيه أو ينكر ، واعتبار ذلك هنا غير مناسب للمقام ؛ لأن المقام مقام تشنيع بالكفار حيث عبدوا غيره تعالى مع اعترافهم بأنه الخالق للسموات والأرض (قوله : يرثى يزيد) أى : أخاه

__________________

(١) الزخرف : ٩.

(٢) يس : ٧٩.

(٣) الأنعام : ٦٤ ، ٦٣.

١٩

(ليبك يزيد) (١) كأنه قيل : من يبكيه ؛ فقال : (ضارع) أى : يبكيه ضارع ذليل (الخصومة)

______________________________________________________

أى : يذكر محاسنه بعد موته (قوله : ليبك يزيد) (٢) بضم حرف المضارعة مبنى للمفعول ، ويزيد نائب الفاعل ، وليس هو من الحذف والإيصال ، والأصل ليبك على يزيد ؛ لأن بكى يتعدى بنفسه تارة ، وبعلى تارة أخرى.

قال فى الصحاح : بكيته وبكيت عليه بمعنى. (قوله : كأنه قيل من يبكيه) وذلك أنه لما حذف الفاعل وقع إبهام فى الكلام ، فسئل عن بيانه ، وقيل من يبكيه بفتح حرف المضارعة (قوله : أى يبكيه ضارع) فحذف المسند والقرينة على حذفه وقوع الكلام جوابا لسؤال مقدر قيل : يحتمل أن لا يكون فى البيت حذف بالكلية بأن يكون يزيد منادى أى : ليبك يا يزيد لفقدك ضارع ويكون ضارع هو الفاعل إن كانت الرواية بفتح ياء ليبك أو النائب عن الفاعل إن كانت الرواية بضمها وفيه بحث : إذ يحتاج مع فتح الياء من ليبك إلى أن تثبت الرواية بضم يزيد فى هذه الحالة فيكون منادى ، والمعروف مع بناء ليبك للفاعل فتح يزيد أنه مفعول ، فيكون ذلك مرجحا لكونه فى رواية الرفع نائبا عن الفاعل لا منادى أ. ه فنارى.

(قوله : دليل) تفسير لما قبله (قوله : لخصومة) يحتمل أن اللام للتوقيت أى : وقت خصومته مع غيره ، أو للتعليل أى : لأجل خصومة نالته ممن لا طاقة له على خصومته وهو متعلق بضارع ، وإن لم يعتمد ؛ لأن فيه معنى الفعل وليس متعلقا بيبكى المقدر لإفادته أن البكاء يكون للخصومة دون يزيد ، ولا يقال : بل قد اعتمد على الموصوف

__________________

(١) البيت من الطويل ، وهو للحارث بن نهيك فى خزانة الأدب ١ / ٣٠٣ ، وللبيد بن ربيعة فى ملحق ديوانه ص ٣٦٢.

(٢) البيت من الطويل ، وهو للحارث بن نهيك فى خزانة الأدب ١ / ٣٠٣ ، وللبيد بن ربيعة فى ملحق ديوانه ص ٣٦٢ ، ولنهشل بن حرى فى خزانة الأدب ١ / ٣٠٣ ، ولضرار بن نهشل فى الدرر ٢ / ٢٨٦ ، وبلا نسبة فى تخليص الشواهد ص ٤٧٨ ، وخزانة الأدب ٨ / ١٣٩ ، والشعر والشعراء ص ١٠٥ ، ١٠٦ ، ولسان العرب (طوح).

٢٠